Purificación de la ley exaltada de los horribles relatos fabricados

تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة

Editor

عبد الوهاب عبد اللطيف وعبد الله محمد الصديق الغماري

Editorial

دار الكتب العلمية

Edición

الأولى

Año de publicación

1399 AH

Ubicación del editor

بيروت

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ (قَالَ) الْفَقِيرُ إِلَى عَفْوِ الْخَلاقِ، عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَرَاقٍ، الشَّافِعِيُّ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنَّ بِتَنْزِيهِ الشَّرِيعَةِ عَنْ كُلِّ حَدِيثٍ مُفْتَرًى، وَهَتَكَ حِجَابَ الْكَاذِبِ عَلَيْهَا فَلا يُلْقَى إِلا سَاقِطًا مُزْدَرًى، أَحْمَدُهُ وَأَشْكُرُهُ وَأَدْعُوهُ وَأَسْتَغْفِرُهُ، وَأَلُوذُ بِهِ مُعْتَصِمًا وَمُنْتَصِرًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ شَهَادَةً لَا شَكَّ فِيهَا وَلا امْتِرَا، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْمَبْعُوثُ بِالْحَقِّ بشيرًا ومنذرًا، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ سَادَةِ الْوَرَى، وَأَئِمَّةِ الأَمْصَارِ وَالْقُرَى، مَا غَبَّرَ جُيُوشُ الْحَقِّ فِي وُجُوهِ الْمُبْطِلِينَ حَتَّى رَجَعُوا الْقَهْقَرَى (وَبَعْدُ) فَإِنَّ مِنَ الْمُهِمَّاتِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالتُّقَى، مَعْرِفَةَ الأَحَادِيثِ الْمَوْضُوعَةِ عَلَى سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ لِتُتَّقَى، وَلِلإِمَامِ الْحَافِظِ أَبى الْفرج ابْن الْجَوْزِيِّ فِيهَا كِتَابٌ جَامِعٌ، إِلا أَنَّ عَلَيْهِ مُؤَاخَذَاتٍ وَمُنَاقَشَاتٍ فِي مَوَاضِعَ، وَقَدِ اعْتَنَى شَيْخُ شُيُوخِنَا الإِمَامُ الْحَافِظُ جَلالُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَن ابْن أَبِي بَكْرٍ الأَسْيُوطِيُّ بِكِتَابِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ الْمَذْكُورِ فَاخْتَصَرَهُ وَتَعَقَّبَهُ فِي كِتَابٍ سَمَّاهُ اللَّآلِي الْمَصْنُوعَةُ، فِي الأَحَادِيثِ الْمَوْضُوعَةِ، ثُمَّ عَمِلَ ذَيْلا ذَكَرَ فِيهِ أَحَادِيثَ مَوْضُوعَةً فَاتَتِ ابْنَ الْجَوْزِيِّ وَأَفْرَدَ أَكْثَرَ الْمَوَاضِعِ الْمُتَعَقَّبَةِ بِكِتَابٍ سَمَّاهُ " النُّكَتُ الْبَدِيعَاتُ " وَهَذَا كِتَابٌ لَخَّصْتُ فِيهِ هَذِهِ الْمُؤَلَّفَاتِ، بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لِمُحَصِّلِهِ إِلَى مَا سِوَاهُ الْتِفَاتٌ، وَبَالَغْتُ فِي اخْتِصَارِهِ، وَتَهْذِيبِهِ، وَتَبِعْتُ اللَّآلِيَ فِي تَرَاجِمِهِ وَتَرْتِيبِهِ، وَجَعَلْتُ كُلَّ تَرْجَمَةٍ غَيْرَ كِتَابِ الْمَنَاقِبِ فِي ثَلاثَةِ فُصُولٍ:
(الأَوَّلُ) فِيمَا حَكَمَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ بِوَضْعِهِ وَلَمْ يُخَالَفْ فِيهِ.
(وَالثَّانِي) فِيمَا حَكَمَ بِوَضْعِهِ وَتُعُقِّبَ فِيهِ.
(وَالثَّالِثُ) فِيمَا زَادَهُ الأَسْيُوطِيُّ عَلَى ابْنِ الْجَوْزِيِّ حَيْثُ كَانَتْ لَهُ فِي تِلْكَ التَّرْجَمَةِ زِيَادَةٌ وَقَدْ أَخَلَّ السُّيُوطِيُّ فِي زِيَادَاتِهِ بِبَعْضِ تَرَاجِمِ أَصْلِهِ، وَأَوْرَدَ فِي الْكتاب الْجَامِع آخر

