The Pure Religion or Guidance of Creation to the True Religion

الدين الخالص أو إرشاد الخلق إلى دين الحق

Editor

أمين محمود خطاب

Editorial

المكتبة المحمودية السبكية

Edición

الرابعة

Año de publicación

١٣٩٧ هـ - ١٩٧٧ م

ترجمة الشيخ الإمام المؤلف السيد
محمود محمد خطاب السبكي
تغمده الله برحمته وعمه برضوانه
بقلم فضيلة الأستاذ الجليل الشيخ
أبي القاسم إبراهيم
المدرس بالجامعة الأزهرية
﵀ وجزاه خيرًا
الطبعة الخامسة ١٤١١ هـ

المقدمة / 1

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه (أما بعد) فهذه قطرة من بحر، للتعريف بالشيخ الإمام.
المؤلف - هو الفقيه المحدث المفسر الثقة الثبت ناصر السنة وقامع البدعة، المرشد الإمام الكبير أبو محمد محمود بن محمد بن أحمد بن خطاب السبكى.
مولده - ولد الشيخ الإمام ببلدة سبك الأحد من قرى مركز أشمون بمحافظة المنوفية، فى يوم الخميس التاسع عشر من شهر ذى القعدة عام أربع وسبعين ومائتين وألف من الهجرة النبوية (١٢٧٤ هـ) أول يوليو ١٨٥٨ م.
نشأته - نشأ الشيخ الإمام بين أبوين طاهرين كريمين تعهداه بحسن التربية، وغرس فيه والده منذ نعومة أظفاره روح السخاء والشجاعة والسؤدد وعلو الهمة وتلك مكارم أخلاق تحلى بها هذا الوالد العظيم، وقد كان سيدا فى قومه ذا بسطة فى الرزق والجسم محببا بين عشيرته وعارفى فضله ونبله.
ولقد أنجب والد المؤلف ستة ذكور كل اثنين من سيدة فضلى، فكان يبعث واحدا للتعليم الأولى ثم تلقى العلم بالأزهر المعمور، ويبقى الآخر يعمل معه فى مزرعته الفسيحة الخصبة، ويعاونه على أعماله الأخرى. وكان من حظ المؤلف أن يبقى بجانب والده فى بحبوحة العز وعظيم الجاه، ولكن غير خامل ولا كسل، بل تراه فى حداثة سنة يكل إليه والده رعاية غنمه ليقظته النادرة وعزيمته الوثابة، وحسن سياسته وكياسته فكان خير حارس لها، وخير قائم على أمرها. ثم عهد إليه مراعاة خيل كان يملكها لما رآه شجاعا رابط الجأش " قوى القلب " فساس الجموح منها مرة بالشدة، وآونه باللين فاستحال ذلولا منقادا.
وهل أحدثك عن آثار شجاعة المؤلف وهمته " وهو حدث (١) مراهق " حتى

(١) (حدث) بفتحتين أى شاب.

