Historia de la filosofía europea en la edad media
تاريخ الفلسفة الأوربية في العصر الوسيط
Editorial
مكتبة الدراسات الفلسفية
Edición
الخامسة
Géneros
•comparative religion
Regiones
Egipto
مقدمة:
خصائص العصر الحديث
١ - تطور عميق:
أ- إذا كان المؤرخون يعتبرون فتح الترك للقسطنطينية سنة ١٤٥٣، وما تبعه من انهيار الإمبراطورية البيزنطية وهجرة علمائها إلى إيطاليا، نقطة التحول من العصر الوسيط إلى العصر الحديث، فما ذلك إلا لظهور هذه الأحداث وآثارها في جملة الأحداث التي كونت نسيج التطور الجديد. إن التدرج قانون التحول الاجتماعي؛ تعمل على هذا التحول أسباب لطيفة عملًا متصلًا، حتى يجيء يوم وإذا به قد تم وبرز للعيان. وقد بينا في "تاريخ الفلسفة الأوروبية في العصر الوسيط" أن الانتقاض على القديم بدأ بابتداء القرن الرابع عشر، فما كاد ينصرم ذلك القرن حتى كانت الفلسفة الاسمية قد نضجت في إنجلترا وفرنسا، وقضت في بعض الأذهان على جهود المدرسين في سبيل إقامة فلسفة تتفق مع الدين، وحطمت العلم الطبيعي الأرسطوطالي في جامعة باريس، وظاهرت الأمراء في تمردهم على السلطة البابوية. وكانت بين إيطاليا وبيزنطة علاقات ثقافية ترجع إلى القرن الثالث عشر، إذ كانت إيطاليا منقسمة إلى جمهوريات وكان أمراؤها يستقدمون الأدباء والعلماء من البيزنطيين. وتوثقت هذه العلاقات في القرن التالي من جراء نشاط التجارة بين البلدين ومحاولات التقريب بين الكنيسة اللاتينية والكنيسة اليونانية. فنشط تعلم اليونانية والنقل منها إلى اللاتينية، وتكاثر في إيطاليا عدد الأدباء والعلماء البيزنطيين بعد ضياع ملكهم، حتى صار الشغف بالأدب القديم عامًّا في القرن الخامس عشر، وكان الإيطاليون كأنهم يعودون إلى أدبهم السالف، الأدب اللاتيني الملقح باليونانية. ومن إيطاليا انتشر الأدبان إلى فرنسا وإنجلترا وألمانيا وهولندا، وأسرع انتشارهما بفضل اختراع الطباعة في منتصف القرن. فكانت "نهضة" حقيقتها أنها عودة إلى الثقافة القديمة، وثورة على ما استحدث العصر
1 / 5
الوسيط من أدب وفلسفة وفن وعلم ودين، وأسباب الحياة السياسية والاقتصادية.
ب- هذه الثقافة القديمة تنضح بالوثنية من كل جانب، فانتشرت الوثنية في الأفكار والأخلاق. رأى فيها فريق كبير من الغربيين صورة إنسان الفطرة والطبيعة، واعتبروا دراسة القدماء كفيلة وحدها بتكوين الإنسان بمعنى الكلمة، فسميت هذه النزعة بالإنسانية أي: المذهب الإنساني، وسميت الآداب القديمة بالإنسانيات. وجاءت كشوف كولومبوس وفاسكو دي جاما وماجلان ودريك في أواخر القرن، بمعلومات كثيرة عن شعوب كانت بمعزل عن المسيحية، وكان لها أديان وأخلاق، فظهرت فكرة الدين الطبيعي والأخلاق الطبيعية. وهكذا تكونت في الغرب المسيحي نظرية جديدة في الإنسان تقنع بما يسمى بالطبيعة وتستغني عما فوق الطبيعة، كأنها تقول لله: نشكرك اللهم على نعمتك، ولكنا بغير حاجة إليها! ولسنا نرى إلا أن هذه النظرية تعتمد على إحدى وجهتين للثقافة القديمة، وتغفل عن الوجهة الأخرى؛ فقد كانت المدنية اليونانية والرومانية تقوم على علاقة وثيقة بين المواطنين والآلهة، وكانت العقول مشغولة بالقدر والغيب، وبقيت "الأسرار" ناشطة طول عهد الفلسفة، وتأثر بها أعاظم الفلاسفة، حتى تحسر أفلاطون على أن وحيًا إلهيًّا لم ينزل بخلود النفس فيقطع التردد والقلق، وحتى رأى رجال الأفلاطونية الجديدة أن كمال الفلسفة في كمال الدين والتصوف، ويقال مثل هذا في جميع الشعوب القديمة: كان الدين أظهر مظاهر حياتهم، يتناولها في جميع نواحيها وينظمها أدق تنظيم. وإذن فقد أخطأ الإنسانيون إدراك روح اليونان والرومان وغيرهم من الأمم، وخدعهم عن هذه الروح بعض الشعراء الماجنين والفلاسفة الماديين، ولكن هكذا كان، فنجمت نتائج خطيرة.
