آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال (٢٢)
تحفة المودود بأحكام المولود
تأليف
الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١)
تحقيق
عثمان بن جمعة ضميرية
وفق المنهج المعتمد من الشيخ العلامة
بكر بن عبد الله أبو زيد
رحمه الله تعالى
دار عطاءات العلم - دار ابن حزم
المقدمة / 1
راجع هذا الجزء
خلدون بن محمد الأحدب
محمد أجمل الإصلاحي
سليمان بن عبد الله العمير
المقدمة / 2
مقدمة التحقيق
الحمد لله، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، وبعد:
(١)
فقد اهتمَّ علماء الأمة الإسلامية بالتأليف والتصنيف في كل الفنون والعلوم الدينية والأدبية والتاريخية والتربوية والتطبيقية وغيرها، وكان علم الفقه من أول العلوم التي أولاها العلماء عنايتهم في كل العصور، وتنوَّعت مناهجهم وطرائقهم في ذلك؛ فهناك كتب شاملة لأبواب الفقه كلِّها، من العبادات والمعاملات والمناكحات والعقوبات وغيرها، وهناك كتب في علم أصول الفقه، وفي القواعد الفقهية والأشباه والنظائر، وفي علم الخلاف. وهذه كلُّها تتناول موضوعات وأبوابًا تتصف بالشمول للأحكام العملية في جوانب الحياة كلها.
ومن العلماء من أفرد بعض الأبواب والمسائل الفقهية بالتصنيف والتأليف ابتداءً، أو تلبية لحاجة طارئة، أو إجابة على سؤال أو استفتاء، فنشأت كتب الفتاوى والرسائل والكتب المفردة في باب معيّن من أبواب الفقه أوفي مسألة من مسائله، يتناولها المصنّف بالدراسة الواسعة، فيحدِّد موضوع بحثه، ويبيِّن منهجه، وسبب تأليفه أو كتابته، ويرسم خطَّته التي تنطوي ــ أحيانًا ــ على أبواب وفصول ومباحث أو
المقدمة / 5
فروع ومسائل وتنبيهات. وقد تكون هذه الدراسة ضمن مذهب فقهي أو مدرسة فقهية معينة (^١).
وقد تتسع دائرة البحث في الدراسة للمسألة أو الموضوع، فيتناولها المؤلف في المذاهب الفقهية المشهورة وغيرها من مذاهب السلف ــ ﵏ جميعًا ــ. وأثناء ذلك يعرض أقوال العلماء ومذاهبهم والروايات المنقولة عنهم، ويستقصي الأدلَّة لكلِّ قول، ثم يناقش ويوازن ليرجِّح ما تطمئنُّ إليه نفسه، اتِّباعًا للدليل الصحيح والنص الصريح، وإعمالًا للقواعد والأصول في الاستنباط. وهذا مجال واسع للآراء والأقوال والترجيح للرأي النجيح.
ونجد أمثلة كثيرة على هذه الطريقة عند علمائنا في القديم والحديث، في شتى العلوم والفنون. ولا يغيب عن الذهن «مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيميَّة»، و«المعيار المُعْرِب» للونشريسي، و«الحاوي للفتاوى» للسيوطيِّ، و«فتاوى السُّبْكي»، و«رسائل ابن نُجَيم» الحنفيّ، و«مجموع رسائل الملَّا علي القاري الهَرَوِيّ»، و«الفتح
(^١) من الأمثلة على ذلك أن العلامة أبا محمد بن غانم بن محمد البغدادي الحنفي (المتوفى في حدود ١٠٣٠ هـ) جعل مسائل الضمانات موضوعًا لكتاب قائم برأسه هو «مجمع الضمانات في مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان» وقد طبع في المطبعة الخيرية بمصر عام ١٣٠٨ هـ، ثم صدر في مجلدين بتحقيق محمد أحمد سراج، وعلي جمعة محمد، عن دار السلام بالقاهرة عام ١٤٢٠ هـ.
المقدمة / 6
الرباني» للشوكاني، ومجموعة «رسائل أبي الحسنات اللَّكْنَوي»، و«فتاوى الشيخ محمد عليش»، و«فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ» و«فتاوى ورسائل الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز» وغيرها كثير.
