The Ancient Near East in Egypt and Iraq
الشرق الأدنى القديم في مصر والعراق
Editorial
مكتبة دار الزمان
Géneros
•General History
Regiones
Egipto
مقدمة:
بسم الله الرحمن الرحيم
تتطلب وقائع المعاصرة النسبية بين الحضارات الكبرى في الشرق الأدنى القديم، ومجالات التعامل والتكامل، أو التقابل والتنافس، بين إنجازات شعوبها وثقافاتها، إيثار تضمين المعالم الرئيسية لتاريخها العريض في مؤلف واحد، ذي خطة شمولية متجانسة، يتناول مراحل التطور والتأثير في حضارات مصر والعراق والشام وشبه الجزيرة العربية، وبعض أنحاء شمال إفريقيا وشرقها وشمال السودان، إن صعودًا، وإن توقفًا أو هبوطًا، خلال عصورها القديمة وفي عالمها الكبير. وذلك هدف لا ينتقص من قيمة ما صدر عن تاريخ هذه أو تلك من مؤلفات فردية، باللغة العربية أم بغيرها من اللغات. وبدأت خطة الإصدار الأول لهذا الكتاب في عام ١٩٦٧ لتحقيق الفكرة المسبقة، فكرة تقديم تاريخ حضارة الشرق الأدنى القديم متواصلًا في مؤلف شامل كبير. ولكن ما أن تمت به ابتداء الخطوط العريضة لحضارتي مصر والعراق، حتى تأكد ما توقعناه من أن مختصر الحديث العلمي عنهما، أضخم من أن يسع معهما بحوثًا أخرى. واقتضى هذا إفرادهما بجزء أول، على أن يخصص لبقية الحضارات جزء آخر، أو جزءان يصدران بعده.
وندع التمهيد بالعوامل الموجهة لمسيرة الحضارات الرئيسية لهذا الشرق القديم، وصور التشابه أو التنوع بين إمكانياتها واتجاهاتها الثقافية الخاصة، للفصل الأول من هذا الكتاب. وحسب المقدمة الراهنة أن تعرض موجزًا لبعض المذاهب الفكرية الحديثة في تعليل البواعث والمضامين ذات الأثر في تشكيل طابع الحضارات الكبرى، ومصادرها المتنوعة. وللشرق الأدنى مكانة عريقة، في فلك تواريخ الشعوب الكبرى، وفي مراكب الحضارة الإنسانية بعامة، في عصوره القديمة، وبعض عصوره الوسيطة. وقد تداولت على أممه الكبرى، عصور استمسكت خلالها بمراتب الريادة أو القيادة في عدد من مجالات الفكر والمادة، وعصور أخرى انفلتت منها زعامتها والتزمت فيها بالتبعية الضمنية أو الكلية لغيرها. ولهذا كان من البدهي أن تشغل علل أحداثها وخواصها جانبًا مما تدارسه كبار المفكرين منذ الازدهار الإغريقي وحتى الآن، عن فلسفة المسببات لازدهار الحضارات العالمية، وعلل ضعفها أو انهيارها، في العصور المتعاقبة.
وإذا عدونا آراء مفكري العصور الكلاسيكية القديمة، ومؤرخي العصور الوسطى، إلى آراء رواد الفكر الحديث، بحسبانها أقرب مما سواها إلى مفاهيم الثقافة المعاصرة، ألفينا محاولات عدة لرد نوعية الحضارات وطبيعة تطوراتها، إلى جذور وفروع قد يرتب بعضها بنواميس الكون وسنن الحياة وبداهة التطور حينًا، ويتصل بعضها بإيحاءات البيئات الطبيعية حينًا آخر، ويتأثر بعضها بالروح الشعوبية حينًا ثالثًا. دون أن تنفي حداثة هذه الآراء وجود أصول مهدت لها، من عصور سابقة عليها.
ففي المدرسة الإيطالية، ذهب "فيكو" في دفاعه عن منهجية علم التاريخ إلى أن لحضارات الشعوب قواعد مطردة جرت على مقتضاها، تستوي في ذلك أمور العمران، وتصرفات الجماعات، وقيم الأخلاق والسلوك، وما عداها. وأقر "فيكو" بأن ما يجعل فترة تاريخية ما جديرة بالدراسة، لا يتمثل فيما حققته من أمجاد تقاس بمقاييسها الذاتية فحسب، وإنما تتحدد قيمتها الجوهرية أساسًا بوضعها في نسيج التاريخ العام.
1 / 1
وقصرت المدرسة الإنجليزية تطورات تاريخ الحضارة على إيحاء عبقريات فردية جبارة فرضت نتائج فكرها على جموع الناس. وقدرت بالتالي أن نصيب الحضارات من الازدهار أو التخلف أو التدهور إنما يرتبط بوفرة أو ندرة ما يظهر من العقليات المبدعة في كل مرحلة من مراحلها. وتجاوبت هذه الآراء مع ما حققه أفذاذ عصرها من تقدم علمي وانقلاب صناعي وانطلاق عالمي منذ القرن الثامن عشر وما تلاه.
