The Messengers and the Messages

الرسل والرسالات

Editorial

مكتبة الفلاح للنشر والتوزيع،الكويت،دار النفائس للنشر والتوزيع

Edición

الرابعة

Año de publicación

١٤١٠ هـ - ١٩٨٩ م

Ubicación del editor

الكويت

الباب الأول الرسل والأنبياء
التعريف بالنبي والرسول والفرق بينهما
المطلب الأول
تعريف النبي (١)
النبي - في لغة العرب - مشتق من النبأ وهو الخبر، قال تعالى: (عمَّ يتساءلون - عن النبأ العظيم) [النبأ: ١-٢] .
وإنّما سمّي النبيُّ نبيًّا لأنه مُخْبرٌ مُخْبَر، فهو مُخْبَر، أي: أنَّ الله أخبره، وأوحى إليه (قالت من أنبأك هذا قال نَبَّأَنِيَ العليم الخبير) [التحريم: ٣]، وهو مُخْبرٌ عن الله تعالى أمره ووحيه (نَبِّئْ عبادي أنّي أنا الغفور الرَّحيم) [الحجر: ٤٩] (وَنَبِّئْهُمْ عن ضيف إبراهيم) [الحجر: ٥١] .
وقيل: النبوة مشتقة من النَّبْوَة، وهي ما ارتفع من الأرض، وتطلق العرب لفظ النبيّ على علم من أعلام الأرض التي يهتدى بها، والمناسبة بين لفظ النبي والمعنى اللغوي، أنَّ النبيَّ ذو رفعة وقدر عظيم في الدنيا والآخرة، فالأنبياء هم أشرف الخلق، وهم الأعلام التي يهتدي بها الناس فتصلح دنياهم وأخراهم.
المطلب الثاني
تعريف الرسول (٢)
الإرسال في اللغة التوجيه، فإذا بعثت شخصًا في مهمة فهو رسولك، قال تعالى حاكيًا قول ملكة سبأ: (وإني مرسلة إليهم بهديَّةٍ فناظرة بم يرجع المرسلون) [النمل: ٣٥]، وقد يريدون بالرسول ذلك الشخص الذي يتابع

(١) راجع في هذه المسألة: لسان العرب: ٣/٥٦١، ٥٧٣، بصائر ذوي التمييز: ٥/١٤، لوامع الأنوار البهية: ١/٤٩، ٢/٢٦٥.
(٢) راجع في هذه المسألة: لسان العرب: (٢/١١٦٦-١١٦٧)، المصباح المنير: ص٢٦٦.

1 / 13

أخبار الذي بعثه، أخذًا من قول العرب: " جاءت الإبلُ رَسَلًا " أي: متتابعة.
وعلى ذلك فالرُّسل إنّما سمّوا بذلك لأنَّهم وُجّهوا من قبل الله تعالى: (ثُمَّ أرسلنا رسلنا تترًا) [المؤمنون: ٤٤]، وهم مبعوثون برسالة معينة مُكلَّفون بحملها وتبليغها ومتابعتها.
المطلب الثالث
الفرق بين الرسول والنبيّ
لا يصحُّ قول من ذهب إلى أنه لا فرق بين الرسول والنبيّ، ويدلُّ على بطلان هذا القول ما ورد في عدة الأنبياء والرسل، فقد ذكر الرسول ﷺ أنَّ عدة الأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألف نبي، وعدَّة الرسل ثلاثمائة وبضعة عشر رسولًا (١)، ويدلّ على الفرق أيضًا ما ورد في كتاب الله من عطف النبيِّ على الرسول (وما أرسلنا من قبلك من رسولٍ ولا نبي إلاَّ إذا تمنَّى ألقى الشَّيطان في أُمنيَّته) [الحج: ٥٢]، ووصف بعض رسله بالنبوة والرسالة مما يدُل على أن الرسالة أمر زائد على النبوة، كقوله في حقِّ موسى ﵇: (واذكر في الكتاب موسى إنَّه كان مخلصًا وكان رسولًا نبيًَّا) [مريم: ٥١] .
والشائع عند العلماء أنَّ النبي أعم من الرسول، فالرسول هو من أُوحي إليه بشرع وأُمر بتبليغه، والنبيُّ من أوحي إليه ولم يؤمر بالبلاغ، وعلى ذلك فكلُّ رسول نبي، وليس كل نبي رسولًا (٢) .
وهذا الذي ذكروه هنا بعيد لأمور:
الأول: أن الله نصَّ على أنه أرسل الأنبياء كما أرسل الرسل في قوله: (وما أرسلنا من قبلك من رسولٍ ولا نبي ...) [الحج: ٥٢]، فإذا كان الفارق بينهما هو الأمر بالبلاغ فالإرسال يقتضي من النبيّ البلاغ.
الثاني: أنَّ ترك البلاغ كتمان لوحي الله تعالى، والله لا ينزل وحيه ليكتم ويدفن في صدر واحد من الناس، ثمَّ يموت هذا العلم بموته.