فهذه الكتب والفتاوى والمجاميع لا تقتصر على الإجابة على السؤال باختصار حسب حاجة السائل أحيانًا، بل تتضمن مسائل أُفردت بالكتابة والبحث برسالة مستقلة.
وتلك الطريقة التي أشرت إليها، هي التي تسير عليها الجامعات العصرية والمعاهد العليا والكليَّات العلميَّة في مناهجها ودراساتها العليا، حيث تشترط لتخريج الطالب في مرحلة التخصص الأولى (الماجستير) وفي مرحلة العالمِيَّة العالية (الدكتوراه) أن يكتب أطروحة أو رسالة مبتكرة في موضوع تخصصه، لها شروطها ومواصفاتها.
(٢)
تأتي هذه الكلمات بين يدي كتاب «تحفة المودود بأحكام المولود» للإمام العلامة المتفنن، شمس الدين، محمَّد بن أبي بكر، ابن قيِّم الجوزيّة المتوفى سنة (٧٥١ هـ) رحمه الله تعالى. وهو نموذج لتلك الدراسة والأسلوب الذي أشرت إليه.
وهذا الكتاب سبق له أن طبع عدة طبعات في كثير من البلاد الإسلامية، وكان لانتشاره أثر كبير في الإفادة منه ــ على اختلاف منهج
المقدمة / 7
تلك الطبعات في الإخراج والنشر - والتحقيق ــ وتأتي هذه النشرة المحققة على أصول خطية جيدة، في هذا المشروع الرائد، وهو (آثار الإمام ابن قيِّم الجوزيّة وما لحقها من أعمال) لتكون حلقة في هذه السلسلة المباركة، وتكون ضمن مطبوعات مجمع الفقه الإسلامي الدولي.
(٣)
ونقدِّم بين يدي هذه الطبعة دراسة موجزة في فقرتين اثنتين؛ تتناول (إحداهما) تربية الأولاد في الإسلام، وأهم الكتب والمراجع القديمة في أحكام الأولاد، استكمالًا لتلك الفصول النافعة التي كتبها المصنّف ــ ﵀ ــ في كتابه هذا، لعل فيها ما يساعد القارئ الكريم على الاطلاع ومتابعة البحث في هذه الجوانب.
وتتناول الفقرة (الثانية) الكتاب نفسه بالتعريف، ومنهج التحقيق.
وأما ترجمة المصنف وما يتصل بذلك؛ فإنها استُوعبت بالكتابة والدراسة في كتب كثيرة متخصصة. مع ما سيطبع ضمن هذا المشروع من ترجمته، ففيها الغناء والكفاية.
(٤)
وأسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، متقبَّلًا عنده في صالح العمل، وأن ينفع به الأمة والملَّة، وأن يجعله في
المقدمة / 8
ميزان أعمالنا يوم العرض عليه، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
وأسأله ــ سبحانه ــ أن يجزي كلَّ من كان سببًا فيه، وكلَّ من ساعد فيه، وبخاصة أهل بيتي وأولادي وبناتي جميعهم، الذين ساعدوا في المقابلة والمراجعة، وأدعو الله تعالى أن يحفظهم وأن يجعلهم قرة عين في الدنيا والآخرة.
وأما الأساتذة الكرام: الدكتور خلدون الأحدب، والدكتور محمد أجمل الإصلاحي، والشيخ علي بن محمد العمران، والدكتور سليمان العمير، الذين كان لقراءتهم الدقيقة وملاحظاتهم السديدة خير عون على الوصول بهذا العمل إلى ما نصبو إليه من الإتقان، فما أنا ببالغ ما أريد من الثناء، فجزاهم الله خير الجزاء. وكذا أشكر الأخ الشيخ عدنان البخاري على قيامه بصنع فهارس الكتاب، فجزاه الله خيرًا.
والحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيِّدنا ونبيِّنا محمّدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
عثمان بن جمعة ضميرية
جامعة الشارقة
في: ٢٠ رجب ١٤٣٠ هـ
المقدمة / 9
أولًا: تربية الأولاد
الأسس والعوامل المؤثرة
كانت الكلمة الأولى التي أُنزلت على رسول الله ﷺ في آخر اتصال للسماء بالأرض هي كلمة «اقرأ»: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥].
