Tahsin Qabih

تحسين القبيح وتقبيح الحسن

Editor

نبيل عبد الرحمن حياوي

Editorial

دار الأرقم بن أبي الأرقم

Edición

لا يوجد

Ubicación del editor

بيروت / لبنان

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
خطْبَة الْمُؤلف
أما بعد حمد لله الَّذِي خلق ورزق، وأنطق ووفق، وَالصَّلَاة على مُحَمَّد رَسُول الله، الَّذِي اصلح وأوضح، ونصح وأفصح، وعَلى آله الْكِرَام وَصَحبه وَالسَّلَام، ثمَّ ذكر فَرد الدَّهْر، وَبدر الأَرْض، وبحر الْفضل، وَعين الْكَرم الْمَحْض، الشَّيْخ السَّيِّد أبي الْحسن مُحَمَّد بن عِيسَى الكرجي، أدام الله علوه، الَّذِي ملك الْقُلُوب بفضائله وفواصله، وسحر الْقُلُوب بمحاسنه وخصائصه، وَجمع الْأَهْوَاء المتفرقة على محبته، وألّف الآراء المشتتة فِي مودته، فَأن هَذَا الْكتاب (ألفته وصنفته برسمه، وشنفته وشرفته باسمه، و) أودعته لمعًا من غرر البلغاء ونكت الشُّعَرَاء فِي تَحْسِين الْقَبِيح وتقبيح الْحسن. إِذْ هما غايتا البراعة، وَالْقُدْرَة على جزل الْكَلَام فِي سر البلاغة، وسحر الصِّنَاعَة. (وَمَا أَرَانِي سبقت إِلَى مثله فِي طرائف المؤلفات وبدائع المصنفات) . وَحين ارْتَفع غَرِيبا فِي فنه، بديعًا فِي حسنه، خدمت بِهِ خزانَة كتبه، عمرها الله تَعَالَى بدوام ذكره. وَإِنِّي حِين أخدمها بكتبي ... كمن يهدي الخضاب إِلَى الشَّبَاب وينقل الْفِقْه إِلَى الشَّافِعِي، وَالشعر إِلَى البحتري. وَلَكِن لي أُسْوَة فِيمَن يَقُول: لَا تنكرن إِذا أهديت نَحْوك من ... علومك الغر، أَو آدابك النتفا فقيم الباغ قد يهدي لمَالِكه ... برسم خدمته من باغه التحفا

1 / 14

وَالله تَعَالَى أسأَل أَن يقر بِهِ عينه، ويشرح صَدره، ويعرفه من بركاته أَضْعَاف مَا فِيهِ من الْحُرُوف بالألوف، وَأَن يحسن إمتاعه بِهِلَال قمره، وغصن شَجَرَة أبي الْمجد عبد الْقَادِر، ويبلغه فِيهِ مناه فِي شبابه، مشفًا على ذرْوَة مَا ينهم بِهِ، وَفِي شيخوخته بَالغا أقْصَى همته: ويدوم حَتَّى يستضيء بِرَأْيهِ ... وَيرى الكهول الشيب من أَوْلَاده وَهَذَا حِين استفتاح أَبْوَاب الْكتاب. وَالله الْمُوفق للصَّوَاب.

1 / 15

صفحة فارغة

1 / 16

الْقسم الأول ذكر المحاسن

1 / 17

صفحة فارغة

1 / 18

ذكر المحاسن
تَحْسِين المتعلم والتعليم
أحسن وَأجْمع مَا سَمِعت وقرأت فِيهِ كَلَام لأبي زيد الْبَلْخِي، من رِسَالَة كتبهَا، وَقد عير بِأَنَّهُ معلم، وَقيل لَهُ إِن الْمعلم سَاقِط مَذْمُوم قَبِيح الِاسْم، فَقَالَ: لَيْسَ يَسْتَغْنِي أحد عَن التَّعَلُّم والتعليم، لِأَن الْحَاجة يضْطَر إِلَيْهَا فِي جَمِيع الديانَات والآداب والصناعات والمذاهب والمكاسب. فَمَا يَسْتَغْنِي كَاتب وَلَا حاسب وَلَا صانع وَلَا بَائِع عَن أَن يتَعَلَّم صناعَة مِمَّن هُوَ أعلم مِنْهُ، ويعلمه من هُوَ أَجْهَل مِنْهُ. وقوام الْخلق بالتعلم والتعليم. فالمعلم أفضل من المتعلم، لِأَن صفة الْمعلم دَالَّة على التَّمام والإفادة والمتعلم صفته دَالَّة على النُّقْصَان والاستفادة. وحسبك جهلا من رجل يعمد إِلَى فعل قد وصف الله سُبْحَانَهُ نَفسه بِهِ، ثمَّ رَسُوله ﵇، فيذمه. أَلَيْسَ قد قَالَ الله ﷿: " وَعلم آدم الْأَسْمَاء كلهَا "، وَقَالَ: " وعلمناه من لدنا علما "، وَقَالَ فِي وصف نبيه ﵇: " ويعلمه الْكتاب وَالْحكمَة ".
تَحْسِين مَا يتطير مِنْهُ
لما هدد الْهَادِي يحيى بن خَالِد الْبَرْمَكِي بِالْقَتْلِ إِن لم يحمل الرشيد على خلع نَفسه، رَجَعَ إِلَى دَاره مغمومًا، وكلم غُلَاما لَهُ فِي شَيْء، فَأَجَابَهُ بِمَا غاظه، فَلَطَمَهُ لطمة انْكَسَرت بهَا حَلقَة خَاتمه، وطاح الفص،