1 / 3

الْكِتَابِ مَا حَقُّهُ أَنْ يُفْرَدَ بِالتَّرْجَمَةِ الْمَتْرُوكَةِ وَيُورَدَ فِيهَا، فَأَنَا نَقَلْتُ ذَلِكَ مِنَ الْكِتَابِ الْجَامِعِ وَأَوْرَدْتُهُ فِي التَّرَاجِمِ اللَّائِقِ بِهَا فِي ثَالِثِ فُصُولِهَا، أَمَّا كِتَابُ الْمَنَاقِبِ فَفِيهِ أَبْوَابٌ وَفِي كُلِّ بَابٍ مِنْهَا الْفُصُولُ الْمَذْكُورَةُ وَحَيْثُ لَمْ يَكُنْ فِي فَصْلٍ مِنْهَا شَيْءٌ قُلْتُ: وَالْفَصْلُ الْفُلانِيُّ خَالٍ؛ وَجَعَلْتُ أَوَائِلَ الأَحَادِيثِ فِي أَوَائِلِ السُّطُورِ تَسْهِيلا لِلْكَشْفِ وَالظَّفَرِ بِالْحَدِيثِ الْمَطْلُوبِ، وَإِذَا كَانَ الْحَدِيثُ مَرْفُوعًا قُلْتُ: حَدِيثُ كَذَا، وَاللَّفْظُ الْمُضَافُ إِلَيْهِ لَفْظَةُ حَدِيثٍ هُوَ اللَّفْظُ الْمَرْفُوعُ، وَبَعْدَ تَخَرُّجِهِ أَذْكُرُ صَحَابِيَّهُ الْمَنْسُوبَ إِلَيْهِ بِقَوْلِي: مِنْ حَدِيثِ فُلانٍ، إِلا أَنْ يَكُونَ فِي الحَدِيث حِكَايَة مُخَاطبَة مِنْهُ لِمُعَيَّنٍ أَوْ مُرَاجَعَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ أَوْ حِكَايَةُ مُخَاطَبَةِ جِبْرِيلَ لَهُ والحاكى غير النَّبِي، أَوْ حِكَايَةُ قِصَّةٍ لَيْسَتْ مِنْ لفظ النَّبِي فَأُضِيفَ لَفْظَةُ " حَدِيثٍ " إِلَى اسْمِ الصَّحَابِيِّ أَوِ التَّابِعِيِّ الَّذِي نُسِبَ إِلَيْهِ الْحَدِيثُ وَإِذَا كَانَ الْحَدِيثُ مَوْقُوفًا قُلْتُ أَثَرُ فُلانٍ وَأَتْبَعْتُهُ لَفْظَهُ، ثُمَّ أَعْقَبَ كُلا بِذِكْرِ مُخَرِّجِهِ ثُمَّ بَيَانُ عِلَّتِهِ، وَمَا فِي زِيَادَاتِ السُّيُوطِيِّ مِمَّا لَمْ يُبَيِّنْ عِلَّتَهُ ذَكَرْتُ عِلَّتَهُ إِنْ لاحَتْ لِي، وَمَوَادُّ ابْنِ الْجَوْزِيِّ الَّتِي يُسْنِدُ الأَحَادِيثَ مِنْ طَرِيقِهَا غَالِبًا: الْكَامِلُ لابْنِ عَدِيٍّ وَالضُّعَفَاءُ لِابْنِ خبان وَلِلْعُقَيْلِيِّ وَلِلأَزْدِيِّ وَتَفْسِيرُ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ وَمَعَاجِمُ الطَّبَرَانِيِّ وَالأَفْرَادُ لِلدَّارَقُطْنِيِّ وَتَصَانِيفُ الْخَطِيبِ وَتَصَانِيفُ ابْنِ شَاهِينَ وَالْحِلْيَةُ وَتَارِيخُ أَصْبَهَانَ وَغَيْرُهُمَا مِنْ مُصَنَّفَاتِ أَبِي نُعَيْمٍ وَتَارِيخُ نَيْسَابُورَ وَغَيْرُهُ مِنْ مُصَنَّفَاتِ الْحَاكِمِ وَالأَبَاطِيلُ لِلْجَوْزِقَانِيِّ، وَقَدْ جَعَلْتُ لِكُلِّ عَلامَةٍ لِلاخْتِصَارِ فَلابْنِ عَدِيٍّ (عد)، وَلابْنِ حِبَّانَ (حب) وَلِلْعُقَيْلِيِّ (عق) وَلأَبِي الْفَتْحِ الأَزْدِيِّ (فت) وَلابْنِ مَرْدَوَيْهِ (مر) وَلِلطَّبَرَانِيِّ (طب) وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ (قطّ) وَلِلْخَطِيبِ (خطّ) وَلابْنِ شَاهِينَ (شا) وَلأَبِي نُعَيْمٍ (نع) وَلِلْحَاكِمِ (حا) وَلِلْجَوْزِقَانِيِّ (قا) وَمَا كَانَ مِنْ غَيْرِ الْكُتُبِ الْمَذْكُورَةِ سَمَّيْتُ مَنْ رَوَاهُ إِنْ عَرَفْتُهُ وَإِلا نَسَبْتُهُ لابْنِ الْجَوْزِيِّ، وَمَوَادُّ السُّيُوطِيِّ هِيَ مَوَادُّ أَصْلِهِ وَزَادَ تَارِيخَ ابْنِ عَسَاكِرَ وَتَارِيخَ ابْنِ النَّجَّارِ وَمُسْنَدَ الْفِرْدَوْسِ لِلدَّيْلَمِيِّ وَتَصَانِيفَ أَبِي الشَّيْخِ، فَأَعْلَمْتُ لابْنِ عَسَاكِرَ (كرّ) وَلابْنِ النَّجَّارِ (نجا) وَلِلدَّيْلَمِيِّ (مي) وَلأَبِي الشَّيْخِ (يخ) وَإِذَا قُلْتُ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَوِ السُّيُوطِيُّ فَلَسْتُ أَعْنِي عِبَارَتَهُمَا بِلَفْظِهَا وَإِنَّمَا أَعْنِي مُلَخَّصَهَا وَمَحْصُولَهَا، وَإِذَا قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي حَدِيثٍ لَا يَصِحُّ أَوْ مُنْكَرٌ وَنَحْوَهُمَا أَوْرَدْتُ لَفْظَهُ فِي ذَلِكَ فَإِنْ صَرَّحَ بِكَوْنِهِ مَوْضُوعًا أَوْ بَاطِلا أَوْ كَذِبًا أَحَدٌ مِمَّن بعد ابْن