وفي المدرسة الفرنسية تداولت النهضة الفكرية في القرن الثامن عشر، مذهبين أساسيين: فرد "مونتسكيو" الفوارق بين الحضارات على فوارق بيئاتها المناخية وظروفها الخاصة، بمعنى أنه إذا تشابهت الطبيعة البشرية في كل زمان ومكان، إلا أنها تسلك مسالك متباينة بوحي البيئات التي تعايشها. وذهب "جان جاك روسو" في أولية أثر الإنسان على أثر البيئة، إلى أن عامل الزمن في مسيرة الحضارة، وتأثير الظروف الخاصة المحيطة بأهلها، ثم مدى وضوح إرادة المجموع، ومدى فاعلية التربية في بنيان المجتمع، كل ذلك له تأثيره في تطور تواريخ الشعوب. ونادى بالاعتراف لكل حضارة، أيامًا كانت مرتبتها، بجهودها وقيمتها الذاتية، مع اعتبار كل منها حلقة من سلسلة تطور طويلة لا تزال الملكات البشرية تنتجها في مختلف الدهور والظروف.
ومع النهضة البروسية الجرمانية، ذهب "هيردر" إلى أن تاريخ كل شعب هو حصيلة للفعل المتبادل بين مجموعتين من القوى: القوى الخارجية التي تشكل محيطه الجغرافي، والقوى الباطنية التي يعبر عنها بروح الشعب. وهذه الأخيرة هي الأهم والأبقى. فلكل شعب روح من نوع معين توارثها في تكوينه فأصبحت تترجم عنه وتعبر عن نفسها في كل ما خرج أهلها به من نظم وتقاليد، ومثل عليا للحياة. كما غدت بالتالي هي المسئولة عن صورة تاريخ شعبها. وعدل "هيجل" هذا الرأي إلى رأي آخر، قال فيه إن لكل شعب عبقريته الخاصة التي تنعكس على ما يأتيه من أعمال في عالم الفكر والمادة، وبهذه العبقرية يساهم كل شعب مساهمة خاصة قدرت له في نطاق إمكانياته، في صنع تاريخ العالم. ثم أخذ برأي للفيلسوف "كانت" مؤداه أن التاريخ هو تاريخ المجموع، ينظر المفكر إليه ككل ويتغاضى فيه عن الجزيئات، ويرى فيه لكل شعب مكانًا في مسيرة عالمية تتيح الدنيا في نهاية أمرها تحقيق أسمى معانيها، وهو معنى التوازن عند "كانت" ومعنى الوعى الكامل بالحرية عند "هيجل". وكان "كانت" قد استهل فلسفته التاريخية بفكرة مسبقة خلاصتها أنه ما من شيء في الكون إلا ويسعى إلى غاية عظمى ينتهي إليها. ومن هذا المنطلق رأى أن وقائع الماضي التي قد تبدو متناثرة بغير قيمة تذكر – تتجلى في مجملها وكأنها تخدم هدفًا أعظم. ذلك لأن التاريخ يكاد يتبع خطة طويلة المدى غايتها البعيدة هي الأنواع الإنسانية ككل، ولو أدت إلى التضحية بمنفعة الجزء أو الفرد. وارتأى "كانت" أن السلام والعداء وإن كانا طرفين متناقضين، إلا أنه لا مندوحة عن تواجدهما معًا لتحقيق التوازن، والحض على التفوق.
وما من شك أن لكل رأي من هذه الآراء قيمًا كبيرة لا تجحد. وإذا كان ثمة ما يضاف إليها، فهو أنه تحت الظروف الخاصة بكل أمة، وروحها أو عبقريتها، هي المؤثرة وحدها في تطورات تاريخها، فقد تبقى
1 / 2
روحها الخاصة كما هي، وتظل في بيئتها كما هي، ولكن قد تتغير الظروف الخارجية المحيطة بها تغيرًا جذريًّا لا دخل لها به ويتغير تاريخها تحت تأثيرها إن قليلًا أو كثيرًا.
وردد "شبنجلر" آراء سابقيه من الحرمان من أمثال هيردر وهيجل بأن لكل حضارة طابعًا خاصًّا تعبر عنه، وهو في الوقت نفسه يتداخل في كل تفاصيلها وكل تطوراتها. ورأى أن كل حضارة أسيرة مصيرها، وأن اتجاهها لا يمكن أن يتحول؛ لأنه اتجاه حدده المصير وحددته الصيرورة. ثم إن كل الحضارات على الرغم من تنوعها تشترك في عملية واحدة تخضع لقانون ملحوظ من قوانين الطبيعة، وهو أن كلا منها تقطع دورة تشبه دورة حياة الكائن الحي، فيها طفولة وشباب ورجولة وشيخوخة، وهذه الدورة تبدأ بالبربرية التي تطبع المجتمعات البدائية، ثم تتطور إلى مرحلة تعمل الحضارة فيها على بدء التنظيم السياسي وبدء مقومات العلوم والفنون ولكن في صورة أولية. وفي شبابها تزداد الحضارة نقاء وصفاء وتحقق كينونتها. وأخيرًا تنتقل إلى مرحلة المدنية، فإذا بلغت غايتها من هذه المرحلة جمدت واستهلكت كل إمكانياتها واستنزفت عصارة حياتها، وأصبح ذلك إيذانًا ببداية انهيارها الذي يقترن عادة باتجاهها إلى لون آخر من ألوان البربرية يصطبغ كل شيء فيه بصبغة الاستغلال والضعة، وهذه هي نهاية حياتها، ولن يخلفها شيء بعد لأنها قد ماتت ونضب معين الابتكار فيها. وتلك سنة لا يستطاع معها تحديد عدد مراحل الدورة الحضارية فحسب، بل ويمكن تحديد زمنها أيضًا.
