The Life of the Prophet by Abul Hasan Ali Hasani Nadwi
السيرة النبوية لأبي الحسن الندوي
Editorial
دار ابن كثير
Edición
الثانية عشرة
Año de publicación
١٤٢٥ هـ
Ubicación del editor
دمشق
Géneros
•Prophetic biography
Regiones
India
بين يديّ الكتاب
الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على محمّد خير من افتتحت بذكره الدّعوات، واستنجحت بالصّلاة عليه الطّلبات، وعلى آله الذين عظّمهم توقيرا، وطهّرهم تطهيرا.
وبعد: فإنّنا نسعد بتقديم هذا الكتاب القيّم النفيس إلى القرّاء الكرام، الذي نال قبولا عظيما، وحفاوة بالغة عند كبار الدارسين والأساتذة الجامعيّين منذ أوّل يوم لصدوره، والذين اهتمّوا به دراسة وتدريسا، فسرعان ما أصبح الكتاب من أهمّ المراجع في السيرة النبوية. ويقدّر بمدى القبول له والإعجاب به لدى الناس أنّه قد نقل حتى الآن إلى أكثر من عشر لغات عالمية، وأدخل كذلك في المقرّرات الدراسية في مختلف البلاد العربية والإسلامية.
وكيف لا.. فإنّه قد صدر من قلم رجل استقى عرقه من منبع النّبوّة، ورضعت شجرته من ثدي الرسالة، وفقست بيضته من سلالة الطهارة، وربّي منذ نعومة أظفاره على التعلّق بالسّيرة، وحبّ صاحبها- عليه ألف ألف سلام- والاهتداء بهديه في الأمور كلّها، فعاش في السيرة، وعاشت فيه السيرة «١» وشكّلت عنصرا أساسيا في ثقافته وحياته. جمع في قراءتها بين ما كتب قديما وحديثا بالعربية والفارسية والأردوية وبالإنكليزية كذلك، بحيث أصبحت (السّيرة) فيما بعد مادّة كتاباته ومحاضراته الأساس بصورة مباشرة أو غير مباشرة «٢»، وأصبح تفكيره متعلّقا بها، ومنطلقا منها في توجّهاته وتوجيهاته،
(١) كما قال العلّامة يوسف القرضاوي في تقديمه لهذا الكتاب (في طبعة دار القلم بدمشق) .
(٢) يجد القارىء أجزاء كثيرة من السيرة النبوية تنتشر في ثنايا كثير من مؤلّفات العلّامة المؤلّف-
1 / 5
وأصبحت موضوعا محوريا في نتاجه الفكري، تشيع في أرجائه، وتنير مباحثه، وما يثيره من أفكار وقضايا.
فلا غرابة إذا بعد هذا ... أن يكون لهذا الكتاب من القبول والتأثير، والذيوع والانتشار ما لا يكون إلا لكتب كبار المخلصين، والعلماء العاملين، والدّعاة المجدّدين إذا كان مؤلّفه متّصفا بما ذكرناه.
قد صدر لهذا الكتاب عدّة طبعات، ولكن الطبعة الأخيرة التي صدرت من المجمع الإسلامي العلمي بلكهنؤ (عام ١٤١٦ هـ- ١٩٩٥ م)، تشتمل على إضافات قيمة للعلّامة المؤلّف، فصدرت بعد هذه الطبعة طبعات لم يتناول فيها الناشرون تلك الإضافات «١»، فراجت وشاعت دونها بين يدي القرّاء.
لذا أردنا في هذه الطبعة أن نعتني أوّلا بإلحاق جميع تلك الإضافات بهذه الطبعة مع العناية بالأمور التالية:
١- مراجعة الكتاب وتصحيحه بشكل دقيق، وذلك بالرجوع إلى جميع تلك المصادر والمراجع التي استفاد منها العلّامة المؤلّف- ﵀.
٢- استكمال تخريج الأحاديث، وتخريج ما لم يخرّج منها قبل- وهي كثيرة- بين المعقوفتين ([]) .
٣- شرح الألفاظ الغريبة في حواشي الكتاب بين المعقوفتين- والذي رأيناه لزاما، خاصة بعد ما أصبح الكتاب اليوم مقرّرا في كثير من المعاهد
﵀ ومحاضراته ومقالاته المكتوبة أو المذاعة، كما استعرضنا ذلك في محاضراته ومقالاته التي جمعناها بعنوان «محاضرات إسلامية في الفكر والدّعوة» و«مقالات إسلامية في الفكر والدعوة» والتي قد صدرت من دار ابن كثير بدمشق.
