Tafsir al-Uthaymeen: Al-Fatihah and Al-Baqarah
تفسير العثيمين: الفاتحة والبقرة
Editorial
دار ابن الجوزي
Edición
الأولى
Año de publicación
١٤٢٣ هـ
Ubicación del editor
المملكة العربية السعودية
- أ -
بسم الله الرحمن الرحيم
التي إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد:
فقد اعتنى علماء الإسلام - رحمهم الله تعالى - بكتاب الله ﷿ عناية كبيرة، ومن ذلك تفسير ألفاظه وبيان معانيه، واستنباط الأحكام والفوائد من آياته.
ومن هؤلاء العلماء فضيلة شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀ رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته - حيث عقد دروسًا كثيرة لتفسير القرآن الكريم خلال فترات طويلة من جلوسه للتدريس.
ورغبة في نشر هذا العلم الذي يتعلق بتفسير كلام رب العالمين جل وعلا. وافق الشيخ المؤلف - رحمه الله تعالى - على تفريغ الأشرطة التي تحتوي على التفسير فقام أحد طلابه «خالد بن حامد بن خليل» - جزاه الله خيرا - بنسخ أشرطة التفسير لسورتي الفاتحة والبقرة ومراجعة الشيخ فيما تم نسخه وقراءته عليه حتى تم اعتماده من الشيخ ﵀، ثم خرّج أحاديثه وتولت اللجنة العلمية مراجعته للطباعة والنشر.
المقدمة / 3
وحيث أن تفسير شيخنا رحمه الله تعالى، يمتاز بميزات علمية سوف يقف عليها القارئ بنفسه - إن شاء الله - وتعميما للفائدة، وتسهيلا لطالب العلم، وتحقيقا لأهداف مؤلفه ﵀ فإن مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية تتولى طباعة ونشر جميع ما دون وسجل من تفسير لفضيلته بعون الله وتوفيقه سبحانه وتعالي.
نسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم، موافقا لمرضاته، نافعا لعباده، وأن يجزي فضيلة شيخنا المؤلف عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، ويضاعف له المثوبة والأجر، ويعلي درجته في المهديين، ويسكنه فسيح جناته إنه سميع مجيب وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان.
اللجنة العلمية
في مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
المقدمة / 4
مقدمة
الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه؛ ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليمًا أما بعد:
فإنَّ من المهم في كل فن أن يتعلمَ المرءُ من أصوله ما يكون عونًا له على فهمه وتخريجه على تلك الأصول؛ ليكونَ علمه مبنيًّا على أسس قوية ودعائم راسخة، وقد قيل: من حُرِمَ الأصول؛ حرم الوصول.
ومن أجلِّ فنون العلمِ، بل هو أجلها وأشرفها: علم التفسير الذي هو تبيين معاني كلام الله ﷿، وقد وَضَعَ أهلُ العلمِ له أصولًا، كما وضعوا لعلم الحديث أصولًا، ولعلم الفقه أصولًا.
وقد كنتُ كتبتُ من هذا العلمِ ما تيسَّرَ لطلابِ المعاهد العلمية في جامعة الإِمام محمد بن سعود الإِسلامية، فطلب مني بعض الناس أن أفردها في رسالة، ليكون ذلك أيسر وأجمع فأجبته إلى ذلك.
وأسأل الله تعالى أن ينفع بها.
ويتلخص ذلك فيما يأتي:
المقدمة / 5
* القرآن الكريم:
١ - متى نزل القرآن على النبي ﷺ، ومن نزل به عليه من الملائكة.
٢ - أول ما نزل من القرآن.
٣ - نزول القرآن على نوعين: سببي وابتدائي
٤ - القرآن مكي ومدني، وبيان الحكمة من نزوله مفرَّقًا، وترتيب القرآن.
٥ - كتابة القرآن وحفظه في عهد النبي ﷺ.
٦ - جمع القرآن في عهد أبي بكر وعثمان ﵄.
* التفسير:
١ - معنى التفسير لغة واصطلاحًا، وبيان حكمه، والغرض منه.
٢ - الواجب على المسلم في تفسير القرآن.
٣ - المرجع في التفسير إلى ما يأتي:
· ... أ - كلام الله تعالى بحيث يفسر القرآن بالقرآن.
· ... ب - سنة الرسول ﷺ؛ لأنه مبلغ عن الله تعالى، وهو أعلم الناس بمراد الله تعالى في كتاب الله.
· ... جـ - كلام الصحابة ﵃ لا سيما ذوو العلم منهم والعناية بالتفسير؛ لأن القرآن نزل بلغتهم وفي عصرهم.
· ... د - كلام كبار التابعين الذين اعتنوا بأخذ التفسير عن الصحابة ﵃.
