365

[القصص: 56]. فنفى عنه أنه يهدي. وأثبت له الحق الهداية في آية أخرى يقول فيها :

وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم

[الشورى: 52]. فكيف يثبت الله فعلا واحدا لفاعل واحد ثم ينفي الفعل ذاته عن الفاعل ذاته؟ نقول لهم: رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه أن يدل الناس على منهج الله ولكن ليس عليه أن يحملهم على منهج الله لأن ذلك ليس من عمله هو، فإذا قال الله: " إنك لا تهدي " أي لا تحمل بالقسر والقهر من أحببت، وإنما أنت " تهدي " أي تدل فقط، وعليك البلاغ وعلينا الحساب. إذن فقول الحق: { ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشآء } [البقرة: 272] ليس فيه حجة على القسرية الإيمانية التي يريد بعض المتحللين أن يدخلوا منها إلى منفذ التحلل النفسي عن منهج الله ونقول لهؤلاء: فيه فرق بين هداية الدلالة وهداية المعونة، فالله يهدي المؤمن ويهدي الكافر أي يدلهم، ولكن من آمن به يهديه هداية المعونة، ويهديه هداية التوفيق، ويهديه هداية تخفيف أعمال الطاعة عليه. { ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشآء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم } [البقرة: 272] تلك قضية تعالج الشح منطقيا، وكل معط من الخلق عطاؤه عائد إليه هو، ولا يوجد معط عطاؤه لا يعود عليه إلا الله، هو وحده الذي لا يعود عطاؤه لخلقه عليه، لأنه - سبحانه - أزلا وقديما وقبل أن يخلق الخلق له كل صفات الكمال، فعطاء الإنسان يعود إلى الإنسان وعطاء ربنا يعود إلينا.

ولذلك قال بعض السلف الذين لهم لمحة إيمانية: ما فعلت لأحد خيرا قط؟ فقيل له: أتقول ذلك وقد فعلت لفلان كذا ولفلان كذا ولفلان كذا؟ فقال: إنما فعلته لنفسي. فكأنه نظر حينما فعل للغير أنه فعل لنفسه. ولقد قلنا سابقا: إن العارف بالله " الحسن البصري " كان إذا دخل عليه من يسأله هش في وجهه وبش وقال له: مرحبا بمن جاء يحمل زادي إلى الآخرة بغير أجرة. إذن فقد نظر إلى أنه يعطيه وإن كان يأخذ منه. فالحق سبحانه وتعالى يعالج في هذه القضية { وما تنفقوا من خير فلأنفسكم } [البقرة: 272] أي إياكم أن تظنوا أنني أطلب منكم أن تعطوا غيركم ، لقد طلبت منكم أن تنفقوا لأزيدكم أنا في النفقة والعطاء، ثم يقول: { وما تنفقوا من خير يوف إليكم } [البقرة: 272] ومعنى التوفية: الأداء الكامل. ولا تظنوا أنكم تنفقون على من ينكر معروفكم لأن ما أنفقتم من خير فالله به عليم. إذن فاجعل نفقتك عند من يجحد، ولا تجعل نفقتك عند من يحمد، لأنك بذلك قد أخذت جزاءك ممن يحمدك وليس لدى الله جزاء لك. كنت أقول دائما للذين يشكون من الناس نكران الجميل ونسيان المعروف: أنتم المستحقون لذلك لأنكم جعلتموهم في بالكم ساعة أنفقتم عليهم، ولو جعلتم الله في بالكم لما حدث ذلك منهم أبدا. { وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغآء وجه الله } [البقرة: 272] أهذه الآية تزكية لعمل المؤمنين،، أم خبر أريد به الأمر؟ إنها الاثنان معا، فهي تعني أنفقوا ابتغاء وجه الله. { وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون } [البقرة: 272] أنتم لا تظلمون من الخلق، ولا تظلمون من الخالق، أما من الخلق فقد استبرأتم دينكم وعرضكم حين أديتم بعض حقوق الله في أموالكم، فلن يعتدي أحد عليكم ليقول ما يقول، وأما عند الله فهو سبحانه يوفي الخير أضعاف أضعاف ما أنفقتم فيه. وبعد ذلك يتكلم الحق سبحانه وتعالى عن مصرف من مصارف النفقة كان في صدر الإسلام: { للفقرآء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون... }.

