Historia de la Literatura Árabe en el Siglo XIX y el Primer Cuarto del Siglo XX
تاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين
Editorial
دار المشرق
Edición
الثالثة
Ubicación del editor
بيروت
Imperios y Eras
Otomanos
المقدمة
تحيا الأمم بآدابها لأن الآداب ترقي المرء فوق الحياة المادية وتسمق به إلى المدارك الشريفة وتقربُه إلى عالم الأرواح وإلى الجمال الإلهي الذي منهُ يستعير كل مخلوق جماله. وعليهِ فأن أراد العاقل أن يعرف درجة التمدُن التي بلغها شعب من الشعوب يبحث عن انتشار الآداب بين أهلهِ ولذلك ترى المؤرخين يقدَمون في تاريخهم تاريخ الآداب على تاريخ الوقائع وربما أفردوا للآداب تاريخًا قائمًا بذاتهَ يثبت ما يختص بالعلوم والمعارف في كل ملَة مخبرًا عن نشأة الآداب بينها واتساع نطاقها وأسباب ترقيها ونتائجها الطيبة في إصلاح العموم وتحسين أخلاقهم ودفعهم إلى المشروعات الأثيرة والمساعي الخطيرة.
ومن عجيب أمور اللغة العربية أنك لا تجد حتى اليوم تاريخًا ممتعًا لآدابها مع وفرة كتبتها وتعدُد مصنفاتها في كل أبواب العلوم واتساع دائرة نفوذها إلى حدود الهند والصين ومجاهل أفريقية وسواحل أوربا وقد أحسَّ بهذا النقص مائة من المستشرقين المحدثين في فرنسة والنمسة وألمانية وإنكلترة وروسية وإيطالية فأرادوا نوعًا سدّ هذا الخلل ببعض التآليف التي أودعوها أوصاف العلوم العربيَّة وتراجم أصحابها وقائمة الكتب التي صنفوها. وكذلك جرى على آثارهم بعض كتبة الشرق في مصر فاستقوا من مناهلهم أخصهم المرحوم جرجي زيدان في كتابهِ تاريخ الآداب العربية الذي انتقدنا أقسَامهُ في مجلَّة المشرق.
على أن تلك التآليف مع فوائدها ليست سوى بواكير أعمال أوسع واكمن لا نزال إليها في حاجة ماسة فنتمنى أن تتألف فرقة من الأدباء بهذا المشروع الجليل فتتبع آثار اللغة العربية في كل أطوارها مباشرة بعد الجاهلية وبين القبائل المتفرقة في أنحاء الجزيرة تدوَن نشأة تلك اللغة وما طرأ عليها من الطوارئ في أوائل الإسلام وفي زمن
1 / 1
الخلافتين الأموَّية والعباسية مع وصف الأسباب التي زادتها انتشارًا كفتح المدارس وإنشاء المكاتب ونوادي العلوم وتنشيط الملوك. ثم تّعرف أئمة الكتبة والذين اشتهروا في كل زمن وكل بلد واختصوا بكل صنف من العلوم. وتعرض تآليفهم على محكَ الانتقاد فتميز غثها من سمينها ولا تكتفي بذكر أسمائها وتعريفها إجمالًا. فكم هناك من المصنفات الموّهمة بأسماء جليلة وهي بمضامينها ومعانيها هزيلة. وتواصل دروسها حتى إذا بلغ القرون الأخيرة تذكر خمود تلك الآداب مبينة لعلها ومعاولاتها. ثمّ تختم ذلك بفصل مطوَّل عن النهضة الأدبية التي حدثت في القرن الأخير فتطرئ على محاسنهِ وتضرب على مشاينهِ.
فلا غرو أن كتابًا مثل هذه يتهافت عليهِ الأدباء ويتخذونهُ كدستور دروسهم وأساس أبحاثهم. وذلك ما حدا بنا أن نكتب في المشرق فصولًا في الآداب العربية في القرن الأخير رجاء أن تمهد الطريق لمن يتوخَّى ذلك التاريخ الذي يتوق إليهِ المستشرقون. فلمّا انسنا في جمهور القراء. إقبالًا على مطالعتها وطلبوا إلينا جمعها في كتاب مستقل تسهيلًا لمراجعتها لَبينا إلى ملتمسهم وطلبنا على حدة القسم الأول الذي يتناول تاريخ الآداب العربية من غرَّة القرن التاسع عشر إلى السنة ١٨٧٠ ثم أردفناه بقسمهَ الثاني إلى أواخر القرن التاسع عشر.
