La Incoherencia de la Incoherencia
تهافت التهافت
قال ابو حامد قالوا أجزاء البدن كلها تضعف قواها بعد منتهى النشوء بالوقوف عند الاربعين سنة فما بعدها فيضعف البصر والسمع وسائر القوى والقوة العقلية فى اكثر الامر انما تقوى بعد ذلك . ولا يلزم على هذا تعذر النظر فى المعقولات عند حلول المرض فى البدن وعند الخرف بسبب الشيخوخة فانه مهما بان انه يتقوى مع ضعف البدن فى بعض الاحوال فقد بان قوامه بنفسه فتعطله عند تعطل البدن لا يوجب كونه قائما بالبدن فان استثناء عين التالى لا ينتج فانا نقول ان كانت القوة العقلية قائمة بالبدن فيضعفها ضعف البدن بكل حال والتالى محال فالمقدم محال واذا قلنا التالى موجود فى بعض الاحوال فلا يلزم ان يكون المقدم موجودا . ثم السبب فيه ان النفس لها فعل بذاتها اذا لم يعق عائق ولم يشغلها شاغل فان للنفس فعلين فعل بالقياس الى البدن وهو السياسة له وتدبيره وفعل بالقياس الى مبادئه والى ذاته وهو ادراك المعقولات وهما متمانعان متعاندان فمهما اشتغل باحد هما انصرف عن الآخر وتعذر عليه الجمع بين الامرين . وشواغله من جهة البدن الاحساس والتخيل والشهوات والغضب والخوف والغم والوجع فاذا اخذت تفكر فى معقول تعطل عليك كل هذه الاشياء الاخر . بل مجرد الحس قد يمنع من ادراك العقل ونظره من غير أن يصيب آلة العقل شىء او يصيب ذاتها آفة والسبب فى ذلك اشتغال النفس بفعل عن فعل ولذلك يتعطل نظر العقل عند الوجع والمرض والخوف فانه ايضا مرض فى الدماغ . وكيف يستبعد التمانع فى اختلاف جهتى فعل النفس وتعدد الجهة الواحدة قد يوجب التمانع فان الفرق يذهل عن الوجع والشهوة عن الغضب والنظر فى معقول عن معقول آخر . وآية أن المرض الحال فى البدن ليس يتعرض لمحل العلوم انه اذا عاد صحيحا لم يفتقر الى تعلم العلوم من رأس بل تعود عيشة نفسه كما كانت وتعود تلك العلوم بعينها من غير استئناف تعلم الاعتراض أنا نقول نقصان القوى وزيادتها لها اسباب كثيرة لا تنحصر فقد يقوى بعض القوى فى ابتداء العمر وبعضها فى الوسط وبعضها فى الآخر وأمر العقل ايضا كذلك فلا يبقى الا ان يدعى الغالب . ولا بعد فى أن يختلف الشم والبصر فى أن الشم يقوى بعد الاربعين والبصر يضعف وان تساويا فى كونهما حالين فى الجسم كما تتفاوت هذه القوى فى الحيوانات فيقوى الشم من بعضها والسمع من بعضها والبصر من بعضها لاختلاف فى أمزجتها لا يمكن الوقوف على ضبطه فلا يبعد ان يكون مزاج الآلات أيضا يختلف فى حق الاشخاص وفى حق الاحوال . ويكون أحد الاسباب فى سبق الضعف الى البصر دون العقل ان البصر اقدم فانه مبصر فى اول فطرته ولا يتم عقله الا بعد خمسة عشر سنة او زيادة على ما شاهدنا اختلاف الناس فيه حتى قيل ان الشيب الى شعر الرأس أسبق منه الى شعر اللحية لان شعر الرأس أقدم . فهذه الاسباب ان خاض الخائض فيها ولم يرد هذه الامور الى مجارى العادات فلا يمكن أن يبنى عليها علم موثوق به لان جهات الاحتمال فيما تزيد بها القوى أو تضعف لا تنحصر فلا يورث شىء من ذلك يقينا
[34] قلت اما اذا وضع ان القوى المدركة موضوعها هو الحار الغريزى وكان الحار الغريزى يدركه النقص بعد الاربعين فقد ينبغى ان يكون العقل فى ذلك كسائر القوى اعنى انه يلزم ان كان موضوعه الحار الغريزى ان يشيخ بشيخوخته واما ان توهم ان الموضوعات مختلفة للعقل والحواس فليس يلزم ان تستوى اعمارها
Página 570