The Function of the Artistic Image in the Quran

وظيفة الصورة الفنية في القرآن

Editorial

فصلت للدراسات والترجمة والنشر

Edición

الأولى

Año de publicación

١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م

Ubicación del editor

حلب

المقدمة
كانت السليقة العربية الصافية تساعد أصحابها على إدراك ما في القرآن الكريم من جمال فني، وتصوير جميل، وتعبير معجز.
واستمرت هذه السليقة ردحا من الزمن، إلى أن بدأت تفقد صفاءها، وقدرتها على تذوّق التعبير القرآني، وذلك نتيجة اتساع الفتوحات الإسلامية، ودخول الأجناس المختلفة في نسيج المجتمع الإسلامي، فبدأت حركة تفسير القرآن، وحركة الكشف عن مواضع الإعجاز فيه أيضا.
وتنوّعت الدراسات القرآنية آنذاك، وسارت في مسارات عدة، أهمها تلك الدراسات التي ركزت على البلاغة والأساليب وطرائق التعبير، وتأتي في مقدمتها كتب الجاحظ والجرجاني والزمخشري، والخطابي والرماني والباقلاني وغيرهم.
فقد رأت هذه الدراسات القيّمة أن «البيان» هو سرّ الإعجاز، وبه كان التحدي للعرب قديما فعجزوا عن الإتيان بسورة من مثله، وما زال هذا التحدي إلى يوم الدين.
وتعدّ «الصورة الفنية» قاعدة الأسلوب القرآني الأساسية، وأداته المفضّلة في التعبير عن المعاني المجردة، والحالات النفسية، والمواقف الإنسانية.
وقد تحدّث العلماء في القديم عنها في كتبهم، ولكنها لم تحظ عندهم بدراسة متخصصة مستقلة، كما أن آراءهم حولها، لم تخرج عن الفهم الجزئي المحدود لها، إلى «الفهم الكلي» المدرك لخصائصها الفنية في النص كله.

1 / 7

وحين كثرت الدراسات المعاصرة حول «الصورة» نجد أن الأدباء والنقاد كرّسوا جهودهم على دراسة «الصورة الشعرية»، ولم يهتموا بدراسة الصورة القرآنية، على الرغم من روعة بنائها الفني، وإيقاعها الفريد، وقوة تأثيرها في النفوس، فجاءت هذه الدراسات التنظيرية للصورة قاصرة وناقصة بسبب هذا الإهمال لظاهرة التصوير في التعبير القرآني.
وأستثني من هؤلاء الدارسين «سيد قطب» الذي خصص كتابا مستقلا لها عنوانه «التصوير الفني في القرآن» فكان بذلك أول من لفت الانتباه إلى ظاهرة الإعجاز في التصوير القرآني، ولكنه أيضا قصر دراسته على الجانب الفني دون الجانب الوظيفي لها، كما صرّح هو بذلك في مقدمة كتابه يقول: «إذ كان همي كله موجها إلى الجانب الفني الخالص» «١»، ويقول أيضا: «ولكننا إنما ننظر إليها هنا من الوجهة الفنية البحتة» «٢».
ولهذا رأيت ضرورة دراسة وظيفة الصورة أيضا، ولا سيما أن كتاب سيد قطب مضى على إصداره أكثر من نصف قرن تقريبا، وقد ظهرت في هذه الفترة دراسات نقدية قيّمة، يمكن الاستفادة منها في دراسة الصورة القرآنية.
إن الصورة الفنية في القرآن تخاطب الكينونة الإنسانية مجتمعة بما فيها من عقل وحس ووجدان، وتعزف على أوتار النفس المتقابلة لتقيم التوازن بينها حتى ترتسم صورة الإنسان «النموذج» بأبعاده الفكرية، لهذا كان لا بدّ من دراسة الصورة الفنية دراسة سياقية، تتجاوز الخصائص الفنية للمفردة القرآنية، والتركيب إلى دراستها في «النسق» القرآني كلّه.
وبذلك تتكامل دراسة الصورة من حيث «السياق والنسق» في تقديم المعنى المطلوب، والنموذج الإنساني المنشود، لتتحقق بذلك وحدة الصورة الفنية في وحدة النص.
ويبرز نظام العلاقات في هذه الدراسة السياقية بصورة جلية واضحة، وأعني به نظام العلاقات التعبيرية والتصويرية والفكرية، فهو سرّ الإعجاز في التعبير والتصوير، كما أنه سرّ الإعجاز في خلق الإنسان وتكوينه، وخلق الكون وتصميمه.
وقد حاولت في هذا الكتاب أن أوضح هذا النظام في التصوير الفني في القرآن،

(١) التصوير الفني في القرآن: ص ٩.
(٢) المصدر نفسه: ص ٢٤٢.

