La Liberación de Abu Talib
تحرير أبي طالب
كتاب
التحرير
تأليف
الإمام الناطق بالحق أبي طالب يحيى بن الحسين الهاروني
(340 ه 424 ه)
دراسة وتحقيق
محمد يحيى سالم عزان
الجزء الأول
الطبعة الأولى
1418ه 1997م
حقوق الطبع محفوظة للناشر
تم الصف والتحقيق والإخراج بمركز النور للدراسات والبحوث
اليمن صعدة ص. ب (90238) بسم الله الرحمن الرحيم
Página 1
مقدمة التحقيق
دور علم الفقه وأطواره
عندما يؤمن الإنسان بربه ويعترف له بالعبودية يكون لزاما عليه أن يترجم عبوديته إلى أفعال وممارسات، فيسير أفعاله وأقواله وسائر تصرفاته وفق توجيهات السماء.
ويعتبر فقه الشريعة الإسلامية الوسيلة المثلى لتحقيق ذلك، فهو بمثابة دستور متكامل إذا تحرك الإنسان من خلاله انسجمت سائر حركاته مع التعاليم الإلهية التي هو مطالب بمراعاتها، وهو السبيل ليس إلى تنظيم حياة الإنسان في نفسه ومع أبناء جنسه فحسب، بل وإلى تنظيم حياته مع محيطه وبيئته، فالفقه قد رسم له كل شيء في حياته حتى كيفية التعامل مع المخلوقات الصماء البكماء.
ومما لاشك فيه أن فقه الشريعة الإسلامية كغيره من العلوم والمعارف مر بأطوار متعددة وكانت له أدوار مختلفة، بل قد يكون أكثر العلوم الإسلامية حركة عبر التاريخ، ذلك لأن المطلوب منه أن يواكب تغير الزمن ويقدم حلولا لكل ما يستجد في حياة الناس.
ففي عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت تعاليم الشريعة تصل إلى الناس غضة طرية عن طريق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فقد كان الصحابة يأخذون عنه فقههم مباشرة، فيتعلمون منه جميع ما يحتاجون إليه، ويسألونه عن كل ما يلتبس عليهم، وبذلك سقط عنهم كثير من الكلفة في تمييز الأخبار وامتحان الناقلين، والتمحيص والتأمل في دلالات الألفاظ والتفتيش عن المعاني.
Página 2
وبموت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم توقف ذلك الإمداد السماوي بعد أن رسم للبشرية المنهج الذي يجب أن تمضي عليه، ووضع الأسس التي يمكن أن تتحرك من خلالها لمعرفة أحكام ما سيحدث ويتجدد في حياة الناس.
وفي عصر الصحابة واجه المسلمون تساؤلات عن تحديد المواقف العملية تجاه بعض المستجدات التي لم يفهم عوام الناس موقف الشرع منها؛ حين لم يرد بحكمها نص صريح في القرآن أو السنة، فتوجه فقهاء الصحابة إلى إمعان النظر في مصادر التشريع ومراجعة التركة العلمية التي ورثوها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فاستخرجوا منها ما تتطلبه الساحة من الأحكام تجاه مختلف القضايا الحادثة، معتمدين في ذلك على ثوابت وأصول مستمدة من العقل واللغة والشرع.
وشهد عصر التابعين متغيرات كثيرة كان لها أثر ملموس في الدفع بالحركة الفقهيه إلى الأمام، من أهمها:
1 دخول الدعوة الإسلامية بلدانا كثيرة متعددة الأعراف مختلفة الأوضاع يتطلب التعامل معها شيئا من المرونة والشمولية من جهة، والدقة في التحرك وفق مقاصد الشريعة من جهة أخرى.
2 بعد الزمان عن عصر التشريع مما أدى إلى شيء من الغموض في بعض النصوص والتردد في قبولها.
3 - تنامي الميراث الثقافي، حيث ترك لنا الصحابة طائفة كبيرة من الأحاديث النبوية إلى جانب اختلافهم إما في نقلها أو في فهمها.
4 انعكاسات الصراع السياسي على الحياة الثقافية حيث شجعت السياسات بعض التيارات الفكرية وتآمرت على البعض الآخر، وتدخل الحكام تدخلا مباشرا في تقرير مصير بعض المفاهيم والأحاديث بما يتناسب مع أوضاعهم السياسية.
Página 3
كل تلك المتغيرات وضعت الفقهاء الذين برزوا في ذلك العصر أمام مهمة صعبة؛ لأن عليهم أن يراعوا في إجتهاداتهم أمورا كثيرة إضافة إلى الحرص على براءة الذمة أمام الشرع.. وهو ما حدث بالفعل، فقد تردد على النص الواحد عشرات الفقهاء واعتصرته مئات العقول بهدف الحصول على رأي فقهي مدعوم بالأدلة والبراهين التي تؤكد ارتباطه الوثيق بروح الشريعة الإسلامية الغراء.