ج- كان من آثار المذهب الإنساني العمل على سلخ الفلسفة عن الدين، أو بعبارة أدق: العمل على إقامة الفلسفة خصيمة للدين، والحملة على الفلسفة المدرسية بالتهكم على لغتها وبحوثها وطريقة استدلالها؛ بل الحملة على العصر الوسيط بجميع مظاهره، ورميه بالجهل والغباوة والبربرية. وكان ما هو أخطر من هذا: كان أن تسرب المذهب الإنساني إلى المسيحية نفسها، وأخذ يعمل على تقويضها من الداخل. فما كانت البروتستانتية في البدء إلا "احتجاجًا على الغفرانات" ودعوى إصلاح في الإدارة الكنسية والعبادة، ثم زعمت أن الدين يقوم على "الفحص
1 / 6
الحر" أي: الفهم الخاص للكتاب المقدس، وعلى التجربة الشخصية، بغير حاجة إلى سلطة تحدد معاني الكتاب، ثم تناولت العقائد بالفحص الحر فذهبت فيها كل مذهب، وبددت علم اللاهوت غير محتفظة إلا بعاطفة دينية عاطلة من كل موضوع. قام لوثير " ١٤٨٣ - ١٥٤٦ " وزفنجل " ١٤٨٤ - ١٥٣١ " وكلفان " ١٥٠٩ - ١٥٦٤ " يزعزعون العقيدة السلفية، وينشئون الكنائس المستقلة وقام هنري الثامن " ١٥٠٩ - ١٥٤٧ " يقهر الإنجليز على إنكار الكثلكة، وقام غيره من الملوك والأمراء يناصرون المبتدعة قضاء لمآربهم الخاصة، فكان القرن السادس عشر من أشد القرون اضطرابًا وفوضًى، انحلت فيه الروابط الدينية والعائلية والاجتماعية، وعنفت الأهواء القومية، فنشبت الحروب من أجل الدين والسياسة جميعًا، واستُبيح فيها كل محرم بحجة سلامة الأمير أو الدولة.
د- وكان الأمراء الإيطاليون يطلبون أسباب القوة والترف، فشجعوا الفنون والصناعات، فاندفع الأهلون إلى الابتكار والإتقان، وتنافست المدن في هذا المضمار، حتى غالت في الاستئثار بالمخترعات والآلات الجديدة. وكان من استخدام القوى الطبيعية أن زاد في معرفة أفاعيلها، وحفز الهمم إلى البحث عن قوانينها، فخرج العلم الآلي من ازدهار الصناعات، ونبغ علماء وفنانون من الطراز الأول، ومن المعلوم أن العمل الساذج يسبق النظر، أو أن الفن يسبق العلم، ثم يخرج من النظر عمل جديد، ومن العلم فن جديد أغنى وأكثر إحكامًا. وكان العلم بأرشميدس في القرن السادس عشر، ذلك العالم الذي طبق النظر على العمل خير معوان على إقامة ميكانيكا جديدة أرضية وسماوية. فازداد سلطان الإنسان على الأرض، واتسعت السماء أمام ناظريه بفضل اختراع التلسكوب، فأحس من الكبرياء والطموح ما لم يحسه من قبل، والتقى هذا الإحساس في نفسه بما أوحى به المذهب الإنساني في الأدب والدين، وبما نفخ فيه النضال السياسي من إحساس قوي بالاستقلال، فشعر كأنه رب نفسه ليس فوقه رب.