1 / 8

فوزّعت الوظيفة للصورة القرآنية إلى قريبة، وبعيدة، وأكّدت على الترابط، وقوة التلاحم بينهما.
وقد استفدت في ذلك من حديث عبد القاهر الجرجاني عن «المعنى» و«معنى المعنى» «٣».
فالمعنى هو الذي يدرك من ظاهر اللفظ، و«معنى المعنى» هو المعنى الآخر المفهوم من المعنى الأول للفظ. وهكذا في وظائف الصورة أيضا، فالقريبة هي المفهومة من ظاهر التصوير الفني، والبعيدة هي ما ترمي إليه الصورة من الأفكار الدينية التي هي غاية التصوير الفني.
وليست هذه الوظائف مفصولة بعضها عن بعض، بل هي متلاحمة كتلاحم الروح بالجسم، ولكنّ الفصل بينها في هذا البحث، جاء لتسهيل عرض المادة العلمية.
وقد وزعت البحث على أبواب وفصول، فالباب الأول مخصص لدراسة طبيعة الصورة، ويعدّ هذا الباب مقدمة ضرورية لتحديد مفهوم الصورة، وعناصرها، وأنواعها، حتى يتضح منهج الدراسة، الذي سأسير عليه في هذا الكتاب.
فبدأت في الفصل الأول، بعرض مفهوم الصورة عند القدماء، والمؤثرات التي أثرت في تحديده، فرأيت أن البلاغيين والنقاد، تأثروا بالمفسرين واللغويين والفلاسفة، في مفهومهم للصورة، فراحوا يركزون على «الشكل» ويضعون له القواعد والمقاييس، دون أن يربطوا ذلك بالنفس أو المضمون، فقصروا الصورة على الجملة، ولم يتجاوزوها إلى دراسة السياق في النص كله، فجاءت آراؤهم جزئية لا تخرج عن هذا الإطار الجزئي المحدود، إلى استخلاص الخصائص الفنية العامة للصورة، ووظائفها
الكلية في نقل الفكر أو الرؤية.
ثم انتقلت إلى النقاد المعاصرين، لأحدّد مفهومهم لها، فرأيت تباينا كبيرا، وغموضا عجيبا، واضطرابا ملحوظا في تحديد مصطلح الصورة، وذلك لاختلاف المذاهب الأدبية، وانطلاق كل ناقد من مذهب معين في دراستها.
فحاولت جمع هذه الآراء في مفهوم موحّد للصورة يجمع بين القديم والحديث، سأسير عليه في دراستي.
وفي الفصل الثاني، قمت بتوضيح خصوصية الصورة القرآنية، وتميّزها بعناصر تشكيلها

(٣) دلائل الإعجاز: ص ٢٦٣.

