The Grammarians' Melodies for Readers
تلحين النحويين للقراء
Editorial
مؤسسة الريان للطباعة والنشر والتوزيع
Edición
الأولى
Año de publicación
١٤٢٦ ه
•
Regiones
Siria
تلحين
النحويين للقرّاء
أ. د: ياسين جاسم المحيميد
أستاذ النحو والصرف
كلية اللغة العربية - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة:
تضمنت كتب النحو واللغة مجموعة من الردود، على قراءات بعض القراء، من غير المتواتر. وكنت لا أستغرب من العالم اللغوي النحوي، أن يرد قراءة ليست متواترة، فلما تصفحت بعض كتب النحو والتفسير، وجدت ردودًا على بعض قراءات الأئمة القراء الكبار، الذين تلقوا قراءاتهم بالأسانيد المتصلة، فوصلت قراءاتهم إلى درجة التواتر، أولئك الذين ارتضتهم الأمة الإسلامية جيلًا عن جيل، وتلقت تلك القراءات بالقبول. فتساءلت عن الأسباب والدواعي، فلم أجد مسوّغًا للنحاة في أن يردوا قراءة متواترة، رويت بالسند المتصل إلى النبي ﷺ. فبادرت بكتابة هذا البحث المتواضع، لأناقش هذا الموضوع مناقشة علمية هادئة، مع أنني على علم بأن هذا الموضوع ناقشه علماء كبار، لكنني أحببت أن أسهم في مناقشة هذا الموضوع، لأن لكل كاتب طريقته في الطرح والمناقشة.
أقول: إن الذي دعا النحاة أن يطعنوا ببعض قراءات الأئمة الكبار، هو اعتقادهم أن النحويين أضبط للقراءة من القراء. قال ابن جني: (ت ٣٩٢ هـ): (والذي رواه صاحب الكتاب اختلاس هذه الحركة في (بارئكم) لا حذفها البتة، وهو أضبط لهذا الأمر من غيره من القراء الذين رووه ساكنًا) (١) . وقال الزمخشري: (والسبب في نحو هذه الروايات قلة ضبط الراوي، والسبب في قلة الضبط قلة الدراية، ولا يضبط نحو هذا إلا أهل النحو) (٢) .
(١) الخصائص ١ / ٧٢
(٢) الكشاف ١ /
1 / 1
والذي يظهر لجميع الباحثين أن كثيرًا من القراء هم من النحاة، وأن كثيرًا منهم يتميز بالضبط والدقة في النقل، وأن بعضهم أعلى رتبة من بعض النحاة. فلما رجح ابن عطية الأندلسي (ت ٥٤٦هـ) نقل أبي الفتح ابن جني، على نقل أبي عمرو الداني (ت ٤٤٤ هـ)، رد عليه أبو حيان النحوي (ت ٧٤٥ هـ) فقال: (هذا الذي قاله من أن أبا الفتح أثبت، كلام لا يصح، إذ رتبة أبي عمرو الداني في القراءات ومعرفتها، وضبط رواياتها، واختصاصه بذلك بالمكان الذي لا يدانيه أحد من أئمة القراءات، فضلًا عن النحاة الذين ليسوا بمقرئين، ولا رووا القرآن عن أحد، ولا روى عنهم القرآن أحد، هذا مع الديانة الزائدة، والتثبت في النقل، وعدم التجاسر، ووفور الحظ من العربية، فقد رأيت له كتابًا في (كلا وكلتا)، وكتابًا في (إدغام أبي عمرو الكبير)، دل على اطلاعه على ما لا يكاد يطلع عليه أئمة النحاة ولا المعربين، إلى سائر تصانيفه ﵀ (١) .
وإذا كانت القراءة من غير المتواتر المجمع عليه، فلا حرج عندي إذا ردها أحد علماء النحو أو اللغة، إن كان يمتلك الدليل الثابت، لأن كثيرًا منها يحتج له في لغة العرب. أما إن كانت القراءة القرآنية متواترة، قد رويت بالأسانيد الصحيحة التي لا تقبل الشك، فقد نقلت آراء جهابذة العلماء في قبولها، بعد بيان الأدلة على فصاحتها، فهذه القراءات قد روتها الأمة جيلًا عن جيل، عن أفصح الخلق سيدنا محمد ﷺ، ولأنه قرأ بها وأقرأها لأصحابه، بالصورة التي وصلت إلينا متواترة كما هي.