1 / 4

الْجَوْزِيِّ ذَكَرْتُهُ، فَإِنْ كَانَ فِي أَوَّلِهِ قُلْتُ، فَمِنْ زِيَادَتِي وَإِلا فَمِنْ مُؤَلَّفِ السُّيُوطِيِّ، فَأَمَّا إِذَا قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ مَوْضُوع أَولا أَصْلَ لَهُ أَوْ كَذِبٌ فَلا أَذْكُرُ ذَلِكَ غَالِبًا اخْتِصَارًا، وَلأَنَّ مَوْضُوعَ الْكِتَابِ بَيَانُ الْمَوْضُوعِ فَهُوَ كَافٍ فِي الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، إِلا أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ لَمْ يُصَرَّحْ بِوَصْفِ أَحَدٍ مِنْ رُوَاتِهِ بِكَذِبٍ وَلا وَضْعٍ فَأَذْكُرُهُ، وَرَاجَعْتُ حَالَ جَمْعِي لِهَذَا التَّلْخِيصِ مَوْضُوعَاتِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ وَالْعِلَلَ الْمُتَنَاهِيَةَ لَهُ، وَتَلْخِيصَهُمَا لِلْحَافِظِ الذَّهَبِيِّ وَتَلْخِيصَ مَوْضُوعَاتِ الْجَوْزِقَانِيِّ وَالْمِيزَانَ لِلذَّهَبِيِّ أَيْضًا، وَلِسَانَ الْمِيزَانِ وَتَخْرِيجَ الرَّافِعِيِّ وَتَخْرِيجَ الْكَشَّافِ وَالْمَطَالِبَ الْعَالِيَةِ وَتَسْدِيدَ الْقَوْسِ وَزَهْرَ الْفِرْدَوْسِ السِّتَّةَ لِلْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ، وَتَخْرِيجَ الإِحْيَاءِ لِلْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ وَالأَمَالِي لَهُ وَتَلْخِيصَ الْمَوْضُوعَاتِ لِلْعَلامَةِ جَلالِ الدِّينِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ إِدْرِيسَ بْنِ دِرْبَاسَ، فَرُبَّمَا أَزِيدُ مِنْ هَذِهِ الْكُتُبِ وَغَيرهَا مَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَأمين مَا أَزِيدُهُ غَالِبًا بِقَوْلِي فِي أَوَّلِهِ، قُلْتُ، وَفِي آخِرِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدَّمْتُ قَبْلَ الْخَوْضِ فِي الْمَقْصُودِ فُصُولا نَافِعَةً فِي مَعْرِفَةِ مِقْدَارِ هَذَا الْفَنِّ لِطَالِبِيهِ (وَسَمَّيْتُهُ) " تَنْزِيهَ الشَّرِيعَةِ الْمَرْفُوعَةِ، عَنِ الأَخْبَارِ الشنيعة الْمَوْضُوعَة، وَالله المسؤل أَنْ يَجْعَلَهُ خَالِصًا لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَأَنْ يَنْفَعَنِي بِهِ وَمَنْ طَالَعَهُ بِنِيَّةٍ صَادِقَةٍ وَقَلْبٍ سَلِيمٍ.
[فَصْلٌ]
فِي حَقِيقَةِ الْمَوْضُوعِ وَأَمَارَاتِهِ وَحُكْمِهِ: الْمَوْضُوع لُغَة اسْم مفعول من وضع الشَّيْء يَضَعهُ بِالْفَتْح وضعا حطه وأسقطه، وَقَالَ الْحَافِظ ابْن دحْيَة: الْمَوْضُوع الملصق وضع فلَان على فلَان كَذَا ألصقه بِهِ، وَاصْطِلَاحا هُوَ الحَدِيث المختلق الْمَصْنُوع مَأْخُوذ من الْمَعْنى الأول، لِأَن رتبته أَن يكون مطرحا ملقى لَا يسْتَحق الرّفْع أصلا، أَو من الْمَعْنى الثَّانِي لِأَنَّهُ ملصق بِالنَّبِيِّ، وَهُوَ شَرّ أَنْوَاع الضَّعِيف، وَله أَمَارَات مِنْهَا: إِقْرَار وَاضعه بِوَضْعِهِ كَحَدِيث فَضَائِل الْقُرْآن، اعْترف بِوَضْعِهِ ميسرَة بن عبد ربه، فَيرد حَدِيثه ذَلِك سَائِر مروياته، وَلَيْسَ هَذَا قبولا لقَوْله مَعَ اعترافه بالمفسق، وَإِنَّمَا هُوَ مُؤَاخذَة لَهُ بِمُوجب إِقْرَاره كَمَا يُؤَاخذ الشَّخْص باعترافه بالزنى وَالْقَتْل وَنَحْوهمَا، واستفيد من جعلنَا هَذَا أَمارَة أَنا لَا نقطع على حَدِيثه ذَلِك بِالْوَضْعِ، لاحْتِمَال كذبه فِي إِقْرَاره، نعم إِذا انْضَمَّ إِلَى إِقْرَاره قَرَائِن تَقْتَضِي صدقه فِيهِ قَطعنَا بِهِ وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ إخْبَاره لنا بذلك بعد تَوْبَته، وَمِنْهَا مَا ينزل منزلَة إِقْرَاره، ومثاله كَمَا قَالَ الْعَلامَة الزَّرْكَشِيّ والحافظ الْعِرَاقِيّ أَن يعين المتفرد