1 / 9

الفني، واعتمادها على الفكر الإسلامي بالدرجة الأولى في بنائها، فهو المحور الثابت الذي تدور من حوله بقية عناصر التشكيل الفني للصورة، مثل العاطفة والخيال واللغة ...
وفي الفصل الثالث: قسمت أنواع الصورة إلى قسمين رئيسين: صورة مفردة، والأخرى سياقية.
ويتفرع من هذين النوعين، صور جزئية أخرى، ترجع إلى هذين النوعين.
فالصورة المفردة هي الصورة البلاغية، من تشبيه، واستعارة، وكناية، ومجاز مرسل، ومجاز عقلي.
وهي الأنواع البلاغية، التي قصر القدماء الصورة عليها.
والصورة السياقية، هي أعم وأشمل من الصورة المفردة، وتتضمن صورة المشهد، فاللوحة، فالكلية، ثم الصورة المركزية، التي ترجع إليها جميع الصور وبهذا يتوسّع مفهوم الصورة، لتكون قادرة على تحقيق وظيفتها الدينية، وهذه الأنواع للصورة تعتمد نظام العلاقات بينها، فالصورة المفردة، تنمو وتكبر في السياق، لتكوّن صورة المشهد، التي تقوم بدورها أيضا في التفاعل مع السياق لتكوين «اللوحة»، ثم تنمو هذه اللوحة المرسومة لتكوين الصورة الكلية للسورة الواحدة، ثم إن هذه الصور الكلية، تدور من حول الصورة المركزية في النص القرآني كله، لجلائها وإبرازها. تماما كما دارت عناصر التشكيل للصورة من حول «الفكر الإسلامي» المكوّن الأساسي لها، والذي أكسبها هذه الخصوصية، والتميّز.
أما الباب الثاني، فقد عرضت فيه الوظائف القريبة للصورة القرآنية، ووزّعتها على فصول متعددة مراعيا، نمو الصورة في السياق، وانتقالها من الإطار الجزئي في التعبير عن المعاني المجردة، إلى الإطار الكلي، في ضرب الأمثال، وتصوير مشاهد الطبيعة، والتصوير القصصي، ورسم النماذج الإنسانية، وانتقالها أيضا من العالم المحسوس، إلى عالم الآخرة الغيبي، في نقلة واسعة في الحس والشعور والفكر والخيال ..
فنظام العلاقات واضح في توزيع الفصول، أو في الوظائف القريبة للصورة، لتحقيق التأثير الديني في النفوس. كما هو واضح في كل فصل على حدة، وقد راعيت ذلك في تناولي لكل فصل بالتحليل والدراسة.
ففي الفصل الأول عرضت تصوير المعاني الذهنية، والحالات النفسية، وحاولت أن أبرز

1 / 10

نظام العلاقات التصويرية والتعبيرية والفكرية فيه، فجمعت الصور في وحدات أو مجموعات مترابطة، لأداء المعاني، وربطتها بسياقها الواردة فيه. وأحيانا، كنت أتابع الصور في نموّها ودقتها في تصوير المعنى الواحد، لاستيفاء عناصر التصوير للمعنى من جميع جوانبه، كما سيتضح ذلك في الفصل المدروس.
وهكذا سرت في الفصل الثاني، فجمعت الأمثال القرآنية في مجموعات أو وحدات، وبيّنت ما فيها من ترابط وتناسق في كل مجموعة أو وحدة على حدة، ثم ترابط المجموعة من الأمثال، مع غيرها، في حركة تفاعل سياقية لتوضيح الفكر أو الرؤية الدينية.
وفي الفصل الثالث أيضا، عرضت تصوير مشاهد الطبيعة، ضمن نظام العلاقات التصويرية، فرتبت المشاهد في مجموعات متناسقة مترابطة، منها ما يتعلق بالسماء، ومنها ما يتعلق بالأرض، ومنها، ما يتعلق بالنبات والزروع وغير ذلك، وأبرزت ما بين هذه المشاهد الطبيعية، من تفاعل وتعاون، لإبراز الفكر الديني.
وفي الفصل الرابع، تناولت تصوير الحوادث الواقعة، في زمن نزول القرآن، وركزت على نمو التصوير، مع حركة تطور الأحداث، وكيف رسمت الصورة الأحداث، من خلال التركيز على جوانب منها، لأن هدف التصوير ليس التسجيل التاريخي للأحداث، وإنما تحقيق العظة والاعتبار منها.
لهذا أهملت الصورة ذكر أسماء الأشخاص، وتحديد الأزمنة والأمكنة وذلك حتى تكتسب الأحداث المصورة، وما صاحبها من توجيه ديني، صفة الشمول والبقاء.
وفي الفصل الخامس: عرضت التصوير القصصي، وأبرزت نظام العلاقات، في توزيع حلقات القصة على سور القرآن المختلفة، وذلك لتحقيق الأغراض الدينية.
فالقصة القرآنية، لا تعرض حلقاتها كاملة في سورة واحدة ما عدا قصة يوسف- بل توزّع على سور القرآن، حسب الإنسان التي تقتضيها، ضمن نظام العلاقات في الأسلوب القرآني.
ولكن هذه الحلقات لو جمعت. من أنساقها الواردة فيها، لشكلت قصة مكتملة، بحلقاتها، وتكامل أحداثها، وأشخاصها، وتعتبر قصة يوسف نموذجا للقصة القرآنية في تكامل أحداثها وأشخاصها، وهي القصة الوحيدة، التي عرضت في سورة واحدة من بدايتها إلى نهايتها.