هذا ونحن نعلم حق العلم أنهُ فاتتنا أشياء كثيرة من أحوال الآداب التي أردنا وصفها والآداب الذين قصدنا تعريفهم وما كنا لنجتري. على مباشرة هذا العمل أولًا خوفنا بأن يتلف القليل ممّا جمعناه عن آداب القرن المنصرم فتأخذه أيدي الضياع. وأملنا الوطيد بان يتلافى غيرنا ما يجدوه في هذا المجموع من خلل بإبراز ما عندهم من الذخائر المصونة والكنوز المدفونة. ونشكر الذين لبوا دعوتنا وأتونا ببعض الفوائد لإصلاح ما وقع من الخلل في طبعتنا الأولى وتحسين هذه الطبعة الجديدة. وقد ختمنا هذا الجزء بفهارس المواد وإعلام الأدباء الشرقيين والمستشرقين الذين مرَّ ذكرهم في مطاوي الكتاب لتتم بها الفائدة وتزيد العائدة. إن شاءَ الله.
1 / 2
الجزء الأول
من السنة ١٨٠٠ إلى ١٨٧٠
1 / 3
الآداب العربية في القرن التاسع عشر
توطئة
إن الآداب كصرح منيف لا تزال أيدي الأفاضل تفرغ المجهود في بنائه فكل منهم يأتيه بحجرهِ ليزيده علوًا وكمالًا. على أنه يطرأ على هذا الصرح طوارئ شتي فطورًا يبسق ويتعالى وطورًا يتخلف بناؤه فيصيب بناته الخمول ولعل صروف الدهر تتحامل عليه فتقوض أركانه وتسقط بفعل الزمان بغض حجارته.
وكل يعلم ما كان للآداب العربية في القرون السابقة من الرونق والبهاء فترقَت إلى أوج غرها وماست بمافخرها مدة أجيال متوالية إلى أن خمدت همه بناة صرحها حينًا على وفق سنن الطبيعة التي لا تبقى على حالٍ واحدة كما قال الشاعر: لكل شيء إذا ما تم نقصان
وهذه الدنيا لا تُبقي على أحدٍ ... ولا يدوم على حالِ لها شانُ
لكن هذا الخمول والحمد لله لم يدوم زمنًا طويلًا بل كان سباخًا بين بقعتين طَيبتين أو شتاء بين ربيعَين كما سترى فازدهرت شجرة الآداب بعد جفافها وراجت أسواق العلوم بعد كسادها حتى بلغت ما نراه اليوم من أمرها بعناية أرباب الشأن وهمَّه الأدباء.
1 / 5
الفصل الأول
الآداب العربية في الشرق في بدء القرن التاسع عشر
لما تنفَّس القرن التاسع عشر؟ كانت أحوال أوربَّة في هَرج ومَرج والحروب قائمة على ساق بين دولها فلم تحطَ عن أوزارها إلا بعد نفي بونابرت إلى سنت هيلانة. وكان الشرق راصدًا لحركات الدول يتحفَّظ ويتصوَّن من كل سوء يتمهَّده فيستعدُ للحرب ذبًا عن حقوقهِ. فكانت هذه الحالة لا تسمح بصرف الفكر إلى العلوم والآداب وقد قيل في مثلِ (أنَّ الحرب والعلم على طرفي نقيض فأن رجيح واحد خفّ الآخر) وممّا نقض حبلَ الآداب في ذلك العهد قلّة المدارس يتخرَج فيها الأحداث فغاية ما كان يُرى منها بعضُ الكتاتيب الابتدائية لا سيما قريبًا من أديرة الرهبان وكان في الحواضر كدمشق وحلب والإسكندرية والقاهرة مدارس أعلى رتبة لكنَّها في الغالب كانت محصورة في العلوم الدينيَّة وما يُحتاج إلى إتقانها من المعارف اللسانية كمبادئ الصرف والنحو.