هـ- تلك خصائص عصر النهضة، وهي هي خصائص العصر الحديث إلى أيامنا، نستطيع أن نردها إلى اثنتين: الفردية العنيفة في الأدب والدين والسياسة، والعناية البالغة بالعلم الآلي وتطبيقاته العلمية الرامية إلى توسيع سلطان الإنسان على الطبيعة والزيادة في رخائه. وسيكون لكل هذا صدى قوي في الفلسفة: ستستقل
1 / 7
الفلسفة عن الدين، فتكون هناك فلسفة إلحادية، وتكون فلسفة تتحدث عن الروحانية والمسيحية ولا تعني سوى مجرد عاطفة دينية، وتكون فلسفة تشيد بالعلم الآلي وتحصر مجالها على قدر مجاله؛ أو تجتمع هذه الوجهات المختلفة في بعض المذاهب مع تفاوت بينها؛ وتظل الأجيال إلى الآن حائرة مترددة، تعتنق المذاهب وتخلعها الواحد بعد الآخر، وتستبدل نظامًا من الحياة بنظام.
٢ - أدوار الفلسفة الحديثة:
هذه المذاهب من الكثرة والتشعُّب بحيث يتعذر التمهيد لها والإشارة إليها بشيء من الدقة في مقدمة عامة. فنقتصر هنا على تعريف مجمل بأبواب الكتاب وهي ستة، يدور الباب الأول على عصر النهضة، أي: القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وهو عصر جديد، ولكن فيه شيئًا غير قليل من القديم: فيه أتباع لأفلاطون يستمدون منه أسباب دين طبيعي؛ وفيه رشديون يذيعون الإلحاد تحت ستار دراسة أرسطو وابن رشد؛ وفيه علماء يحاولون استكناه أسرار الطبيعة بالسحر والتنجيم؛ وآخرون يضعون أسس العلم الحديث في الرياضيات والفلك والطبيعيات؛ وفيه نقاد يتشككون في أصول الأخلاق ومبادئ المعرفة؛ وفيه فلاسفة تضطرب في عقولهم جميع هاته الميول، فيخرجون مذاهب غامضة مختلطة. ولكن ما إن يجيء القرن السابع عشر، وهو موضوع الباب الثاني، حتى تهدأ الثورة، ويبدو ميل إلى الإنشاء بعد الهدم، فتزدهر نهضة دينية، وبخاصة في فرنسا، وتظهر أمهات المذاهب الحديثة، في مقدمتها مذهب ديكارت الذي يزعم إقامة فلسفة مسيحية ويستمد عناصرها من القديس أوغسطين والقديس أنسلم ودونس سكوت، ولكنه يبث فيها روحًا مغايرة للدين؛ ويتفلسف على أثره مالبرانش وبسكال وسبينوزا وليبنتز، فيبين كل منهم على وجهة ستتكرر في الأجيال التالية، بينما يضع هوبس وفرنسيس بيكون ولوك فلسفة واقعية تنكر الميتافيزيقا وتستمسك بالتجربة. فيكون لهذه الفلسفة الإنجليزية تأثير كبير على القرن الثامن عشر، موضوع الباب الثالث، يلح فيها الإنجليز، وأشهرهم هيوم؛ ويصطنعها الفرنسيون، فيرد كوندياك المعرفة بأسرها إلى الإحساس، وينقد فولتير وروسو وأضراب لهما كثيرون أصول الدين والاجتماع ويبددون
1 / 8
