Unforgettable Stances - From My Mother's Biography, May She Rest in Peace

مواقف لا تنسى - من سيرة والدتي رحمها الله

Editorial

مطبعة سفير

Ubicación del editor

الرياض

سلسلة مؤلفات سعيد بن علي بن وهف القحطاني
مواقف لا تنسى
من سيرة والدتي رحمها الله تعالى
(١٣٤٥ هـ- ١٤٢٨هـ)
تأليف الفقير إلى الله تعالى
د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني

Página desconocida

بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:
فهذه كلمات مختصرات من سيرة والدتي الغالية العزيزة الكريمة: نشطا بنت سعيد بن محمد بن جازعة: آل جحيش من آل سليمان، من عبيدة، قحطان، رحمها الله تعالى، ورفع منزلتها، بينت فيها سيرتها الجميلة، ومواقفها الحكيمة التي لا تنسى إن شاء الله تعالى، لعلّ الله أن يشرح صدر من قرأها إلى أن يدعوَ لها، ويستغفر لها، ويترحَّم عليها.
والله تعالى أسأل أن يجعل هذه الكلمات اليسيرات خالصةً لوجهه الكريم، وبِرًّا بوالدتي الغالية، وسببًا للدعاء لها، وأن يغفر لها، ويُعلي درجتها، وأن يجزيها عنِّي خير ما جزى والدة عن ولدها، وأن يجمعنا بها في الفردوس الأعلى مع نبيّنا محمد بن عبد الله ﷺ، ووالدينا، ومشايخنا، وذرّياتنا، وأزواجنا، وأحبابنا في الله جميعًا، وكل من قرأ هذه الرسالة من المؤمنين الصادقين؛ إنه تعالى على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، وإذا أراد شيئًا فإنما يقول له كن فيكون، لا إله إلا هو، ولا ربّ سواه، ولا

1 / 3

حول ولا قوة إلاّ بالله العليّ العظيم.
وصلّى الله على عبده، ورسوله، وخليله، وأمينه على وحيه، نبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
قاله وكتبه ابنها: أبو عبد الرحمن
سعيد بن علي بن وهف القحطاني
حرر بعد ظهر يوم الأحد الموافق ٤/ ٩/ ١٤٢٨هـ

1 / 4

* أولًا: ولادتها: وُلِدَتْ رحمها الله تعالى في ضواحي العرين التابع لأبها، يبعد عن أبها شرقًا ١٢٥ كيلو تقريبًا في البادية، وكان والدها من أهل الأغنام الذين يتتبّعون مواقع القطر، وشعف الجبال في هذه البلاد المذكورة، وكان زمن ولادتها على حسب إخبار كبار السن من أقربائها عام ١٣٤٥هـ تقريبًا.
* ثانيًا: نشأتها: نشأتْ بتوفيق الله تعالى ورعايته، وفضله، وإحسانه على ما نشأ عليه أهل التوحيد، وكانت في مجتمع أمّيّ لا يقرأ، ولا يكتب، إلا أنهم على فطرة التوحيد، فلا يعرفون في الرخاء ولا في الشدة الالتجاء إلاَّ إلى الله وحده، ولا يصرفون شيئًا من العبادات إلا له وحده لا شريك له.
وَتَربَّتْ مع والدها، وكانت ترعى البهم «صغار الأغنام» في طفولتها، وكان والدها ﵀ رجلًا صالحًا، كريمًا، شجاعًا، من الذاكرين الله كثيرًا، وقد عُرف بالإصابة في الرمي، فلا يُخطئ في رميه، سواء كان ذلك في رمي الصيد أو غيره، وقد ثبت عندي أنه: أثناء اصطياده للصيد قيل له: اجعل طلقة البندقية في أسفل قرن الغزال، فرماه فوقعت في المكان الذي حُدِّد له أسفل قرنها.
وقد عُرِفَ عنه إجابة الدعوة في مواقف كثيرة، منها: أن الوالدة نشطا رحمها الله كانت ذات يوم في صغرها تأكل من قطعة لحم قد وضعتها في يدها، فجاءت حدأةٌ فاختطفت قطعة اللحم من يدها، فأغضب ذلك والدها؛ لأن اللحم في ذاك الوقت كان عزيزًا، وربما لا يأكلون اللحم إلا من عيد الأضحى إلى عيد الأضحى لقلّة ما في اليد،