المقدمة / 2

يتجلى لك أن عناية الله تعالى كانت تحوطه وترعاه من بدايته. كان لوالد الشيخ الإمام حديقة واسعة الأرجاء. مساحتها ستة أفدنه أو تزيد، عدت عليها عوادى الدهر، واستلبت ثمارها أيدى الناهبين فشوهت جمالها، وأذهبت بهجتها، فما كان من هذا الوليد الفتى وهو رابط الجأش شجاع، له نفس أبيه تعاف الضيم، ما خالطها خور (١) العزيمة ولا جبن النذلاء (٢) كان لزاما عليه أن ينهض بتلك الحديقة يغرس أشجارها ويصلح أرضها، ويروى أزهارها ويشذب غصونها (٣) فإذا جن الليل واختلط، تعهدها بالحراسة غير مستسلم إلى الكرى " النوم " الذى لم يغمض له جفنا.
شاء الله تعالى أن تصبح الحديقة روضة أريضة (٤)، يانعة الثمر وارفة الظل (٥) دانيه القطوف " تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها " وتجود بأطيب الثمرات.
وحذق المؤلف غير هذا. النجارة والحياكة وفن البناء، وهو زراع ماهر صائد لا يخطئ الرماية، يصيب الطائر السريع سابحا فى جو السماء فيخر صريعا وفى الليل البهيم يصيد طيورا معتمدا على سماع صوتها.
عبادة المؤلف
اتصل المؤلف بعد بلوغه الحلم بالشيخ العارف بربه أبى محمد أحمد بن محمد جبل السبكى الخلوتى، فاشتغل بذكر الله كثيرا وجد فى الطاعة فكان يصوم النهار ويقوم من الليل مقبلا على مناجاة ربه علام الغيوب فى الأسحار. وربما صلى فى الليلة مائة ركعة مع كثرة ما لديه من أعمال النهار، فلاحت عليه علائم السعادة فأذن له شيخه أن يرشد المريدين إلى الطريق القويم، فدعا إلى طاعة الله تعالى،

(١) (الخور) بفتحتين، الضعف. وفعله خور من باب طرب.
(٢) (النذلاء) جمع نذيل أى خسيس.
(٣) (يشذب) يقال: شذب الشجر من بابى نصر وضرب القى ما عليه من الاغصان حتى يبدو.
(٤) (الاريضة) الحسنة الزاهرة بكثرة المياه فيها.
(٥) (وارفة الظل) أى كثيرته يقال: ورف الظل من باب ضرب اتسع وطال.

المقدمة / 3

وطاعة رسوله " صلوات الله وسلامة عليه وعلى آله " فألفى آذانا صاغية، وقلوبا واعية جزاء إخلاصه، وصفاء سريرته ".
المؤلف يكتب ويقرأ بعد أن كان أميا
وبينما هو جالس ذات يوم فى بستان أبيه إذ دخل عليه ابن عم له بيده لوح صغير به بعض حروف الهجاء، فاشتاقت نفسه أن يتعلمها، فاتصل بمعلم القرية فكتبها له فقلد الإمام كتابتها، وما أعظم دهشة المعلم حينما رأى خط تلميذه اليافع (١) أحسن من خطه. وما هى إلا أيام تعد على الأصابع حتى صار المؤلف يجيد الكتابة والقراءة.
المؤلف يخطو إلى الجامعة الأزهرية
تاقت نفس المؤلف إلى الرحلة لتلقى العلم فى الجامع الأزهر المعمور. وبينما هو يناجى مولاه سحرا، جد فى الدعاء طالبا أن يمن عليه المنعم الوهاب بمعرفة العلم ويسهل له طريقه. وما مضى على دعائه أسبوع إلا وقد أشيع بين الناس أن الحكومة التى كانت لا تجند أولاد العمد، غيرت طريقتها. فأشار الشيخ خطاب "﵀ " أكبر أخوة المؤلف على أبيه، أن يأخذه معه إلى الجامع الأزهر، ليتمكن من الحصول على شهادة المعافاة من الخدمة العسكرية بانتسابه إلى الأزهر. وهو إذ ذاك الحرم المكين من دخله كان آمنا. وبعد أخذ ورد سافر المؤلف مع أخيه الشيخ خطاب العالم الجليل. وما كادت عينه تبصر السادة العلماء، وبين أيديهم تلامذتهم حتى تملك هذا المنظر سويداء قلبه، واستولى على مشاعره كلها وأخذت الآمال تملأ جوانحه (٢) حتى فاضت على لسانه إذ فاتحه أخو الشيخ خطاب فى الذهاب إلى أستاذ كبير يشار إليه بالبنان (المرحوم الشيخ حسن العدوى)

(١) أيفع الغلام: شب. ويفع الغلام بيفع مثله. واسم الفاعل من الثلاثى فقط وشذ من الرباعى.
(٢) (الجوانح) الاضلاع التى تحت الترائب، وهى مما يلى الصدر كالضلوع مما يلى الظهر. والمفرد جانحه.