أما الكتب فكانت عزيزة الوجود أكثرها من المخطوطات الغالية الثمن التي لا يحصل عليها إلاَّ القليلون. وكذلك الطباعة العربيَّة كانت إذ ذلك قليلة الانتشار فأنَّ مطبوعات أوربة العربيَّة لم يكن يعرفها إلا الأفراد. من أهل الشرق فضلًا عن أنها كانت موضوعة لمنفعة العلماء أكثر منها لفائدة الدارسين. أما المطبوعات في الشرق فلم يكن يوجد منها إلاَّ في دار السلطنة العليَّة وكانت في الغالب تركيَّة (أطلب مقالتنا في الطباعة. المشرق ٣ (١٩٠٠): ١٧٤ - ١٨٠) وفي لبنان كانت مطبعة واحدة عربيَّة وهي مطبعة الشوير وكانت أكثر مطبوعاتها دينيَّة لا مدرسيَّة (الشرق ٣٥٩:٣ - ٣٦٢) . وأما مطبعة قزحيًا فكانت سريانيَّة ولم تتجدَّد إلا بعد ثماني سنوات بهمة الراهب اللبناني سيرافيم حوقا (المشرق ٣: ٢٥١ - ٢٥٧) . وكذلك مطبعة حلب التي كان أنشأها البطريرك أثناسيوس دباس (المشرق ٣: ٣٥٥ - ٣٥٧) فأنَّها كانت بطلت بعد وفاة منشئها سنة ١٧٢٤. أما مصر فإنها حصلت على أول مطبعة عربية قبل القرن التاسع عشر بثلاث سنوات فقط. فأنَ اللجنة العلميَة التي كانت في
1 / 6
صحبة نابليون كانت أتت بأدوات طبعية توّلي إدارتها المسيو مرسال (marcal) وممّا طبعهُ بادئ بدء كتاب التهجئة في العربيَّة والتركية والفارسية (١٧٩٨) (ثم كتاب القراءَة العربية ثم معجم فرنسويّ وعربيّ ثمَّ غراماطيق اللغة المصرية العاميّة. وفي سنة ١٨٠٠ عاد مرسال إلى باريس وجلب مطبعتهُ معهُ ولم يستأنف المصريُون فن الطباعة إلا في أيام محمَّد عليّ سنة ١٨٢٢. وسنعود إلى الكلام عنها.
ومع قلَّة هذه الرسائل لتحصيل العلوم وُجد قومٌ من المكتبة الذين خدموا في الدواوين المصريَّة والشاميَّة وكانوا يتولَّون قلم الإنشاء فيها عند عمَّال الدولة العلية فينالون في الكتابة بعض الشهرة منهم إبراهيم الصبَّاغ وأولادهُ الذين أثبتنا ترجمتهم في المشرق (٨ (١٩٠٥): ٢٤) وصار ابنهُ حبيب كاتب القلم العربي عند أحمد باشا الجزَّار فتسلَّم دائرتهُ ثم تغيَّر هذا عليه فحبسهُ ومات محبوسًا. واشتهر المعلم عبود البحري وأخواهُ جرمانوس وخنَّا عند إبراهيم باشا أوزون القِطر أغاسي في حَلب وفي دمشق ثم عند خلفية عبد الله باشا العظم ويوسف آغاكنج كما ذكرنا في ترجمة والدهم ميخائيل البحري (راجع المشرق ٣ (١٩٠٠): ٢ - ٢٢) وذكرنا هناك ما كان لكل واحد منهم من الهمَّة في خدمة الدولة العثمانية وأصحابها. أما أبوهم ميخائيل فكان معتزلًا عن الأشغال في بيروت منقطعًا فيها إلى العبادة حتى توفي أواخر القرن الثامن عشر سنة ١٧٩٩. وقد روينا في ترجمته شيئًا من شعرهِ فأنهُ كان رُزق من القريحة والذكاء ما حَببهُ إلى رجال الدولة وقدَمهُ قي الأعمال وهو لا يزال يفرغ كنانة الجهد في القيام في الأمور وصدق الخدمة ونشأ أولادهِ على وتيرتهِ وترقَّوا في الرُتب الديوانية إلى أن انتقلوا نحو السنة ١٨٠٨ إلى مصر ونالوا الحظري لدى أمرائها (المشرق ٣: ٢١ - ٢٢) ومن آثارهم رسائل ومكاتبات وأشعار قد تبدّد أكثرها.