1 / 5

وشدّة الحال عند أهل البادية، فعند ذلك دعا والدها على الحدأة، فقال: «اللهم إن كان أجلها في السماء فأنزله عليها، وإن كان في الأرض فابعثه إليها»، أو كما قال في دعائه ﵀، وفورًا وقعت الحدأة قريبًا من بيت الشَّعْر الذي كانوا يسكنونه في ذلك الوقت، وإذا هي قد قُتلت، ونظروا فإذا الذي قتلها صقر هجم عليها، وضربها ضربة قضت عليها؛ من أجل قطعة اللحم التي كانت معها، استجابةً لدعوةِ والد الطفلة الصغيرة التي أخذت قطعة اللحم من يدها، وكانت أغلى ما تملك، وأحبَّ إليها من الحلوى للأطفال في عصرنا هذا.
* ثالثًا: زواجها؛ بعد أن أمضت مع والدها خمسًا وعشرين سنة في حدود عام ١٣٧٠هـ تقريبًا، زوّجها من ابن أخته علي بن وهف بن محمد ﵀، وكانت أمُّه مهرة بنت محمد بن جازعة عمة الوالدة، رحم الله الجميع رحمةً واسعة، وكانت الوالدة هي الزوجة الثانية للوالد ﵀، حيث كان قد تزوج قبلها بنت عمه صالحة بنت دغش بن محمد رحمة الله على الجميع، وختم لزوجة أبي صالحة بخير.
وبقيت الوالدة لم تحمل عند الوالد علي بن وهف لمدة سنتين تقريبًا، وكانت ترعى الأغنام عند زوجها: الوالد علي، كما كانت ترعاها عند والدها، فيسرحون بالأغنام من بيوت الشعر إلى الجبال والأودية بعد ارتفاع الشمس، وبعد ما يحلبون الأغنام، ويُرضعون البهم «صغار الأغنام»، ثم يعودون قبل غروب الشمس، ويسمّونه الرّواح، فيقولون: راحت الأغنام إذا وصلت البيوت بعد الرعي مساءً، ويقولون: سرحت

1 / 6

إذا ذهبت صباحًا.
* رابعًا: بعد سنتين من زواجها تقريبًا حملت بابنها الأكبر، وهو بكرها: سعيد، كاتب هذه الأسطر: عفا الله عني، وتجاوز، وغفر، وعن والدتي الغالية، ووالدي العزيز، وعن ذريتهما، وجميع المؤمنين المخلصين.
وكانت ولادتها ببكرها سعيد في شهر الفطر ٢٥/ ١٠/ عام ١٣٧٢ تقريبًا، كما أخبرتني الوالدة رحمها الله، وكانت حالة الوضع صعبة جدًا، فقد أخبرتني الوالدة رحمها الله أنها سرحت بالأغنام في ذلك اليوم من شهر الفطر من ذلك العام، وكان الوقت صيفًا، وفي حرٍّ شديد، فكانت تُطْلَقُ طلقًا شديدًا في الرّمضاء الحارّة الشديدة في منتصف النهار، فدخلت رحمها الله تحت سدرة تستظلّ، ويسمّون السّدْر «العِلْب»، فوضعت تحت شجرة السدرة وقت الظهر تقريبًا، وهي عند الأغنام، وليس معها أحد إلا الله ﷿، وقد جَهَّزَت سكّينًا معها؛ لتقطع السرَّ للمولود، وفعلًا قطعت السرّ، وقد كانت بكرًا لا تُحسن القطع للسرِّ رحمها الله، فلم تربط السرّ، بل قطعته، وتركته ينزف دمًا، وحملت الطفل الغالي عندها جدًا، بعد أن لَفَّته في خرقة، وقامت تسوق الغنم حتى وصلت بيت الشعر قبل غروب الشمس، وعندما رأتها عمّتها أخت أبيها، وهي أمُّ زوجها، مهرة بنت محمد بن جازعة استقبلتها، ودعت لها وبرّكت، وهالها ما رأت من الدماء المتدفّقة من سرِّ المولود، فما كان من عمّتها مهرة إلا أن ربطت السرّ، فوقفت الدماء، وقد كاد الطفل أن يموت لولا رحمة الله تعالى، وأنه تعالى جعل جدتي مهرة المذكورة سببًا في حياة الطفل، رحمها الله، وقد كانت جدتي