المقدمة / 4

وكانت بينهما صداقة وثيقة، ليسهل له شهادة المعافاة فيعود على جناح السرعة إلى والده مخففا عنه هذا العبء الثقيل من أعماله، وهو يقوم بأوفر قسط منها. فقال المؤلف هيهات! ! وكيف أترك هذه الضالة المنشودة، وهل أضيع على نفسى مأربها وبغيتها؟؟ لابد من الانضمام إلى هذه الأسرة الدينية لأكون فردا منها ولابد من الجلوس بين هذه الحلقات العلمية ردحا من الزمن (١)، مفارقا تلك الحلقات الريفية، مترحما على الأيام الطويلة التى قضيتها بين ذويها وأترابها! !
دهش كل الدهش أخوه إذ يراه قد جاوز العقد الثانى من عمره، فأصبح طلب العلم عليه غير هين أدرك المؤلف منه هذا فقال: قد تسبق العرجاء. والله يختص برحمته من يشاء. ثم أقبل المؤلف على مطلوبة أيما إقبال. فكنت تراه فى اليوم الواحد يحفظ قسطا من كتاب الله تعالى، ومقدارا من المتون الأزهرية على الطريقة المألوفة إذ ذاك، ويتردد على على حلقات العلم يتزود منها ما شاء الله. ومضى عليه نصف عام كامل فهل يدور بخلدك (٢) أن هذا التلميذ الناشئ فى مكنته (٣) أن يكون أستاذا لمبتدئين يتلقون عنه دروس العلم فى المساء، ويشرف عليها بعض المعلمين المعجبين بذكاء ابن الريف المتقدم فى سنه! ! ومازال مجدا مواصلا ليله بنهاره، غير مقتصر على أن يملأ مخيلته بالمسائل العلمية يرددها لسانه، بل وضع نصب عينيه العمل بما يتطلبه العلم، موقنا أن الطالب لذلك هو الله تعالى ورسوله شاعرا أن وراءه أبناء الحلقات الريفية، وهم الذين خيم الجهل عليهم فما يدرون حلال ولا حراما، وما يفرقون بين ولى ولا نبى! !
وهؤلاء لابد أن تجمع الأيام بينه وبينهم فتنقلب هذه الحلقات الدينوية حلقات دينية يرى المجتمعون فيها من كان على شاكلتهم أضحى لهم معلما. ومعلم هذه الطبقات ترمقة عيونهم، وتصغى إلى قوله آذانهم. فان عمل بما

(١) يقال أقام ردحا من الدهر بفتحتين أى طويلا.
(٢) (الخلد) بفتحتين البال يقال وقع ذلك بخلدى أى فى قلبى.
(٣) (المكنة) بفتح فكسر القدرة.