· ... هـ - ما تقتضيه الكلمات من المعاني الشرعية أو اللغوية حسب السياق، فإن اختلف الشرعي واللغوي؛ أخذ بالمعنى الشرعي إلا بدليل يرجح اللغوي.
المقدمة / 6
٤ - أنواع الاختلاف الوارد في التفسير المأثور.
٥ - ترجمة القرآن: تعريفها - أنواعها - حكم كلِّ نوع.
* خمس تراجم مختصرة للمشهورين بالتفسير ثلاث للصحابة واثنتان للتابعين.
* أقسام القرآن من حيث الإحكام والتشابه:
-موقف الراسخين في العلم، والزائغين من المتشابه.
-التشابه: حقيقي ونسبي.
-الحكمة في تنوع القرآن إلى محكم ومتشابه.
*موهم التعارض من القرآن والجواب عنه وأمثلة من ذلك.
الْقَسَم:
تعريفه - أداته - فائدته.
القصص:
تعريفها - الغرض منها - الحكمة من تكرارها واختلافها في الطول والقصر والأسلوب
*الإسرائيليات التي أُقحمت في التفسير وموقف العلماء منها.
*الضمير:
تعريفه - مرجعه - الإِظهار في موضع الإِضمار وفائدته - الالتفات وفائدته - ضمير الفصل وفائدته.
المقدمة / 7
القرآن الكريم
القرآن في اللغة: مَصْدَرُ قرأَ بمعنى تَلا، أو بمعنى جَمع، تقول: قَرَأ قَرْءًا وقُرْآنًا، كما تقول: غفر غَفْرًا وغُفْرانًا فعلى المعنى الأول (تلا) يكون مصدرًا بمعنى اسم المفعول؛ أي بمعنى متلوّ وعلى المعنى الثاني (جَمَعَ) يكون مصدرًا بمعنى اسم الفاعل؛ أي بمعنى جامع لجمعه الأخبار والأحكام (^١).
والقرآن في الشرع: كلامُ الله تعالى المنزل على رسوله وخاتم أنبيائه محمد ﷺ، المبدوء بسورة الفاتحة، المختوم بسورة الناس قال الله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا).
[الإنسان: ٢٣]، وقال: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (يوسف: ٢).
وقد حَمَى الله تعالى هذا القرآن العظيم من التغيير والزيادة والنقص والتبديل، حيث تكفَّل ﷿ بحفظه فقال: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: ٩) ولذلك مضت القرون الكثيرة ولم يحاول أحدٌ من أعدائه أن يغيرَ فيه، أو يزيد، أو ينقص، أو يبدل إلا هتك الله تعالى ستره، وفضح أمره.
وقد وصفه الله تعالى بأوصاف كثيرة، تدلُّ على عظمته وبركته وتأثيره وشموله، وأنه حاكم على ما قبله من الكتب.
قال الله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ
(^١) ويمكن أن يكون بمعنى اسم المفعول أيضًا؛ أي بمعنى مجموع؛ لأنه جمع في المصاحف والصدور.
المقدمة / 8
الْعَظِيمَ) (الحجر: ٨٧) (وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) (ق: ١)
وقال تعالى: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (صّ: ٢٩
(وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الأنعام: ١٥٥)، (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ) (الواقعة: ٧٧)، (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) (الاسراء: ٩).
وقال تعالى: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (الحشر: ٢١) (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) (التوبة: ١٢٤) (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ) (التوبة: ١٢٥).
(وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغ) (الأنعام: الآية ١٩)، (فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا) (الفرقان: ٥٢).
وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) (النحل: الآية ٨٩)
وقال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) (المائدة: الآية ٤٨).
والقرآنُ الكريمُ مصدرُ الشريعةِ الإِسلامية التي بُعِثَ بها محمد ﷺ إلى الناس كافَّة، قال الله تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) (الفرقان: ١)، ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (ابراهيم: ١» اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) (ابراهيم: ٢).