1 / 5

بِالْحَدِيثِ تَارِيخ مولده أَو سَمَاعه بِمَا لَا يُمكن مَعَه الْأَخْذ عَن شَيْخه أَو يَقُول إِنَّه سمع فِي مَكَان يعلم أَن الشَّيْخ لم يدْخلهُ، وَقَالَ الْحَافِظ ابْن حجر فِي نكت ابْن الصّلاح: الأولى أَن يمثل لهَذِهِ الأمارة بِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمدْخل بِسَنَدِهِ الصَّحِيح أَنهم اخْتلفُوا بِحُضُور أَحْمد ابْن عبد الله الجويباري فِي سَماع الْحسن من أبي هُرَيْرَة، فروى لَهُم بِسَنَدِهِ إِلَى النَّبِي: سمع الْحسن من أبي هُرَيْرَة، قلت: إِنَّمَا عرف كذب هَذَا الحَدِيث بالتاريخ، فَلَو قَالَ الزَّرْكَشِيّ والعراقي فِي الصُّورَة الأولى: كَأَن يكذبهُ التَّارِيخ لشمل هَذَا الْمِثَال وَالله أعلم، وَمِنْهَا: أَن يُصَرح بتكذيب رَاوِيه جمع كثير يمْتَنع فِي الْعَادة تواطؤهم على الْكَذِب أَو تَقْلِيد بَعضهم بَعْضًا، وَمِنْهَا قرينَة فِي حَال الرَّاوِي كقصة غياث بن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ مَعَ الْمهْدي وَسَتَأْتِي، وَمِنْهَا قرينَة فِي الْمَرْوِيّ كمخالفته لمقْتَضى الْعقل بِحَيْثُ لَا يقبل التَّأْوِيل، ويلتحق بِهِ مَا يَدْفَعهُ الْحس والمشاهدة أَو الْعَادة. وكمنافاته لدلَالَة الْكتاب القطعية أَو السّنة المتواترة أَو الْإِجْمَاع الْقطعِي، قَالَ الزَّرْكَشِيّ: هَذَا إِن لم يحْتَمل أَن يكون سقط من الْمَرْوِيّ على بعض رُوَاته مَا تَزُول بِهِ الْمُنَافَاة كَحَدِيث: لَا يبْقى على ظهر الأَرْض بعد مائَة سنة نفس منفوسة. فَإِنَّهُ سقط على رَاوِيه لَفْظَة: مِنْكُم، قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر: وَتَقْيِيد السّنة بالمتواترة احْتِرَاز عَن غير المتواترة فقد أَخطَأ من حكم بِالْوَضْعِ بِمُجَرَّد مُخَالفَة السّنة مُطلقًا، وَقد أَكثر من ذَلِك الجوزقاني فِي كتاب الأباطيل. وَهَذَا إِنَّمَا يَتَأَتَّى حَيْثُ لَا يُمكن الْجمع بِوَجْه من الْوُجُوه، أما مَعَ إِمْكَان الْجمع فَلَا. وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين ابْن دَقِيق الْعِيد مُشِيرا إِلَى هَذِه الأمارة: وَكَثِيرًا مَا يحكمون بِالْوَضْعِ بِاعْتِبَار أُمُور ترجع إِلَى الْمَرْوِيّ وألفاظ الحَدِيث. وَحَاصِله يرجع إِلَى أَنه حصلت لَهُم لِكَثْرَة مزاولة أَلْفَاظ النَّبِي هَيْئَة نفسانية وملكة قَوِيَّة يعْرفُونَ بهَا مَا يجوز أَن يكون من أَلْفَاظ النُّبُوَّة وَمَا لَا يجوز، كَمَا سُئِلَ بَعضهم كَيفَ تعرف أَن الشَّيْخ كَذَّاب؟ قَالَ إِذا روى: " لَا تَأْكُلُوا الْقرعَة حَتَّى تذبحوها " علمت أَنه كَذَّاب؛ قلت وَقد استأنس بَعضهم لذَلِك بِخَبَر أبي حميد أَو أبي أسيد عَن رَسُول الله أَنه قَالَ " إِذا سَمِعْتُمْ الحَدِيث تعرفه قُلُوبكُمْ وتلين لَهُ أَشْعَاركُم وَأَبْشَاركُمْ وترون أَنه مِنْكُم قريب فَأَنا أولاكم بِهِ، وَإِذا