وكان في صور أيضًا المعلَم حنا عوراء من جملة الكتَّاب أخذ عن أبيهِ ميخائيل الذي كان فريدًا في الكتابة يُحسن الإنشاء في العربية والتركية والفارسية فلمَّا توفي ميخائيل في سنَّ الأربعين نال أبنهُ حناَّ رتبتهُ في ديوان الجزّار ثم عند سليمان باشا واستخدم معهُ أبنهُ إبراهيم الذي توفي بعد سنتين بالطاعون. وبقي حنا من بعدهِ زمنًا طويلًا في الأعمال الديوانيّة. وممن خدموا أيضًا في دواوين الإنشاء في ذلك الوقت الأخوان إبراهيم وخليل النحاس ابنا عم حنّا عورًا كتب لأول في عكا والثاني في صور
1 / 7
وأشتهر أيضًا بالكتابة في الوقت عينه غير هؤلاء كميخائيل سكروج وأخيهِ بطرس وإبراهيم أبي قالوش ويوسف مارون والياس بن إبراهيم اده الذي دونَّا سيرتهُ وشعرهُ في المشرق (٢ (١٨٩٩): ٦٩٣ و٧٣٦) وكذلك فضُول الصابونجي وأخوهُ خدموا كلهم أحمد باشا الجزّار وذاقوا حاوهُ ومرَّهُ. وفي عدهم اشتهر عند الأمير بشير الشهابي الشيخ ساوم الدحاح ثمَّ ابنهُ الشيخ منصور وبعدهما بطرس كرامه. كما حظي عند الأمير يوسف الشيخ سعد الخوري وعُرف في ذلك الوقت جرجس باز وعبد الأحد أخوهُ خدما أولاد الأمير يوسف وهم حسين وسعد الدين وسليم الذين كانوا يزاحمون الأمير بشير على الحكم.
وكان في مصر غير هؤلاء يشتغلون في الدواوين في غرةّ القرن التاسع عشر. إلا أن شهرتهم في الكتابة كانت دون شهرة السوريين. وممَّن امتازوا إذ ذاك المعلَمان القبطيَّان جرجس الجوهري وغالي. فكان الأوَّل فرئيس الكتبة في أيام إبراهيم بك وحظي لدا محمَّد باشا خسرو ثم نُكب. وقد ذكرهُ الجبرتيّ في تاريخهِ عجائب الآثار وجعل وفاتهُ في شعبان السنة ١٢٢٥هـ. (١٨١٠) . وقام من بعده المعلم غالي وكان زاحمهُ في حياتهِ فصار في خدمة محمَّد علي باشا وأبنهِ إبراهيم متوليًا رئاسة الكتابة وكان من جملةّ كتابه قومٌ من نصارى السوريين وغيرهم كجرجس وحنَّا الطويل والمعلم منصور صريمون وبشاره ورزق الله الصبَّاغ والمعلم فرنسيس أخي المعلم فلتأوس وقد تضعضع أمرهم بموت المعلم ضالي الذي قُتل سنة ١٨٢٠ ومما ساعد أهل مصر على صيانة الآداب العربية في ضهرانيهم مدرسة زاهرة كان يعلم فيها نخبة من العلماء المسلمين نريد بها المدرسة الأزهريَّة التي مر في المشرق وصفها (٤ (١٩٠١): ٤٩) . وكان متولّي تدبيرها في ذلك الوقت الشيخ عبد الله بن حجازي الشهير بالشْرقاوي مولدهُ في شرقية بلبيس سنة ١١٥٠هـ. (١٧٣٧) درس في الأزهرْ وانتقلت إليه مشيختهُ سنة ١٢٠٨ وبقي عليها إلى سنة وفاته في ٢ شوال سنة ١٢٢٧ (١٨١٢) ولهُ عدَّة تصانيف دينيَّة في التوحيد والعقائد والتصوَّف. ومن تآليفَه مختصر معْنى اللبيب في النحو ولهُ في التاريخ كتاب طبقات فقهاء الشافعية المتقدّمين والمتأخرين وكتاب تحفة الناظرين في من ولي مصر من الولاة والسلاطين وقد طبعت هذه التحفة غير مرَّة.
1 / 8
وممَن أصابوا لهم سمعةً في ذلك الوقت من الأزهريين الشيخ محمَّد الخالدي المعروف بابن الجوهري فكان أقرأ الدروس في الأزهر وطار صيتهُ ووفدت عليهِ الوفود من الحجاز والمغرب والهند والشام توّفي في ١١ ذي القعدة ١٢١٥ (١٨٠١) وتركتُهُ العلمية كثيَّرة وإنَّما مدارها على الفقه ومتعلقاتهِ خاصَّةً.
