Tafsir Al-Sha'rawi
تفسير الشعراوي
[2.277]
وقلنا: إن كلمة " أجر " تقتضي أنه لا يوجد مخلوق يملك سلعة، إنما كلنا مستأجرون، لماذا؟ لأننا نشغل المخ المخلوق لله، بالطاقة المخلوقة لله، في المادة المخلوقة لله، فماذا تملك أنت أيها الإنسان إلا عملك، وما دمت لا تملك إلا عملك فلك أجر { لهم أجرهم عند ربهم } [البقرة: 277]. وكلمة " عند ربهم " لها ملحظ فعندما يكون لك الأجر عند المساوي لك قد يأكلك، أما أجرك عند رب تولى هو تربيتك، فلن يضيع أبدا. ويتابع الحق: { ولا خوف عليهم } [البقرة: 277] لا من أنفسهم على أنفسهم، ولا من أحبابهم عليهم، { ولا هم يحزنون } [البقرة: 277] لأن أي شيء فاتهم من الخير سيجدونه محضرا أمامهم. وبعد ذلك يقول الحق: { يأيها الذين آمنوا اتقوا الله... }.
[2.278]
وحين يقول الحق: { يأيها الذين آمنوا } [البقرة: 278] فنحن نعرف أن النداء بالإيمان حيثية كل تكليف بعده، وساعة ينادي الحق ويقول: { يأيها الذين آمنوا } [البقرة: 278] أي يا من آمنتم بي إلها قادرا حكيما، عزيزا عنكم غالبا على أمري، لا تضرني معصيتكم، ولا تنفعني طاعتكم، فإذا كنتم قد آمنتم بي وأنا إله قادر حكيم فاسمعوا مني ما أحبه لكم من الأحكام. إذن فكل { يأيها الذين آمنوا } [البقرة: 278] في القرآن هي حيثية كل حكم يأتي بعدها، وأنت تفعل ما يأمرك به الله، وإن سألك أحد: وقال لك: لماذا فعلت هذا الأمر؟ فقل له فعلته لأني مؤمن، والذي أمرني به هو الذي آمنت بحكمته وقدرته. وأنت لا تدخل في متاهة علل الأحكام، لأنك آمنت بأن الله إله حكيم قادر، أنزل لك تلك التكاليف، وإياك أن تدخل في متاهة علة الأحكام، لماذا؟ لأن هناك أشياء قد تغيب علتها عنك، أكنت تؤجلها إلى أن تعرف العلة؟. أكنا نؤجل تحريم لحم الخنزير إلى أن يثبت حاليا بالتحليل أنه ضار؟ لا، إذا كان قد ثبت حاليا بالتحليل أنه ضار فنحن نزداد ثقة في كل حكم كلفنا الله به، ولم نهتد إلى علته، والحق يقول: { يأيها الذين آمنوا اتقوا الله } [البقرة: 278] ومن عجائب كلمة " اتقوا " أنها تأتي في أشياء يبدو أنها متناقضة، إنما هي ملتقية { يأيها الذين آمنوا اتقوا الله } [البقرة: 278] ولم يقل هنا: اتقوا النار كما قال في آية أخرى: " اتقوا النار ". إذن فكيف يقول: " اتقوا الله " ويقول: " اتقوا النار "؟ لأن معنى " اتقوا ": أي اجعلوا وقاية بينكم وبين ربكم. كيف نجعل وقاية بيننا وبين ربنا مع أن المطلوب منا إيمانيا أن نلتحم بمنهج الله لنكون دائما في معية الله؟ نقول: الله سبحانه وتعالى له صفات جلال كالقهار، والمنتقم، والجبار، وذي الطول وشديد العقاب فهو يطلب من عبده المؤمن أن يجعل بينه وبين صفات جلاله وقاية، فالنار جند من جنود صفات الجلال، وحين يقول سبحانه: " اتقوا الله " يعني: اجعلوا وقاية بينكم وبين صفات الجلال التي من جنودها النار. إذن ف " اتقوا الله " مثل " اتقوا النار " أي اجعلوا وقاية بينكم وبين النار. ويتابع الحق: { وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين } [البقرة: 278]، و " ذروا " أي اتركوا، ودعوا، وتناسوا، واطلبوا الخير من الله فيما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين حقا بالله. كأن الله أراد أن يجعلها تصفية فاصلة، يولد من بعدها المؤمن طاهرا نقيا. إنه أمر من الحق: دعوا الربا الذي لم تقبضوه لأن الذي قبضتموه أمره " فله ما سلف " والذي لم تقبضوه اتركوه: { اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين } [البقرة: 278] فإن قلتم إن التعاقد قد صدر قبل التحريم، والتعاقد قد أوجب لك الحق في ذلك، تذكر أنك لم تقبض هذا الحق ليصير في يدك، ولا تقل إن حياتي الاقتصادية مترتبة عليه، فترتيب الحياة الاقتصادية لم ينشأ بالاتفاق على هذا الربا، ولكنه ينشأ بقبضه وأنت لم تقبضه. ويتابع الحق: { فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله... }.