1 / 6

سَمِعْتُمْ الحَدِيث عني تنكره قُلُوبكُمْ وتنفر مِنْهُ أَشْعَاركُم وَأَبْشَاركُمْ وترون أَنه مِنْكُم بعيد فَأَنا أبعدكم مِنْهُ " رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد وَالْبَزَّار فِي مسنديهما وَسَنَده صَحِيح كَمَا قَالَه الْقُرْطُبِيّ وَغَيره وَبِقَوْلِهِ " مَا حدثتم عني مِمَّا تُنْكِرُونَهُ فَلَا تَأْخُذُوا بِهِ فَإِنِّي لَا أَقُول الْمُنكر وَلست من أَهله " رَوَاهُ ابْن الْجَوْزِيّ، وَعَن الرّبيع بن خثيم التَّابِعِيّ الْجَلِيل أَنه قَالَ: إِن للْحَدِيث ضوءا كضوء النَّهَار يعرفهُ وظلمة كظلمة اللَّيْل تنكره، وَمن أَنْوَاع هَذِه الأمارة أَن يكون الحَدِيث خَبرا عَن أَمر جسيم تتوفر الدَّوَاعِي على نَقله بِحَضْرَة الجم الْغَفِير ثمَّ لَا يَنْقُلهُ إِلَّا وَاحِد مِنْهُم (وَمِنْهَا) أَن يكون فِيمَا يلْزم الْمُكَلّفين علمه وَقطع الْعذر فِيهِ، فينفرد بِهِ وَاحِد (وَمِنْهَا) ركة لَفظه وَمَعْنَاهُ، قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر: والمدار على ركة الْمَعْنى فَحَيْثُ وجدت دلّت على الْوَضع سَوَاء انْضَمَّ إِلَيْهَا ركة اللَّفْظ أم لَا فَإِن هَذَا الدَّين كُله محَاسِن والركة ترجع إِلَى الرداءة فبينها وَبَين مَقَاصِد الدَّين مباينة، وركة اللَّفْظ وَحدهَا لَا تدل على ذَلِك لاحْتِمَال أَن يكون الرَّاوِي رَوَاهُ بِالْمَعْنَى فَعبر بِأَلْفَاظ غير فصيحة من غير أَن يخل بِالْمَعْنَى، نعم إِن صرح الرَّاوِي بِأَن هَذَا لفظ النَّبِي دلّت ركة اللَّفْظ حِينَئِذٍ على الْوَضع انْتهى قَالَ شيخ شُيُوخنَا الْبُرْهَان البقاعي: وَمِمَّا يرجع إِلَى ركة الْمَعْنى الإفراط بالوعيد الشَّديد، على الْأَمر الصَّغِير أَو بالوعد الْعَظِيم على الْفِعْل الْيَسِير، وَهَذَا كثير فِي حَدِيث الْقصاص، قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: وَإِنِّي لأَسْتَحي من وضع أَقوام وضعُوا: " من صلى كَذَا فَلهُ سَبْعُونَ دَارا فِي كل دَار سَبْعُونَ ألف بَيت فِي كل بَيت سَبْعُونَ ألف سَرِير على كل سَرِير سَبْعُونَ ألف جَارِيَة، وَإِن كَانَت الْقُدْرَة لَا تعجز وَلَكِن هَذَا تَخْلِيط قَبِيح، " وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ: " من صَامَ يَوْمًا كَانَ كَأَجر ألف حَاج وَألف مُعْتَمر وَكَانَ لَهُ ثَوَاب أَيُّوب، " وَهَذَا يفْسد مقادير مَوَازِين الْأَعْمَال (وَمِنْهَا) مَا ذكره الإِمَام فَخر الدَّين الرَّازِيّ أَن يروي الْخَبَر فِي زمن قد استقرئت فِيهِ الْأَخْبَار ودونت فيفتش عَنهُ فَلَا يُوجد فِي صُدُور الرِّجَال وَلَا فِي بطُون الْكتب فَأَما فِي عصر الصَّحَابَة وَمَا يقرب مِنْهُ حِين لم تكن الْأَخْبَار استقرئت فَإِنَّهُ يجوز أَن يروي أحدهم مَا لَيْسَ عِنْد غَيره، قَالَ الْحَافِظ العلائى: وَهَذَا إِنَّمَا يقوم بِهِ أَي بالتفتيش عَنهُ الْحَافِظ الْكَبِير الَّذِي قد أحَاط حفظه بِجَمِيعِ الحَدِيث أَو معظمه كَالْإِمَامِ أَحْمد وَعلي بن الْمَدِينِيّ وَيحيى بن معِين وَمن بعدهمْ كالبخاري وَأبي حَاتِم وَأبي زرْعَة وَمن دونهم كَالنَّسَائِيِّ ثمَّ الدَّارَقُطْنِيّ، لِأَن المآخذ الَّتِي يحكم بهَا غَالِبا على الحَدِيث بِأَنَّهُ مَوْضُوع إِنَّمَا هِيَ جمع الطّرق والاطلاع على غَالب الْمَرْوِيّ فِي الْبلدَانِ المتنائية بِحَيْثُ يعرف بذلك مَا هُوَ من حَدِيث

