العدد ١٩
فهرس المحتويات
١- تنويه القرآن بعلم داود وسليمان ﵉
٢- حديث القرآن عن الحج
٣- الآثار المروية في صفة المعية
٤- الأحاديث والآثار الواردة في التسليم في الصلاة
٥- المُسْتَخْرَجات نشأتها وتطورها
٦- أحكام السواك
٧- دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية وصداها في المغرب
٨- السلطة السياسية في النظام الإسلامي مفهومها، وأهميتها، وحكم إيجادها، وخصائصها
٩- حقوق الإنسان في فلسفة الثورة الفرنسية
١٠- مصادر الحافظ ابن الفرضي في كتابه " تاريخ العلماء والرواة "
١١- مختارات من روايات الشعبي التاريخية عن عصر الراشدين من كتابي تاريخ الرسل والملوك ووقعة صفين
١٢- ميزاب الكعبة المشرفة المؤرخ عام ١٢٧٣هـ
١٣- التضامن العربي الأفريقي تجاه القضية الفلسطينية
١٤- إيصال مياه العيون إلى مدينة جدة منذ القرن العاشر حتى نهاية القرن الثالث عشر للهجرة
١٥- صيغة فُعْلَى في العربية
١٦- التداخل في اللغات دراسة لغوية قرآنية
١٧- من النباتات الطبيعية في سراة غامد دراسة لغوية وصفية
١٨- مقتضى الحال مفهومه وزواياه في ضوء أسلوب القرآن الكريم
١٩- ملامح تأثير الثقافة الإسلامية فى بلاد الملايو
٢٠- تهمة الرواة بعض الشعراء الأعراب الذين عاصروا نشأة الإسلام بجفاء الدين ورقته
٢١- المسافة بين الشعر والفكر - أحمد جمال نموذجًا
٢٢- شرح العلاّمة الأمير على نظم العلاّمة السُّجاعيّ في " لاسيَّمَا "
٢٣- لباب الإعراب المانع من اللحن في السنة والكتاب
٢٤- دفاعٌ عن المبني للمجهول في اللغة العربية

1 / 1

تنويه القرآن بعلم داود وسليمان ﵉
د. إبراهيم بن سعيد بن حمد الدوسري
قسم القرآن وعلومه، كلية أصول الدين
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
ملخص البحث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أما بعد:
فهذا بحث في التفسير الموضوعي يتناول دراسة النبيّين الكريمين داود وسليمان ﵉ لإبراز هدايات القرآن الكريم ودلالته من خلال علمهما الذي نوّه الله به في مواضع متعددة من القرآن الكريم، وقد عني هذا البحث بربط قصصهما بموضوعات السور التي ورد فيها ذكرهما ﵉ مع التركيز على محور العلم، ومن ثم ألقي الضوء على علومهما من خلال القرآن الكريم وصلة ذلك بشخصيتهما في دراسة تأصيلية تحليلية تعتمد على تدبر كلام الله تعالى والاطلاع على كتب التفاسير القديمة والحديثة والدراسات العلمية، دون التفات إلى الإسرائيليات وما شابهها، ثم انتهت هذه الدراسة - بحمد الله وتوفيقه - إلى نتائج قيمة تتصل بعلم الله تعالى، وتبرز أهمية العلم ومكانة هذين النبيين الكريمين وشرفهما، كما تضمنت الرد على اليهود وكل من طعن في نبوة داود وسليمان ﵉ أو تنقّص من قدرهما أو أطراهما، كما أكد البحث أن العلم من أبلغ المعجزات التي أُويدا بها، وغير ذلك من النتائج التي تضمنها هذا البحث، فهو يعتبر دراسة جديدة في موضوعه، إذ لم أقف على مؤلف خاص يعني بجانب علمهما مع ما حظيا به ﵉ من إشادة في ذلك، حتى أصبح العلم هو الصبغة الغالبة في قصصهما. والله أعلم.
«««
الحمد لله عالم الغيب والشهادة، والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، أما بعد:

