Tafsir al-Uthaymeen: Al-Shu'ara

تفسير العثيمين: الشعراء

Editorial

مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية

Edición

الأولى

Año de publicación

١٤٣٦ هـ

Ubicación del editor

المملكة العربية السعودية

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تقديم
إنَّ الحمدَ لله، نحمدُهُ ونَسْتعينُه ونَسْتغفرُه، ونَعوذُ بالله مِن شُرور أَنْفُسنا ومِن سيِّئات أعمالِنا، مَن يَهْده اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِلْ فَلا هادِيَ له، وأَشْهَد أنْ لا إلَهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ لَه، وأَشْهَد أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه، أرسلَه اللهُ بالهُدَى ودِين الحَقِّ؛ فبلَّغَ الرِّسالةَ، وأدَّى الأمانةَ، ونَصح الأمَّةَ، وجاهَد في الله حَقَّ جِهادِه، حتَّى أتاهُ اليَقينُ، فصَلواتُ اللهِ وسلامُه عليهِ وعلَى آلِه وأصحابِه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلَى يومِ الدِّين، أَمَّا بَعْدُ:
فمِنَ الدُّروسِ العِلميَّة المُسجَّلَة صَوتيًّا، والَّتِي كانَ يَعقِدُها صاحِبُ الفَضِيلةِ شَيخُنا العلَّامةُ الوالِدُ محمَّدُ بنُ صالحٍ العُثَيْمِين - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- في جامِعِهِ بمَدِينَةِ عُنَيْزَةَ صَباحَ كُلِّ يومٍ أَثْناءَ الإِجازاتِ الصَّيْفيَّة؛ حَلقاتٌ فِي تَفْسير القُرآن الكَرِيم كانَت بِدايتُها مِن سُورة النُّور وما بَعدَها؛ حتَّى بلَغ قَولَه تَعالَى في سُورة الزُّخرف: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾.
وقَدِ اعتَمدَ رَحِمَهُ اللهُ تَعالَى في تَفْسيرِه لتِلْكَ السُّور كِتابًا بَيْن يَدَيِ الطُّلاب هُو (تَفْسير الجَلالَيْنِ) للعلَّامة جَلال الدِّين محمَّد بنِ أَحْمدَ بنِ محمَّدِ بنِ إبراهيمَ المَحَلِّيِّ، المُتوفَّى سنَةَ (٨٦٤ هـ) (^١)، والعلَّامة جَلال الدِّين عبد الرَّحمن بن أَبِي بَكْر بنِ محمَّد

(^١) انظر ترجمته في: الضوء اللامع (٧/ ٣٩)، حُسن المحاضرة (١/ ٤٤٣).

1 / 5

ابنِ سابِق الدِّين الخُضَيْرِيِّ السُّيُوطِيِّ، المُتوفَّي سنة (٩١١ هـ) (^١). تغمَّدهما الله بواسِع رَحمته ورِضوانه، وأَسْكنهما فَسِيحَ جنَّاتِه، وجَزاهُما عَنِ الإِسْلام والمُسلِمِينَ خَيرَ الجَزاءِ.
وسَعْيًا - بإِذْنِ اللهِ تَعالَى- لِتَعْمِيمِ النَّفْع بتِلْكَ الجُهُود المُبارَكة فِي هَذا المَيْدَان العَظِيم باشَر القِسْمُ العِلْمِيُّ بِمُؤسَّسةِ الشَّيخِ محُمَّد بنِ صالِحٍ العُثَيْمِين الخَيْرِيَّةِ واجِباتِه فِي شَرَفِ الإِعْدادِ والتَّجْهِيز للطِّباعةِ والنَّشْر لِإِخْراجِ ذَلِكَ التُّراث العِلمِي؛ إنفاذًا للقَواعِدِ والضَّوابِط والتَّوْجِيهاتِ الَّتِي قَرَّرها فَضيلةُ الشَّيخِ رَحِمَهُ اللهُ تَعالَى في هَذا الشَّأْنِ.
نَسْأل اللهَ تعالَى أنْ يَجْعلَ هَذا العَمَلَ خالصًا لِوجهِه الكَريمِ؛ نافِعًا لعِبادِه، وأنْ يَجزِيَ فَضِيلةَ شيخِنا عَنِ الإسلامِ والمسلمِينَ خَيْرَ الجَزَاء، ويُضَاعِفَ لهُ المثُوبَةَ والأَجْرَ، ويُعْلِيَ دَرَجَتَهُ في المَهْدِيِّينَ، إِنَّه سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبٌ.
وَصَلَّى اللهُ وسلَّم وبارَك علَى عبدِه ورَسولِه، خاتَمِ النَّبِيِّينَ، وإِمامِ المُتَّقِينَ، وسيِّدِ الأوَّلينَ والآخِرينَ، نبيِّنَا محمَّدٍ، وعلَى آلِه وأَصْحابِه والتَّابعينَ لهُمْ بإِحْسانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّين.
القِسْمُ العِلْمِيُّ
فِي مُؤَسَّسَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثَيْمِين الخَيْرِيَّةِ
٢٠ جُمَادَى الآخِرَة ١٤٣٦ هـ
* * *