1 / 7

الروَاة مِمَّا لَيْسَ من حَدِيثهمْ، وَأما من لم يصل إِلَى هَذِه الْمرتبَة فَكيف يقْضِي بِعَدَمِ وجدانه للْحَدِيث بِأَنَّهُ مَوْضُوع هَذَا مِمَّا يأباه تصرفهم انْتهى (قلت) فاستفدنا من هَذَا أَن الْحفاظ الَّذين ذكرهم وأضرا بهم إِذا قَالَ أحدهم فِي حَدِيث لَا أعرفهُ أَو لَا أصل لَهُ كفى ذَلِك فِي الحكم عَلَيْهِ بِالْوَضْعِ وَالله أعلم (قَالَ) السُّيُوطِيّ فِي شرح التَّقْرِيب: وَمن الأمارات كَون الرَّاوِي رَافِضِيًّا والْحَدِيث فِي فَضَائِل أهل الْبَيْت (قلت) أَو فِي ذمّ من حاربهم، وَذكر بعض شيوخي أَنه روى عَن شَيْخه الْحَافِظ الْمُحدث الْبُرْهَان النَّاجِي بالنُّون أَن من أَمَارَات الْمَوْضُوع أَن يكون فِيهِ: وَأعْطى ثَوَاب نَبِي أَو النَّبِيين وَنَحْوهمَا وَالله تَعَالَى أعلم (وَهل) يثبت الْوَضع بِالْبَيِّنَةِ كَأَن يرى عَدْلَانِ رجلا يصنف كلَاما ثمَّ ينْسبهُ إِلَى النَّبِي قَالَ الزَّرْكَشِيّ: يشبه أَن يجِئ فِيهِ التَّرَدُّد فِي أَن شَهَادَة الزُّور هَل تثبت بِالْبَيِّنَةِ، مَعَ الْقطع بِأَنَّهُ لَا يعْمل بِهِ، وَحكم الْمَوْضُوع أَن تحرم رِوَايَته فِي أَي معنى كَانَ بِسَنَد أَو غَيره مَعَ الْعلم بِحَالهِ إِلَّا مَقْرُونا بالإعلام بِأَنَّهُ مَوْضُوع، وَكَذَا مَعَ الظَّن لقَوْله " من حدث عني بِحَدِيث يرى أَنه كذب فَهُوَ أحد الْكَاذِبين " رَوَاهُ مُسلم، وَقَوله يرى هُوَ بِضَم الْيَاء بِمَعْنى يظنّ، وَفِي الْكَاذِبين راويتان فتح الْمُوَحدَة على إِرَادَة التَّثْنِيَة وَكسرهَا على إِرَادَة الْجمع.
[فصل]
قَالَ الْحَافِظ ابْن كثير: حكى عَن بعض الْمُتَكَلِّمين إِنْكَار وُقُوع الْوَضع بِالْكُلِّيَّةِ وَهَذَا الْقَائِل إِمَّا لَا وجود لَهُ أَو هُوَ فِي غَايَة الْبعد عَن ممارسة الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة وَقد حاول بَعضهم الرَّد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ قد ورد عَنهُ بِأَنَّهُ قد قَالَ: سيكذب عَليّ فَإِن كَانَ هَذَا صَحِيحا فسيقع الْكَذِب عَلَيْهِ لَا محَالة، وَإِن كَانَ كذبا فقد حصل الْمَطْلُوب، وَأجِيب عَن الأول بِأَنَّهُ لَا يلْزم وُقُوعه الْآن إِذْ بَقِي إِلَى يَوْم الْقِيَامَة أزمان يُمكن أَن يَقع فِيهَا مَا ذكر، وَهَذَا القَوْل وَالِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ وَالْجَوَاب عَنهُ من أَضْعَف الْأَشْيَاء عِنْد أَئِمَّة الحَدِيث وحفاظهم الَّذين كَانُوا يتضلعون من حفظ الصِّحَاح ويحفظون أَمْثَالهَا وأضعافها من المكذوبات خشيَة أَن تروج عَلَيْهِم أَو على أحد من النَّاس.

1 / 8

[فصل]
صَحَّ عَن رَسُول الله أَنه قَالَ " من كذب عَليّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار، " قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ رَوَاهُ من الصَّحَابَة ثَمَانِيَة وَتسْعُونَ نفسا مِنْهُم الْعشْرَة المبشرة وَابْن مَسْعُود وصهيب وعمار بن يَاسر ومعاذ بن جبل وَعقبَة بن عَامر والمقداد بن الْأسود وسلمان الْفَارِسِي وَعبد الله بن عمر بن الْخطاب وَعَمْرو بن عبسة وَعتبَة بن غَزوَان وَعتبَة بن عبد السّلمِيّ وَأَبُو ذَر الْغِفَارِيّ وَأَبُو قَتَادَة وَأبي بن كَعْب وَحُذَيْفَة بن الْيَمَان وَحُذَيْفَة بن أسيد وَجَابِر بن سَمُرَة وَجَابِر بن عَابس الْعَبْدي وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ وسفينة والمغيرة بن شغبة وَعمْرَان بن الْحصين وَأَبُو هُرَيْرَة والبراء بن عَازِب وَزيد بن ثَابت وَزيد بن أَرقم وَسَلَمَة بن الْأَكْوَع وَرَافِع بن خديج وَأنس بن مَالك وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ وَعبد الله بن عَبَّاس وَمُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وَمُعَاوِيَة ابْن حيدة والسائب بن يزِيد وَعَمْرو بن عَوْف الْمُزنِيّ وَأُسَامَة بن زيد وَعَمْرو بن مرّة الْجُهَنِيّ وَبُرَيْدَة بن الْحصيب وجهجاه الْغِفَارِيّ وجندع بن ضَمرَة الْأنْصَارِيّ وَأَبُو كَبْشَة الْأَنمَارِي وواثلة بن الْأَسْقَع وَعبد الله بن الزبير وَقيس بن سعد بن عبَادَة وَعبد الله بن أبي أوفى وَعَمْرو بن حُرَيْث وَأَوْس بن أَوْس وَسعد بن المدحاس وَأَبُو أُمَامَة الْبَاهِلِيّ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَأَبُو مُوسَى الغافقي وَعبد الله بن يزِيد الخطمي وَأَبُو قرصافة جندرة بن خيشنة وَأَبُو رمثة واسْمه رِفَاعَة التَّيْمِيّ وَأَبُو رَافع مولى رَسُول الله وخَالِد بن عرفطة وطارق بن الأشيم وَالِد أبي مَالك الْأَشْجَعِيّ وَعَمْرو بن الْحمق ونبيط بن شريط وَكَعب بن قُطْبَة ويعلى بن مرّة وَمرَّة الْبَهْزِي والعرس بن عميرَة وَسليمَان بن صرد وَيزِيد ابْن أَسد وَعبد الله بن زغب الْإِيَادِي وَعَفَّان بن حبيب وَعبد الله بن جَراد والمنقع ابْن الْحصين بن يزِيد التَّمِيمِي وَيزِيد بن خَالِد العصري ولاحق بن مَالك أَبُو عقيل