(١) استثناء منها، طبعة دار القلم بدمشق الصادرة عام ١٤٢٢ هـ ٢٠٠١ م، وهي مشتملة على جميع الإضافات الجديدة، ومتميّزة عن الطبقات السابقة علميا وفنيا.
1 / 6
الثانوية الشرعية في البلاد العربية- ليسهل على القارىء فهم واستيعاب الموضوعات دون الرجوع إلى معجم ما.
٤- إضافة (٤١) خريطة ملوّنة إلى الكتاب «١»، توضّح للقارىء الكريم أحداث السيرة النبوية، وتعينه على تصوّر أحداثها أثناء القراءة.
٥- ضبط الأسماء والأعلام قدر الضرورة، والتعليق على ما دعت الحاجة إليه، وهو كثير بين المعقوفتين.
٦- إضافة مقدّمة الباحث الإسلامي الكبير: الدكتور عماد الدين خليل إلى الكتاب، التي كتبها للطبعة السابعة الخاصة بدار الشروق في جدّة (عام ١٤٠٨ هـ- ١٩٨٧ م)، ولكنها لم تطبع فيها بسبب ظروف فنية حالت دون ذلك.
٧- إضافة ترجمة مستوفاة للعلّامة المؤلّف إلى الكتاب تعرّف بشخصيته العبقرية، ومكانته العلمية ومؤلّفاته النفيسة.
٨- إلحاق جداول للغزوات والسّرايا والأحداث التاريخية المتعلّقة بالسيرة، باخر الكتاب، مأخوذة من كتاب «رحمة للعالمين» للقاضي محمد سليمان سلمان المنصور فوري لتكون تسهيلا لمن أراد حفظها.
٩- إعداد الفهارس العامّة في آخر الكتاب.
إنّ المتمعّن في تحقيقنا لهذا الكتاب- خاصة في تخريج أحاديثه-، والناظر في مجمل التعليقات التي علّقناها عليه يدرك الجهد المضني المبذول، والوقت الثمين المصروف في خدمته، ولا نشكّ أنّ العلّامة المؤلّف رحمه الله تعالى- كان سيسرّ بهذا العمل، والدّقّة التي حقّق بها كتابه النفيس
(١) أعدّها الجغرافيّ البارع الدكتور محمد صبحي النشّاوي ببذل وقته الثمين وجهده الحثيث فيه، جزاه الله عن هذه الخدمة خير الجزاء.
1 / 7
المبارك هذا، كما سرّ- قبل أيام من وفاته- ببعض خدماتنا المتواضعة التي قمنا بها في إخراج كتبه ومؤلّفاته منقّحة، ونشرها في طباعة أنيقة بين يدي القرّاء.
نسأل الله ﵎ أن يتقبّل جهدنا المتواضع في خدمة هذا الكتاب خالصا لوجهه، إنّه سميع مجيب، وهو على كلّ شيء قدير.
دمشق ١٨/ جمادى الأولى ١٤٢٤ هـ
١٧/ تموز (يوليو) ٢٠٠٣ م
كتبه
المعتزّ بالله تعالى
عبد الماجد الغوريّ
1 / 8
الشّيخ ابو الحسن النّدوي و«السّيرة النّبويّة»
بقلم الدّكتور عماد الدّين خليل
تشكّل المقدّمة التي كتبها الشيخ الندوي للطبعة الأولى من مؤلّفه القيّم عن (السيرة النبوية) مفتاحا، أو مدخلا، لا بدّ من التوقّف عنده قليلا لفهم ما الذي أراد أن يقوله أو يفعله وهو يؤلّف كتابه هذا؟!
ومن أجل ذلك فإنّ من الضّروري- كما يقول النّقّاد البنيويّون- «تفكيك النصّ» في محاولة للتأشير على العناصر الأساسية للمقدّمة باعتبارها مرتكزا للعمل، ومبرّرا لإخراجه في الوقت نفسه.