وليس من اعتراض على فكرة الدورة الحضارية أو التاريخية في حد ذاتها، ولم يكن القول بها من ابتداع شبنجلر، وإنما ... إلى القول بها كثيرون ومنهم ابن خلدون في الشرق وفيكو في الغرب. ولكن ينصب نقد آرائه على ما ارتآه من إمكان التنبوء الصحيح بمستقبل الحضارات وإمكان تحديد زمن دوراتها وتحديد أمد كل مرحلة من مراحلها، وما قال به من أن انهيار حضارة ما يعني موتها موتًا لا نشور بعده. وقبل الإدلاء ببعض ما يمكن تعديل نظريته به ينبغي التقديم بأمرين، وهما: أن قوانين الدورات الحضارية قوانين اعتبارية مرنة ليست كالقوانين الطبيعية جامعة ولا مانعة، وأن تعبير الدورة لا يعني الحركة الدائرية بالضرورة، وإلا لعادت الحضارات إلى حيث بدأت وسارت في نفس خطوطها القديمة، وظلت في حلقة مقفلة، وهذا يخالف سنة التطور. كما أنها لا تعني الحركة الحلزونية، كما ظنها "فيكو" فالحركة الحلزونية قد تعني الاتساع إلى الخارج باطراد، وهذا إن حدث مرة قد لا يحدث مرة أخرى.
وفي ظل هذه المقدمات يمكن القول بأن الدورات الحضارية والدورات التاريخية للأمم المتحضرة لا تكاد تخلو من وجوه شبه ظاهرية مع دورة الحياة التي يمر بها الكائن الحي، لا سيما الكائن العاقل الذي يؤثر في غيره ويتأثر بغيره، ويختار بعض أمره ويجبر على بعض أمره. وعلى هذا الاعتبار تعاقبت الحضارات الكبرى مراحل طفولة ونشأة، ومراحل فتوة وشباب، ومراحل كهولة وشيخوخة. وكثيرًا ما طالت في الحضارات مراحل نشأتها وتلونت فيها بلون بيئتها، وتعثرت فيها بين الفشل وبين النجاح في تجارب تناسبها خلقت فيها بمجهوداتها أشياء من العدم، وقلدت فيها أشياء أخرى من غيرها. وكثيرًا كذلك ما تأثر شباب الحضارات
1 / 3
بمدى استمرار الإمكانيات البكر في أرضها، ومدى ما توفر لشعبها من قدرة
على الإبداع المادي والمعنوي في فتوتها، ومدى ونوع التحديات والأزمات التي واجهتها وأظهرت قيمة معدنها. وتتفاوت مصائر الحضارات في مراحل شيخوختها تبعًا لما أسست به بنيانها في مراحل نشأتها وشبابها وازدهارها. وتتعاقب عليها خلال المراحل السابقة كلها ظروف داخلية وظروف خارجية قد تشجعها على الطفرة حينًا، وتجبرها على التراخي حينًا، وتدفعها إلى الانطواء أحيانًا. ودورتها لا تكاد تختلف في ذلك كله عن دورة الحياة للكائن الحي إلا فيما جرت به سنة الخلق من انتهاء الكائنات الحية بعد الشيخوخة إلى زوال، على حين استطاعت بعض الحضارات والشعوب أن تسترجع شبابها بعد شيخوختها مرة ومرات، ونجحت في أن تفيق من نهاية دورة تاريخية لتستأنف دورة أخرى مزودة بعزمات جديدة ومستعينة ببعض خبراتها القديمة التي تغنيها عن الرجوع إلى تجارب النشأة والبدء بها مرة أخرى. وكان حضارات وشعوب الشرق الأدنى، على رأس هذا البعض من الحضارات والشعوب، فتعددت دوراتها واستعادت شبابها عدة مرات.
سبتمر ١٩٦٧
أغسطس ١٩٧٣
ديسمبر ١٩٨٠
عبد العزيز صالح
1 / 4
الشرق الأدنى القديم
الفصل الأول: التشابه والتنوع في الشرق الأدنى القديم وتأثيرات البيئة في حياة أهله
مدخل
...