فلسفة ديكارت؛ ويجمع كانت بين المذهبين الحسي والعقلي في محاولة قوية لتفسير العلم والوجود تجعل منه فيلسوف ألمانيا الأكبر، وتسيطر على العقول إلى أيامنا. وبينا يبدو القرن الثامن عشر عصر تحليل دقيق ونقد عنيف، إذا بالنصف الأول من القرن التاسع عشر، موضوع الباب الرابع، يعمل على التركيب والبناء في ألمانيا وفرنسا وإنجلترا على السواء: تظهر في ألمانيا فلسفات ضخمة صاخبة تحمل أسماء فختي وشلنج وهجل وشوبنهور، ويتعمق الفرنسيون في دراسة الحياة النفسية وشرائطها بحيث يترتب على هذه الدراسة حلول في سائر النواحي، كما فعل مين دي بيران، أو يستوعب أوجست كونت جميع النواحي في مذهب واحد يصدر عن الواقعية؛ ويحاول نفر من الإنجليز، أبرزهم هاملتون تصحيح المذهب الحسي بالفلسفة الألمانية. ثم ينقلب الحال في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، موضوع الباب الخامس، فينشب صراع بين المادية وقد وجدت أسلحة جديدة في نظرية تطور الأحياء، وأنصارًا عديدين في ألمانيا وإنجلترا، أشهرهم دروين وسبنسر، وبين الروحية يؤيدها فلاسفة فرنسيون. ويستمر هذا الصراع في النصف الأول من القرن العشرين، موضوع الباب السادس والأخير، ويمكن القول: إنه لن ينتهي، ولكن الروحية العصرية عرجاء ناقصة، فإن الفلسفة الحديثة في جملتها لا تؤمن بالعقل ومعانيه ومبادئه، ولا تؤمن بجواهر ثابتة حتى تقول بنفس خالدة، وإله شخصي مفارق للطبيعة. فالروحانية مفتقرة في الواقع إلى فلسفة وجودية موضوعية كفلسفة أرسطو، ولا ندري ما إذا كانت العقول العصرية تأخذ أنفسها بمثل هذه الفلسفة، أو تمضي في محاولاتها العقيمة.
1 / 9
الباب الأول: بين القديم والجديد القرن الخامس عشر والسادس عشر
الفصل الأول: أفلاطونيون
...
الباب الأول: بين القديم والجديد القرنان الخامس عشر والسادس عشر
الفصل الأول: أفلاطونيون
٣ - نقولا دي كوسا " ١٤٠١ - ١٤٦٤ ":
أ- أديب كما يهواه الإنسانيون، ورياضي وفيلسوف وصوفي. ولد بمدينة كوسا من أعمال ألمانيا، ونشأ عند "إخوان العيشة المشتركة" وكانوا متأثرين للغاية بالتصوف الألماني في العصر الوسيط، فانطبع هو بهذا الطابع. وفي الخامسة عشرة أخذ يدرس الفلسفة بجامعة هيدلبرج، وكان أساتذتها أوكاميين، فحفظ شيئًا من تعليمهم. وفي السنة التالية انتقل إلى جامعة بادوفا بإيطاليا، وكانت معقل الرشديين، فدرس فيها القانون والرياضيات والفلسفة، دون أن يأخذ بشيء من الرشدية. ثم اشتغل بالمحاماة، ولكنه عدل عنها إلى الكهنوت، فترقى في مراتبه، فصار أسقفا فكردينالا، وكان موضع إعجاب وإجلال في مختلف المناصب التي تولاها؛ لما كان متحليًا به من التقوى والعلم وحسن تصريف الأمور، حتى مع البروتستانت، إذ أظهر نحوهم الشيء الكثير من التؤدة والتسامح.