1 / 2

فيقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾ (١) ويقول تعالى ذكرُه عنهما ﵉: ﴿وَكُلًاّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (٢) فنوّه الله بعلمهم في كتابه الكريم في تضاعيف قصصهم، وصرّف في مثانيه أنواع علومهم، ولقد انتدبنا الله في سياق قصصهما إلى التدبر والادّكار، فقال جلّ شأنه: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ (٣)، وعن مجاهد قال: قلت لابن عباس أنسجد في ص؟، فقرأ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ﴾ (٤) حتى أتى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ (٥)، فقال: «نبيكم (ممن أمر أن يُقتدى بهم» (٦) .
ولا جرم أن ما اشتمل عليه قصصهما في مجال العلم يعتبر سمة بارزة، فهو حقيق بالدراسة لتأصيل بعض الموضوعات الأساسية وإبراز هدايات القرآن الكريم في هذا الجانب المهم، وذلك ضرب من التفسير الموضوعي.
مواطن ورود قصصهما:
يسوق الله تعالى ذكره القصص في السور حسب موضوعها ومقاصدها، ويعتبر العلم من المحاور التي تدور عليها بعض السور، ومن الأغراض والقضايا التي تحفّل بها القرآن الكريم.
وقد ورد ذكر داود وسليمان ﵉ في تسع سور في المواضع التالية:
أرقام الآيات التي في سليمان ﵇
أرقام الآيات التي في داود ﵇
نوعها
اسم السورة
م
١٠٢
٢٥١
مدنية
البقرة
١
١٦٣
١٦٣
مدنية
النساء
٢
-
٧٨
مدنية
المائدة
٣
٨٤
٨٤
مكية
الأنعام
٤
-
٥٥
مكية
الإسراء
٥
٧٨-٨٢
٧٨-٧٩
مكية
الأنبياء
٦
١٥-٤٤
١٥-١٦
مكية
النمل
٧
١٢-١٤
١٠-١١
مكية
سبأ
٨
٣٠-٤٠
١٧-٣٠
مكية
ص
٩

(١) سورة النمل، الآية ١٥.
(٢) الأنبياء، الآية ٧٩.
(٣) ص، الآية ٢٩.
(٤) الأنعام، الآية ٨٤.
(٥) الأنعام، الآية ٩٠.
(٦) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء، باب ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ﴾ ٤/١٣٥.

1 / 3

وقد وقع ترتيب تلكم السور حسب النزول كالتالي: سورة ص، ثم النمل، ثم الإسراء، ثم الأنعام، ثم سبأ، ثم الأنبياء، ثم البقرة، ثم النساء، ثم المائدة (١) .
وهذه السور على أربعة أقسام:
سورةٌ العلمُ أحد مقاصدها الأساسي، وأشير فيها إلى علم داود وسليمان ﵉ وهي سورة البقرة.
السور التي يعتبر العلم من أهم مقاصدها الأساسية، وفصّل فيها قصصهما أو أحدهما وهي سور الأنبياء والنمل وسبأ.
سورةٌ العلمُ ليس من مقاصدها الأساسية، وفصّل فيها قصصهما، وهي سورة ص.
السور التي ذُكرا فيها أو أحدهما على وجه الإيجاز ضمن النبيين أو لأغراض أخرى اقتضاها السياق، وهي سور النساء والمائدة والأنعام والإسراء.
وسألقي الضوء على الأقسام الثلاثة الأول، أما القسم الرابع فلا يستدعي ذلك؛ لأنه ليس على شرط هذا البحث.
القسم الأول/ سورة البقرة:

(١) انظر الزركشي: البرهان ١/١٩٣.

1 / 4

نصّ شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ) على أنها اشتملت على «تقرير أصول العلم وقواعد الدين» (١)، وبهذا تظهر المناسبة جلية بين السورة والآيتين التي ورد فيهما ذكر داود وسليمان وهما قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ (٣) ففي الآية الأولى تبرئة من الله تعالى لسليمان من السحر، فإن اليهود كانوا يقولون - افتراءً - «هذا علم سليمان، وما تم لسليمان ملكه إلا بهذا العلم» (٤)، فمعنى الآية: واتبع اليهود ما كانت تتلوه الشياطين من كتب السحر والشعوذة على عهد ملك سليمان، وقوله جلّ وعلا: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ (٥) لأن اليهود نسبته إلى السحر، «ولكن لما كان السحر كفرًا صار بمنزلة من نسبه إلى الكفر» (٦) .
وفي الآية الأخرى يمتن الله على داود بما آتاه وعلّمه، وقد استنبط الفخر الرازي (ت٦٠٤ هـ) من هذه الآية أصلًا من أصول التعلم فقال: «فإن: قيل إنه تعالى لما ذكر إنه آتاه الحكمة وكان المراد بالحكمة النبوة، فقد دخل العلم في ذلك، فلِم ذكره بعد ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾؟.
قلنا: المقصود منه التنبيه على أن العبد قط لا ينتهي إلى حالة يستغني عن