الشرق الأدنى القديم:
الفصل الأول: التشابه والتنوع في الشرق الأدنى القديم وتأثيرات البيئة في حياة أهله
تعبير الشرق الأدنى القديم تعبير اصطلاحي تأثر إلى حد ما بالتعبير الأوروبي " The Ancient Near East" وقد امتدت معالم الحضارات القديمة فيه امتدادا عميقا واسعا، على الرغم من غلبة الطابع الصحراوي على معظم أراضيه. فانتشرت خلال عصور ازدهارها من أعالي الشام وأعالي العراق شمالا حتى سواحل بحر العرب "أو المحيط الهندي" جنوبًا، ومن شمال إفريقيا وشمال السودان غربًا حتى الخليج العربي شرقًا، وشغلت ما يشغله الشرق العربي في حدوده الحالية. وبعد أن سايرت الحضارات الأولية الدهور الحجرية في هذا الشرق الأدنى بقية حضارات العالم المسكون التي عاصرتها، تميزت عنها بالسبق الحضاري منذ فجر تاريخها، أي منذ الألف السادس ق. م فصاعدًا، حين تمايزت بين حضارات وديان أنهارها الكبرى حضارتان أصليتان توافر لهما أثر عميق على أغلب ما تعاقب بعدهما من حضارات، ونعني بهما حضارة مصر وحضارة العراق، اللتين بدأ فيهما الانقلاب الرئيسي الثاني في مجالات الحياة المادية للإنسان القديم، وهو بدء حرفة الزراعة "بعد معرفة سر إيقاد النار" كما بدأ فيهما التطور المعنوي الكبير الثاني لثقافات الشعوب القديمة وهو بدايات الكتابة "بعد معرفة بدايات الفنون". ثم ظهرت في الشرق الأدنى مع نضج ثقافات القديمة تشريعات وضعية متكاملة، وعقائد أخروية واعية، وبذور الوحدانية، وأسس العلوم، كما أشرقت فيه ديانات سماوية ساهم بعض أهله في نشرها وكانت ولا تزال هدى للعالمين القديم والحديث. وظلت آثار حضارات الشرق المادية والفنية أوفر عددا وأعظم ضخامة مما عداها من آثار بقية الحضارات القديمة. كما استمرت تطوراته أوسع وأوضح من تطوراتها حتى أواسط الألف الأول قبل ميلاد المسح، حين أدت ظروفه وظروفها إلى انتقال موازين القوى وزعامة الحضارة من بلاده إلى أمة الفرس في شرقه وإلى بلاد الإغريق ومن تلاهم في شماله الغربي، وإن لم يكن هذا قد حرم الشرق الأدنى من أن يظل رمزا باقيا للأصالة، برغم كل ما تعاقب عليه من نكبات وشدائد، كما لم يحرمه من النهوض بعد قرون طويلة عملاقًا قويًّا في ثوب حضاري جديد بعد ظهور الإسلام على أرضه وبين أهله.
وربطت بين مواطن العمران الأولى في الشرق الأدنى القديم عدة روابط طبيعية وجنسية وحيوية بقيت آثارها المحسوسة حتى الآن. ومعروف ما للعوامل المناخية والبيئية من تأثير في نفسيات الشعوب وملامحها ومعايشها وأخيلتها، لا سيما في عصورها التكوينية الأولى التي كان ارتباط الإنسان فيها ببيئته وخضوعه لإيحاءاتها أكبر مما هو عليه الآن بكثير، وظلت الظروف المناخية التي سادت العصور التاريخية
1 / 5
للشرق الأدنى متشابهة المظاهرة ومتشابهة النتائج إلى حد واضح. وكانت ولا تزال تميل إلى الجفاف في معظم أحوالها، فيما خلا مناطق قليلة اتصفت بمناخها الخاص على سواحل البحر المتوسط وإلى حد ما على سواحل البحر الأحمر وبحر العرب أو المحيط الهندي. وظلت معابر الشرق الأدنى البرية التي استخدمها أهله القدماء في تنقلاتهم واتصالاتهم مفتوحة مطروقة في غالب الأحيان إلى حيثما تطلبت المصالح الإقليمية زيادة تحصيناتها وتشديد الرقابة عليها في فترات الغزوات الخارجية والهجرات العنيفة. وترتب على هذين العاملين أن ظلت أغلب الجماعات ذات الأثر في عمران الشرق الأدنى وتحضره من السلالات التي عرفت اصطلاحا باسم السلالات السامية الحامية، وقد تحدرت في بداية نشأتها من عائلة جنسية واحدة ذات أرومة لغوية متقاربة، ثم انضافت إلى هوامشها من حين إلى آخر هجرات شعوبية دخيلة وفدت من أواسط آسيا ومرتفعاتها ومن جزر البحر المتوسط، ولكنها وفدت في أغلب حالاتها قليلة الأعداد وعلى فترات متباعدة، وذلك مما شجع اللبانة السامية الحامية على أن تتشربها وأن تصبغها بصبغاتها ثم تذيبها تدريجيًّا في