1 / 19

فَاشْتَدَّ ذَلِك عَلَيْهِ وجزع لَهُ. وَدخل عَلَيْهِ السيّاريّ الشَّاعِر، فَأخْبرهُ بالقصة، فَقَالَ: أخلاك من كل الهموم سُقُوطه ... وأتاك بالفرج انفراج الْخَاتم قد كَانَ ضَاقَ ففكّ حَلقَة ضيقه ... فامسك، فَمَا ريب الزَّمَان بدائم فَمَا أَمْسَى حَتَّى ارْتَفَعت الداعية لمَوْت الْهَادِي، وَصَارَ الْأَمر إِلَى الرشيد، فَأمر للسيّاري بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم. وَلما خرج طَاهِر بن الْحُسَيْن إِلَى محاربة عَليّ بن عِيسَى بن ماهان، جعل ذَات يَوْم فِي كمّه دَرَاهِم للصدقة على الْفُقَرَاء، ثمَّ أسبل كمّه (نَاسِيا، فانتفضت الدَّرَاهِم مِنْهُ) . فتطير من ذهابها فِي غير وَجههَا، (واغتم لذَلِك)، فانتصب لَهُ من قَالَ: هَذَا تفرق جمعهم لَا غَيره ... وذهابه مِنْهُ ذهَاب الْهم شَيْء يكون الْهم نصف حُرُوفه ... لَا خير فِي إِمْسَاكه فِي الْكمّ فتسلى بِهِ، وَأمر لَهُ بصلَة. وَلم يدر الْأُسْبُوع حَتَّى ظفر بِابْن عِيسَى. وَكَانَ الأفشين بأزاء بابك يحاربه، فانكسر يَوْمًا سَيْفه، فتطير مِنْهُ، حَتَّى قَالَ لَهُ شَاعِر كَانَ مَعَه: إِن انكسار السَّيْف كير للعدى ... وبكسره أجناد بابك يكسروا هذاك فأل للظنون مُحَقّق ... وكأنني بِالْفَتْح لَاحَ، فأبشروا

1 / 20

فَمَا كَانَ أسْرع من أَن انجلت المعركة عَن الظفر ببابك، وَوصل الشَّاعِر مَا أغناه. وَلما ولى الْمَأْمُون الْحسن بن رحاء الْموصل، وَخرج من دَاره واللواء بَين يَدَيْهِ، تعلق بِبَعْض الدروب فاندق، وَتَطير النَّاس لَهُ من ذَلِك، فَقَالَ الشَّاعِر الضَّبِّيّ: مَا كَانَ مندقّ اللِّوَاء لريبة ... تخشى، وَلَا أَمر يكون مزيّلا لَكِن ذَاك الرمْح قصّف ظَهره ... صغر الْولَايَة، فاستقل الموصلا وَرفع الْخَبَر إِلَى الْمَأْمُون، فَأمر أَن يولي ديار ربيعَة مَعَ الْموصل، وَقَالَ: إِذا اسْتَقل اللِّوَاء الْموصل، فَنحْن نكثر قَلِيله بِزِيَادَة الْولَايَة. وَأمر للضبي بِمَال.
تَحْسِين المقابح بالكنايات
حَدثنِي البديع الْهَمدَانِي قَالَ: كَانَ أَبُو الْحُسَيْن أَحْمد بن فَارس يَقُول: الحدّة عِنْد الْعلمَاء كِنَايَة عَن الْجَهْل، وَالْقطع عِنْد المنجمين كِنَايَة عَن الْمَوْت، والطبيعة عِنْد الْأَطِبَّاء كِنَايَة عَن الْحَدث، وَالْمَاء عِنْدهم كِنَايَة عَن الْبَوْل، والنفخ عِنْدهم كِنَايَة عَن الضراط والفسو. والنصيحة عِنْد الْعمَّال كِنَايَة عَن السّعَايَة، وَالِاسْتِقْصَاء عِنْدهم كِنَايَة عَن الْحَوْز. والوطئ عِنْد الْفُقَهَاء كِنَايَة عَن الْجِمَاع. وَطيب النَّفس عِنْد الظرفاء كِنَايَة عَن السكر. والعلق عِنْد اللاطة