1 / 7

مهرة من الذاكرات الله كثيرًا، وخاصة في آخر حياتها، ومما سمعته من ذكرها في طفولتي: أنها كانت تستغفر الله كثيرًا، وتسبّح، وتهلِّل، وتكبّر، ومن ذلك أنها كانت تقول: «أستغفر الله ألفًا في ألف، عدد حروف القرآن حرفًا حرفًا، والملائكة تكتب، والله يعفو ...»، وكنت أسمع دويَّ صوتها بالذكر في غرفتها كدويّ صوت النحل، وكانت إذا شربت لبنًا أو حليبًا قالت بعد الشرب: «الحمد لله الذي أخرجه لي من بين فرثٍ ودمٍ»، أو: «الحمد لله الذي سقاني هذا من بين فرثٍ ودمٍ».
وقد كانت لا تقرأ ولا تكتب، ولكن دعاءها هذا مقتبس من قول الله تعالى: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ) (١)، وقوله تعالى: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) (٢).
وكان مكان حادثة الولادة المذكورة -كما أخبرتني الوالدة رحمها الله، وكما أخبرتني أمي من الرضاعة زوجة أبي صالحة بنت دغش أحسن الله لنا ولها الخاتمة - في جبال السّود شرق وادي العلوبي أسفل العرين، في ظهر جبال السّود، في شِعبٍ يُقال له شوحطة، وَسَيْلُه يقع في وادي الإسلي، ووادي الإسلي في الجهة الغربية الجنوبية لوادي الأمواه، وسيل الإسلي يقع في وادي العَوَص غرب الأمواه، وسيل وادي العَوَص يقع في تثليث.

(١) سورة النحل، الآية: ٦٦.
(٢) سورة المؤمنون، الآية: ٢١.

1 / 8

واستمرَّت الوالدة مع الوالد، ومع أمي من الرضاعة زوجة أبي صالحة، ومع عمتها أخت أبيها أم زوجها مهرة، يتنقَّلون من شِعبٍ إلى شِعبٍ يتتبعون مواقع القطر، وشعف الجبال بأغنامهم، وكانوا يحملون الماء على الحمير في القِرَب، وربما حملوها على الإبل، لكن الجمال في الغالب يحملون عليها الأثاث وبيوت الشَّعْر، ويركبون عليها، أما الماء فيحملونه على الحمير في الغالب.
ولم تحمل الوالدة بعد ولدها الأول إلا بعد سنتين تقريبًا، ثم حملت بالأخ الشقيق حسين أبي عليّ، مؤذّن الجامع الكبير بطريب، ومغسِّل الأموات هناك، أمدَّ الله في عمره على طاعته، ووضعت حملها في أسفل وادي العلوبي، وهو وادٍ في أسفل وادي العرين، يبعد عنه ثلاثين كيلو تقريبًا، وسيله يصبُّ في وادي عرقة، وسيل عرقة يصبُّ في وادي تثليث، وقد كان مكان ولادة الأخ حسين شمال شرق وادي العلوبي، في شِعبٍ يقال له كُرَيْشة، وبداية سيل شعب كريشة تبدأ من أعلى جبال السود، ونهايته تصبُّ في وادي عرقة، وهي معروفة الآن بعرقة آل سليمان.
وكان ذلك ليلًا، حين جاء الوالدة الطلقُ، فتركتني في وسط الغنم، وأمرت راعيةً عندنا أن تُشْغِلَني عنها «والراعية هي رفعة بنت جبران بن محمد بن جازعة، وهي بنت عم الوالدة، وهي أم زوجتي أم عبد الرحمن»، فوضعت الوالدة في الجبل، وكان من عادة النساء إذا أردن الوضع أن تذهب إحداهن لأعلى الجبل، لتستتر عن الناس، وتبتعد عنهم حتى لا يسمعوا ما يحصل عند الوضع، والله أعلم.