كيانها الجنسي واللغوي والفكري الكبير وقد نتج عن ذلك أن استمرت مظاهر التشابه في لغات شرقنا الأدنى القديم واتجاهات عقائد شعوبه وأساطيرهم أكثر وأوضح من مظاهر الاختلافات الإقليمية بينها. وقد استشهدنا على ذلك بنماذج عدة تخيرناها من صور التقارب اللغوي بين المصريين القدماء وبين جيرانهم من أصحاب اللغات السامية والحامية في كتابنا السابق عن "حضارة مصر القديمة وآثارها"، ولهذا نحيل القارئ إلى ما ذكرناه فيه عنها. وحسب هذا الفصل من صورة ذلك التقارب أنه أمكن التعرف على ما يقرب من مائتي كلمة مصرية قديمة لا تزال أمثالها حية في مفردات اللغة العربية الفصحى، وهي مجرد قلة من كثرة اندثر بعضها، وانزوى بعضها الآخر في بطون المعاجم نتيجة للتطور الزمني والحضاري لمفردات الكتابة والحديث. ولعل الأكثر دلالة على صلة الرحم القديمة هو وجود صلات جوهرية بين قواعد النحو في كل من اللغة المصرية القديمة واللغة العربية بخاصة، على الرغم من اختلاف صور الكتابة بينهما، ومن ذلك وجود حروف الحاء والعين والقاف في اللغة المصرية القديمة، وشيوع المصدر الثلاثي بين أفعالها، وغلبة الفعل المعتل الآخر فيها، وما أخذت به من سبق الفعل للفاعل، وإلحاق الصفة بالموصوف، واستخدام صيغة المثنى، وإضافة تاء التأنيث في نهاية بعض أسمائها وصفاتها المؤنثة، واستخدام ياء النسبة، وتمييز البعض من الكل، واستخدام كاف المخاطب وميم المكان ونون الجمع، مثلها في ذلك مثل اللغة العربية، وذلك فضلًا عن كتابة الحروف الساكنة وشبه اللينة في كلماتها دون حروف الحركة، وتشابه عدد من ضمائرها مع ضمائر بعض لهجات اليمن ولهجات العراق ولهجات جنوب الشام في العصور القديمة، مع اختلاف في طريقة النطق بين كل واحدة والأخرى، ولا شك في أن التقارب في قواعد النحو بين اللغات لا يتأتى إلى عن طريق وحدة أصولها القديمة.
غير أنه كان من البديهي أن يترتب على شدة انفساح رقعة الشرق الأدنى القديم، وتباعد المواقع الجغرافية لأطرافه، وتباين التكوينات التضاريسية لأجزائه، بعض التنوع الإقليمي في الأوضاع المعيشية والاجتماعية والسياسية لشعوبه ومجتمعاته. وتتضح بعض صور هذا التنوع فيما ستتناوله الصفحات التالية من اختلاف ظروف البيئات النهرية والصحراوية والساحلية، ومدى توافر فرص الاختلاط والاتصالات، على تكوين القوميات القديمة وخصائص الشعوب هنا وهناك.
1 / 6
في وادي النيل:
إذا بدأنا بمصر، فلعل أقرب ما يتبادر إلى الخاطر من نصيبها في التمايز الإقليمي عن جيرانها، هو أن جريان نهر النيل في أرضها قد خفف نتائج جفافها المناخي إلى حد كبير، على الرغم من دخولها في النطاق الصحراوي العظيم الذي يمتد في أغلب بقاع الشرق الأدنى من الخليج إلى المحيط. ثم استطاع أن يطبعها بطابع خاص من الكفاية والاستقرار، وأن يوجه معايش أهلها وجهة زراعية غالبة مترابطة منذ أن أنس أجدادهم إلى ضفافه وزاد استقرارهم عليها في فجر تاريخهم القديم، ومنذ أصبحوا يستغلونه ويقدرون جوانب نفعه أكثر ما يتهيبون مظاهر جبروته وطغيان فيضاناته.
وأدت خاصية الامتداد الرأسي الطويل لنهر النيل من الجنوب إلى الشمال مع ندرة فروعه الطبيعية الجانبية في مصر، إلى توزيع مواطن العمران فيها على جانبيه توزيعا رأسيا أكثر منه أفقيًّا، وهي ظاهرة أدت فيما هو معروف إلى تكاثف سكانها في مناطق محدودة المساحات نسبيًّا، وإن سمحت في مقابل ذلك بتيسير الاتصالات المكانية ووسائل النقل المائية بينهم. وترتب على هذه الاتصالات البشرية والمكانية المتاحة بعض الأثر في الإيحاء إلى الحكام والمفكرين المصريين القدماء بواقع الترابط الطبيعي بين أجزاء أرضهم ومدى اتصال مصالحها ومقومات حياتها وقوميتها. وأفضى هذا الأثر أو هذا الإيحاء، مع غيره من مجريات الأحداث القديمة في مصر، إلى التبكير فيها بظهور أول وحدة سياسية كبيرة مستقرة معروفة في تاريخ البشرية كلها.