1 / 21

كِنَايَة عَن المؤاجرة، والغراب عِنْد الشُّعَرَاء كِنَايَة عَن المأبون، لِأَنَّهُ يواري سوءة أَخِيه. والاقتصار عِنْد البخلاء كِنَايَة عَن الْبُخْل. وَالزُّوَّارِ عِنْد الْكِرَام كِنَايَة عَن السُّؤَال. وَمَا أَفَاء الله عِنْد الصُّوفِيَّة كِنَايَة عَن الصَّدَقَة. والفتوة عِنْد الشطار كِنَايَة عَن التلصص. ومزح الْيَدَيْنِ عِنْد المعاشرين كِنَايَة عَن الصفع. والانحياز عِنْد الْجند كِنَايَة عَن الْهَزِيمَة، ورائحة الشَّبَاب عِنْد النِّسَاء كِنَايَة عَن الصنّان. والممنع عِنْد الْكتاب كِنَايَة عَن الْأَعْوَر. والسليم عِنْد الْعَرَب كِنَايَة عَن اللديغ. وَأَبُو الْبَيْضَاء عِنْدهم كِنَايَة عَن الزنْجِي. والطويلة عِنْد المخنثين كِنَايَة عَن اللِّحْيَة. والعمار كِنَايَة عَن الْجِنّ. وَذكر ابْن العميد فِي رِسَالَة لَهُ إِلَى رجل حلف بِالطَّلَاق، فَقَالَ: حلف أيمانًا مُغَلّظَة سمى فِيهَا حرائره. وَلما برص بلعاء بن قيس الْكِنَانِي قيل لَهُ: مَا هَذَا؟ قَالَ: سيف الله جلاه. وَمن أحسن كنايات الصاحب، وَأبي إِسْحَاق الصابي، وَغَيرهمَا من البلغاء عَن ذكر موت الْمُلُوك والأجلة والرؤساء قَوْلهم: انْقَضتْ أَيَّامه، اسْتَأْثر الله بِهِ. خانه عمره. لم تسمح النوائب بالتجافي عَن مهجته. أجَاب

1 / 22

دَاعِي ربه. نفذ قَضَاء الله فِيهِ. لحق بالسبيل الَّتِي لَا احْتِرَاز مِنْهَا. انْتقل إِلَى جزار ربه. دَعَاهُ الله فَأجَاب دَعَاهُ ولبى نداه. نَقله الله إِلَى دَار رضوانه وَمحل غفرانه. انْقَلب إِلَى كَرَامَة الله وعفوه. كتب لَهُ سَعَادَة المحتضر، وأفضى بِهِ الْأَمر إِلَى الْأَجَل المنتظر. طرقه طَارق الْمِقْدَار، وَاخْتَارَ الله عَزله بنقله من دَار الْبَوَار إِلَى دَار الْقَرار.
تَحْسِين الْكَذِب
قَالَ ابْن التوأم: الْكَذِب فِي مواطنه كالصدق فِي موَاضعه، وَلَكِن الشَّأْن فِيمَن يُحسنهُ وَيعرف مداخله ومخارجه، وَلَا يجهل تزاويقه ومضايقه، وَلَا ينساه بل يحفظه. وَمَعْلُوم أَن من أجل الْأُمُور فِي الدُّنْيَا الْحَرْب وَالصُّلْح، وَلَا بُد فيهمَا من الْكَذِب. أما الْحَرْب فَهِيَ خدعة كَمَا قَالَ ﵊. وَأما إصْلَاح ذَات الْبَين فالكذب فِيهِ مَحْمُود، لما فِيهِ من الصّلاح، وَقد رخص فِيهِ السّلف. وَلَا خلاف فِي أَن الشّعْر ديوَان الْعَرَب ولسان الزَّمَان، وَأحسنه أكذبه. وَكَذَلِكَ الْكِتَابَة لَا تحسن إِلَّا بِشَيْء مِنْهُ. وَقد جَاءَ فِي الْمثل " أظرف من كذوب ". قَالَ الْأَعْشَى: فصدقتها وكذبتها ... والمرء يَنْفَعهُ كذابه وَكَانَ الْعُتْبِي يَقُول: إِنِّي لأكذب فِي كبار مَا يَنْفَعنِي، لأصدق فِي صغَار مَا يضرني. وَقيل لجَعْفَر الصَّادِق ﵁: رُبمَا نكذب الظلمَة مَخَافَة شرهم أفنأثم فِيهِ؟ فَقَالَ: بل يثيبكم الله تَعَالَى عَلَيْهِ.
تَحْسِين الوقاحة
الوقاحة كالقداحة، لولاها لما استعر لَهب، وَلَا اشتعل حطب.
تَحْسِين الْإِثْم والترخيص فِي الذُّنُوب
سَمِعت أَبَا الْقَاسِم عبد الصَّمد بن بابك يَقُول: كَانَ أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن

1 / 23

Tahsin Qabih | Usul