(١) حديث صحيح رواه أحمد في مسنده حديث رقم: (٢١٥٤٦، ٢١٥٥٢) طبعة الرسالة.
(٢) شرح العقيدة الطحاوية: (١٦٧)، لوامع الأنوار البهية: (١/٤٩)، وانظر كلام الشيخ ناصر الدين الألباني على أسانيده في سلسلة الصحيحة: ٢٦٦٨.

1 / 14

الثالث: قول الرسول ﷺ فيما يرويه عنه ابن عباس: " عرضت عليَّ الأمم، فجعل يمرُّ النبي معه الرجل، والنبي معه الرجلان، والنبي معه الرهط، والنبي ليس معه أحد " (١) .
فدلّ هذا على أنَّ الأنبياء مأمورون بالبلاغ، وأنَّهم يتفاوتون في مدى الاستجابة لهم.
والتعريف المختار أنَّ " الرسولَ مَنْ أُوحي إليه بشرع جديد، والنبيَّ هو المبعوث لتقرير شرع من قبله " (٢) .
وقد " كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبيٌّ خلفه نبيٌّ ".
كما ثبت في الحديث (٣)، وأنبياء بني إسرائيل كلّهم مبعوثون بشريعة موسى: التوراة وكانوا مأمورين بإبلاغ قومهم وحي الله إليهم (ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لَّهم ابعث لنا ملكًا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألاَّ تقاتلوا ...) [البقرة: ٢٤٦] فالنبي كما يظهر من الآية يُوحَى إليه شيء يوجب على قومه أمرًا، وهذا لا يكون إلا مع وجوب التبليغ.
واعتبر في هذا بحال داود وسليمان وزكريا ويحي فهؤلاء جميعًا أنبياء، وقد كانوا يقومون بسياسة بني إسرائيل، والحكم بينهم وإبلاغهم الحق، والله أعلم بالصواب.
أهمية الإيمان بالرّسل
المطلب الأول
الإيمان بالأنبياء والرسل من أصول الإيمان
الإيمان بالرسل أصل من أصول الإيمان، قال تعالى: (قل آمنَّا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وَالنَّبِيُّونَ من رَّبهم لا نفرق بين أحدٍ منهم ونحن له

(١) رواه البخاري: ٥٧٥٢، ومسلم: ٢٢٠، واللفظ للبخاري.
(٢) تفسير الآلوسي: (٧/١٥٧) .
(٣) رواه البخاري عن أبي هريرة: ٣٤٥٥.