ولم تخل البيئة المصرية من مشكلات تطلبت أن يوجهها سكانها بالتحدي العملي والفكري حتى يتغلبوا عليها أو ييسروها ويقللوا من أخطارها. وغالبًا ما كانت التحديات ولا تزال من أهم الحوافز إلى الرقي والإبداع الحضاري.
والواقع أن أمور النيل والزراعة لم تكن هينة دائمًا في أوائل عصور التحضر المصري القديم، وإنما تخللتها مصاعب وظواهر ظلت تتطلب من أهلها كثيرًا من الصبر والجهد المتصل، وإن يكن جهدا منتجا في حد ذاته. ففيضانات النهر كانت ولا تزال، على الرغم من جودها وانتظام مواسمها، تستدعي اليقظة الجماعية لمواجهتها، وتتطلب التعاون لتقليل أخطارها، وتحتاج إلى كثير من بذل الجهد وتطوير المهارة لتيسير الانتفاع بها وتوصيلها إلى الأراضي المرتفعة عن مستوياتها. وبقيت بعض ضفاف النيل ومناطق دلتاه بخاصة، على الرغم من خصوبتها الفطرية، موطنا للأحراج النباتية والمناقع المائية طوال دهور ما قبل التاريخ وخلال أوائل العصور التاريخية ذاتها، وبهذا ظلت هي الأخرى تحتاج إلى تكاتف بشري وجهد متصل في سبيل استصلاحها وتهذيبها واستغلالها. وأدت جهود المصريين في الحالين إلى تزكية إحساسهم الجماعي بضرورة الارتباط بحكم مركزي مستقر يشرف على جهودهم العامة وينسقها وينظم الانتفاع بنتائجها.
وإذا كانت الصحراوات المصرية الواسعة قد شابهت غيرها من صحراوات الشرق الأدنى، في مظاهر فقرها الطبيعي، وفي أن هذا الفقر كثيرًا ما دفع بدوها المحليين إلى تعكير أمن حواف المناطق الزراعية وطرق التجارة البرية، وظلت نتيجة لذلك تستدعي اليقظة الدائمة من الحكومات المصرية القائمة لكسر شرة بدوها
1 / 7
وإلزامهم حدود الطاعة قدر المستطاع، إلا أنه بقي لهذه الصحراوات من الخصائص ما تميزت به إلى حد ما عن غيرها.
فعلى نحو ما ظل النيل أبًا حانيًا لحضارة المصريين القدماء، على الرغم من الجبروت الظاهر لفيضاناته كانت صحراواتهم الجافة الموحشة أمًّا لحضاراتهم من حيث لم يحتسبوا. فقد أدى اتساع فيافيها الداخلية الخطرة إلى التقليل من إمكانية استخدامها سبيلًا للغزوات الشعوبية الخارجية التي كان يمكن أن تهدد استقرار وادي النيل الأخضر، وبذلك تحقق للمصريين نصيب كبير من الوحدة الجنسية النسبية ومن الأمن الدولي القديم. وكفلت لهم صحاراهم ومرتفعاتها، على الرغم من وحشتها، بعض مقومات مدنيتهم المادية، نتيجة لوفرة معادنها وفرة نسبية، وكثرة أحجارها مع تعدد أنواع هذه الأحجار وألوانها وضخامة بحورها مما سمح لهم بأن يقيموا على مر الزمن أضخم وأروع عمائر حجرية عرفها العالم القديم قبل نهضة الإغريق. بل إن رمال الصحراء القريبة من وادي النيل لم تكن بدورها بغير أثر في تزكية آمال المصريين في الخلود حيت استغلوا جفافها لصيانة رفات موتاهم ومقتنيات مقابرهم سليمة لآماد طويلة.
وما من بأس في أن يضاف إلى كل ذلك أن ما لقيه المصريون الأوائل من متاعب بيئتهم يقل كثيرًا عما عاناه بعض جيرانهم الشرقيين من مشكلات بيئاتهم، لا سيما إذا قدرنا أن البيئة المناخية في مصر كانت ولا تزال غير ذات تأثير معاكس على وجدان أهلها على الرغم من جفافها وقلة أمطارها، فهي إذا قورنت بكثير غيرها بيئة مأمونة العواقب هينة الحدة قليلة التقلب، ليس فيها من صراع الظواهر الطبيعية أو مظاهر الرهبة والصخب العنيف ما يوجه أهلها إلى اعتياد الصخب والعنف أو يطبعهم بطبعهم بطابع التمرد والقلق وتقلب الأهواء والمشاعر والعادات. ولهذا لم يكن من الغريب، أن يترتب على ما ألفه المصريون القدماء من غلبة الخير على الشر في أحوال نيلهم وواديهم وصحراواتهم ومناخهم بعض الأثر في صبغ حضاراتهم الطويلة بصبغة غالبة من مظاهر الاستقرار والاتصال، وصبغ حياتهم السياسية بطابع الهدوء والاستمرار، ثم الإيحاء إليهم بنوع من الشعور التلقائي بالكفاية، كفاية الجهد المنتج في الأرض، وكفاية الموارد النسبية بها، فضلًا عن كفاية مقومات الحضارة في بلدهم بوجه عام وبغير حاجة إلى مدد خارجي كبير.