ومن أدباء الأزهريين في ذلك العهد الشيخ مصطفى بن أحمد المعروف بالصاويْ لزم شيوخ الأزهر وبرع في العلوم الدينيَّة واللسانيَّة وكان لطيف الذات مليح الصفات محبًا للآداب لهُ النثر الطيّب والشعر الحسن روى منهُ الجبرتي شيئًا في عجائب الآثار (٣: ٣١٣ - ٣١٥) من ذلك قولهُ في وصف دارٍ أبتانها الجبرتي المذكور:
بناءٌ يروقُ العينَ حسنُ جمالهِ ... ورونقهُ يشفي الصدورَ صدورُهُ
سما في سماء الكون فأنتهج العلا ... برفعتهِ وأزداد سرا سرورُهُ
ومن مجد بانيهِ تزايد بهجةَ ... وقُلِد من درَ المعالي نحورُهُ
فلا زال فيهِ الفضلُ تسمو شموسهُ ... وتنمو على كل البدور بدورهُ
ودام بهِ سعدُ السعود مؤرخًا ... حِمى العزَ بالمولى الجبرتيَ نورهُ (١١٩٢)
ومنهم الشيخ حسين بن عبد اللطيف العُمري الشهير بابن عبد الهادي القادري الدمشقي الخاوتي لهُ تأليف في تراجم أسلافهِ العلويين سماهمَّ المواهب الإحسانيَّة في ترجمة الفاروق وذريتّهِ بني عبد الهادي. توّفي سنة ١٢١٦ (١٨٠١) وممن ساعدوا على النهوض الأدبيّ في أوائل القرن التاسع عشر رؤساء الطوائف الكاثوليكيَّة الإجلاء فكان يسوس الطائفة المارونية البطريرك يوسف التيّان الذي كان تخرَّج في مدرسة الموارنة في رومية وبرَّز بين أقرنهِ في العلوم فلما صار إليهِ تدبير أمور الطائفة سعا بتنشيط المعارف بين رعيتهِ لا سيما الأكليريكيين. وممَّا عني بهِ توجيه نظره إلى مدرسة عين ورقة التي كان أنشأها خلفهُ البطيريك يوسف اسطفان لَّما كان أسقفًا فصارت هذه المدرسة بهمَّتهِ منارًا استضاءت بهِ الأمَّة المارونيَّة في القرن التاسع عشر ومنها خرج العدد العديد من بطاركة وأساقفة وكهنة وأدباء كانوا فخرًا لوطنهم بعلومهم فضلًا عن برهم وسوف يأتي عنهم الكلام. ولهذا البطريرك آثار لا تزال تدلُ على طول باعهِ في الآداب الكنسية. توّفي في ٢٠ شباط سنة
1 / 9
١٨٢٠ وكان تنزَّل قبل ذلك بعشر سنوات عن البطريركيَّة.
وكان الروم الكاثوليك خاضعين أيضًا لبطريرك يحب العلوم ويهتم بترقيتها بين طائفتهِ نريد البطريرك أغابيوس مطر وهو الذي أنشأ مدرسة عين تراز لتهذيب أبناء ملتهِ في العلوم الأكليريكية سنة ١٨١١ وقد أثبتنا في المشرق (٨ (١٩٠٥): ٥٠٨) الرسالة التي وجَّهها إلى طائفتهِ في هذا الصدد.
وكان السريان الكاثوليك في بدء القرن التاسع عشر فقدوا بطريركهم ميخائيل جروه الطيّب الذكر في ١٤ تموز سنة ١٨٠٠ (أطلب ترجمة حياتهِ في المشرق ٣ (١٩٠٠): ٩١٣) ولهُ الفضل في وضع أساس مدرسة الشرفة وفيها جمع مكتبة حسنة هي إلى اليوم من أغنى مكاتب لبنان. ثم خلفهُ اغناطيوس بطرس جروه وكان متضلعًا بالعلم وهو الذي عرّب مختصر الكتاب اللاهوت النظري والعملي لتوما دي شرم في مجلَّدين وكتب ترجمة عمهِ ميخائيل جروه ولهُ مواعظ لا تزال مخطوطة (المشرق ٩ (١٩٠٦): ٦٩٧) .