وسوف أناقش هذه المسألة في موضعها - إن شاء الله - بعد أن أعرف بالقراءات، ضمن ما يتطلبه البحث.
(١) البحر المحيط ٤ / ٣٠٩، وينظر دراسات لأسلوب القرآن الكريم ١ / ٢٨
1 / 2
تعريف القراءات
القراءات في اللغة: جمع قراءة، ومعناها الجمع والاجتماع (١) . فالقراءة مصدر من قرأ يقرأ قراءة وقرآنًا، فهو قارئ، وهم قراء وقارئون (٢) .، فالعالم بالقراءة يسمى مقرئًا وقارئًا، ومعناه العابد الناسك (٣) .
والقراءة في الاصطلاح: علم بكيفيات أداء كلمات القرآن الكريم ونطقها، من تخفيف، وتشديد، واختلاف ألفاظ الوحي في الحروف (٤) .
وعرف القسطلاني (ت ٩٢٣ هـ) علم القراءات بأنه: (علم يعرف منه اتفاق الناقلين لكتاب الله، واختلافهم في اللغة والإعراب، والحذف والإثبات، والتحريك والإسكان، والفصل والاتصال، وغير ذلك من هيئة النطق، والإبدال من حيث السماع. أو هي: علم بكيفية أداء كلمات القرآن واختلافها معزوًا إلى ناقله) (٥) .
والمقرئ: هو العالم بالقراءات، الذي رواها مشافهة، فلو حفظ التيسير - مثلًا - ليس له أن يقريء بما فيه، إن لم يشافهه ممن شوفه به مسلسلًا، لأن في القراءات أشياء لا تحكم إلا بالسماع والمشافهة (٦) .
والقارئ المبتدي: من شرع في الإفراد، إلى أن يفرد ثلاثًا من القراءات.
والقارئ المنتهي: من نقل من القراءات أكثرها وأشهرها (٧) .
(١) معجم مقاييس اللغة، مادة قرأ، ٥ / ٧٩
(٢) تاج العروس مادة قرأ، ١ / ١٠١
(٣) أساس البلاغة ١ / ١٠٠.
(٤) القراءات وأثرها في علوم الغربية ١ / ١٦.
(٥) لطائف الإشارات ١ / ١٧٠
(٦) ينظر: منجد المقرئين / ٤٩
(٧) المصدر السابق / ٤٩
1 / 3
واختلاف القراء في القراءات كاختلاف الآثار التي رويت في الأحكام، فمنها المجمع عليه، السائر المعروف، ومنها المتروك المكروه عند الناس، المعيب من أخذ به. إلا أن أبا الخير محمد بن الجزري (ت ٨٣٣هـ) قد فرق بين اختلاف الفقهاء واختلاف القراء، قال: (اختلاف القراء كله حق وصواب، نزل من عند الله، وهو كلامه لا شك فيه، واختلاف الفقهاء اختلاف اجتهادي، والحق في نفس الأمر في واحد، فكل مذهب بالنسبة إلى الآخر صواب يحتمل الخطأ، وكل قراءة بالنسبة إلى الأخرى حق وصواب في نفس الأمر، نقطع بذلك، ونؤمن به) (١) .
وعلم القراءات من أشرف العلوم، لما له من تعلق بكتاب الله. وقد أمرنا الباري ﷾ أن نتعبده بتلاوة كتابه الكريم، تلاوة صحيحة فقال: (ورتل القرآن ترتيلًا) (٢) . ويمكن لنا أن نتعرف على أركان القراءة الصحيحة، التي يجوز للمسلم أن يتعبد بها، والتي تصح فيها صلاة المصلي، بعد أن نعرض بإيجاز عن نشأة القراءات.
(١) النشر في القراءات العشر ١ / ٥٢
(٢) سورة المزمل / ٤.