ب- كان "موسوعة" حية، له رسائل فلكية ورياضية يبدو فيها ممهدًا لكوبرنك ولإصلاح التقويم. وله كتاب فلسفي اسمه "الجهل الحكيم" " ١٤٤٠ " وهذا لفظ وارد عن القديس بونا فنتورا، وسنوضح المقصود منه فيما بعد. والكتاب مقسم إلى ثلاث مقالات: في الله، في العالم والإنسان، في العودة إلى الله بالفداء؛ ومذهبه فيه يرجع إلى ديونيسيوس وأبروقلوس وجون سكوت أريجنا ومن لفّ لفهم من فلاسفة العصر الوسيط. ذلك أن الأفلاطونية بانت له الوسيلة الوحيدة لتخليص الميتافيزيقا من الدمار الذي انتهت إليه على أيدي الاسميين، ولم تكن الأرسطوطالية في عهده توفر له هذا الغرض، ولكنها كانت رشدية ملحدة، فعارضها وبعث
1 / 10
الصرخة التي لن تلبث أن تدوي في أرجاء أوروبا: "لتسقط شيعة الأرسطوطاليين! ".
ج- يصل الكردينال دي كوسا إلى الله والتصوف بتحليل المعرفة على طريقة الأفلاطونيين، المعرفة بالإجمال ورد الكثرة إلى الوحدة، أو هي تركيب وتوحيد. ففي المعرفة الحسية، التوحيد في غاية النقص، إذ إن الحواس تقبل الإحساس متفرقة، وتدرك الأجسام إدراكًا غامضًا. ثم يزيد التوحيد بتكوين معاني الأنواع والأجناس، أي: بردّ الجزئيات إلى ماهيات، ونظمها في قضايا وفقًا لمبدأ عدم التناقض، وهذا عمل العقل الاستدلالي، يعطينا علمًا محدودًا نسبيًّا مؤلفًا من احتمالات؛ لأنه ليس في العالم شيئان متشابهان تمام التشابه، وإنما هناك جزئيات منفصلة مستقلة لا يقاس بعضها على بعض. وهذه هي الاسمية التي أخذها عن أساتذة هيدلبرج، ثم يبلغ التوحيد أقصاه في الحدس، فتبطل عنده قيمة مبدأ عدم التناقض، وتدرك النفس توافق الأضداد التي يعرضها العقل الاستدلالي منفصلة متقابلة. وليس هذا الحدس معرفة، إذ إن المعرفة لا تحصل بغير كثرة واختلاف، فكمال التفكير في وقوف التفكير. فالجهل الحكيم معرفة الفكر لحدوده، واعتقاده بالوحدة المطلقة وراء هذه الحدود، وبأن ليس مبدأ عدم التناقض المبدأ الأعلى، وليس الجدل العلم الأعلى الذي يخضع له العقل والإيمان، على ما يريد الاسميون. إن النقائض والأضداد ملازمة لعلمنا بالمتناهي، ولكنها تمحى في اللانهاية؛ فالخط المنحني إذا صححنا انحناءه إلى ما لانهاية، جعلناه كالخط المستقيم، وإذا فرجنا الزاوية القائمة في المثلث إلى ما لانهاية، اختلط وترها بالضلعين الآخرين؛ ومتى اعتبرنا الحركة كأنها سكونات متتالية، اتفقت مع السكون؛ وهكذا في جميع الأضداد.
د- فالله الموجود الأعظم اللامتناهي الحاوي كل وجود، حتى النقائض: "هو الأشياء جميعًا في حال الوحدة أو الانطواء، والعالم الأشياء جميعًا في حال الكثرة أو الانتشار. الله الموجود المطلق الذي بلغت فيه كل قوة إلى الفعل، والعالم الموجود المتشخص المركب المنتقل من القوة إلى الفعل". وجود العالم لا وجود بالقياس إلى الوجود الإلهي؛ لذا يجب أن ننفي عن الله كل تعيين، فلا يبقى لنا شيء نسميه؛ لأن كل اسم فهو ناشئ عن تفريق وتمييز، وهذا هو اللاهوت السالب كما صادفناه عند ديونيسيوس وسكوت أريجنا؛ وإذا أطلقنا على الله أسماء
1 / 11
فإنما ندل فقط على أنه نموذج الموجودات ومصدرها، وهذا هو اللاهوت الموجب؛ أما العالم فيرجع كله إلى الله، إذ إن كل موجود فهو يرمي إلى استكمال ماهيته، ويرجع الإنسان إلى الله بالمعرفة، فإن طبيعته العقلية تسمح له باتحاد بالله أوثق، وكل هذا نعرفه عن الفلاسفة الذين ذكرناهم. وقد اتهم الكردينال دي كوسا بوحدة الوجود، فأنكر التهمة، وهو يفسر معنى توافق الأضداد والانطواء الإلهي بما لا يدع مجالًا للشك في مقاصده، فيقول: إن الله أوجد العالم "عن قصد" لا ضرورة، وهذا ينفي كل اشتراك في الوجود بين الخالق والمخلوق.