1 / 11

وفي الفصل السادس: تحدثت عن النماذج الإنسانية التي ترسمها الصورة، وهي نماذج خيرة للاقتداء والاحتذاء، ونماذج شريرة، للتحذير منها، والابتعاد عنها.
وفي الفصل السابع: تناولت تصوير مشاهد القيامة، وعرضتها ضمن نظام العلاقات بين الصور، مرتبا هذه المشاهد حسب الأحداث الهائلة ليوم القيامة، فبدأت بتصوير النفخة، وما يعقبها من مشاهد كونية، في السماء والأرض، والجبال والبحار، ثم مشاهد خروج الناس من القبور ثم مشاهد الحشر، ثم مشاهد الحساب والميزان، ثم مشاهد النعيم، ومشاهد العذاب، وعرضت ما في مشاهد النعيم. من صور مترابطة تعتمد نظام العلاقات التصويرية، فتبدأ بتصوير مساحة الجنة، وأبوابها، وحراسها، وما يحيط بالمكان من أشجار وأنهار، ثم وفود أهل الجنة إليها، ثم تصوير ما في الجنة من أنواع النعيم الحسي والمعنوي، يشمل الطعام، والشراب، واللباس، والمجلس، والأثاث، والسمر، والأحاديث، وهكذا أيضا عرضت صور العذاب بنفس الطريقة التصويرية في النعيم، لكي تكون الصورتان متقابلتين في الأذهان، فتتضح الفروق في الثواب والعقاب.
والباب الثالث، تناولت فيه الوظائف البعيدة، ووزّعتها على أربعة فصول:
ففي الفصل الأول عرضت الوظيفة الفنية للصورة، وهي غرض مقصود من أغراض التصوير الفني في القرآن الكريم، لأن قضية الإعجاز في القرآن، تهدف إلى تحقيق غرض ديني، وهو إثبات أن هذا القرآن منزل من عند الله.
لهذا تحدى القرآن العرب أن يأتوا بمثله أو بسورة من مثله، فعجزوا، فثبت الإعجاز في أسلوبه وبيانه، وبذلك يتلاحم الغرض الفني بالغرض الديني، لتحقيق الإعجاز في القرآن الكريم.
وقد جعلت هذا الفصل أيضا يعتمد نظام العلاقات، في تشكيل الحروف، والكلمات، والجمل، والسياق العام، والإيقاع الموسيقى، والوحدة الفنية للصورة.
وفي الفصل الثاني، وضحت أن الصورة القرآنية، لا تكتفي بإثارة المشاعر الإنسانية على نحو مبعثر، وإنما تثيرها، ضمن نظام خاص، لإقامة التوازن بين المشاعر المتقابلة، لبناء النفس الإنسانية، على أساس التوازن بين المشاعر المتناقضة.
وفي الفصل الثالث انتقلت إلى الوظيفة العقلية، لأبيّن طريقة الصورة، في إيقاظ

1 / 12

العقل، لكي يستقبل الحقائق الدينية، كما أن الوظيفة العقلية، تسعى إلى مهمة أكبر، وهي تشكيل العقل على أسس جديدة، من التأمل والملاحظة في الكون المحسوس، لاستخلاص الحقائق أو القوانين المبثوثة فيه.
وقد اعتمدت الصورة على الجدل، والقياس، والمناظرة، والتمثيل وغير ذلك، لتحقيق هذه الوظيفة ثم انتقلت في الفصل الرابع إلى الوظيفة الدينية التي هي الوظيفة الأساسية للصورة، وهي بمنزلة المحور الثابت الذي تدور من حوله جميع الوظائف الأخرى، وذلك لخصوصية النص القرآني، باعتباره كتابا منزلا من عند الله سبحانه.
وفي الختام:
أشكر زوجتي وأولادي الذين وفّروا لي ظروف الكتابة وأجواءها، كما أشكر الإخوة والأصدقاء جميعا الذين شجعوني على طباعة هذا الكتاب، وأسأل الله سبحانه أن يوفقنا لخدمة كتابه العزيز. إنه سميع مجيب.

1 / 13

الباب الأول طبيعة الصورة
الفصل الأول: مفهوم الصّورة.
الفصل الثاني: مقوّمات الصورة الفنيّة في القرآن الكريم.
الفصل الثالث: أنواع الصّور في القرآن الكريم.