1 / 4
لمحة وجيزة عن نشأة علم القراءات
لقد نزل القرآن الكريم منجمًا على قلب الرسول ﷺ خلال ثلاثة وعشرين عامًا. قال تعالى: (وقرآنًا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث) (١) . وإن أول ما نزل منه قوله تعالى: (اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم) (٢) . فهذه الآيات هن أول رحمة رحم الله بها الدنيا، وأول نعمة أنعم الله بها على البشرية. وإن آخر آية نزلت في أرجح الأقوال (٣) هي: (واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله، ثم توفّى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون) (٤) . وإنّ نزول القرآن منجمًا هو بمثابة نشوء للقراءات، فقد أقرأ جبريل النبي ﷺ القرآن الكريم من أوله إلى آخره آية آية، وكان رسول الله ﷺ يعلّم الصحابة بعد نزول الآيات مشافهة، وهم بدورهم يعلمونها من سواهم. وكان النبي الكريم يتلو الآيات على أصحابه حسب لهجاتهم الفصيحة، تيسيرًا عليهم. فيأخذونها عنه مشافهة بلهجاتهم التي تختلف من قبيلة إلى أخرى.
ثم إن الصحابة - رضوان الله عليهم - قد اختلف أخذهم وتلقيهم عن رسول الله ﷺ، بسبب نزول القرآن على سبعة أحرف، فلما تفرقوا في البلاد وهم على هذه الحال، اختلف بسبب ذلك أخذ التابعين عنهم، وأخذ تابعي التابعين عن التابعين، وهلم جرّا، حتى وصل الأمر على هذا النحو إلى الأئمة القراء المشهورين، الذين تخصصوا وانقطعوا للقراءات، يضبطونها ويتقنونها وينشرونها.
(١) سورة الإسراء / ١٠٦.
(٢) سورة العلق / ١ - ٤.
(٣) ينظر فتح القدير ١ / ٣٨٠
(٤) سورة البقرة / ١٨١.
1 / 5
وحينما استحر القتل بالقراء في حروب الردة، أي: بعد وفاة النبي ﷺ. طلب عمر بن الخطاب (ت ٢٣هـ) من أبي بكر (ت ١٣هـ) ﵄ أن يجمع القرآن الكريم، فقال: (إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني لأخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن، فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن. . .) (١) . فلم يزل عمر يراجع أبا بكر حتى شرح الله صدره لذلك. فأمر زيد بن ثابت (ت ٤٥ هـ) مع بعض الصحابة، وهم أبيّ بن كعب (ت ٢٢ هـ)، وعبد الله بن مسعود (ت ٣٢ هـ)، وعثمان بن عفان (ت ٣٥ هـ)، وعلي بن أبي طالب (ت ٤٠ هـ)، وطلحة بن عبيد الله (ت ٣٦ هـ)، وحذيفة ابن اليمان (ت ٣٦ هـ)، وأبو الدرداء (ت ٣٣ هـ)، وأبو هريرة (ت ٥٧ هـ)، وأبو موسى الأشعري (ت ٤٢ هـ) ﵃، أمرهم أن يتتبعوا القرآن ويجمعوه. (٢) .
وقد اعتمدت الأمة في نقل القرآن على الحفاظ، ولذلك أرسل عثمان ﵁ إلى الأمصار كل مصحف مع من يوافق قراءته، في الأكثر. وبعد ذلك قرأ كل مصر بما في مصحفهم، وتلقوا ما فيه عن الصحابة الذين تلقوه عن النبي - صلى اله عليه وسلم - ثم تجرد لأخذ القراءات عن هؤلاء قوم أسهروا ليلهم في ضبطها، وأتعبوا نهارهم في نقلها، حتى صاروا في ذلك أئمة للاقتداء، وأنجمًا للاهتداء، فأجمع أهل بلدهم على قبول قراءتهم. ولم يختلف عليهم اثنان في صحة روايتهم ودرايتهم، وذلك لتصديهم للقراءة التي نسبت إليهم، وكان المعول فيها عليهم. (٣)
(١) صحيح البخاري، رقم الحديث ٤٧٠١، ٤ / ١٩٠٧، وينظر: السبعة في القراءات /٦
(٢) تتمة الحيث ٤٧٠١، والسبعة / ٦
(٣) ينظر: مناهل العرفان / ٤١٢
1 / 6
أركان القراءة الصحيحة:
القراءة الصحيحة ما توافرت فيها الأركان الثلاثة المعروفة لدى القراء، وهي: صحة السند، وموافقة رسم المصحف، وموافقة العربية ولو بوجه من وجوهها. وأول من أشار إلى هذا الضابط هو أبو جعفر الطبري (١) (ت ٣١٠ هـ)، ثم الحسين بن أحمد بن خالويه (٢) (ت ٣٧٠ هـ)، ثم مكي بن أبي طالب القيسي (٣) (ت٤٣٧ هـ)، ثم أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي (٤) (ت بعد ٤٣٠ هـ)، ثم أبو عمرو الداني (٥) (ت ٤٤٤هـ)، ثم أبو القاسم عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة (٦) (ت٦٦٥هـ)، ثم أبو الخير محمد بن محمد المعروف بابن الجزري (٧) . قال ابن الجزري: (كل قراءة وافقت العربية ولو بوجهٍ، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالًا، وصح سندها، فهي القراءة الصحيحة، التي لا يجوز ردها ولا يحل إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ووجب على الناس قبولها) (٨) .