1 / 9

وَأَبُو مَيْمُون الْأَزْدِيّ وَرجل من أسلم صَحَابِيّ وَرجل آخر صَحَابِيّ وَعَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ وَحَفْصَة أم الْمُؤمنِينَ وَأم أَيمن حاضنة رَسُول الله، أسْند ابْن الْجَوْزِيّ أَحَادِيث هَؤُلَاءِ ثمَّ قَالَ وَرَوَاهُ أَيْضا أَبُو بكرَة وَسَهل بن الحنظلية ومعاذ بن أنس وَأَبُو هِنْد الدَّارِيّ وَسَهل بن سعد وَمَالك بن عتاهية وسبرة بن معبد وحبِيب بن حبَان وَخَوْلَة بنت حَكِيم وَلم يتهيأ لنا ذكر الْإِسْنَاد عَنْهُم انْتهى، وَذكر النَّوَوِيّ فِي مُقَدّمَة شرح مُسلم عَن بَعضهم: أَن عدَّة من رَوَاهُ من الصَّحَابَة مِائَتَان، قَالَ الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ: وَأَنا أستبعد وُقُوع ذَلِك، وَقد جمع الْحَافِظ أَبُو الْحجَّاج الدِّمَشْقِي طرقه فَبلغ بهَا مائَة واثنين انْتهى وروى ابْن الْجَوْزِيّ عَن أبي بكر مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الْوَهَّاب الإِسْفِرَايِينِيّ أَنه قَالَ: " لَيْسَ فِي الدُّنْيَا حَدِيث اجْتمع عَلَيْهِ الْعشْرَة غَيره، " قَالَ الْحَافِظ زين الدَّين الْعِرَاقِيّ: وَلَيْسَ كَذَلِك فقد ذكر الْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ أَن حَدِيث رفع الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاة رَوَاهُ الْعشْرَة وَقَالا: لَيْسَ حَدِيث رَوَاهُ الْعشْرَة غَيره، وَذكر أَبُو الْقَاسِم بن مَنْدَه أَن حَدِيث الْمسْح على الْخُفَّيْنِ رَوَاهُ الْعشْرَة أَيْضا
[فصل]
قَالَ السَّيْف أَحْمد بن أبي الْمجد: أطلق ابْن الْجَوْزِيّ الْوَضع على أَحَادِيث لكَلَام بعض النَّاس فِي رواتها كَقَوْلِه فلَان ضَعِيف أَو لَيْسَ بِالْقَوِيّ وَنَحْوهمَا، وَلَيْسَ ذَلِك الحَدِيث مِمَّا يشْهد الْقلب بِبُطْلَانِهِ وَلَا فِيهِ مُخَالفَة لكتاب وَلَا سنة وَلَا إِجْمَاع وَلَا يُنكره عقل وَلَا نقل وَلَا حجَّة مَعَه لوضعه سوى كَلَام ذَلِك الرجل فِي رُوَاته، وَهَذَا عدوان ومجازفة انْتهى نَقله شيخ شُيُوخنَا الْعَلامَة الْمُحدث شمس الدَّين السخاوي فِي شرح التَّقْرِيب، وَقَالَ عقبه: بل مُجَرّد اتهام الرَّاوِي بِالْكَذِبِ مَعَ تفرده لَا يسوغ الحكم بِالْوَضْعِ وَلذَا جعله شَيخنَا يَعْنِي الْحَافِظ ابْن حجر نوعا مُسْتقِلّا وَسَماهُ الْمَتْرُوك وَفَسرهُ بِأَن يرويهِ من يتهم بِالْكَذِبِ وَلَا يعرف ذَلِك الحَدِيث إِلَّا من جِهَته وَيكون مُخَالفا للقواعد الْمَعْلُومَة، قَالَ وَكَذَا: من عرف بِالْكَذِبِ فِي كَلَامه وَإِن لم يظْهر وُقُوعه مِنْهُ فِي الحَدِيث وَهُوَ دون الأول انْتهى، وَخرج بقوله من يتهم بِالْكَذِبِ من عرف بِالْكَذِبِ فِي الحَدِيث وروى حَدِيثا لم يروه غَيره فَإنَّا نحكم على حَدِيثه ذَلِك بِالْوَضْعِ إِذا انضمت إِلَيْهِ قرينَة تَقْتَضِي وَضعه كَمَا صرح بِهِ الْحَافِظ العلائى وَغَيره.