فقه الزيدية عبر القرون
كان الإمام زيد بن علي عليه السلام المتوفى (122ه) من مشاهير فقهاء التابعين وتابعيهم، وله مشاركة فاعلة في ترسيخ دعائم الفقه الإسلامي ودراسة نصوص القرآن والسنة، وقد تميز فقهه بمميزات عدة منها:
أنه نشأ في أجواء حرة بعيدا عن تأثير الدول وإملاءآت الحكام، ولهذا لم يكن أمامه شيء يراعيه إلاوضوح البرهان وقوة الدليل.
أنه جعل للعقل حضورا ملموسا في تقييم الأدلة وإعمالها، فلا هو حشره في ما لايعنيه، وحمله ما لايطيق، ولاهو عطله عن التأمل والحركة في المساحة التي يمكنه أن يتحرك فيها.
أن الإمام زيدا كان يجمع في اجتهاده بين فقه الأدلة وفقه الواقع، وهذا بدوره يعطي المسائل التي اجتهد فيها أبعادا مختلفة.
أنه اعتمد في الدرجة الأولى على نصوص القرآن الكريم باعتباره كتاب الهداية المصون الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
والجدير بالذكر هنا أن الإمام زيدا قد ألف في موضوع الفقه: كتاب (المجموع الفقهي والحديثي)، المعروف اليوم باسم (مسند الإمام زيد)، وقد أخذ عنه الإمام أبو طالب مؤلف هذا الكتاب بعض النصوص، كما ألف كتاب (مناسك الحج والعمرة). وهذان الكتابان من أشهر كتب الفقه وأقدمها، وقد ذكر غير واحد أن كتاب (المجموع) أقدم كتاب جمع في الفقه الإسلامي(1).
Página 4
وعلى امتداد القرن الثاني الهجري كان ما يروى عن الإمام زيد بن علي من فقه هو عمدة جماهير الزيدية في كل مكان، رغم عدم إرتياح السلطة الحاكمة في تلك العصور لذلك، والتي بدورها ضيقت الخناق على أئمة الزيدية وضربت الحصار حول كل ما له علاقة بهم لأهداف سياسية.
وفي أوائل القرن الثالث الهجري استطاع أئمة الزيدية أن يكونوا مجتمعات صغيرة ذات طابع زيدي إما سرا كما فعل الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد، ومحمد بن منصور المرادي في الكوفة، وإما بعيدا عن متناول أيدي السلطة كما فعل الإمام القاسم بن إبراهيم في (الرس)، والحسن بن زيد المتوفى (270 ه تقريبا) في (طبرستان).
وبذلك تمكن الأئمة من تدوين شطر من فتاواهم واجتهاداتهم، وشرحوا بعض الأصول التي قامت عليها، واشتهر في هذه الفترة جماعة من فقهاء الزيدية، منهم:
الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي المتوفي سنة (246 ه)، وهو أحد أعلام الأئمة المجتهدين، له مذهب فقهي مشهور في أوساط الزيدية، وألف كتبا كثيرة في الفقه، منها: كتاب (الفرائض والسنن). كتاب (المناسك). كتاب (صلاة اليوم والليلة). كتاب (الطهارة). كتاب (مسائل ابن جهشيار). كتاب (مسائل النيروسي). كتاب (مسائل الكلاري). وغيرها.
الإمام أحمد بن عيسى بن زيد المتوفى سنة (247 ه)، وهو المعروف بفقيه آل محمد، له فقه كثير ورواية واسعة، تضمن كتاب (العلوم) الذي جمعه محمد بن منصور المرادي كثيرا من فقهه وروايته، حتى غلب عليه اسم: (أمالي أحمد بن عيسى).
الإمام الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد المتوفى (260 ه)، وكان في الشهرة بالكوفة في الزيدية كأبي حنيفة عند فقهائها، قال السيد صارم الدين الوزير: كان عامة الزيدية في الكوفة على مذهبه (1).
الإمام عبدالله بن موسى بن عبد الله المتوفى سنة (247 ه)، وكان من فضلاء أهل البيت وعلمائهم.