وقد نظمها ابن الجزري في طيبة النشر بقوله:
وكل ما وافق وجه نحو ... وكان للرسم احتمالًا يحوي
وصح إسنادًا هو القرآن ... من هذه الثلاثة الأركان
وحيثما يختل ركن أثبت ... شذوذه لو أنه في السبعة (٩)
(١) ينظر: الإبانة / ٦٠، حيث نقل نصًا من كتاب (القراءات) للطبري، صرح فيه بشرط صحة السند، وموافقة الرسم، ويؤخذ موافقة اللغة منهما.
(٢) القراءات، لابن خالويه / ١٨، مخطوط مصور عن معهد المخطوطات العربية بالقاهرة. ينظر: القراءات القرآنية، تاريخ وتعريف / ٤٣، وينظر: القراءات وأثرها في التفسير والأحكام ١ / ١٦٢
(٣) الإبانة / ١٠، ١٠٣، ١٣٩
(٤) المصدر السابق ١ / ٩
(٥) المصدر السابق ١ / ٩
(٦) المرشد الوجيز / ١٤٥، ١٧١
(٧) النشر في القراءات العشر ١ / ٤٤، وينظر: القراءات وأثرها في التفسير والأحكام ١ / ١٦٣.
(٨) النشر في القراءات العشر ١ / ٩.
(٩) النشر في القراءات العشر ١ / ٩، وينظر: شرح طيبة النشر في القراءات العشر / ٥.
1 / 7
وإليك تفسير هذه الضوابط:
١- أن توافق القراءة العربية بوجه من الوجوه. والمراد بما وافق العربية بوجه من وجوه اللغة العربية، سواء أكان أفصح أم فصيحًا، مجمعًا عليه أم مختلفًا فيه اختلافًا لا يضرّ مثله، إذا كانت القراءة مما شاع وذاع، وتلقاها الأئمة بالإسناد الصحيح، وهذا هو المختار عند المحققين في ركن موافقة العربية (١) .
٢- أن تكون موافقة لإحدى المصاحف العثمانية ولو احتمالًا، كقراءة ابن عامر:
(قالوا اتخذ الله ولدًا) في سورة البقرة بغير واو، و(بالزبر وبالكتاب المنير) في سورة (آل عمران) بزيادة الباء في الاسمين، فإن ذلك ثابت في المصحف الشامي. ومثل:
(ملِك يوم الدين) في سورة الفاتحة بغير ألف، فإنه كتب بغير ألف بعد الميم في جميع المصاحف، فقراءة الحذف تحتمله. ويندرج فيه ما وقع الاختلاف في الحركة والسكون، مثل (القدُْس)، وبالتخفيف والتشديد مثل (ينشركم) بيونس، وبالقطع والوصل المعبر عنه بالشكل، مثل (ادخلوا) بغافر، وباختلاف الإعجام مثل (يعلمون)، وبالإعجام والإهمال مثل (ننشزها)، وكذا المختلف في كيفية لفظها، كالمدغم والمسهل والممال والمرقق، فإن المصاحف العثمانية هكذا كلها. ودخل في هذا قراءة ابن كثير في (جنات تجري من تحتها الأنهار) من سورة التوبة، فإنه ثابت بالمصحف الكوفي.