٤ - مرسيليو فتشينو " ١٤٣٣ - ١٤٩٩ ":
أ- في هذا الوقت الذي نؤرخه، لم يكن جميع الأفلاطونيين مؤمنين بالوحي المسيحي مثل الكردينال دي كوسا، بل كانوا في معظمهم أصحاب دين طبيعي قائم على الله والنفس والخلود والحرية، يستمدون الأدلة المؤيدة له من كتب أفلاطون، ويقنعون بهذه الأركان الأربعة لكي يصفوا الفلسفة بأنها مسيحية، معارضين رشديي بادوفا الذين كانوا يعتقدون بالمنافاة بين الطرفين. وأول من افتتح النزاع بين الأفلاطونيين والأرسطوطاليين، العالم اليوناني بليثون plethon، فقد أسس بفلورنسا أكاديمية أفلاطونية كسبت عددًا كبيرًا من الإيطاليين إلى جانب أفلاطون، ونشر سنة ١٤٤٠ رسالة ضد أرسطو، وخلفه على المدرسة مواطنه الكردينال بساريون.
ب- وأشهر أتباعهما مرسيليو فتشينو، نقل إلى اللاتينية تساعيات أفلوطين " ١٤٩٢ " وشرح أفلاطون في كتاب أسماه "الإلهيات الأفلاطونية في خلود النفس" وقال في مقدمته: إن الحاجة ماسة إلى دين فلسفي يستمع إليه الفلاسفة بقبول، وقد يقتنعون به. على أن أهمية فتشينو قائمة في تعريف الغربيين بكتب أفلاطون وأفلوطين، وقد طبعت كتبه مرارًا بباريس خلال القرن السادس عشر، وكانت مصدر العلم بالفيلسوفين.
٥ - جان بيك دي لاميراندول " ١٤٦٣ - ١٤٩٤ ":
أ- وتلاقت في تلك البيئة المضطربة، الأفلاطونية والفيثاغورية والكابال اليهودية والمذاهب السرية ١، فنشأت مذاهب غريبة تشترك في الاعتقاد
١ لفظ الكابال يعني التقليد "الموروث أو المقبول" من فعل: قبل يقبل، والكابال جملة شروح رجال الدين من اليهود على التوراة، وهي شروح من الغرابة والبعد عن الأصل بمكان.
1 / 12
بالروحانيات وفي معالجة العلم الطبيعي، فتتّخذ من الناحية الأولى وجه الدين، ولكنه دين غامض مريب، ومن الناحية الثانية وجه الفلسفة، ولكنها فلسفة مشوبة بالسحر والتنجيم والطلسمات، فقد كان أصحابها يزعمون معرفة الطبيعة بمذهب سري، وإخضاعها بفن سري، تبعًا لما جاء عند أفلوطين من أن العالم جملة قوى مترتبة، وأن من الممكن التأثير فيما تحت فلك القمر بوساطة القوى العليا.
ب- إلى هذه النزعة ينتمي جان بيك دي لاميراندول، كان متضلعًا من اليونانية والعبرية، وكان يعتقد أن في الكابال حكمة لا تقل شأنًا عن حكمة أفلاطون وحكمة التوراة. وهو أحد الأفلاطونيين الذين حاولوا التوفيق بين أفلاطون وأرسطو، فصنف في ذلك كتابًا تركه غير تام. وقد شرح سفر التكوين شرحًا رمزيًّا بعد كثيرين سبقوه، فاستخرج منه بالتأويل الفلسفة الباهرة المعقدة الموجودة في الكابال.