1 / 10

(فصل) الوضاعون أَصْنَاف
(الصِّنْف الأول) الزَّنَادِقَة وهم السَّابِقُونَ إِلَى ذَلِك والهاجمون عَلَيْهِ، حملهمْ على الْوَضع الاستخفاف بِالدّينِ والتلبيس على الْمُسلمين، كَعبد الْكَرِيم بن أبي العوجاء وَمُحَمّد بن سعيد المصلوب والْحَارث الْكذَّاب الَّذِي ادّعى النُّبُوَّة فِي زمن عبد الْملك بن مَرْوَان، والمغيرة بن سعيد الْكُوفِي، حَتَّى قَالَ حَمَّاد بن زيد: وضعت الزَّنَادِقَة على النَّبِي أَرْبَعَة عشر ألف حَدِيث رَوَاهُ الْعقيلِيّ، وَقَالَ ابْن عدي: لما أَخذ ابْن أبي العوجاء وَأتي بِهِ مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن عَليّ فَأمر بِضَرْب عُنُقه قَالَ: وَالله لقد وضعت فِيكُم أَرْبَعَة آلَاف حَدِيث أحرم فِيهَا الْحَلَال وَأحل فِيهَا الْحَرَام، قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: وَقد كَانَ من هَؤُلَاءِ من يتغفل الشَّيْخ فيدس فِي كِتَابه مَا لَيْسَ من حَدِيثه فيرويه ذَلِك الشَّيْخ ظنا مِنْهُ أَنه من حَدِيثه.
(الصِّنْف الثَّانِي) أَصْحَاب الْأَهْوَاء والبدع وضعُوا أَحَادِيث نصْرَة لمذاهبهم أَو ثلبا لمخالفهم، روى ابْن أبي حَاتِم فِي مُقَدّمَة كتاب الْجرْح وَالتَّعْدِيل عَن شيخ من الْخَوَارِج أَنه كَانَ يَقُول بعد مَا تَابَ: انْظُرُوا عَمَّن تأخذون دينكُمْ فَإنَّا كُنَّا إِذا هوينا أمرا صيرنا لَهُ حَدِيثا وَقَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله: كَانَ مُحَمَّد بن الْقَاسِم الطَّالقَانِي من رُؤَسَاء المرجئة يضع الحَدِيث على مَذْهَبهم، وَحكى ابْن عدي أَن مُحَمَّد بن شُجَاع الثَّلْجِي بِالْمُثَلثَةِ وَالْجِيم كَانَ يضع الْأَحَادِيث الَّتِي ظَاهرهَا التجسيم وينسبها إِلَى أهل الحَدِيث يقْصد الشناعة عَلَيْهِم لما بَينه وَبينهمْ من الْعَدَاوَة المذهبية، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس الْقُرْطُبِيّ صَاحب الْمُفْهم: استجاز بعض فُقَهَاء أهل الرَّأْي نِسْبَة الحكم الَّذِي دلّ عَلَيْهِ الْقيَاس إِلَى رَسُول الله نِسْبَة قولية فَيَقُول فِي ذَلِك: قَالَ رَسُول الله كَذَا، وَلِهَذَا ترى كتبهمْ مشحونة بِأَحَادِيث تشهد متونها بِأَنَّهَا مَوْضُوعَة لِأَنَّهَا تشبه فَتَاوَى الْفُقَهَاء وَلِأَنَّهُم لَا يُقِيمُونَ لَهَا سندا.
(الصِّنْف الثَّالِث) قوم اتَّخذُوا الْوَضع صناعَة وتسوقا جَرَاءَة على الله وَرَسُوله حَتَّى إِن أحدهم ليسهر عَامَّة ليله فِي وضع الحَدِيث كَأبي البخْترِي وهب بن وهب القَاضِي وَسليمَان ابْن عَمْرو النَّخعِيّ وَالْحُسَيْن بن علوان واسحق بن نجيح الْمَلْطِي، ذكر ذَلِك الامام أَبُو حَاتِم ابْن حبَان فِي مُقَدّمَة كِتَابه الضُّعَفَاء والمجروحين.

1 / 11

(الصِّنْف الرَّابِع) قوم ينسبون إِلَى الزّهْد حملهمْ التدين النَّاشِئ عَن الْجَهْل على وضع أَحَادِيث فِي التَّرْغِيب والترهيب ليحثوا النَّاس بزعمهم على الْخَيْر ويزجروهم عَن الشَّرّ، وَقد جوز ذَلِك الكرامية وَكَذَا بعض المتصوفة كَمَا قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر، قَالَ حجَّة الْإِسْلَام الْغَزالِيّ: وَهَذَا من نزغات الشَّيْطَان فَفِي الصدْق مندوحة عَن الْكَذِب وَفِيمَا ذكر الله وَرَسُوله غنية عَن الاختراع فِي الْوَعْظ، وَقَالَ شيخ الْإِسْلَام النَّوَوِيّ: خالفوا فِي ذَلِك إِجْمَاع الْمُسلمين الَّذين يعْتد بهم على تَحْرِيم تعمد الْكَذِب على رَسُول الله وعَلى أَنه من الْكَبَائِر لخَبر " من كذب عَليّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار " بل بَالغ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ فَكفر بِهِ (قلت) وَنقل الْحَافِظ عماد الدَّين ابْن كثير عَن أبي الْفضل الهمذاني شيخ ابْن عقيل من الْحَنَابِلَة أَنه وَافق الْجُوَيْنِيّ على هَذِه الْمقَالة، وَقَالَ الْحَافِظ الذَّهَبِيّ فِي كتاب الْكَبَائِر لَهُ: وَلَا ريب أَن تعمد الْكَذِب على الله تَعَالَى وَرَسُول الله فِي تَحْرِيم حَلَال أَو تَحْلِيل حرَام كفر مَحْض، وَإِنَّمَا الشَّأْن فِي الْكَذِب عَلَيْهِمَا فِي مَا سوى ذَلِك وَالله أعلم، وَلَا يلْتَفت إِلَى مَا تعلقوا بِهِ من الشّبَه الْبَاطِلَة فِي تَأْوِيل هَذَا الحَدِيث من أَنه إِنَّمَا ورد فِي رجل معِين ذهب إِلَى قوم وَادّعى أَنه رَسُول رَسُول الله إِلَيْهِم يحكم فِي دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالهمْ فَبلغ ذَلِك رَسُول الله فَأمر بقتْله وَقَالَ هَذَا، أَو أَنه فِي حق من كذب عَلَيْهِ شَيْئا يقْصد بِهِ عَيبه أَو شين الْإِسْلَام وتعلقوا فِي ذَلِك بِمَا رُوِيَ عَن أبي أُمَامَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله " من كذب عَليّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده بَين عَيْني جَهَنَّم " قَالَ: فشق ذَلِك على أَصْحَابه حَتَّى عرف فِي وُجُوههم

1 / 12