١ - التربية في مدرسة النبوة:
وتتابع الوحي على رسول الله ﷺ، وبدأ ﷺ يدعو قومه للإسلام، ويقوم بتربية النخبة المختارة من بني البشر، التي أراد الله لها أن تمسك بزمام القيادة العالمية، وأن تكون ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] لتقوم بأعباء الرسالة الخاتمة، التي أعدَّها الله تعالى للقيام بها، فقد ربَّاهم ﷺ في مدرسة النبوة على الإيمان بالله تعالى وحده، وبعث في نفوسهم العزة والأمل، ربَّاهم في مكة المكرمة أولًا: على الإيمان والصبر والمجاهدة ... ليتلقوا دعوة الإسلام بكل تكاليفها، ثم تابع ﷺ المسيرة التربوية: إيمانًا وإخلاصًا وتضحيةً وعبودية لله، ليسموَ بنفوس تلك النخبة الممتازة، من الجيل المثالي الذي تخرَّج على يديه.
المقدمة / 10
منهج متكامل للتربية:
وقد قامت هذه التربية على أساسين عظيمين هما: كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ، وهما المصدران الأساسيان لهذا الدين، وقد حفل كلٌّ منهما بمنهجٍ متكامل للتربية الإسلامية المثالية، يشمل غايات التربية، ومنهجها، ووسائلها، وطرقها، وعواملها.
منهج يتناسق مع جميع مراحل النمو:
وهو منهج يعطي كلَّ مرحلة من مراحل النمو الإنسانيِّ ما يناسبها من التربية المتوازنة الشاملة المتكاملة، إذِ اقتضتْ حكمة الله تعالى: أن يمرَّ الإنسان بمراحل مختلفة، ويتقلَّب في هذه الحياة أطوارًا؛ فهو «جَنِين» في بطن أمه، متكامل الخلق، بعد أن كان قبلها «نُطْفَة» ثم «عَلَقة» ثم «مُضْغة»، كما أشار إلى ذلك ﷾ في كتابه الكريم فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾ [الحج: ٥].
ثم هو بعد ذلك- بعد مرحلة الجنين- «طفلٌ»، ثم «نَاشِئ»،
ينتقل لمرحلة «المُراهَقة» فمرحلة «الفُتُوَّة» فمرحلة «الشَّباب»،
المقدمة / 11
ثم «الكُهُولَة» و«الشَّيخُوخَة».
وهو في كلِّ مرحلة من هذه المراحل: يتَّسم بصفات وسِمَاتٍ جسميَّة ونفسيَّة وخُلقيَّة تختلف عن الأخرى، وله في كل مرحلةٍ وطور حاجاتٌ ودوافع، ولكل مرحلة مشكلات خاصة وأساليب في التكيُّف والنموِّ والتربية، يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار، عند تربية هذا الكائن.
والإسلام ــ دين الله الخالد ــ يضع لكل مرحلة من مراحل عمر الإنسان خطة تربوية فذة، ترتقي بهذا الإنسان إلى مدارج عالية وآفاق سامية، نلمحها في علاقة هذا الإنسان وتعامله مع ربه ﵎، ومع نفسه، ومع الآخرين من حوله.
المنهج التربوي المتميز:
واليوم نجد كثيرًا من المثقفين وغير المثقفين يديرون كلمة «التربية» على ألسنتهم صباحَ مساء، وينظرون إلى مناهج التربية في بلاد الغرب على أنها هي التربية المثالية الفذة، التي تجعل من الإنسان نموذجًا مثاليًا يُشار إليه بالبنان ... وينسون- وهم في غرة البريق الخادع - أصالةَ دينهم، وشخصيتَهم الإسلامية، ومنهجَهم التربويَّ المتميز ...
فكان من الوفاء لهذا الدِّين ولهذه الأمة وأجيالها المؤمنة: أن نعود بالأمر إلى نصابه، وبالفضل لأهله وذويه، وهذا ما دفعني لكتابة هذه الكلمات في تقديم هذا الكتاب، والصلة بينهما وثيقة ومتينة.
المقدمة / 12