1 / 9

وكان ذلك الزمن يُعرَف بخريف كويع، وهو سيل شديد قلع الأشجار، وأهلك كثيرًا من الناس، وحصل به دمار عظيم، ومات فيه خلق كثير، منهم رجل يقال له: كويع، فأرّخوا به هذه الحادثة، وهو عام ١٣٧٥هـ.
ثم لم تحمل الوالدة بعد الأخ حسين مدة ست سنين تقريبًا، واستمرّوا على ما هم عليه من رعي الأغنام، والتنقلات من مكان إلى مكان على حسب الأمطار، ومواقع القطر، وشعف الجبال، والأودية، والشعاب.
وفي عام ١٣٨٢هـ وضعت الوالدة الأخ الشقيق الدكتور سعدًا أبا عبد العزيز، الأستاذ المشارك بجامعة الملك سعود، أمدَّ الله في عمره على طاعته.
وكنت على علمٍ بما يحدث، وكانت الولادة آنذاك في شعبٍ يقال له قرضة، في حدباء يُقال لها: البيضاء، وشِعب قرضة وحدباء البيضاء بداية سيلهما من جبال السود جنوب شعب شوحطة الذي وُلِدْتُ فيه، فإذا ذهب الذاهب إلى جبال السود من أعلى قرضة، وتجاوز الجبل، وقع في شعب شوحطة.
وشعب قرضة مع حدباء البيضاء يقع سيلهما في وادي العلوبي الذي سبق ذكره.
وفي يومٍ من الأيام من عام ١٣٨٢هـ وَلَدت أمي رحمها الله الأخ سعدًا داخل بيت الشَّعْر، وليس معها أحدٌ إلاّ الله تعالى، وأظن أن الأغنام كانت محيطة بها في ذلك البيت، وأظن أن ذلك كان وقت العصر،

1 / 10

ومن شدة التعب الذي حصل لها خرج الطفل أسود، والله المستعان.
ولكن أخبرني الأخ الشقيق حسين أنه كان عند الوالدة في ذلك اليوم، وكان في السابعة من عمره قال: ذهبتَ أنتَ يا أخي سعيد عند الغنم ترعاها في الجبال صباحًا، وبقيتُ أنا عند الوالدة في بيت الشعر، وفي الضحى أخرَجَتْني من البيت، فامتنعتُ، فأخذت ترميني بالحجارة حتى خرجتُ، وحينما كنتُ خارج البيت سمعتُ صوت الطفل يصرخ صُراخًا عظيمًا، فجئتُ مسرعًا، وجاء الكلب من خارج البيت ينبح نُباحًا عظيمًا لشدة صياح الصبي، وكاد الكلب أن يخطف الطفل من بين يدي الوالدة، فرمتْه رحمها الله بالتراب حتى خرج من البيت، ثم جئتَ أنت يا أخي سعيد بالأغنام وقت العصر.
وقد أخبرتني الوالدة رحمها الله أنها عندما وضعت الأخ سعدًا، وسمع الأخ حسين صياح الطفل، ونباح الكلب، ورأى الكلب يقترب وينبح، فزع الأخ حسين فزعًا شديدًا، وجاء إليها وقال: يا أمي لا تعطيهِ الكلب، وذكرت رحمها الله: أنها طلبت من الأخ حسين أن يعطيها السكين؛ لتقطع سرّ الطفل، ففزع وقال: يا أمي، لا تذبحيه، اتركيه معنا! فقالت له: لا، يا ولدي إنما أريد أن أقطع سرّه، فأعطاها السكين، فقطعت سرّه!.
وهذا يدلّ على أن الأخ حسين كان في سنِّ التمييز، ويدلّ على شدّة الحال، وعلى صبر الوالدة رحمها الله تعالى.
واستمرت الوالدة مع الوالد في رعي الأغنام، والانتقال من مكان

1 / 11