(^١) انظر ترجمته في: الأعلام للزركلي (٣/ ٣٠١).

1 / 6

سُورة الشُّعَراء
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ للهِ ربِّ العَالَمِينَ، وصلَّى اللهُ وسلَّمَ عَلَى نبيِّنَا محُمَّدٍ، وعَلَى آلِهِ وأصحَابِهِ ومَنْ تَبِعَهُم بإحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ. وبَعد:
قال المُفَسِّر (^١) ﵀: [سُورَة الشُّعَرَاء [مَكِّيَّة إلَّا آيَة ١٩٧ و٢٢٤ إلَى آخِر السُّورَة فَمَدَنِيَّة وَآيَاتهَا ٢٢٧ آيَة نَزَلَتْ بَعْد الْوَاقِعَة].
الشُّعَرَاء: جمع شاعرٍ، وسُمِّيَتْ به لِأَنَّهُ ذُكِرَ فِي آخِرِها، والتَّسميةُ للسُّوَرِ منها شيْءٌ تَوْقِيفِيٌّ منَ النبيّ ﷺ ومنها شيْء اجتهادِيٌّ، فالنبيُّ ﵊ أحيانًا يذكرُ السُّورَةَ بعينها، مثلما قَالَ: "اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ؛ الْبَقَرَةَ، وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ" (^٢)، وأحيانًا لا يَذْكُرُهَا ولا يُبَيِّنُ اسْمها، ولكن يَجْتَهِدُ الصَّحابةُ فِي تَسْمِيَتِها.
وتَسميةُ السُّور أيضًا قد تكون واحدة، بمَعْنى: أن تُسَمَّى السورةُ باسْمٍ واحدٍ، وقد يكونُ للسورةِ عِدَّةُ أسماء.
ومن السُّور ذوات الأسماء العدة سُورَةُ الإسراء، فهي تُسَمَّى أيضًا سُورةَ بني إِسْرَائِيلَ، لكنَّ بعض القَوْمِيِّينَ أنكروا ذلك، وحجتُّهم في هذا الإنكار: أنَّه

(^١) المقصود بـ (المُفَسِّر) هنا: محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم جلال الدين المحلي، المتوفي سنة (٨٦٤ هـ) رحمه الله تعالى، ترجمته في: الضوء اللامع (٧/ ٣٩)، حسن المحاضرة (١/ ٤٤٣).
(^٢) أخرجه مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة، رقم (٨٠٤).