[2.279]
في هذه الآية قضية كونية يتغافل عنها كثير من الناس. لقد جاء نظام ليحمي طائفة من ظلم طائفة، ولم يأت هذا النظام إلا بعد أن وجدت طائفة المرابين الذين ظلموا طائفة الفقراء المستضعفين. وحسب هؤلاء المستضعفين الذين استغلوا من المرابين أن ينصفهم القرآن وأن ينهي قضية الربا إنهاء يعطي الذين رابوا ما سلف لأنهم بنوا حياتهم على ذلك. و " فأذنوا بحرب " كلمة الألف والذال والنون من " الأذن " وكل المادة مشتقة من " الأذن " و " الأذن " هي الأصل الأول في الإعلام لأن الإنسان ليس مفروضا أنه قارئ أولا، إنه لا يكون قارئا إلا إذا سمع، إذن فلا يمكن أن ينشأ إعلام إلا بالسماع. والحق سبحانه وتعالى حينما تكلم عن أدوات العلم للإنسان قال:
والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون
[النحل: 78]. ولذلك عندما جاء علم وظائف الأعضاء ليبحث ذلك وجدوها طبق الأصل كما قال الله عنها. فالوليد الصغير حين يولد إن جاء أصبع إنسان عند عينيه فلا يهتز له رمش لأن عينه لم تؤد مهمتها بعد، ولكن إن تصرخ بجانب أذنه فإنه ينفعل. وعرفنا أن أول أداة تؤدي مهمتها بالنسبة للإنسان الوليد هي أذنه، وهي أيضا الأداة التي تؤدي مهمتها بالنسبة للإنسان مستيقظا كان أو نائما. إن العين تغمض في النوم فلا ترى، لكن الأذن مستعدة طوال الوقت لأن تسمع لأنها آلة الاستدعاء. إذن فمادة " الأذان " و " الأذن " كلها جاءت من مهمة السمع، وقال الله سبحانه وتعالى:
وأذنت لربها وحقت
[الانشقاق: 5]. ما معنى أذنت؟. أنت حين تسمع من مساو لك، فقد تنفذ وقد لا تنفذ، لكن حين تسمعه من إله قادر فلا مناص لك إلا أن تنفذ، فكأن الله يقول: إن الأرض تنشق حين تسمع أمري بالانشقاق. فبمجرد أن تسمع الأرض أمر الحق فإنها تفعل، وحق لها أن تفعل ذلك إنها أذنت لأمر الله، أي خضعت لأن القائل لها هو الله. إذن كل المادة هنا جاءت من " الأذن ". ولذلك فالله يقول لمن لا يفعل ما أمر به الله في الربا { فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله } [البقرة: 279]. أما حرب الله فلا نقول فيها إلا قول الله:
Página desconocida