1 / 15

مسلمون) [آل عمران: ٨٤] .
ومن لم يؤمن بالرسل ضل ضلالًا بعيدًا، وخسر خسرانًا مبينًا (ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضلَّ ضلالًا بعيدًا) [النساء: ١٣٦] .
المطلب الثاني
الصلة بين الإيمان بالله والإيمان بالرسل والرسالات
الذين يزعمون أنَّهم مؤمنون بالله ولكنّهم يكفرون بالرسل والكتب هؤلاء لا يقدرون الله حقَّ قدره، (وما قدروا الله حقَّ قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشرٍ من شيءٍ) [الأنعام: ٩١] . فالذين يقدرون الله حقَّ قدره، ويعلمون صفاته التي اتصف بها من العلم والحكمة والرحمة لا بدَّ أن يوقنوا بأنَّه أرسل الرسل وأنزل الكتب، لأن هذا مقتضى صفاته، فهو لم يخلق الخلق عبثًا، (أيحسب الإنسان أن يترك سُدًى) [القيامة: ٣٦] .
ومن كفر بالرسل وهو يزعم أنَّه يؤمن بالله فهو عند الله كافر لا ينفعه إيمانه، قال تعالى: (إنَّ الَّذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعضٍ ونكفر ببعضٍ ويريدون أن يتَّخذوا بين ذلك سبيلًا - أولئك هم الكافرون حقًّا) [النساء: ١٥٠-١٥١] .
فقد نصَّت الآية على كفر من زعم الإيمان بالله وكفر بالرسل (ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله)، يقول القرطبي في هذه الآية: " نصّ سبحانه على أنَّ التفريق بين الله ورسله كفر، وإنَّما كان كفرًا لأنَّ الله فرض على الناس أن يعبدوه بما شرعه على ألسنة الرسل، فإذا جحدوا الرسل ردّوا عليهم شرائعهم، ولم يقبلوها منهم، فكانوا ممتنعين من التزام العبودية التي أُمروا بالتزامها، فكان كجحد الصانع سبحانه، وجحد الصانع كفر لما فيه من ترك التزام الطاعة والعبودية، وكذلك التفريق بين الله ورسله " (١) .
سس زيادة
المطلب الثالث
وجوب الإيمان بجميع الرسل
الكفر برسول واحد كفر بجميع الرسل، قال تعالى: (كذَّبت قوم نوحٍ المرسلين) [الشعراء: ١٠٥]، وقال: (كذَّبت عاد المرسلين) [الشعراء: ١٢٣]، وقال: (كذَّبت ثمود المرسلين) [الشعراء: ١٤١]، وقال: (كذَّبت قوم لوطٍ المرسلين) [الشعراء: ١٦٠]، ومن المعروف أنَّ كلَّ أمةٍ كذَّبت رسولها، إلا أن التكذيب برسول واحد يعدّ تكذيبًا بالرسل كلِّهم، ذلك أنَّ الرسل حملة رسالة واحدة، ودعاة دين واحد، ومرسلهم واحد، فهم وحدة، يبشر المتقدم منهم بالمتأخر، ويصدق المتأخر المتقدم.
ومن هنا كان الإيمان ببعض الرسل والكفر ببعض كفرًا بهم جميعًا، وقد وسم الله من هذا حاله بالكفر (إنَّ الَّذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعضٍ ونكفر ببعضٍ ويريدون أن يتَّخذوا بين ذلك سبيلًا - أولئك هم الكافرون حقًّا) [النساء: ١٥٠-١٥١]، وقد أمرنا الله بعدم التفريق بين الرسل والإيمان بهم جميعًا (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي النبيُّون من رَّبهم لا نفرق بين أحدٍ منهم ونحن له مسلمون) [البقرة: ١٣٦]، ومن سار على هذا النهج فقد اهتدى (فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا) [البقرة: ١٣٧]، والذي يخالفه فقد ضلَّ وغوى (وَّإن تولَّوا فإنَّما هم في شقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله وهو السَّميع العليم) [البقرة: ١٣٧] .
وقد مدح الله رسول هذه الأمة والمؤمنين الذين تابعوه لإيمانهم بالرسل كلهم، ولعدم تفريقهم بينهم، قال تعالى: (آمن الرسول بما أنزل إليه من رَّبه والمؤمنون كلٌّ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحدٍ من رُّسله) [البقرة: ٢٨٥] .
ووعد الله الذين لم يفرقوا بين الرسل بالمثوبة والأجر الكريم (والَّذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحدٍ منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورًا رَّحيمًا) [النساء: ١٥٢] .
وقد ذم الله أهل الكتاب لإيمانهم ببعض الرسل وكفرهم ببعض (وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وَرَاءهُ وهو الحقُّ مصدقًا لما معهم) [البقرة: ٩١] .
فاليهود لا يؤمنون بعيسى ولا بمحمد، والنصارى لا يؤمنون بمحمد ﷺ.
عدد الأنبياء والطريق إلى معرفتهم
المطلب الأول

(١) تفسير القرطبي: (٦/٥) .