ولم يكن انطباع المصريين بيسر البيئة واستقرارها ووضوح معالمها بغير أثر مرة أخرى في ثبات تقاليدهم الاجتماعية والثقافية، وصبغ إنتاجهم الفني القديم بصبغة غالبة من بساطة الخطوط ووضوح التعبير وسماحة الهيئة والطابع إذا قورن بغيره من الفنون القديمة، وذلك فضلًا عن ثبات عقائدهم الدينية التي استوحوها من بيئتهم، وبعدهم عن مظاهر التعصب المذهبي وتغليبهم طابع الرحمة في أربابهم على طابع العنف والنقمة. بل ولم يكن بغير أثر كذلك في تزكية آمالهم في عالم أخروي مستقر يجدون فيه أحسن ما استحبوه من الطمأنينة والكفاية والاستقرار في دنياهم.
وعلى أية حال، فليس في كل هذا ما يؤدي بالضرورة إلى تفضيل بيئة مصر على بيئة غيرها أو تفضيل حضارة شرقية على أختها، وإنما يكفي الاستشهاد به على ما يمكن أن يتأتى من تبادل التأثر والتأثير بين البيئة وبين أهلها، هنا وهناك، وما قد يترتب على ذلك من اصطباغ حياة الشعوب بخصائص معينة تحتسب لها أحيانًا أو تحتسب عليها أحيانًا أخرى.
1 / 8
في بلاد النهرين:
تشابهت تأثيرات الأنهار الكبيرة والصحراوات الواسعة في العراق القديم مع تأثيرات أمثالها في مصر في بعض أمورها واختلفت عنها في بعض آخر. فقد كفل نهرا دجلة والفرات لأهل العراق الأقدمين خصبًا وكفاية، ووفرا لهم نصيبًا كبيرًا من الاستقرار في المعيشة والسكن، الأمر الذي ساعد حضاراتهم الأولى على أن تنضج في عصور مبكرة لا تبعد كثيرًا عن العصور التي نضجت فيها الحضارة المصرية الأولى.
وعمل النهران وفروعهما على تيسير الاتصالات المكانية والمواصلات المائية وإتاحة فرص الارتقاء بصناعة السفن منذ فجر التاريخ العراقي القديم أو في أواخر الألف الرابع ق. م. ولكن الملاحة في النهرين لم تكن على الرغم من ذلك مأمونة دائمًا، وذلك نتيجة لشدة انحدارهما وسرعة جريان تياراتهما في أجزائهما العليا بعامة، وبطء جريانها وكثرة مناقعهما في أجزائهما الدنيا بخاصة، وذلك بحيث ظلت عملية عبور النهرين في بعض أجزائهما تحتسب من الأمور الشاقة التي رددت النصوص العراقية القديمة مخاطرها حتى في العصور الآشورية المتأخرة ذاتها١. يضاف إلى هذا أن فيضانات النهرين مع ما حملته للعراق من خصب ورخاء واستقرار ظلت قبل أن تخفف الجسور ومشاريع الري والصرف من وطأتها وحدتها، عنيفة مخشية الجانب في غالب أمرها، لعدم انتظام مواسمها ولشدة اندفاعاتها، وذلك إلى حد أن أصبحت عبارة "زوبعة الفيضان" مثلًا استخدمه أدباء العراق القدماء للتعبير عن كل أمر كاسح مدمر. وقد تشتد هذه الفيضانات في غير فترات الحاجة الملحة إليها، بحيث قد تعنف خلال مواسم الحصاد، أو تعنف في أوائل الصيف حيث تؤدي شدة الحر والبخر إلى سرعة تسرب ماء الري وجفافه من الأرض.
وأفضت خاصية الامتداد العرضي الكبير للأراضي التي تتوسط النهرين والأراضي الواقعة على جانبيهما والمترامية على روافدهما وفروعهما "مثل الزاب الأكبر والزاب الأصغر وديالي والكرخة وبالخ والخابور .. "، فضلًا عن ظاهرة الامتداد الطولي الكبير للمناطق العراقية الواقعة بين الخليج العربي وبين جبال أرمينيا وزاجوراس، إلى إمكانية قيام وحدات سياسية وحضارية كثيرة متفرقة مستقلة بعضها عن بعض، نعمت كل منها بأسلوب حكمها الخاص في ظل دويلات المدن لفترات طويلة، ولكن تفرقها هذا أدى من ناحية أخرى إلى قلة إحساس أهلها بالضرورة الملحة إلى التكاتف السياسي والترابط القومي فيما بينها، إلا بوحي المطامع الإقليمية الطارئة التي تمثلت في أغلب أحوالها في رغبة بعض دويلات المدن في تعويض شح مواردها على حساب جيرانها، وتأمين طرق تجارتها إذا سلكت سبلها في أقاليم أخرى قريبة منها. وعملت هذه الأوضاع مع غيرها، على ما شهد به تاريخ العراق القديم من أن سياسته العالمة لم تتطور من الإقليمية إلى مرحلة الوحدة السياسية الكاملة والقومية الشاملة والاتساع الخارجي إلا في عصور متأخرة نسبيًّا "منذ عصر الأكديين" وبغير استقرار
١ See، D.D. Luckenbill، Ancient Records Of Assyria And Babylonia، I، ٢٨٧، ٤٧٥، ٥٥٨، ٦٣٣، Etc.; A. Leo Oppenheim، "Babylonian And Assyrian Historical Texts"، In Ancient Near Eastern Texts "Ed. By J. B. Pritchard"، Princeton، ١٩٥٥، ٢٧٥ F.