٦ - براسلس " ١٤٩٣ - ١٥٤١ ":
هو تيوفانت هوهنهيم المعروف ببراسلس. عالم وطبيب ألماني، كتب بالألمانية. يرجع إلى النزعة المتقدمة، فيؤمن بنور باطن أعلى من "العقل الحيواني" ويحب الكابال ويمزج بينها وبين المسيحية، فيذهب إلى أن النفس الكلية والأرواح التي تليها صدرت عن المسيح، وأن من يطيع الإرادة الإلهية طاعة مطلقة يتحد بالمسيح وبالعقول المفارقة. ويزعم أنه خير الأطباء، الحاصل على الدواء الكلي أو حجر الفلاسفة. ويعارض العلم الطبيعي الأرسطوطالي في عدة نقط، وبالأخص نظرية العناصر الأربعة، وقسمة العالم إلى منطقة عليا وأخرى سفلى، فيقول: إن الموجودات الطبيعية جميعًا مركبة من عين المواد، خاضعة لعين القوانين. والعلم الطبيعي عنده قائم على أن كل شيء في العالم فهو رمز، وأن كل شيء فهو في كل شيء، وأن العلم تعيين درجات الصلة والألفة بين الأشياء، وأننا بمعرفة هذه الدرجات نعرف كيف تتفاعل الأشياء، وكيف نؤثر فيها. وكتبه كلها عبارة عن تعيين مقابلات من هذا القبيل، وقد كان لها تأثير كبير في الجمعيات الصوفية الألمانية، ولكن العلم الحديث اتخذ طريقًا بعيدًا كل البعد عن هذا الخيال.
1 / 13
الفصل الثاني: رشديون
٧ - بونبوناتزي " ١٤٦٢ - ١٥٢٥ ":
أ- هو أشهر أساتذة بادوفا في ذلك العصر. وكانت جامعتها أرسطوطالية رشدية تتشبث بتأويل ابن رشد لأرسطو، ليس فقط في العقليات، بل أيضًا في الطبيعيات، فتعارض الميكانيكا الجديدة التي بدأت في جامعة باريس في القرن الرابع عشر، بنظرية أرسطو في حركة المقذوفات، وتصر على قسمة العالم إلى الرشديين اللاتين في قولهم: إن القضية الواحدة قد تكون صادقة عند اللاهوتي دون أن تكون كذلك عند الفيلسوف، وإن باستطاعتنا أن نؤمن بالإرادة بما لا نجد له مبررًا في العقل، فنخضع للدين مع علمنا ببطلان عقائده. ونشر كتابًا في "خلود النفس" أنكر فيه الخلود، ثم أعلن خضوعه لتعليم الدين بالخلود كحل نهائي للمسألة، ولكن محكمة التفتيش أمرت بإحراق الكتاب، ونجا هو من الأذى بفضل حماية أحد الكرادلة.
ب- في كتاب "خلود النفس" " ١٥١٦ " يذهب إلى أن الخلود ليس لازمًا من مبادئ أرسطو، فكأنه يرد على القديس توما الإكويني الذي قال بعكس ذلك، بل كأنه يقيم الحجة على الكنيسة بالفيلسوف الذي أعلنته حجتها. وفي معالجته للمسألة ينحرف عن قول ابن رشد وأتباعه: إن العقل المنفعل مفارق كالعقل الفعال، وإن للنفس الإنسانية بما هي مشاركة في المعرفة العقلية خلودًا لاشخصيًّا، ويتابع إسكندر الأفروديسي في أن العقل المنفعل في النفس، وأنه "هيولاني" أي: إنه مجرد استعداد جسماني لقبول تأثير العقل الفعال المفارق، وإن النفس الإنسانية فانية كالجسم. وكان هذا الموقف الثاني يعد أكثر خطرًا من الأول، وكانت هناك مناقشات بين أتباع إسكندر وأتباع ابن رشد، فلا نعجب أن يشجع البابا أحد الرشديين "واسمه نيفو Nifo" على معارضة بونبوناتزي، فيدون كتابًا "في الخلوط" لهذا الغرض " ١٥١٨ " وبعض الشر أهون من
1 / 14