واعلم أن من خالف صريح الرسم في حرف مدغم أو مبدل أو ثابت أو محذوف أو نحو ذلك لا يعد مخالفًا، إذا ثبتت القراءة به، ووردت مشهورة. ألا ترى أنهم يعدون إثبات ياءات الزوائد وحذف ياء (تسألني) بالكهف، وقراءة (أكون من الصالحين)، ونحو ذلك، من مخالف الرسم غير مردود، لتمشيه مع صحة القراءة، بخلاف زيادة كلمة ونقصانها. (٢)
(١) ينظر: النشر في القراءات العشر ١ / ٩، ومناهل العرفان ١ / ٤١٨.
(٢) ينظر: النشر في القراءات العشر ١ / ٩، ومناهل العرفان ١ / ٤١٩.
1 / 8
٣- صحة إسنادها، والمراد بصحة الإسناد أن يروي هذه القراءة عدل ضابط عن مثله، وهكذا إلى الرسول ﷺ، من غير شذوذ ولا علة قادحة. والعلامة ابن الجزري يشترط فوق ذلك التواتر، وهو أن يروي القراءة جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب، عن مثلهم، وهكذا إلى رسول الله ﷺ بدون انقطاع في السند. وإذا اختل ركن من هذه الأركان فالقراءة تكون عند ذلك شاذة (١) .
وإن كل قراءة اجتمعت فيها هذه الأركان الثلاثة يحكم بقبولها. وهي من المعلوم من الدين بالضرورة، إن كانت تلك القراءة مروية عن الأئمة العشرة. فإذا اجتمعت في القراءة هذه الأركان الثلاث، قطع بصحتها وصدقها، ولا فرق بينها وبين القرآن (٢) .
ويمكن لكل من لم يتحقق من القراءة الصحيحة المكتملة الأركان أن يقع في الخطأ، وقد وقع الأعرابي الذي قرأ في أيام الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ في الخطأ.
(١) ينظر: النشر في القراءات العشر ١ / ٩ ...، ومناهل العرفان ١ / ٤٢٠.
(٢) ينظر: مناهل العرفان ١ / ٤٢١.
1 / 9
ذكر ابن الأنباري في نزهة الألباء، قال: (قدم أعرابيّ في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ فقال: من يقرئني شيئًا مما أنزل الله تعالى على محمد ﷺ؟ فأقرأه رجل سورة براءة، فقرأ: (إن الله برئ من المشركين ورسوله) بجر اللام، فقال الأعرابي: أو قد برئ الله من رسوله؟ إن يكن الله تعالى برئ من رسوله فأنا أبرأ منه، فبلغ ذلك عمر فدعاه، فقال: يا أعرابي أتبرأ من رسول الله ﷺ؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إني قدمت المدينة لا علم لي بالقرآن، فسألت من يقرئني؟ فأقرأني هذه السورة براءة، فقال: (إن الله برئ من المشركين ورسولِه) . فقلت: أو قد برئ الله تعالى من رسوله؟ إن يكن الله تعالى برئ من رسوله، فأنا برئ منه، فقال عمر ﵁: ليست هكذا يا أعرابي، فقال: كيف هي يا أمير المؤمنين؟ فقال: (إن الله برئ من المشركين ورسولُه) بالرفع. فقال الأعرابي: أنا والله أبرأ ممن برئ الله ورسوله منهم، فأمر ﵁ أن لا يقرئ القرآن إلا عالم باللغة العربية) (١) .
من خلال هذه الرواية ندرك مدى ارتباط القراءة بسلامة اللغة، ذلك أن الأعرابي بفطرته وسليقته أدرك وجه القراءة الخاطئة من الصائبة.
الفرق بين القرآن والقراءة
يتساءل كثير من الناس: ما الفرق بين القراءة والقرآن؟ ودار حول هذا الموضوع مناقشات ومناظرات، قديمًا وحديثًا. فتعددت الأقوال في ذلك، وسأجمل ما قاله العلماء في قولين مشهورين:
القول الأول: وهو رأي مكي بن أبي طالب القيسي (ت ٤٣٧ هـ)، وبدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ)، وهو التفريق بين القراءة والقرآن. مع اختلاف في وجهات النظر.
فيرى مكي أن التفريق بين القراءة والقرآن له شروط، فإن كانت القراءة:
(١) نزهة الألباء / ١٢٣، وينظر مناهل العرفان ١ / ٤٢٠. وينظر: مواقف النحاة من القراءات القرآنية / ٨
1 / 10