1 / 7

لا يمكنُ أن تكونَ سُورَةٌ باسْم بني إِسْرَائِيل، يعني سُورة اليَهود، فأنكروا هَذَا الشَّيْء.
وقلنا: إن القومِيِّين أثبتوا أن اليَهودَ قتَلُوا عيسى بنَ مَرْيَمَ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ [النِّساء: ١٥٧].
يقول المُفسِّرُ ﵀: [مَكِّيَّة]، والمكيُّ هُوَ الَّذِي نزلَ قبلَ الهجرةِ عَلَى القولِ الصَّحيحِ، يعني: فالمُعْتَبَر الزمنُ لا المكانُ.
قوله ﵀: [إلا ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ إِلَى آخِرِها]، وهي أربع آيات: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤ - ٢٢٧]، وهذا الإستثناء لَيْسَ بمقبولٍ إلَّا إذا دلّ الدَّليلُ عليه، والدَّليل عليه تارَةً يكون بالنقلِ، وتارَةً يكون بالمَعْنى، والمَعْنى قد يكون واضحًا وقد يُنازَع فيه.
فهنا المُفسِّرُ استثنى هَذِهِ الآيَاتِ الأربعَ بقرينةِ السياقِ؛ لِأَنَّ قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧]، قيل: لَمّا نزلت ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤]، تأثر لها حَسَّان ﵁ فأنزل الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] (^١)، والإنْتِصار بعد الظُّلم كَانَ فِي المدينةِ وليسَ بمكَّةَ، ومِن ثمَّ قالوا: إن هَذِهِ الآيَات مَدَنِيَّة.

(^١) تفسير الطبري (١٩/ ٤١٨).

1 / 8

قال المُفسِّر ﵀: [وهي مائتانِ وسبعٌ وعشرونَ آيةً]، وتقسيم الآيَات أيضًا توقيفيٌّ، حَتَّى النبي ﵊ لَيْسَ له شأنٌ فِي تقسيمِ الآيَاتِ، فتنزل الآيَات من عند الله مُقَسَّمةً، وأيضًا الرسول ﵊ يأمر بوضعها فِي مكانها من السورة، فهي توقيفيَّة أيضًا فِي الترتيبِ.
قال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ والبَسْملَة متعلِّقة بفعل محذوف متأخِّر مناسِب لما يُسَمَّى عليه، فمثلًا: عِندَما تريد أن تقرأ تقول: بسم الله الرَّحْمن الرحيم، فالتَّقدير: "بسْم الله الرَّحْمن الرحيم أقرأُ".
وقُدِّر فعلًا لِأَنَّهُ الأَصْل فِي العمل.
وقدِّر متأخرًا لإِفادة الحصر والتبركِ بتقديم اسْم الله.
وقُدِّر مناسبًا لِأَنَّهُ أخفُّ، وإلا فيجوزُ أن تقدِّر: باسْم الله أبتدئُ، ولكنّه إذا قُدِّر خاصًّا فهو أخصُّ وأدلُّ عَلَى المقصود.
* * *

1 / 9

الآية (١)
* * *
* قالَ اللهُ ﷿: ﴿طسم﴾ [الشعراء: ١].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: ﴿طسم﴾ اللهُ أعلمُ بمُراده بذلك]، ويَحتمِل قوله: [بمرادِهِ بذلكَ] أَنَّهُ يَقصد أن لهذه الكلمةِ أو لهذه الحروف معانيَ واللهُ أعلمُ بها، ويَحتمِل أن مراده (الله أعلم بذلك) أي: بالغَرَضِ الَّذِي من أجلِهِ أتَى بهذه الحروف الهِجائيَّة، وبين المعنيينِ فرقٌ، يعني: عَلَى التَّقديرِ الأوَّل تكون هَذِهِ الكَلِمَةُ لها معنًى لكن لَيْسَ معروفًا، وعلى التَّقديرِ الثَّاني يكونُ لا معنَى لها، ولكن الحِكمة فِي الإتيان غير معروفة.
أمَّا احتمال أن يكون لها معنًى فهذا بعيدٌ، ووجهُ البُعْدِ أنَّ القُرآن أتَى بلِسانٍ عربيٍّ، وأن هَذِهِ الحروف الهجائيَّة لمجرَّد كونها حروفًا لَيْسَ لها معنًى، واللهُ ﷾ لا يُنْزِل لنا حروفًا هجائيَّةً ويَقصِد بِهَا المَعْنى؛ لِأَنَّ هَذَا خِلاف أن يكون القُرآن بيانًا وخُروجًا عن مُقْتَضَى اللُّغة العربيَّة.
وأمَّا الإحتمال الثَّاني فَهُوَ أن يُقالَ: اللهُ أعلمُ بما أرادَ؛ بالغرضِ الَّذِي من أجلِهِ أتى بهذه الحروف الهجائيَّة؛ فهذا حقٌّ؛ فإذا قال الْإِنْسَانُ: أنا لا أعلم واللهُ أعلمُ فهذا حقٌّ، ولكن بعض أهل العلم أَبْدَى مناسبةً، وقال: إن منَ المناسباتِ أن القُرآنَ الكريمَ المعجِزَ للناسِ أجمعينَ أَنَّهُ لن يأتيَ بأمرٍ غريبٍ، وإنَّما أتَى بكلماتٍ من