1 / 16

الأنبياء والرسل جمّ غفير
اقتضت حكمة الله - تعالى - في الأمم قبل هذه الأمّة أن يرسل في كلّ منها نذيرًا، ولم يرسل رسولًا للبشرية كلّها إلاّ محمدًا ﷺ، واقتضى عدله ألاّ يعذب أحدًا من الخلق إلاّ بعد أن تقوم عليه الحجة: (وما كنَّا معذبين حتَّى نبعث رسولًا) [الإسراء: ١٥] . من هنا كثر الأنبياء والرسل في تاريخ البشرية كثرة هائلة، قال تعالى: (وإن من أمَّةٍ إلاَّ خلا فيها نذيرٌ) [فاطر: ٢٤] .
وقد أخبرنا رسول الله ﷺ بعدّة الأنبياء والمرسلين، فعن أبي ذرّ قال: قلت: يا رسول الله، كم المرسلون؟ قال: " ثلاثمائة وبضعة عشر جمًّا غفيرًا " وقال مرة: " خمسة عشر "، وفي رواية أبي أمامة، قال أبو ذر: قلت: يا رسول الله، كم وفاء عدة الأنبياء؟ قال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا، الرُّسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جمًّا غفيرًا " (١) .
من الأنبياء والرسل من لم يقصصهم الله علينا:
وهذا العدد الكبير للأنبياء والرسل يدلنا على أنَّ الذين نعرف أسماءهم من الرسل والأنبياء قليل، وأنَّ هناك أعدادًا كثيرة لا نعرفها، وقد صرّح القرآن بذلك في أكثر من موضع، قال تعالى: (ورسلًا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلًا لم نقصصهم عليك) [النساء: ١٦٤]، وقال: (ولقد أرسلنا رسلًا من قبلك منهم مَّن قصصنا عليك ومنهم من لَّم نقصص عليك) [غافر: ٧٨] .
فالذين أخبرنا الله بأسمائهم في كتابه أو أخبرنا بهم رسوله ﷺ لا يجوز أنّ نكذّبَ بهم، ومع ذلك فنؤمن أنَّ لله رسلًا وأنبياء لا نعلمهم.

(١) عزاه التبريزي في مشكاة المصابيح: (٣/١٢٢) إلى أحمد في مسنده، وقد حكم الألباني عليه بالصحة، وقد أطال الشيخ الألباني الكلام في تخريجه من كتب السنة، وبيان أسانيده في كتب السنن وأقوال العلماء فيه في (سلسلة الصحيحة: ورقمها فيها (٢٦٦٨) وقال مجملًا القول فيه: " وجملة القول: إن عدد الرسل المذكورين في حديث الترجمة صحيح لذاته، وأن عدد الأنبياء المذكورين في أحد طرقه، وفي حديث أبي ذر من ثلاث طرق، فهو صحيح لغيره " وانظر الحديث في مسند أحمد برقم: (٢١٥٤٦، ٢١٥٥٢، ٢٢٢٨٨) طبعة مؤسسة الرسالة، فقد حكم الشيخ شعيب الأرنؤوط على طرقه وأسانيده بالضعف.

1 / 17

المطلب الثاني
الأنبياء والرسل المذكورون في القرآن
ذكر الله في كتابه خمسة وعشرين نبيًا ورسولًا، فذكر في مواضع متفرقة آدم وهودًا وصالحًا وشعيبًا وإسماعيل وإدريس وذا الكفل ومحمدًا ﵈.
قال تعالى: (إنَّ الله اصطفى آدم ...) [آل عمران: ٣٣]، وقال: (وإلى عادٍ أخاهم هودًا) [هود: ٥٠]، (وإلى ثمود أخاهم صالحًا) [هود: ٦١]، (وإلى مدين أخاهم شعيبًا) [هود: ٨٤]، (وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كلٌّ من الصَّابرين) [الأنبياء: ٨٥] (مُّحمَّدٌ رَّسول الله ...) [الفتح: ٢٩] .
وذكر ثمانية عشر منهم في موضع واحد في سورة الأنعام (وتلك حجَّتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجاتٍ مَّن نشاء إنَّ ربَّك حكيم عليمٌ - ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلًاّ هدينا ونوحًا هدينا من قبل ومن ذُريَّته داود وسليمان وأيُّوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين - وزكريَّا ويحى وعيسى وإلياس كلٌّ من الصَّالحين - وإسماعيل واليسع ويونس ولوطًا وكلًاّ فضَّلنا على العالمين) [الأنعام: ٨٣-٨٦] .
أربعة من العرب:
من هؤلاء الخمسة والعشرين أربعة من العرب، فقد جاء في حديث أبي ذر في ذكر الأنبياء والمرسلين: " منهم أربعة من العرب: هود، وصالح، وشعيب، ونبيك يا أبا ذر" (١) .
ويقال للعرب الذين كانوا قبل إسماعيل: العرب العاربة، وأمّا العرب المستعربة فهم من ولد إسماعيل بن إبراهيم الخليل (٢)، وهود وصالح كانا من العرب العاربة.
الأسباط:

(١) رواه ابن حبان في صحيحه: ٢/٧٦ (٣٦١)، وقال الشيخ شعيب: إسناده ضعيف جدًا " صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان " طبعة مؤسسة الرسالة، البداية والنهاية: (١/١٢٠) .
(٢) البداية والنهاية: (١/١١٩-١٢٠) .

