197

Tafsir Bahr Muhit

البحر المحيط في التفسير

Editor

صدقي محمد جميل

Editorial

دار الفكر

Edición

١٤٢٠ هـ

Ubicación del editor

بيروت

Regiones
Egipto
Imperios y Eras
Mamelucos
وَالْكَبِيرِ سِيَّانِ عِنْدَهُ إِذَا كَانَا فِي تَوْفِيَةِ الْحِكْمَةِ سَوَاءً. الثَّانِي: أَنَّ الْبَعُوضَةَ لَمَّا كَانَتْ مِنْ أَصْغَرِ مَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى خَصَّهَا بِالذِّكْرِ فِي الْقِلَّةِ، فلا يستحيي أَنْ يَضْرِبَ الْمَثَلَ فِي الشَّيْءِ الْكَبِيرِ بِالْكَبِيرِ وَالْحَقِيرِ بِالْحَقِيرِ، وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي ضَرْبِ الْأَمْثَالِ. الثَّالِثُ: أَنَّ فِي الْبَعُوضَةِ، مَعَ صِغَرِ حَجْمِهَا وَضَعْفِ بُنْيَانِهَا، مِنْ حُسْنِ التَّأْلِيفِ وَدَقِيقِ الصُّنْعِ، مِنِ اخْتِصَارِ الْخَصْرِ وَدِقَّةِ الْخُرْطُومِ وَلَطِيفِ تَكْوِينِ الْأَعْضَاءِ وَلِينِ الْبَشَرَةِ، مَا يُعْجِزُ أَنْ يُحَاطَ بِوَصْفِهِ، وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ تَبْضَعُ بِشَوْكَةِ خُرْطُومِهَا، مَعَ لِينِهَا، جِلْدَ الْجَامُوسِ وَالْفِيلِ، وَتَهْتَدِي إِلَى مُرَاقِ الْبَشَرَةِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، فَلَا يَسْتَحْيِي اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَضْرِبَ بِهَا الْمَثَلَ، إِذْ لَيْسَ فِي وُسْعِ أَحَدٍ مِنَ الْبَشَرِ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهَا وَلَا أَقَلَّ مِنْهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ «١» . الرَّابِعُ: أَنَّ الْمَثَلَ بِالذُّبَابِ وَالْبَعُوضِ وَالْعَنْكَبُوتِ، وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ، أَتَى بِهِ تَعَالَى فِي غَايَةِ مَا يَكُونُ مِنَ التَّمْثِيلِ، وَأَحْسَنُ مَا يَكُونُ مِنَ التَّشْبِيهِ، لِأَنَّ الَّذِي جَعَلَهَا مَثَلًا لَهُمْ فِي غَايَةِ مَا يَكُونُ مِنَ الْحَقَارَةِ، وَضَعْفِ الْقُوَّةِ، وَخِسَّةِ الذَّاتِ وَالْفِعْلِ، فَلَوْ شَبَّهَهُمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مَا حَسُنَ مَوْقِعُ التَّشْبِيهِ، وَلَا عَذُبَ مَذَاقُ التَّمْثِيلِ، إِذِ الشَّيْءُ لَا يُشَبَّهُ إِلَّا بِمَا يُمَاثِلُهُ وَيُشَاكِلُهُ، وَمَنْ أَتَى بِالشَّيْءِ عَلَى وَجْهِهِ فَلَا يَسْتَحَيَا مِنْهُ. وَتَصْدِيرُ الْجُمْلَتَيْنِ بِأَمَّا الَّتِي مَعْنَاهَا الشَّرْطُ مُشْعِرٌ بِالتَّوْكِيدِ، إِذْ هِيَ أَبْلَغُ مِنْ: فَالَّذِينَ آمَنُوا يَعْلَمُونَ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَقُولُونَ، إِذْ قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ مَا بَرَزَ فِي حَيِّزِ أَمَّا مِنَ الْخَبَرِ كَانَ وَاقِعًا لَا مَحَالَةَ، وَمَا مُفِيدُ ذَلِكَ وَمُثِيرُهُ إِلَّا تَرَتُّبُ الْحُكْمِ عَلَى مَعْنَى الشَّرْطِ، وَالضَّمِيرُ فِي أَنَّهُ عَائِدٌ عَلَى الْمَثَلِ، وَقِيلَ: هُوَ عَائِدٌ عَلَى الْمَصْدَرِ الْمَفْهُومِ مِنْ يَضْرِبُ كَأَنَّهُ قَالَ: فَيَعْلَمُونَ أَنَّ ضَرْبَ الْمَثَلِ. وَقِيلَ: هُوَ عَائِدٌ عَلَى الْمَصْدَرِ الْمَفْهُومِ من لَا يَسْتَحْيِي، أَيْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّ انْتِفَاءَ الِاسْتِحْيَاءِ مِنْ ذكر الحق، وإلا ظهر الْأَوَّلُ لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: مَاذَا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا فَمَيَّزَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُشَارَ إِلَيْهِ هُنَا بِالْمَثَلِ. وَالتَّقْسِيمُ وَرَدَ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، فَظَهَرَ أَنَّهُ عَائِدٌ عَلَى الْمَثَلِ، وَأَخْبَرَ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْعِلْمِ لِأَنَّهُ الْجَزْمُ الْمُطَابِقُ لِدَلِيلٍ، وَأَخْبَرَ عَنِ الْكَافِرِينَ بِالْقَوْلِ، وَهُوَ اللَّفْظُ الْجَارِي عَلَى اللِّسَانِ، وَجَعَلَ مُتَعَلِّقَهُ الْجُمْلَةَ الِاسْتِفْهَامِيَّةَ الشَّامِلَةَ لِلِاسْتِغْرَاقِ وَالِاسْتِبْعَادِ وَالِاسْتِهْزَاءِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: مَاذَا أَرادَ اللَّهُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى أَقْسَامِ مَاذَا، وَهِيَ هَاهُنَا تَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ مِنْ تِلْكَ الْأَقْسَامِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ مَا اسْتِفْهَامًا فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَذَا بِمَعْنَى الَّذِي خَبَرٌ عَنْ مَا.
وَأَرَادَ صِلَةً لِذَا الْمَوْصُولَةِ وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ، إِذْ فِيهِ شُرُوطُ جَوَازِ الْحَذْفِ، وَالتَّقْدِيرُ ما الذي

(١) سورة الحج: ٢٢/ ٧٣.

1 / 200