1 / 15

الفصل الأول مفهوم الصورة
أصبحت قضية «الصورة» من القضايا الأساسية في النقد العربي الحديث، لأنها متصلة اتصالا مباشرا بنظرية المعرفة الإنسانية، بجانبيها الفلسفي، والأدبي.
بيد أن الصورة على الرغم من أهميتها في الدراسات الحديثة، وخطورتها في الوقت نفسه، فإنها ما زالت مصطلحا غامضا، ينظر إليها كل ناقد، من خلال رؤيته المعرفية، ومذهبه الأدبي.
ومن هنا جاءت الدراسات النقدية متباينة في فهمها، كما جاءت تطبيقاتها في الشعر، مختلفة في مناهجها ونتائجها. على الرغم من أن مصطلح «الصورة» قديم في تراثنا الأدبي والفكري يرجع إلى استعمالات القرآن لهذا المصطلح بصيغ مختلفة، في سياق تكريم الإنسان، وتفضيله، وبيان ميزته على سائر المخلوقات، كما أن الجاحظ، قد لفت انتباه الأدباء والنقاد لهذا المصطلح، وأهميته في العمل الأدبي ولكن الدراسات البلاغية والنقدية، ضيّقت من مفهوم الصورة، وحصرتها في أنواع وأشكال لا تتعداها فأثّر هذا الفهم الجزئي، في تذوق النص القرآني، وما فيه من شمول، وتنوّع، وصل إلى حدّ الإعجاز للبشر، في تعبيره، وتصويره، وقوة تأثيره.
وكان من المفترض لدى النقاد المعاصرين، أن يهتموا بدراسة الصورة القرآنية، لأنها تصلح نموذجا يحتذى في تناسق التعبير مع التصوير، وتناسق الصورة مع المعنى، أو الشكل مع المضمون، كما تصلح نموذجا أيضا لتنوع الصور، وتفاعلها مع السياق، حتى أصبح النص كله مجسّدا للفكرة الدينية المطلوبة.

1 / 17

ولكن النقاد المعاصرين أهملوا الصورة القرآنية في دراساتهم النقدية والأدبية، تنظيرا وتطبيقا، وفضّلوا قصرها على الصورة الشعرية فقط، فجاءت أحكامهم مقصورة على الشعر لا تتعداه إلى أجناس التعبير الأخرى، ولا تكتمل دراسة الصورة إلا بدراسة الصورة القرآنية أيضا لمعرفة ما فيها من خصوصية في التعبير والتصوير.
إن الصورة القرآنية، لا يمكن أن تفهم من خلال الدراسات البلاغية القديمة لها فحسب وإنما لا بدّ من توسيع مفهوم الصورة القرآنية، لكي تستطيع استيعاب الفكر الإسلامي الذي تجسّده.
لهذا سأحاول في هذا الفصل أن أدرس مفهوم الصورة بين القديم والحديث، وما وقعت فيه البلاغة القديمة من الفهم الجزئي للصورة، والتركيز على الشكل دون المضمون، نتيجة مؤثرات عدة، لأصل في النهاية إلى أن الدراسات القديمة، لا تستوعب كل الصور القرآنية، ولا تبرز خصوصيتها في بنائها الفني المعتمد على الفكر الديني، ووظيفتها الهادفة لتحقيق الغرض الديني من التصوير. لهذا لا بدّ من توسيع مفهومها لتستوعب هذا الفكر، وتقوم بإيصاله. كما أن الدراسات الحديثة للصورة، اقتصرت على الشعر، واضطربت في فهمها على الرغم من محاولة النقاد المعاصرين التوسيع من مفهومها، وقد قسمت هذا الفصل إلى فقرتين أساسيتين، أدرس في الأولى مفهوم الصورة عند القدماء وفي الأخرى مفهومها عند المعاصرين.
أ- الصورة عند البلاغيين والنقاد القدماء:
اهتم البلاغيون والنقاد العرب بدراسة الصورة، وتحليل أركانها، وبيان وظائفها. من خلال دراساتهم للأسلوب القرآني الذي اعتمد الصورة في التعبير عن أغراضه الدينية، والشعر العربي الذي حفل بها حتى لا تكاد تخلو قصيدة شعرية منها.
ولكن آراءهم حول الصورة جاءت متأثرة بآراء اللغويين والمفسرين والفلاسفة الذين يحدّدون مدلول الكلمة في الشكل دون المضمون غالبا:
ففي المعاجم العربية يدور مدلول كلمة الصورة حول الشكل الخارجي، فقد جاء في القاموس المحيط «الصورة بالضم: الشكل والجمع صور وصور، وقد صوّره فتصوّر، وتستعمل

1 / 18