(١) دقائق التفسير ١/١٩٥.
(٢) البقرة، الآية ١٠٢.
(٣) البقرة، الآية ٢٥١.
(٤) الزمخشري: الكشاف ١/٣٠١.
(٥) انظر المصدر السابق، ابن عطية: المحرر ١/٤١٥، ابن العربي: أحكام القرآن ١/٢٨.
(٦) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن ٢/٤٣.

1 / 5

التعلّم، سواء كان نبيًا أو لم يكن، ولهذا السبب قال لمحمد (: ﴿وَقُل رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (١») (٢)، ولا يخفى أن قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَهُ﴾ يشير إلى أن المصدر الحقيقي للعلم هو من عند الله تعالى.
ولما كانت سورة البقرة سورة مدنية فقد تناولت ذكرهما ﵉ في قضايا تشريعية: السحر والقتال، وأيضًا وقع مثل ذلك في سورة المائدة، حيث ذكر داود في سياق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ يقول الله جلّ شأنه: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ (٣) .
القسم الثاني/ سورة الأنبياء:
وهي سورة مكيّة ركزت على الحساب والرسالة وما يتصل بذلك من قضايا العقيدة (٤)، وقد ورد ذكر العلم صريحًا في أولها ووسطها وآخرها دلالة على علم الله المحيط وقدرته جل وعلا على البعث والجزاء كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ (٦)، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾ (٧)، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ *إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾ (٨) .

(١) طه، الآية ١١٤.
(٢) الرازي مفاتيح الغيب ٦/٢٠٤.
(٣) الآيتان ٧٨،٧٩.
(٤) انظر البقاعي: مصاعد النظر ٢/٢٨٦، سيد قطب: الظلال ٤/٢٣٦٤، محمد الطاهر: التحرير والتنوير ١٧/٦.
(٥) الآية ٤.
(٦) الآية ٢٨.
(٧) الآية ٤٧.
(٨) الآيتان ١٠٩،١١٠.

1 / 6

وقد ذكر الله فيها جملة من قصص الأنبياء ﵈، فدلّت كل قصة على معنى أو أكثر مما اشتملت عليه السورة (١)، «وقد روعي في تخصيصهم بالذكر ما اشتهر به كل فرد منهم من المزية التي أنعم الله بها عليه» (٢) .
قال الله تعالى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًاّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ * وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ * وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ * وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ (٣) فافتتح قصصهما بالشهادة والعلم، واختتم بالعلم والحفظ، فلذلك جاء قصصها للدلالة على كمال علم الله، ثم في هذا القصص تنبيه على أن العلم من أفضل النعم وأشرفها حيث زينهما الله بالعلم والفهم (٤) .
سورة النمل:

(١) انظر البقاعي: مصاعد النظر ٢/٢٨٦.
(٢) محمد الطاهر: التحرير والتنوير ١٧/١١٥.
(٣) الأنبياء، الآيات ٧٨-٨٢.
(٤) الرازي: مفاتيح الغيب ٢٢/١٩٥، محمد الطاهر: التحرير والتنوير ١٧/١١٥.