إنّ هذه العناصر تمنح القارىء، حتى قبل مطالعة فصول الكتاب، القناعة بمبرّر ظهور بحث جديد عن السيرة، بل بضرورته، فليس الأمر- كما قد يتوهّم البعض- مجرّد رغبة مخلصة لإضافة كتاب جديد إلى قائمة المؤلّفات الحديثة في سيرة الرسول ﷺ، وإن كانت هذه الرغبة في حدّ ذاتها تحمل على المستوى الديني، مبرّراتها ودوافعها المقنعة، إنما بالنسبة لباحث متمرّس كالأستاذ الندوي، فإنّ خطوة كهذه ما كان لها أن تكون لو لم يعرف مسبقا أنّها ستقدّم إضافة جديدة إلى مكتبة السّيرة، إن على مستوى المنهج أو الموضوع، ويكفي أن يقع الاختيار على كتاب (الندوي) من بين عشرات وربّما مئات من البحوث في السّيرة، لنقله إلى الإنكليزية، وعدد من اللغات الحيّة، ومخاطبة العقل الغربي، وغير المسلم عموما، بمفردات هذه السّيرة
1 / 9
ودلالاتها، مهندسة وفق منهج الندوي وأسلوبه، لكي يتبيّن أنّ هذا من بين عوامل عديدة متشابكة كالتي سنؤشّر عليها، ما يجعل الكتاب إضافة جادّة وليس تقليدا أو تكرارا.
ومهما يكن من أمر فإنّنا لو قمنا بإعادة ترتيب العناصر الأساسية للمقدّمة، في سياقات رئيسية من أجل وضع اليد على قيمة الكتاب؛ فإنّنا سنجد محاولة (الندوي) هذه تقوم على المحاور التالية:
أولا: بيئة ثقافية ذات توجّه إسلاميّ، ينشأ فيها المؤلّف، فيجد نفسه، منذ تفتّح وعيه على الحياة، قبالة رسول الله ﷺ قراءة ومعايشة وتعلّما..
وبمرور الوقت فإنه يسعى لتنمية خبراته عن السّيرة بمزيد من القراءة والدراسة في المصادر (القديمة) والمراجع (الحديثة) بالعربية وغيرها من اللغات، هذه المتابعة الفكرية التي لم تنفصل يوما عن بطانتها الوجدانية، بسبب من عقيدة الرجل وانتمائه البيئيّ، وبالتالي فإنّها بصيغتها الشمولية هذه والقائمة على ما يسمّى في العصر الحديث ب (المعايشة التاريخية)، كانت أقدر على تحقيق المقاربة بين الندوي وبين عالم السيرة الخصب المؤثّر، المتجذّر في الغيب، والذي لن يقدر باحث من الخارج، أو من البعيد، على فهمه وإدراكه.
ويجب أن نشير هاهنا أنّ الندوي من أجل استكمال أبعاد تجربة المعايشة هذه، ذهب أكثر من مرّة إلى أرض النّبوّة واجتازها شبرا شبرا، وكان- وهو يعاين المعالم والمواقع ويدقّقها- يعيش في الوقت ذاته، المناخ الذي تخلّقت فيه مفردات السيرة، ونسجت خيوطها، ويكفي أن نرجع إلى كتاب (الطريق إلى المدينة) «١» لكي نتلمّس طبيعة المعاناة الوجدانية التي حملها الرجل بين جنبيه وهو يتقلّب هناك.
(١) طبع في دار ابن كثير بدمشق.
1 / 10
إنّ هذه الخطوات كافة منحت الندويّ، كما منحت قلّة محدودة من الباحثين المعاصرين، السلاح الذي مكّنهم من دخول الساحة، والقدرة على التعامل مع السيرة بأكبر قدر ممكن من النفاذ والصدق.
ثانيا: لم يقدم الندوي مباشرة على الكتابة في السّيرة، كمشروع شامل، قبل أن يمارس البحث في جوانب منها، كانت أشبه بخطوات على الطريق..
بتمرينات أولية، إذا صحّ التعبير، تمهيدا للعرض الجامع الأخير «١» وكان فضلا عن هذا يمارس التعامل مع السيرة باتجاه مواز آخر: الاستمداد من مادتها الخصبة وتعاليمها الغنية في الكثير من كتاباته ومحاضراته.