[2.273]

ساعة أن نسمع " جارا ومجرورا " قد استهلت به آية كريمة فنعلم أن هناك متعلقا. ما هو الذي للفقراء؟ هو هنا النفقة، أي أن النفقة للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله. وإذا سألنا: ما معنى " أحصروا " فإننا نجد أن هناك " حصر " وهناك " أحصر " وكلاهما فيه المنع، إلا أن المنع مرة يأتي بما لا تقدر أنت على دفعه، ومرة يأتي بما تقدر على دفعه. فالذي مرض مثلا وحصر على الضرب في الأرض، أكانت له قدرة أن يفعل ذلك؟ لا، ولكن الذي أراد أن يضرب في الأرض فمنعه إنسان مثله فإنه يكون ممنوعا، إذن فيئول الأمر في الأمرين إلى المنع، فقد يكون المنع من النفس ذاتها أو منع من وجود فعل الغير، فهم أحصروا في سبيل الله. حصروا لأن الكافرين يضيقون عليهم منافذ الحياة، أو حصروا أنفسهم على الجهاد، ولم يحبوا أن يشتغلوا بغيره لأن الإسلام كان لا يزال في حاجة إلى قوم يجاهدون. وهؤلاء هم أهل الصفة { للفقرآء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض } [البقرة: 273] وعدم استطاعتهم ناشئ من أمر خارج عن إرادتهم أو من أمر كان في نيتهم وهو أن يرابطوا في سبيل الله، هذا من الجائز وذاك من الجائز. وكان الأنصار يأتون بالتمر ويتركونه في سبائطه، ويعلقونه في حبال مشدودة إلى صواري المسجد، وكلما جاع واحد من أهل الصفة أخذ عصاه وضرب سباطة التمر، فينزل بعض التمر فيأكل، وكان البعض يأتي إلى الرديء من التمر والشيص ويضعه، وهذا هو ما قال الله فيه:

ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه..

[البقرة: 267]. وإذا نظرنا إلى قول الحق: { لا يستطيعون ضربا في الأرض } [البقرة: 273] و " الضرب " هو فعل من جارحة بشدة على متأثر بهذا الضرب، وما هو الضرب في الأرض؟ إن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يبين لنا أن الكفاح في الحياة يجب أن يكون في منتهى القوة، وإنك حين تذهب في الأرض فعليك أن تضربها حرثا، وتضربها بذرا، لا تأخذ الأمر بهوادة ولين ولذلك يقول الحق:

هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور

[الملك: 15]. إن الأرض مسخرة من الحق سبحانه للإنسان، يسعى فيها، ويضرب فيها ويأكل من رزق الله الناتج منها. وحين يقول الله سبحانه في وصف الذين أحصروا في سبيل الله فلا يستطيعون الضرب في الأرض { يحسبهم الجاهل أغنيآء من التعفف } [البقرة: 273] أي يظنهم الجاهل بأحوالهم أنهم أغنياء، وسبب هذا الظن هو تركهم للمسألة، وإذا كان التعفف هو ترك المسألة فالله يقول بعدها: { تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا } [البقرة: 273] والسمة هي العلامة المميزة التي تدل على حال صاحبها، فكأنك ستجد فيهم خشوعا وانكسارا ورثاثة هيئة وإن لم يسألوا أو يطلبوا، ولكنك تعرفهم من حالتهم التي تستحق الإنفاق عليهم، وإذا كان التعفف هو ترك المسألة فالله يقول بعدها: { لا يسألون الناس إلحافا } [البقرة: 273] فكأنه أباح مجرد السؤال ولكنه نهى عن الإلحاح والإلحاف فيه، ولو أنهم سألوا مجرد سؤال بلا إلحاف ولا إلحاح أما كان هذا دليلا على أنهم ليسوا أغنياء؟ نعم، لكنه قال: { يحسبهم الجاهل أغنيآء من التعفف } [البقرة: 273] إذن فليس هناك سؤال، لا سؤال على إطلاقه، ومن باب أولى لا إلحاف في السؤال بدليل أن الحق يقول: { تعرفهم بسيماهم } [البقرة: 273]، ولو أنهم سألوا لكنا قد عرفناهم بسؤالهم، إذن فالآية تدلنا على أن المنفي هو مطلق السؤال، وأما كلمة " الإلحاف " فجاءت لمعنى من المعاني التي يقصد إليها أسلوب الإعجازي، ما هو؟ إن " السيما " - كما قلنا - هي العلامة المميزة التي تدل على حال صاحبها، فكأنك ستجد خشوعا وانكسارا ورثاثة هيئة وإن لم يسألوا أي أنت تعرفهم من حالتهم البائسة، فإذا ما سأل السائل بعد ذلك اعتبر سؤاله إلحاحا لأن حاله تدل على الحاجة، وما دامت حالته تدل على الحاجة فكان يجب أن يجد من يكفيه السؤال، فإذا ما سأل مجرد سؤال فكأنه ألحف في المسألة وألح عليها.

Página desconocida