1 / 18

الأنبياء الذين سبق ذكرهم مذكورون في القرآن بأسمائهم، وهنا بعض الأنبياء أشار القرآن إلى نبوتهم، ولكننا لا نعرف أسماءهم، وهم الأسباط، والأسباط هم أولاد يعقوب، وقد كانوا اثني عشر رجلًا عرّفنا القرآن باسم واحد منهم وهو يوسف، والباقي وعددهم أحد عشر رجلًا لم يعرفنا الله بأسمائهم، ولكنه أخبرنا بأنّه أوحى إليهم، قال تعالى: (قولوا آمنَّا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط) [البقرة: ١٣٦] .
وقال: (أم تقولون إنَّ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودًا أو نصارى..) [البقرة: ١٤٠] .

1 / 19

المطلب الثالث
أنبياء عرفناهم من السنّة
هناك أنبياء عرفناهم من السنة، ولم ينصّ القرآن على أسمائهم، وهم:
١- شيث:
يقول ابن كثير: " وكان نبيًّا بنصّ الحديث الذي رواه ابن حبان في صحيحه عن أبي ذر مرفوعًا أنّه أنزل عليه خمسون صحيفة " (١) .
٢- يوشع بن نون:
روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: " غزا نبيٌّ من الأنبياء، فقال لقومه: لا يتبعني رجل قد ملك بضع امرأة، وهو يريد أن يبني بها، ولمّا يبنِ، ولا آخر قد بنى بنيانًا ولما يرفع سقفها، ولا آخر قد اشترى غنمًا أو خلفات وهو منتظر ولادها، قال: فغزا، فأدنى للقرية حين صلاةِ العصر، أو قريبًا من ذلك، فقال للشمس: أنت مأمورة، وأنا مأمور، اللهمَّ احبسها عليَّ شيئًا، فحسبت عليه حتى فتح الله عليه " (٢) .
والدليل على أنَّ هذا النبيّ هو يوشع قوله ﷺ: " إنَّ الشمس لم تحبس إلاّ ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس " (٣) .
المطلب الرابع
صالحون مشكوكٌ في نبوتهم
١- ذو القرنين:
ذكر الله خبر ذي القرنين في آخر سورة الكهف، ومما أخبر الله به عنه أنه خاطبه (قلنا يا ذا القرنين إمَّا أن تعذب وإمَّا أن تتَّخذ فيهم حسنًا) [الكهف: ٨٦] .

(١) البداية والنهاية: (١/٩٩) .
(٢) رواه البخاري: ٣١٢٤، ومسلم: ١٧٤٧، واللفظ لمسلم.
(٣) قال ابن كثير في البداية والنهاية: (١/٣٢٣) انفرد به أحمد من هذا الوجه وهو على شرط البخاري. وهو في " مسند أحمد" ١٤/٦٥ (٨٣١٥) طبعة مؤسسة الرسالة.

1 / 21

فهل كان هذا الخطاب بواسطة نبيّ كان معه، أو كان هو نبيًّا؟ جزم الفخر الرازي بنبوته (١)، وقال ابن حجر: " وهذا مرويٌّ عن عبد الله بن عمرو، وعليه ظاهر القرآن " (٢) ومن الذين نفوا نبوته عليُّ بن أبي طالب (٣) .
٢- تبع:
ورد ذكر تبع في القرآن الكريم، قال تعالى: (أهم خير أم قوم تُبَّعٍ والَّذين من قبلهم أهلكناهم إنَّهم كانوا مجرمين) [الدخان: ٣٧]، وقال: (كذَّبت قبلهم قوم نوحٍ وأصحاب الرَّس وثمود - وعادٌ وفرعون وإخوان لوطٍ - وأصحاب الأيكة وقوم تُبَّعٍ كلٌّ كذَّب الرُّسل فحقَّ وعيد) [ق: ١٢-١٤]، فهل كان نبيًّا مرسلًا إلى قومه فكذبوه فأهلكهم الله؟ الله أعلم بذلك.
الأفضل التوقف في أمر ذي القرنين وتُبّع:
والأفضل أن يتوقف في إثبات النبوة لهذين، لأنه صحّ عن الرسول ﷺ أنه قال: " ما أدري أتُبّع نبيًّا أم لا، وما أدري ذا القرين نبيًا أم لا " (٤) . فإذا كان الرسول ﷺ لا يدري، فنحن أحرى بأن لا ندري.
٣- الخضر:
الخضر هو العبد الصالح الذي رحل إليه موسى ليطلب منه علمًا، وقد حدثنا الله عن خبرهما في سورة الكهف.
وسياق القصة يدلّ على نبوته من وجوه (٥):
أحدها: قوله تعالى: (فوجدا عبدًا من عبادنا آتيناه رحمةً من عندنا