ثالثا: بمرور الوقت يتبلور لديه إحساس متزايد بضرورة كتابة مولّف شامل عن السيرة، وكانت تغريه بذلك، فضلا عن المؤثّرات الذاتية والثقافية والمنهجية آنفة الذكر، خصائص ومواصفات كان يرى، محقّا، أنّ أيّ دراسة في السيرة لا تستكمل أسبابها بدون حضورها جميعا، فكيف إن غاب عامل أو أكثر عن رؤية الباحثين؟ كما حدث ويحدث لدى العديد من الذين تناولوا الموضوع من المستشرقين، والمنتمين لعالم الإسلام نفسه؟ كيف إن غاب معظمها أحيانا؟ ألا يتحتّم في مقابل هذا أن تتعزّز المحاولات المنهجية التي تسعى جهدها لاستكمال الأسباب، وأن تزيد وتتكاثر، على الأقلّ لمجابهة هذا السّيل من الأعمال الناقصة وموازنتها؟
إذا «فالسّيرة» التي ينادي الندويّ بها، ويسعى إلى تنفيذها في مؤلّفه
(١) انظر بشكل خاص (الطريق إلى المدينة) والفصول الأولى من كتاب (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟) ورسالة (دراسة للسيرة النبوية من خلال الأدعية المأثورة المروية) وكذلك رسالة (النبيّ الخاتم) واللّتان قد نشرتا في مجموعة مقالات العلّامة المؤلّف في السيرة بعنوان «مقالات في السيرة النبوية» في سلسلة «تراث العلامة الندوي» وصدرت في دار ابن كثير بدمشق.
1 / 11
الذي بين أيدينا، يتحتّم قيامها على الخصائص وصيغ العمل التالية:
١- أن تبنى بأسلوب عصريّ علميّ، فما من شكّ في أنّ مناهج البحث المعاصرة ومعطيات العلوم الحديثة تقدّم وسائل جيّدة للمؤرّخ ما كان يملكها الباحثون القدماء، وبالتالي فإنها تساعد على الاقتراب أكثر من طبيعة الحدث التاريخي وتركيبه وعرضه بالصّيغ الأكثر دقّة، ويبدو أنّ من فضول القول، أن نشير هاهنا إلى أنّ هذه المناهج، وتلك المعطيات العلمية؛ ترتد في أصولها وبدرجة كبيرة- إلى معطيات الحضارة الإسلامية في هذه المجالات، وهي مسألة أكّدها الباحثون الغربيون أنفسهم في العديد من مؤلّفاتهم.
وبمقدور المرء أن يلقي نظرة على السياق المنهجي للكتاب وعلى تهميشاته لكي ما يلبث أن يتبيّن له ما يتميّز به مؤلّف الندوي من تركيز، وتماسك، ومتابعة للحدث التاريخي الأساسي، دون خروج إلى تفاصيل جانبية، وما يلتزم به من توثيق للمعلومات من خلال تثبيت المصادر والمراجع بأجزائها وصفحاتها، وبشرح المفردات وتحديد الأعلام.
أمّا اللغة فهي سلسة واضحة تسعى إلى التوصيل بأكبر قدر من الوضوح، وتتجاوز التعقيد والإغماض حتى في تعاملها مع النصوص المستمدّة من المصادر القديمة.
وقد يختلف المرء مع المؤلّف في أمر واحد وهو أنّه لم يعتمد منهج التقسيم الموضوعي لأحداث السيرة ومفرداتها، وإنّما التزم خطّ التسلسل الزمني للأحداث رغم تقاطعها النوعي من حين لآخر، وهو منهج اعتمده معظم الباحثين المعاصرين في السّيرة.