وكان يرعى الأرمن الكاثوليك منذ ١٧٨٨ غريغوريوس الأول وكان رجلًا عريقًا بالفضل والقداسة يعرف ما العلوم من المنفعة لخلاص النفوس فلباوغ هذه الغاية أنشأ في لبنان لطائفته مكدرسة في بزمار كانت بمثابة المدارس التي ذكرناها للطوائف الأخرى وهي لا تزال منذ مائة سنة موردًا يستقي منهُ المرشحون الكهنوت من الأرمن الكاثوليك وقد ساعدهُ في هذا العمل الخطير القس اندراوس شاشاتي فنظَّم معهُ مدرسة بزمار ورتُب قوانينها (اطلب المشرق ٣٦٦:٩) .
وفي أوائل ذلك العصر عينهِ أزداد عدد الكلدان الكاثوليك في العراق على عهد البطريرك يوحنّان هرمزد وقد أتاح الله لتلك الطائفة رجلًا غيورًا يدعى جبرائيل دنبو كان من تجار ماردين المعتبرين فأنشأ في الجبال المجاورة للموصل قريباُ من القوش ديرًا جعلهُ كمقام للعيشة النسكية وللعلوم معن وفيه تخّرج كثيرون من اللذين اشتهروا في القرن التاسع عشر بتقاهم وآثارهم العلمية بين الكلدان.
فترى ممّا سبق أنَّ الله جعل في أنحاء الشرق كخميرة بما اختمرت عقول أهل الأوطان فلما تزل تترَّقى إلى أن جرت في مضمار الآداب جرى الذكيات السوابق.
1 / 10
الفصل الثاني
الآداب العربيّة في أوربَّة في بدء القرن التاسع عشر
هلمَّ بنا نوجه الآن الأنظار إلى أحوال الآداب العربية بين الأوربيين في مفتتح القرن التاسع عشر ليظهر للقراء كيف تمَّت بعد ذلك تلك النهضة العجيبة التي جعلت الدروس العربيّة في مقام ممتاز كما نراها اليوم في حواضر أوربية وأميركة ليس درس اللغات الشرقية عمومًا والعربيّة خصوصًا أمرًا مستحدثًا بين علماء أوربة كما يزعم البعض بل ابتدأت الأفكار تتوجّه إلى إحراز معانيها والتقاط لأليها منذ الفتوحات الإسلامية التي قرّبت أمم الشرق من تخوم البلاد الغربية ولو تتبعنا الآثار المنبئة ببيان هذه القضية لتعددَّت لدينا الشواهد لا سيمّا في جهات الأندلس وبعض جهات الروم. لكنّ تلك الحركة زادت قوة وانتشارًا في القرن الثاني عشر لِما جرى في ذلك العهد من الأمور الجليلة والأحداث الخطيرة التي كادت تمزج طرفي الشرق والغرب مزج ما بالراح.
والكنيسة الكاثوليكية كانت أعظم ساعية في إدراك هذه الغاية. فممّن اشتهروا إذا ذلك في الدروس الشرقية واعتنوا بنقل الآثار العربيّة إلى اللاتينية أو بنوا أبحاثهم على أحوال الشرقيين رئيسُ دير كاوني بطرس المكرّم (١٠٩٢ - ١١٥٦م) وكان رحل إلى الأندلس ورقب شؤون العرب فيها فأعجب بآدابهم فلمّا عاد إلى ديرهِ عُني بانتقاد كتبهم. وفي عهده عرف جيرّ رَد دي كريمونا (١١١٤ - ١١٨٧) وكان مولعًا بنقل تأليف العرب في فنون الحكمة وكان أتقن درس العربيّة فترجمه إلى اللاتينية نحو ستين مصنفًا جليلًا لمشاهير الكتبة كالرازي وابن سينا في الرياضيّات والهيئة والطبّ طُبع منها قسمٌ صالح وفقد منها الكثير.
ولما أنشأت في ذلك القرن رهبانيّتا القديسين دومنيك وفرنسيس الأسيزي صرف من أبنائهما عددٌ يُذكر عنايتَهم إلى درس العلوم الشرقية. فأنّ الدومنيكي النابغة البرتوس الكبير (١١٩٣ - ١٢٨٠) لَما كان يفسر كتب الفيلسوف أرسطاطاليس في كلية باريس كان يستند في شروحه إلى ترجمة منقولة عن العربيّة ويستعين في تحصيل
1 / 11