1 / 9
سليم طويل، ثم ما شهد به من استمرار المشاحنات الداخلية بين أمثال البابليين وجيرانهم الآشوريين على الرغم مما كان بينهما من صلة الجنس وقرب الجوار ووحدة الديار.
واتصلت ببلاد النهرين من الغرب والجنوب صحراوات وبوادي واسعة لم تخل من نفع كبير ومن متاعب كثيرة في الوقت نفسه. فكان من وجوه الخير فيها أن قامت على أطرافها أسواق تجارية رائجة، وخرجت منها هجرات سامية كبيرة نزلت أراضي العراق القريبة منها على فترات متقطعة، وكانت تشتد على أهلها الزراع في بداية اندفاعها ثم لا تلبث أن تطمئن بعد ذلك إلى أسلوب معايشهم وتكفل التجديد في دمائهم وتؤدي إلى التنويع في حضاراتهم، بل ونجحت أحيانًا في ضم شملهم وتوسيع حدودهم تحت راية زعمائها، كما فعل الأكديون الساميون الذين حققوا وحدة معظم العراق لأول مرة في القرن الرابع والعشرين ق. م، ثم اتسعوا بنفوذه الخارجي لأول مرة في تاريخه. وقلدهم بعد ذلك البابليون الساميون. كما أن بعض من عاشوا في واحات البوادي المتناثرة بين العراق وبين الشام ظلوا من أدوات الاتصال التجاري والتبادل الحضاري بين بلاد النهرين وبين ما أحاط بها من مواطن الحضارات القديمة الأخرى. ومعنى ذلك كله أن انكشاف حدود العراق للهجرات السامية الصحراوية لم يكن شرًّا كله "على خلاف ما تصفه به عادة أغلب المؤلفات التاريخية الحديثة".
ولكن صحراوات العراق وبواديه ظلت من وجه آخر شحيحة في مواردها الطبيعية من المعادن والأحجار، ولم تجد بما جادت به الصحراوات المصرية منهما. كما ظلت حوافها المطلة على أرض الزراعة تتطلب جهدًا عسكريًّا متصلًا لمراقبة تحركات وتحرشات قبائلها البدوية الرعوية التي لم تكن تنقطع.
وجاور بلاد العراق من الشرق شعب كبير قوي لا يقل عن شعبها قدمًا وحضارة وطموحًا، ألا وهو شعب عيلام في هضبة إيران. وكان من منطق الحوادث ألا ينقطع التنافس بينهما لاتصال الحدود واختلاف الجنس وتضارب المصالح وشهوة الغلبة، وبلاد العراق بلاد قارية داخلية ليست لها سواحل بحرية غير سواحل الخليج العربي في مناطقها الجنوبية، وأدى هذا بها إلى أن تتطلع دائمًا إلى مخرج غربي على ساحل البحر المتوسط يخدم مصالحها، سلمًا أو حربًا.
وعوضت المرتفعات الشمالية والشمالية الشرقية سهول العراق القريبة منها ببعض ما أعوز غيرها من المواد الأولية لا سيما الأحجار، لولا أن شعابها كثيرًا ما اجتازتها هي الأخرى هجرات آرية رعوية كاسحة، وكثيرًا ما جاست في وديانها أقليات متفرقة خشنة عز على أفرادها أن ينسجموا في معايشهم وعاداتهم مع الزراعين العراقيين المستقرين على السهول، وعز عليهم التوطن بسهولة معهم. وترتب على ذلك أنه كثيرًا ما فاجأت هذه الأقليات وتلك الهجرات دويلات العراق المتحضرة المعاصرة لها بين كل حين وآخر وقطعت عليها نضجها السياسي وحرمتها نعمة الاستقرار الطويل. وينطبق ذلك على ما فعلته هجرات الجوتين والكاسيين والحوريين والميتانيين فصلًا عن غزوات العيلاميين والخاتيين "الحيثيين" على التوالي.
ومرة أخرى لم تكن الهجرات الآرية التي نزلت أرض العراق شرًّا كلها، فقد توفرت لها جوانب أخرى
1 / 10