1 / 11

هَذِهِ الحروف، الَّتِي يتَكَوَّن منها كَلام النَّاس، ومع ذلك أَعْجَزَهُمْ؛ لِأَنَّهُ لو أَتَى بحروفٍ جديدةٍ غيرِ معلومةٍ للناسِ لقِيلَ: إن إعجازَه ظاهرٌ، ولا أحدَ يَقدِر، لكن وجه الإعْجاز وتمام الإعْجاز أن يأتيَ بحروفٍ هِيَ من حروفِ الكَلامِ الَّذِي يتكلَّم بِهِ النَّاس، ومع ذلك يُعجِزهم، واستأنسوا لإِثْبات هَذِهِ المناسبةِ بأنَّكَ لو تَدَبَّرْتَ هَذِهِ السُّوَرَ الَّتِي ابتُدِئت بالحروف الهجائيّة لوجدتَ أَنَّهُ يذكر بعد الحروفِ ما يَتَّصِل بالقُرآنِ:
﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ١ - ٢].
﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ١ - ٣].
﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١ - ٢].
﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس: ١].
﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١].
﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [يوسف: ١].
﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [الرعد: ١].
﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم: ١].
﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ١].
﴿كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ [مريم: ١ - ٢].
﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ١ - ٢].
﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الشعراء: ١ - ٢].

1 / 12

﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ١].
﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [القَصَص: ١ - ٢].
﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١ - ٣].
﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ [الروم: ١ - ٣].
﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [لقمان: ١ - ٢].
﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة: ١ - ٢].
وسِيروا عَلَى هَذا.
بَقِيَ أَنَّهُ يجب أن يُرَدَّ بأنَّ الآيَاتِ: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٢]، و﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ [الروم: ١ - ٣]، و﴿كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ [مريم: ١ - ٢]، لَيْسَ فيها ذِكْرٌ للقرآنِ؟
فيُقال: فيها ذِكْر للقرآن: فـ ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ هَذَا وَحْيٌ، و﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ فإنَّ قصصَ وأخبار الأوَّلِين إنَّما كانتْ بالوحيِ، و﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ إخبارٌ أيضًا عن أمرٍ مُسْتَقْبَلٍ من أمور الغيبِ لا يُعْلَم إلا بالوحيِ.
ثم لو فُرضَ أن هَذَا لَيْسَ بواضحٍ؛ فإن النادرَ لا حُكْمَ له، وهذا المَعْنى - الذي أَشرنا إليه - ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وأيّده شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ (^١).

(^١) انظر تفسير القرآن العظيم (١/ ٥٢) ط دار الفكر.