المقدمة / 5

أرشدهم إليه التفوا حوله وقدسوه، وان اعوج انفضوا من حوله، واحترزوه.
لبث المؤلف يتلقى عن أساتذته الأجلاء بالجامع الأزهر المنير ويلقى فى أوقات فراغه دروسا شتى على بعض الطلاب، ويرشد أبناء الريف إذا ما رجع إليهم فكان أزهريا بين الأزهريين، وواعظا مرشدا بين الريفيين وما رضى المؤلف أيام طلبه العمل أن يتناول جراية من أوقاف الأزهر، ولا أن يدون اسمه بين دفاتره، وما كان شغله الشاغل إلا التفانى فى العلم، والتحللى بالعمل، وهو ثمرة العلم!
المؤلف يطارد الراقصات وآلات الملاهى فى الأفراح
يتخذ فى بعض البلاد من لا خلاق لهم نسوة راقصات، ورجالا بأيديهم آلات الملاهى من موسيقى وطبل ومزمار وغيرها ليالى الأفراح. وفى الجمع الحاشد الشاب والفتاة، والشيخ والسيدة. وهؤلاء جميعا تثور شهواتهم وتفسد أخلاقهم، وتتغير طباعهم بهذه المناظر المخزية التى يندى لها وجه الفضيلة. فقام المؤلف على قدم وساق يعظ ويرشد ويعلم هؤلاء الجاهلين ما يجب عليهم لخالقهم ورازقهم الغيور على دينه المنتقم الجبار. وبين لهم المفاسد والأضرار المترتبة على اتخاذ الراقصات واستعمال آلات الملاهى، فهدى الله تعالى على يديه الكثير منهم، فثابوا إلى رشدهم وأنابوا إلى ربهم وتابوا من ذنوبهم.
المؤلف ينهى عن منكرات المآتم
فى كثير من بلدان القطر يأتى النساء منكرات فظيعة اذا ما زار الموت بيتا من البيوت، فترى الصارخة واللاطمة وشاقة الثوب ومن لطخت وجهها بالطين أو صبغته بالنيلج (١) وتبصر نسوة متشحات بالسواد سائرات وراء الميت إلى المقبرة، وعائدات إلى المنازل تقودهن النائحة، وتظل تندب لهن وتنوح، وتأتى ما حرم الله ورسوله، وربما نطقت بما يخرجها عن الملة وهى المعلمة الملقنة من

(١) النيلج بكسر النون وفتح اللام، دخان الشحم يعالج به الوشم (معرب) النؤور.

المقدمة / 6

حولها تظل هى ومن معها ثلاثة أيام، ثم يعدن سيرتهن الأولى كل خميس حتى ينتهى جناز الأربعين وتلك عادات مزرية، وفعال مشينة، ومنكرات عكف عليها هؤلاء النساء. والرجال القوامون عليهن ساكتون لاهون. وليس هناك الآمر الناهى قوى اليقين. فشمر المؤلف ساعد الجد، وكشف ذراع الغيرة ونهى وزجر أهل كل بلدة يتنقل إليها وبين لهم ما يترتب على هذا الفعل الشينع من الضرر والفساد وغضب الواحد القهار، فثاب إلى رشده كثير ممن كتب الله الهداية لهم، وصلحت نفوسهم، ونفوس نسائهم.
المؤلف ينحى باللائمة على أرباب الطرق
منى القطر المصرى بالمتصوفة أرباب الطرق. وهم كثير تبلغ طرقهم ثلاثين أو تزيد. وقد كان المؤلف صوفيا خلوتيا قبل أن يخطو إلى الأزهر الميمون واختلط بكثيرين ممن ينتسبون إلى طرق أخرى فسمع الأذكار المحرفة ورأى الألعاب البهلوانية، وشاهد من يتظاهر بأكل النار والحيات والزجاج، وعاين الضرائب التى يجبيها مشايخ الطرق من مريديهم كأنها أموال أميرية وأبصر النذور والهدايا تقدم إليهم كأنها مسوقة إلى حرم الله تعالى، أو مبذولة إلى عيال الله الفقراء والمحاويج، فحمل عليهم الشيخ الإمام حملة شعواء، وأبان للعامة أنهم على غير هدى وأن ما يقدم لهم من الضرائب حرام وسحت، وكل لحم ودم نبتا من حرم فالنار أولى بهما، وأن الطرق الصوفية ليست حرفا ولا مهنا بل هى بأذكارها المحرفة وضرائبها ونذورها، شارة سوداء تشوه جمال الدين الإسلامي، وتجعل الأجانب الغربيين أعداء الدين ينظرون إلينا نظرة السخرية والازدراء فى حين أن الدين منهم براء، وأن سيدنا محمدا صلوات الله وسلامة عليه وعلى آله يمقت هؤلاء.
وكانت النتيجة أن تباعد كثير من هؤلاء المتصوفة، فقلت أرزقهم وقطعت نذورهم، فأخذوا يكيدون للمؤلف، ويدبرون له المؤامرات من يومئذ ولا تنس أن المال شقيق الروح! !