1 / 7

وتسمى سورة سليمان (١)، لما فيها من تفصيل لقصة سليمان في تسع وعشرين آية من ثلاث وتسعين آية عدد آي السورة، والمتدبر لآي هذه السورة تظهر له بوضوح قضية العلم واتخاذها مسلكًا لإبراز سعة علم الله في الأرض وفي السماء وفي العلن وفي الخفاء وفي الغيب والمستقبل، وما دلت عليه الآيات الكونية وعالم الحيوان من براهين ناطقة بلسان الحال والمقال على علم الله جل وعلا، ولذلك نص برهان الدين البقاعي (ت ٨٨٥هـ) على أن «المقصود الأعظم منها إظهار العلم والحكمة» (٢)، وقد تنبه لذلك سيد قطب (ت ١٣٨٧هـ) فقال: «والتركيز في هذه السورة على العلم، علم الله المطلق بالظاهر والباطن، وعلمه بالغيب خاصة، وآياته الكونية التي يكشفها للناس، والعلم الذي وهبه لداود وسليمان، وتعليم سليمان منطق الطير وتنويهه بهذا التعليم، ومن ثم يجيء في مقدمة السورة: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ (٣)، ويجيء في التعقيب: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ * بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ﴾ (٤)، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ* وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٥)، ويجيء في الختام: ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾ (٦)، ويجيء في قصة سليمان ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالاَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٧)، وفي قول سليمان: ﴿يَا أَيُّهَا

(١) انظر السخاوي:جمال القراء ١/٣٧، السيوطي: الإتقان ١/١٥٦، محمد الطاهر: التحرير والتنوير ١٩/٢١٥.
(٢) مصاعد النظر ٢/٣٣٣.
(٣) الآية ٦.
(٤) الآيتان ٦٥،٦٦.
(٥) الآيتان ٧٤،٧٥.
(٦) الآية ٩٣.
(٧) الآية ١٥.

1 / 8

النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرَِ﴾ (١)، وفي قول الهدهد: ﴿أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ (٢)، وعندما يريد سليمان استحضار عرش الملكة، لا يقدر على إحضاره في غمضة عين عفريت من الجن، إنما يقدر على هذه: ﴿الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ (٣) .
وهكذا تبرز صفة العلم في جور السورة تظللها بشتى الظلال في سياقها كلها من المطلع إلى الختام، ويمضي سياق السورة كله في هذه الظل، حسب تتابعه الذي أسلفنا» (٤) .
ومن ثَمَّ جاءت قصة سليمان بن داود ﵉ في هذا السياق، وجميع موضوعاتها تدور في محور العلم ومجالاته المتعددة كما سيتضح خلال هذا البحث.
سورة سبأ:
قال تعالى في هذه السورة عن داود وسليمان ﵉: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ * يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (٥) .

(١) الآية ١٦.
(٢) الآية ٢٥.
(٣) الآية ٤٠.
(٤) سيد قطب: الظلال ٥/٢٦٢٥.
(٥) الآيات ١٠-١٤.

1 / 9

تبدو ملامح العلم في هذه الآيات واضحة، حيث أشاد الله بفضله عليهما بما أفاء عليهما من صنوف النعم، نعمة النبوة والحكمة والعلم وغيرها (١)، ومنها إِلاَنَة الحديد لداود وتعليمه صناعة الدروع، ذلك في المجال العسكري، أما في المجال المدني فقد سخر الله لسليمان النحاس ليصنع منه القدور الراسيات وغيرها (٢)، ثم ختم قصصهما برد علم الغيب إلى الله تعالى وحده.
وقد جاء ذلك منسجمًا مع غرض مهم من أغراض هذه السورة، وهو تقرير إحاطة علم الله (٣)، وهو من أهم مقاصدها، إذ جاء في مطلعها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ * يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٤) كما ورد في آخرها: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾ (٥) .
والمتدبر لكلام الله تعالى في قصة داود وسليمان في هذه الآيات يلحظ أنها ركزت على الجانب العملي الذي هو الترجمة الحقيقية للعلم، وسيأتي لذلك مزيد بسط عند الكلام على علومهما إن شاء الله تعالى.
القسم الثالث / سورة ص:

(١) انظر ابن العربي: أحكام القرآن ٤/١٥٩٤، محمد الطاهر: التحرير والتنوير ٢٢/١٥٥.
(٢) انظر الرازي: مفاتيح الغيب ٢٥/٢٥٠، محمد الغزالي: نحو تفسير موضوعي ص٣٣١.
(٣) سيد: الظلال ٥/٢٨٨٨، محمد الطاهر: التحرير والتنوير ٢٢/١٣٤، محمد الغزالي: نحو تفسير موضوعي ص٣٣١.
(٤) الآيات ١-٣.
(٥) الآية ٤٨.

1 / 10