Página 5
الإمام محمد بن منصور المرادي، أبو جعفر الحافظ، أحد الفقهاء المعمرين، قيل إنه تعمر مائة وخمسين سنة وتوفي بعد سنة مائتين وتسعين، جمع فقهه وما روي عن أئمة الزيدية قبله من فقه في قرابة ثلاثين كتابا، اختصرها الحافظ العلوي في كتابه (الجامع الكافي)، وقال في مقدمته: (( فما كان من أقوال أحمد، والقاسم، ومحمد مطلقا لم أذكر راويه فهو مما ذكره محمد في مصنفاته، وماكان من سواها فقد ذكرت في المسألة من رواه)) . ثم أخذ يذكر طرقه في رواية فقه الأئمة السابق ذكرهم.
ومما تقدم يلوح لنا أن حركة الفقه وأصوله عند الزيدية في ذلك القرن دخلت طورا آخر وفترة جديدة، يمكن أن نعتبرها بداية التوجه إلى تدوين الفقه ودراسة أصوله عند الزيدية.
وفي أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع دخل الفقه الزيدي مرحلة أخرى حيث استقرت أوضاع الزيدية نسبيا بقيام دولة لهم في اليمن بقيادة الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين المتوفى سنة (298ه)، وهو من كبار مجتهدي الزيدية، وأخرى في الجيل والديلم بقيادة الإمام الناصر الحسن بن علي الأطروش المتوفى سنة (304 ه)، وهو كذلك إمام مجتهد.
ومما ألفه الهادي في الفقه: كتاب (الأحكام) وهو أشهر كتبه. وكتاب (المنتخب) وهو عبارة عن مسائل سأله عنها العلامة الكبير محمد بن سليمان الكوفي المتوفى بعد (301ه) . وكذلك كتاب (الفنون)، وجميعها قد طبع. وله مسائل أخرى في الفقه متفرقة في ثنايا كتبه الأخرى.
وأما الإمام الناصر فلم أطلع من كتبه في الفقه إلا على كتاب (الإحتساب) وهو كتاب صغير في فقه إدارة شئون المجتمع.وقد ذكر له ابن الديم في (الفهرست 244) مجموعة من كتب الفقه وقال إنه رآها. ثم قال: وزعم بعض الزيدية أن له نحوا من مائة كتاب.
Página 6
ونبغ من بعد الهادي ولداه: محمد بن يحيى الملقب بالمرتضى المتوفى (310 ه)، وله في الفقه: كتاب (الإيضاح). وكتاب (النوازل). وكتاب (جواب مسائل المعقلي). وكتاب (الرضاع). وكتاب (مسائل البيوع). وغيرها.
وأحمد بن يحيى الملقب بالناصر المتوفى (325 ه)، وله في الفقه: كتاب (مسائل الطبريين). وكتاب (الفقه) أربعة أجزاء.
وقد لقب الأئمة السالف ذكرهم ب: (أصحاب النصوص)؛ لأنهم قاموا بدراسة نصوص القرآن وما صح عندهم من السنة واستنبطوا من ذلك ما أمكنهم استنباطه من مسائل فقهية، وأفرغوا ذلك في مسائل فقهية نالت إحترام وإجلال جميع فقهاء الزيدية، وحظيت منهم بالدراسة والشرح والتعليق والتخريج على نطاق واسع، حتى أنه لايكاد يخرج عن مقالاتهم إلا النادر القليل من مجتهدي الزيدية.. لامن باب التقليد فأئمة الزيدية قد فتحوا باب الاجتهاد على مصراعيه في أصول الفقه وفروعه، ولكن من باب الاتفاق في تحرير الدليل وفهمه.
ومما يحسن الإشارة إليه هنا أن حرية النظر في المسائل الفقهية وأدلتها التي أتاحها المذهب الزيدي لأتباعه خلق لديهم الجرأة على البحث والنقد على نطاق واسع وذلك ما صير المذهب الزيدي روضة يسرح ويمرح في أرجائها المبدعون، وتتعانق فيها آراء الفقهاء والباحثين، وهو ما مكن كبار أئمة الفقه الزيدي من النبوغ حتى ضاهوا أئمة المذاهب الفقهية الأخرى، فقد اشتهر في تاريخ الزيدية مذاهب فقهية متعددة تشبه في نشأتها وتطورها المذاهب السنية الأربعة، ومن تلك المذاهب:
القاسمية، وهم: أتباع ومقلدوا الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي فيما حصله من مسائل فقهية، وكان معظمهم في الحجاز والجيل والديلم. قال الإمام أبو طالب الهاروني: إن الديلم كانوا يعتقدون أن من خالف القاسم بن إبراهيم عليه السلام في فتاويه فهو ضال، وكل قول يخالف قوله فهو ضلالة (1).
Página 7
الهادوية، وهم: أتباع الإمام الهادي ومقلدوه، ومعظم انتشارهم كان في الجزيرة وخراسان والعراق ، واعتنى بفقهه علماء الزيدية عناية فائقة، ولم يكن بينه وبين مذهب جده القاسم كثير اختلاف.