المقدمة / 7

المؤلف يحمل على قراء القرآن
اعتاد بعض القراء تلاوة كتاب الله تعالى فى المقابر، وفى الطرقات العامة، وفى المنازل بحضرة النساء، وأمام من لا يعرف للقرآن حرمة كشارب دخان ومهوش أثناء القراءة غير منصت، كما اعتاد بعضهم التلاوة المحرفة غير المشروعة فنصح المؤلف للقراء أولا بالحسنى ثم أخذ يزجرهم ويبين لهم انهم آثمون وأن القرآن الكريم سيكون حجة عليهم لا لهم يوم الوقوف بين يدى ملك الملوك مذل الطغاة والعصاة. وبين للناس ما ينبغى أن يتحلى به القارئ والمستمع من الآداب والتدبر والاعتبار. فهدى الله على يديه كثيرا ممن أراد الله بهم الخير وألهمهم الرشد " لأن يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم " (١) أخرجه الشيخان عن أبى العباس سهل بن سعد الساعدى.
المؤلف يرى البدع فاشية فى الأزهر والمساجد الأخرى
رأى المؤلف البدع فاشيه فى الأزهر كعبة العلم، وفى مساجد القطر وهو يعلم أن الناس تسير وراء العلماء شبرا بشبر، وذراعا بذارع، وأن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فى حاجة إلى أدلة صحيحة صريحة تزيل الشبهات حتى يظهر الحق ناصعا، وأنه لابد مع هذا من أخذ أقوال العلماء أرباب المذاهب عن تلك البدع والمنكرات التى شاعت وذاعت وحلت محل السنن والمأمورات حتى التبست على المتعلمين أنفسهم لسكوت فطاحل العلماء عنها فجاهد المؤلف جهاد الأبطال، ورفع أسئلة بذلك إلى حضرات السادة العلماء، فأجابوا بأن جميع بدع العبادات باطلة لا يجوز العمل بها كما هو مقتضى نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة،

(١) (حمر) جمع أحمر (والنعام) الأنعام والمراد بها الأبل. وحمر النعم كانت أجود الأبل لذلك عناها الرسول الأعظم ﷺ.

المقدمة / 8

وأمضى بعضهم على هذه الفتاوى وختم آخرون. ولما تسلم المؤلف الفتاوى دونها فى كتاب أسماه (فتاوى أئمة المسلمين) وقام بطبعه ونشره بين الناس ولا تزال صور هذه الفتاوى لمشايخ الأزهر وكبار علمائه محفوظة لمن يريد الاطلاع عليها فى أى وقت يشاء. ثم أخذ المؤلف ينشر كتبا ورسائل يبين فيها بالآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، ونصوص أئمة المذاهب الأربعة وغيرهم، أن الدين ما كان عليه رسول الله "صلوات الله وسلامة عليه وعلى آله " وأصحابه والأئمة المجتهدون رضوان الله تعالى عليهم، وقد عرضت هذه المؤلفات على جهابذة العلماء فاطلعوا عليها وقرظوها تمام التقريظ، واعترفوا أن ما فيها صواب وحكمة، وأن من يخالف أحكامها يكون مبتدعا آثما، وقد طبعت هذه الكتب والرسائل وتناولتها الأيدي، فعمل بها الكثيرون بعد أن ظهر لهم أن البدع التى فى الأذان والصلاة والصيام والحج والأفراح والمآتم والأضرحة والملبس والمطعم وغيرها مضادة للدين، أحدثها من لا خلاق لهم، وتعودها الناس حتى اختلط الحابل بالنابل (١).
وماذا كان بعد هذا؟ تبرم (٢) الناس ممن سكت من السادة العلماء هذه السنين الطويلة على هذه البدع الطاغية حتى تركوها تفرخ كل يوم، وتناولوا العلماء بالسنة حداد. عند ذلك شعر العلماء بما يحيط بهم من خطوب وأهوال فأخذوا يدبرون للمؤلف ما يدبرون، ويشيعون بين الناس أنه يكفرهم ويكفر سواد الأمة، وهذا منهم أمر طبيعى ألفته النفوس. وما أراد المؤلف للعلماء والعامة إلا خيرا دنيا وأخرى.
المؤلف يؤدى امتحان العالمية بتفوق
كان الأزهر يعنى أبناؤه العناية التامة بدراسة العلوم الشرعية والعربية ومن أراد أن ينال شهادة العالمية، وضع رسالة في مبادئ هذه العلوم يقدمها إلى شيخ الأزهر مرافقة لطلب الامتحان. والمؤلف لا طماعية عنده في نيل هذه الشهادة،