المقدمة / 9
وسنةُ النبي ﷺ مصدرُ تشريعٍ أيضًا كما قرره القرآن، قال الله تعالى: (منْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) (النساء: ٨٠) (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا) (الأحزاب: الآية ٣٦)، (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (الحشر: الآية ٧)، (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (آل عمران: ٣١)
١ - نزول القرآن
نزول القرآن نَزل القرآنُ أوَّل ما نزل على رسول الله في ليلة القدر في رمضان، قال الله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) (القدر: ١)، (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ) (الدخان: ٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) (الدخان: ٤) (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) (البقرة: الآية ١٨٥)
وكان عُمْرُ النبي ﷺ أول ما نزل عليه أربعين سنة على المشهور عند أهل العلم، وقد روي عن ابن عباس ﵄ وعطاء وسعيد بن المسيِّب وغيرهم وهذه السِّنُّ هي التي يكون بها بلوغ الرشد وكمال العقل وتمام الإِدراك
والذي نزل بالقرآن من عند الله تعالى إلى النبي ﷺ، جبريلُ أحدُ الملائكة المقربين الكرام، قال الله تعالى عن القرآن: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الشعراء: ١٩٢) (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ) (الشعراء: ١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ) (الشعراء: ١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (الشعراء: ١٩٥)
وقد كان لجبريل ﵇ من الصفات الحميدة العظيمة، من الكرم والقوة والقرب من الله تعالى والمكانة والاحترام بين الملائكة والأمانة والحسن والطهارة؛ ما جعله أهلًا لأن يكون
المقدمة / 10
رسول الله تعالى بوحيه إلى رسله قال الله تعالى: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) (التكوير: ١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ) (التكوير: ٢٠) (مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ) (التكوير: ٢١) (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) (النجم: ٥) (ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى) (النجم: ٦) (وَهُوَ بِالْأُفُقِ الأَعْلَى) (النجم: ٧)
(وقال: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) (النحل: ١٠٢)
وقد بيَّن الله تعالى لنا أوصاف جبريل، الذي نزل بالقرآن من عنده، وتدل على عظم القرآن، وعنايته تعالى به؛ فإنه لا يرسل من كان عظيمًا إلا بالأمور العظيمة
٢ - أول ما نزل من القرآن
أول ما نزل من القرآن على وجه الإِطلاق قطعًا الآيات الخمس الأولى من سورة العلق، وهي قوله تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) (العلق: ١) خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ) (العلق: ٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ) (العلق: ٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) (العلق: ٤) (عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) (العلق: ٥) ثم فتر الوحي مدة، ثم نزلت الآياتُ الخمسُ الأولى من سورة المدثر، وهي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) (المدثر: ١) (قُمْ فَأَنْذِرْ) (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ) (المدثر: ٣) (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) (المدثر: ٤) (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) (المدثر: ٥) ففي "الصحيحين": "صحيح البخاري ومسلم" (^١) عن عائشة ﵂ في بدء الوحي قالت: حتى جاءه الحقُّ، وهو في غار حراء، فجاءه المَلَكُ فقال: اقرأ، فقال النبي ﷺ: ما أنا
(^١) أخرجه البخاري، كتاب بدء الوحي، باب ١: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ ...، أصول في التفسير، حديث رقم ٣؛ ومسلم، كتاب الإيمان، باب ٧٣: بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ، حديث رقم ٤٠٣ [٢٥٢] ١٦٠.
المقدمة / 11
بقارئ (يعني لستُ أعرف القراءة) فذكر الحديث، وفيه ثم قال: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) إلى قوله: (عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) [العلق: ١ - ٥] وفيهما (^١)
عن جابر ﵁، أن النبي ﷺ قال وهو يحدث عن فترة الوحي: "بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتًا من السماء" فذكر الحديث، وفيه: فأنزل الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُقُمْ فَأَنْذِرْوَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) إلى (المدثر: ١ - ٥).
وثمت آيات يقال فيها: أول ما نزل، والمراد أوّل ما نزل باعتبار شيء معين، فتكون أوليّة مقيدة مثل: حديث جابر ﵁ في "الصحيحين" (^٢) أن أبا سلمة بن عبد الرحمن سأله: أي القرآن أنزل أول؟ قال جابر: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) [المدثر: ١] قال أبو سلمة: أنبئت أنه (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) [العلق: ١] فقال جابر: لا أخبرك إلا بما قال رسول الله ﷺ: قال رسول الله ﷺ: "جاورت في حراء فلما قضيت جواري هبطت" فذكر الحديث وفيه: "فأتيت خديجة، فقلت: دثروني، وصبَّوا عليّ ماءً باردًا، وأنزل عليّ: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) إلى قوله: (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) [المدثر: ١ - ٥] "
فهذه الأوَّلية التي ذكرها جابر ﵁ باعتبار أول ما نزل بعد فترة الوحي، أو أول ما نزل في شأن الرسالة؛ لأن ما نزل من
(^١) أخرجه البخاري، كتاب بدء الوحي، باب ١: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ، حديث رقم ٤؛ ومسلم، كتاب الإيمان، باب ٧٣: بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ، حديث رقم ٤٠٦ [٢٥٥] ١٦١ ..
(^٢) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب ٣: قوله: (يا أيها المدثر)، حديث رقم ٤٩٢٤؛ ومسلم، كتاب الإيمان، باب ٧٣: بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ، حديث رقم ٤٠٩ [٢٥٧] ١٦١.
المقدمة / 12