1 / 13

الآية (٢)
* * *
* قالَ اللهُ ﷿: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الشعراء: ٢].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿تِلْكَ﴾ أي: هَذِهِ الآيَات ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾] وتعبيرُ القُرآن: ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾ وهناك فرق بين التعبير القُرآنيّ وتعبير المفسِّر؛ الفرقُ بينهما أن التعبيرَ القُرآنيَّ أتَى بالإشارةِ للبَعيد، والمُفسِّر أتى بالإشارة للقريبِ.
ثم قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أي: هَذِهِ الآيَات ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾]، أيضًا لِيُبَيِّن أن آيات الكِتاب هِيَ الخبرُ.
والصَّوابُ أن نقولَ: لو قال المُفسِّر: (تلك الآيَاتُ آيات) لكَانَ أحسنَ؛ لِأَنَّ كونه يعدِل عن الإشارةِ بالبعيدِ إِلَى الإشارةِ بالقريبِ، معَ أن الله تعالى أثبتَ الإشارةَ للبعيدِ، فهذا لَيْسَ تفسيرًا، والصَّواب بلا شكّ: القُرآن هُوَ الصَّوابُ، والإشارة بالبعيدِ هنا مع قُربِ القُرآنِ الكريمِ وكَوْنه بينَ أيدينا إشارةٌ إِلَى عُلُوّ مَرْتَبَتِه، فهو للتَّعْظيمِ، وإذا صِرنا عَلَى ما قال المُفسِّر فاتنا هَذَا المَعْنى الَّذِي أُرِيدَ بالإشارة للبَعيد.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ هو القُرآن، والإضافة بمَعْنى (مِن)]، يعني: آيات من الكِتابِ.
وقوله: ﴿الْكِتَابِ﴾ بمَعْنى: المكتوب، كاللِّبَاسِ بمعنَى: المَلْبُوس، والغِرَاس:

1 / 14

بمَعْنى المَغْرُوس، والبِنَاء بمَعْنى: المَبْنِيّ، والفِرَاش: بمَعْنى المَفْرُوش. وسُمِّيَ كِتابًا لأَنَّهُ كُتِبَ فِي اللَّوْح المَحْفُوظ، وكُتِب بالصُّحُف الَّتِي بأيدي الملائكة، وكُتِبَ فِي الأرض بين النَّاس، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١١ - ١٦].
وقوله: ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ الآيَات جمع آيةٍ، وهي فِي اللُّغة: العَلامَة، والمُراد بِهَا هنا العَلامَةُ الدالَّةُ عَلَى منزِّل هَذَا القُرآنِ، وَهُوَ الله ﷾.
إذن كلُّ آيةٍ منْ هَذِهِ الآيَاتِ فيها إعجازٌ؛ لِأَنَّهُ لو لم يكنْ فيها إعجازٌ لم تكنْ آيةً؛ لِأَنَّ الآيةَ العَلامَةُ الفارقةُ، ولا يكون القُرآن عَلامَةً فارقةً بينه وبين كَلامِ الآدميِّين إلا إذا كَانَ مُعْجِزًا.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿الْمُبِينِ﴾ المُظْهِر الحَقّ من الباطِل]، وأحيانًا يفسِّرون المُبِينَ بالبَيِّن، قال تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩]، يعني: البيِّن الواضِح؛ وذلك لِأَنَّ أبَانَ تُستعمل قاصرةً ومُتَعَدِّيَةً، يعني: فتستعمل قاصرةً: بَانَ الشَّيْءُ وأبانَ الشَّيْءُ، وتُسْتَعْمَل مُتَعَدِّيَةً، فيُقال: أبنتُ الحقَّ، يعني: أظهرته، فالمبين إذا فُسِّرَتْ بالبَيِّن فمعناه أن السِّياق لا يَقتضي سوى ذلك، فتكون منَ اللازم، فإذا كَانَ المعنَى يَحتمِل أن تكونَ من المتعدِّي - يعني: بمَعْنى مُظْهِر - وجبَ أنْ تُفَسَّرَ به؛ لِأَنَّ تفسيرها بالمُظْهِر يَشْمَل أو يَتَضَمَّن تَفسيرها بالبَيِّن؛ إذِ المُبِين معناه: بيِّنٌ بنفسِهِ، مُبِينٌ لِغَيْرِهِ، خلاف البيِّن بنفسه فقد لا يُبين غيرَه.
إذن كلَّما جاءتْ (مُبين) فِي القُرآنِ إنْ أمكنَ أنْ تُفَسَّرَ بالإبانةِ، الَّتِي هِيَ الإظهارُ وَجَبَ؛ لِأَنَّ ذلكَ أشملُ، وإذا لم يمكنْ فُسِّرت بالبيِّن الَّذِي هُوَ اللازمُ دونَ المتعدِّي؛ كقولِهِ: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢]، فهِي بمَعْنى (بيّن)

1 / 15