(١) (الحابل) سدا الثوب (والنابل) لحمته.
(٢) (تبرم) ضجر وتألم.

المقدمة / 9

التي من ورائها الرواتب والمناصب، إذ أن نفسه الطاهرة لها اتجاه غير هذا. ولكن أحد تلامذته أشار عليه أن يتقدم إلى الامتحان، ونيته تعليم أبناء الأزهر ومن سواهم بعد نيله الشهادة كيما يساير الناس وهم يعتقدون أن العلم لا يؤخذ إلا ممن لديه هذه الشهادة، فأنشرح صدره ووضع الرسالة وقدمها وبعد البحث اتضح أن اسمه غير مدرج في سلك الطلاب، ولم تكن له مدة معلومة فلا يقبل طلبه ولكن الله القدير يسر له الصعاب! ! وفي الأربعاء اليوم التاسع والعشرين من شهر رجب سنه ثلاث عشرة وثلاثمائة وألف (سنه ١٣١٣ هـ) ١٥ يناير سنه ١٨٩٦ م أدى المؤلف الامتحان أمام اللجنة المكونة من حضرات أصحاب الفضيلة الأساتذة الأجلاء الشيخ حسونة النواوى شيخ الأزهر ومفتى الديار المصرية. والشيخ بكرى عاشور الصدفى والشيخ عمر الرافعى الحنفيين. والشيخ أحمد الرفاعى والسيد على الببلاوى المالكين. والشيخ محمد حسين الابريرى. والشيخ سليمان العبد الشافعيين. ولقد كان أعجاب اللجنة به عظيما وسرورها فائقا وجاوز المؤلف الميدان ظافرا منصورا! !
وتصادف أن المؤلف قبل أن يؤدى الامتحان ألف كتابا أسماه (الرسالة البديعة الرفعية. فى الرد على من طغى فخالف الشريعة) وخطبته ملأى بإشارات التصوف فطلب منه الأستاذ الشيخ عمر الرافعى قبل أن يغادر اللجنة أن يروح أفئدتهم بطرفه من التصوف، واستعان بالشيخ حسونة ليجاب الطلب. فقال المؤلف: " أن القلوب ممتلئة بحب الدنيا فلا تقبل شيئا من التصوف، ولازال مصرا على هذا الامتناع بعد إلحاح الشيخ النواوى. فتألم جد الألم الشيخ الرافعى ظانا أن المؤلف شامخ بأنفه متكبر، غير أن السيد الببلاوى أفهمه وأفهم الأعضاء أن الأستاذ محمودا صريح غير متكبر، وهو رجل جاهد نفسه، وتعلق بربه ﵎!
المؤلف يشق للأمة طريقا فى الحياة عمليا
(وبعض الشيوخ يكيد له)
بعد نيله إجازة التدريس عنى جد العناية فى دروسه التى كان يلقيها فى الأزهر

المقدمة / 10