الناصرية، وهم: أتباع الإمام الناصر الأطروش ومقلدوه، وكان معظم أتباعه في العراق وفارس، وكان الجيل يعتقدون أن مخالفة مذهبه ضلال(1)، وقد قام بخدمته جملة من علماء الزيدية.
ورغم تعدد اجتهادات أئمة الزيدية وكثرتها فإن لهم قواعد عامة تجمعهم بحيث يمكننا أن نعتبرها بمثابة أصول مشتركة بالنسبة لهم، ومنها على سبيل المثال:
مراعاة قضايا العقل في إصدار الأحكام، لاسيما ما كان له علاقة بالتحسين والتقبيح.
اعتبار ما صح عن علي عليه السلام موضع احتجاج.
ترجيح ظواهر النصوص القرآنية، على كثير من الأحاديث الظنية.
اعتبار إجماع أهل البيت (ع) حجة يجب الأخذ بها.
اعتبار عرض الأحاديث على القرآن خير وسيلة لمعرفة صحتها.
وهذه ثوابت يندر تجاوزها والتغير فيها، ولايصح نسبتها إلى أصول مذهب إمام بمفرده، حتى لايكون من يتحرك في إطارها مجتهد في المذهب فقط.
Página 8
وبسبب ذلك الثراء الفقهي اعتبر المذهب الزيدي من المذاهب الإسلامية الكبرى، يقول الإمام محمد أبو زهرة: (( وقد أثر عن زيد فقه عظيم تلقاه الزيدية في كل الأقاليم الإسلامية، وفرعوا عليه وخرجوا، واختاروا من غير ما تلقوا، واجتهدوا ومزجوا ذلك كله بالمأثور عن فقه الإمام زيد رضي الله عنه، وتكونت بذلك مجموعة فقهية لانظير لها إلا في المذاهب التي دونت وفتح فيها باب التخريج وباب الاجتهاد على أصول المذهب، ولعله كان أوسع من سائر مذاهب الأمصار، لأن المذاهب الأربعة لايخرج المخرجون فيها عن مذهبهم إلى مرتبة الاختيار من غيره، نعم إنهم يقارنون بين المذاهب أحيانا، كما نرى في المغني الحنبلي، وفي المبسوط الحنفي، وفي بداية المجتهد ونهاية المقتصد الذي ألفه ابن رشد من المالكية، والمهذب للشيرازي من الشافعية، ولكن هذه المقارنات إما أن ينتهي المؤلف إلى نصر المذهب الذي ينتمي إليه والدفاع عنه، كما نرى في مبسوط السرخسي، والمغني، وإما أن يعرض الأدلة وأوجه النظر المختلفة من غير ترجيح، ويندر أن يكون اختيار إلا في القليل، كما نرى في اختيارات ابن تيمية إذ قد خرج من هذا النطاق، وقد اختار من مذهب آل البيت مسائله في الطلاق الثلاث، والطلاق المعلق، وكما نرى في اختيارات قليلة لكمال الدين بن الهمام من المذهب الحنفي، كاختيار رأي مالك في ملكية العين الموقوفة.
أما المذهب الزيدي فإن الاختيار فيه كان كثيرا، وكان واسع الرحاب، وقد كثر الاختيار حتى في القرون الأخيرة، وكان لذلك فضل في نمائه وتلاقيه مع فقه الأئمة الآخرين )) (1).
Página 9
وفي بلاد الجيل والديلم حظي فقه الإمام القاسم بن إبراهيم وحفيده الهادي يحيى بن الحسين وولديه محمد بن يحيى وأحمد بن يحيى بعناية خاصة من قبل أئمة الزيدية في الجيل والديلم، حتى روي عن الإمام المؤيد بالله وهو أحد فرسان الفقه ومجتهدي الزيدية أنه قال: كنا نهاب نصوص يحيى كما نهاب القرآن. يعني في التأمل فيها والاستخراج منها.
وكان من مظاهر ذلك الاهتمام مايلي:
قام السيد الإمام أبو العباس أحمد بن إبراهيم الحسني المتوفى (353 ه)(1) بشرح كتاب (الأحكام) للإمام الهادي شرحا موسعا، قدر حجمه بحمل جمل.
وقام بجمع كتب القاسم والهادي وولديه وفرزها بطريقة خاصة في كتاب سماه (كتاب النصوص). ثم استخرج من تلك النصوص بعض التخريجات والمفاهيم، وجمعها في كتاب سماه (كتاب التخريجات)، وبذلك أثرى الفقه الزيدي شكلا ومضمونا.
Página 10