٢- أن تعتمد على خير ما كتب في القديم والحديث، ذلك أنّ البحث الجادّ هو- بشكل من الأشكال- عمل نقديّ انتقائيّ، لا يستسلم بسهولة
1 / 12
لركام الروايات، ولا يغريه أحيانا التضخّم في المادة التاريخية، ومعروف أنّ السيرة قد عانت الكثير بمرور الزمن، من الإضافات في الخبر التاريخي، بموازاة ما كان يحدث في «الحديث» النبوي مما هو معروف، ومن ثم فإن أيّ محاولة لكتابة السيرة، أو إعادة كتابتها بشكل أدقّ، يتحتمّ أن تمارس اختيارا- مسؤولا بطبيعة الحال، وليس مجرّد هوى عشوائيّ- لخير ما قدمته المصادر القديمة عن السيرة من روايات موثقة أصلية، ولأحسن ما طرحته الدراسات الحديثة من تحاليل ومواقف واستنتاجات؛ قد تعين على إضاءة أشدّ تركيزا لموضوعات السيرة الخصبة المتشابكة، ولكن تبقى «المصادر الأولى الأصلية» الأساس الذي يقوم عليه البناء؛ لأنّ المادة الأولية التي يقام عليها الصرح موجودة هناك، ويكفي أن نلقي نظرة على قوائم المصادر التي اعتمدها المؤلف لكي يتبيّن لنا أنه لم يكد يترك مصدرا أساسيا إلّا ورجع إليه، وإن كان اعتماده المحوري كما هو واضح على «سيرة» ابن هشام و«زاد المعاد» لابن قيّم الجوزية، فضلا عن كتب «الصحاح» «١» .
٣- أن تحقّق تطابقا مدروسا بين مفرداتها كافة، وبين ما جاء في القرآن الكريم والسنة الشريفة الموثقة، ذلك أنّ المصدرين الأخيرين يحملان الصدق المطلق في تعاملهما مع الواقعة التاريخية، سواء بالنسبة للمنظور الإسلامي، أو حتى بالنسبة للمنظور المنهجي العام الذي أخذ يدرك، أكثر فأكثر، مصداقية المعطى التاريخي للقرآن والسنة، وهذا يعني بالمقابل، رفض
(١) وانظر على سبيل المثال حديثه عن ميلاد رسول الله ﷺ دون تحميله بالمعجزات التي تضخّمت بمرور الوقت دونما توثيق تاريخي كاف. وكذلك نقده وتفنيده لرواية لقاء الرسول ﷺ أيام رحلته الأولى إلى الشام بالراهب النصراني بحيرى. لكن هذا لا يعني- بداهة- رفض المؤلف لكل الروايات التي تتجاوز المألوف وتستمد مفرداتها من عالم الغيب (انظر مثلا حادثة شق الصدر) .
1 / 13
واستبعاد كل ما يتعارض مع هذين المصدرين من مفردات أقحمت على السيرة عبر الزمن فيما أصابها بالتضخّم، وأضاف إليها الكثير مما لم يكن فيها ابتداء.
ولهذا السبب يدعو الندويّ إلى تجاوز ما يسمّيه «الأسلوب الموسوعي الحاشد للمعلومات في غير نقد وتمحيص»، فإنّ بعض مؤرّخينا القدماء، أسوة ببعض أدبائنا القدماء، كان مغرما في سياق نزعة موسوعية جمّاعة، إلى أن يضيف ويحشد وينوّع، مؤثرا الحصيلة الكمية على حساب التركيز الوعي، مفتقدا- أحيانا- المنهج النقدي، الانتقائي، الممحّص، وهذا المنهج يقتضي أول ما يقتضي الإحالة المنضبطة على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فضلا عن اعتماد معطيات المناهج الحديثة لما يمكن اعتباره إعادة للأمور إلى نصابها الحق فيما يتعلّق بنسيج السيرة، ويكفي أن يلقي المرء نظرة على هوامش الكتاب لكي تتبيّن له المساحات الواسعة التي اعتمد فيها المؤلّف على المعطيات التاريخية عن السيرة في كتاب الله وأحاديث رسوله ﵊.
ومن أجل ألّا يتصوّر أحد، أو يخطر على باله، بأنّ دعوة الندويّ هذه قد تقود العمل باتجاه الانسياق وراء الاتجاهات الغربية المعاصرة في دراسة السيرة، فإنه يدعو إلى رفض تقليد هذه الاتجاهات أو «الخضوع لكتابات المستشرقين وأقوال المشكّكين»، وهاهنا بصدد النقطة الأخيرة فإنّ منهج البحث الغربي، في حقل السيرة بالذات، قد يتعامل بصيغ نقدية حادة ومبالغ فيها، تقود بالضرورة إلى التشكيك بالكثير من أهمّ وقائع السيرة ومرتكزاتها، خاصة إذا تذكرنا المنظور المادي للرؤية الغربية، أو العلماني على أحسن الأحوال، هذا المنظور الذي يرفض البعد الغيبي في تعامله مع
1 / 14