(١) فتح الباري: (٦/٣٨٢) .
(٢) المصدر السابق.
(٣) هذا الأثر أخرجه الحاكم عن علي، وقال: سنده صحيح، انظر فتح الباري: (٦/٣٨٢) .
(٤) رواه الحاكم والبيهقي: (انظر صحيح الجامع الصغير: (٥/١٢١) .
(٥) ذكر هذه الوجوه ابن كثير في البداية والنهاية: (١/٣٢٦) .

1 / 22

وعلَّمناه من لَّدُنَّا علمًا) [الكهف: ٦٥]، والأظهر أنّ هذه الرحمة هي رحمة النبوة، وهذا العلم هو ما يوحى إليه به من قبل الله.
الثاني: قول موسى له: (هل أتَّبعك على أن تعلمن ممَّا عُلمت رُشدًا - قال إنَّك لن تستطيع معي صبرًا - وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرًا - قال ستجدني إن شاء الله صابرًا ولا أعصى لك أمرًا - قال فإن اتَّبعتني فلا تسألني عن شيءٍ حتَّى أُحدث لك منه ذكرًا) [الكهف: ٦٦-٧٠] فلو كان غير نبيّ لم يكون معصومًا، ولم يكن لموسى - وهو نبيٌّ عظيم، ورسول كريم، واجب العصمة - كبيرُ رغبةٍ، ولا عظيم طلبة في علم وَليَّ غير واجب العصمة، ولما عزم على الذهاب إليه، والتفتيش عنه، ولو أنَّه يمضي حقبًا من الزمان، قيل: ثمانين سنة، ثمَّ لما اجتمع به، تواضع له، وعظّمه، واتبعه في صورة مستفيد منه، دلّ على أنه نبيٌّ مثله، يوحى إليه كما يوحى إليه، وقد خصّ من العلوم اللدنيَّة والأسرار النبويَّة بما لم يطلع الله عليه موسى الكليم، نبيّ بني إسرائيل الكريم.
الثالث: أنّ الخضر أقدم على قتل ذلك الغلام، وما ذاك إلا للوحي إليه من الملك العلام، وهذا دليل مستقلٌّ على نبوتَّه، وبرهان ظاهر على عصمته (١)، لأنَّ الولي لا يجوز له الإقدام على قتل النفوس بمجرد ما يلقى في خلده، لأنَّ خاطره ليس بواجب العصمة، إذ يجوز الخطأ عليه بالاتفاق، ولما أقدم الخضر على قتل ذلك الغلام الذي لم يبلغ الحلم علمًا منه بأنّه إذا بلغ يكفر، ويحمل أبويه على الكفر لشّدة محبتهما له، فيتابعانه عليه، ففي قتله مصلحة عظيمة تربو على بقاء مهجته صيانة لأبويه عن الوقوع في الكفر وعقوبته دلّ ذلك على نبوته وأنّه مؤيد من الله بعصمته.

(١) ضلَّ أقوام من هذه الأمة إذ ينتكهون الحرمات، ويرتكبون المنهيات، فإذا أنكر عليهم منكر، قالوا: حقيقة الأمر الخافية غير المظهرة البائنة، ويحتجون على ذلك بقصة الخضر، وإفساده للسفينة، وقتله للغلام، وهذا ضلال كبير، يفتح باب الشر ولا يستطاع إغلاقه بعد ذلك، والقول بنبوة الخضر يغلق هذا الباب، ثمَّ ليس لأحد من هذه الأمة أن يخالف الشريعة الإسلامية، فالحلال ما أحله الله، والحرام ما حرّمه الله، فمن رام خلاف الشريعة عوقب معاقبة المخالف، وإن زعم ما زعم. ومما ينبغي التنبيه إليه أن موسى صاحب شريعة لم يكن له أن يخالفها، ولذلك أنكر على الخضر قتله الغلام، لأنّه محرم في شريعته، ومن هنا اختار فراقه، والعودة إلى قومه.

1 / 23