363

مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشآء والله واسع عليم

[البقرة: 261]. إذن فقد سد الحق بهذا المثل على النفس البشرية منفذ الشح. وشيء آخر تتعرض له الآيات، وهو أن الإنسان قد يحرج في مجتمعه من سائل يسأله فهو في حرصه على ماله لا يحب أن ينفق، ولحرصه على مكانته في الناس لا يحب أن يمنع، فهو يعطي ولكن بتأفف، وربما تعدى تأففه إلى نهر الذي سأله وزجره، فقال الحق سبحانه وتعالى ليسد ذلك الموقف:

قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعهآ أذى والله غني حليم

[البقرة: 263]. وقول الله: " قول معروف ومغفرة " يدل على أن المسئول قد أحفظه سؤال السائل وأغضبه الإحراج، ويطلب الحق من مثل هذا الإنسان أن يغفر لمن يسأله هذه الزلة إن كان قد اعتبر سؤاله له ذنبا:

قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعهآ أذى والله غني حليم

[البقرة: 263]. وبعد ذلك يتعرض الحق سبحانه وتعالى إلى " المن " الذي يفسد العطاء لأنه يجعل الآخذ في ذلة وانكسار، ويريد المعطي أن يكون في عزة العطاء وفي استعلاء المنفق، فهو يقول: إنك إن فعلت ذلك ستتعدى الصدقة منك إلى الغير فيفيد، ولكنك أنت الخاسر لأنك لن تفيد بذلك شيئا، وإن كان قد استفاد السائل. إذن فحرصا على نفسك لا تتبع الصدقة بالمن ولا بالأذى. ثم يأتي الحق ليعالج منفذا من منافذ الشح في النفس البشرية هو: أن الإنسان قد يحب أن يعطي، ولكنه حين تمتد يده إلى العطاء يعز عليه إنفاق الجيد من ماله الحسن، فيستبقيه لنفسه ثم يعزل الأشياء التي تزهد فيها نفسه ليقدمها صدقة فينهانا - سبحانه - عن ذلك فيقول:

ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه..

[البقرة: 267]. أي إن مثل هذا لو أعطي لك لما قبلته إلا أن تغمض وتتسامح في أخذه وكأنك لا تبصر عيبه لتأخذه، فما لم تقبله لنفسك فلا يصح أن تقبله لسواك. ثم بعد أن تكلم القرآن عن منافذ الشح في النفس الإنسانية بين لنا أن الذي ينتج هذه المنافذ ويغذيها إنما هو الشيطان:

الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشآء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم

[البقرة: 268]. فإن سويتم بين عدة الشيطان ووعد الله لكم بالرضوان كان الخسران والضياع. فراجعوا إيمانكم، وعليكم أن تجعلوا عدة الشيطان مدحورة أمام وعد الله لكم بالفضل والمغفرة. ثم يتكلم بعد ذلك عن زمن الصدقة وعن حال إنفاقها - ظاهرة أو باطنة - وتكون النية عندك هي المرجحة لعمل على عمل، فإذا كنت إنسانا غنيا فارحم عرضك من أن يتناوله الناس وتصدق صدقة علنية فيما هو واجب عليك لتحمي عرضك من مقولهم، وأن أردت أن تتصدق تطوعا فلا مانع أن تسر بها حتى لا تعلم شمالك ما أنفقت يمينك.. فعن ابن عباس رضي الله عنهما: صدقات السر في التطوع تفضل علانيتها سبعين ضعفا، وصدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفا. وكأن الله فتح أمام النفس البشرية كل منافذ العطاء وسد منافذ الشح. انظروا بعد ذلك إلى الحق سبحانه حينما يحمي ضعاف المؤمنين ليجعلهم في حماية أقوياء المؤمنين. اعلم أيها العبد المؤمن أنك حين تتلقى حكم الله لا تتلقاه على أنه مطلوب منك دائما، ولكن عليك أن تتلقى الحكم على أنه قد يصير بتصرفات الأغيار مطلوبا لك، فإن كنت غنيا فلا تعتقد أن الله يطالبك دائما، ولكن قدر أنك إن أصبحت بعرض الأغيار في الحياة فقيرا سيكون الحكم مطلوبا لك. فقدر - حال كونه مطلوبا منك الآن لأنك غني - أنه سيطلب لك إن حصلت لك أغيار، فصرت بها فقيرا. إذن فالتشريع لك وعليك، فلا تعتبره عليك دائما لأنك إن اعتبرته عليك دائما عزلت نفسك عن أغيار الحياة، وأغيار الحياة قائمة لا يمكن أن يبرأ منها أحد أبدا لذلك أمر - سبحانه - المؤمن أن يكفل أخاه المؤمن. انظروا إلى طموحات الإيمان في النفس الإنسانية، حتى الذين لا يشتركون معك في الإيمان. إن طلب منك أن تعطي الصدقة المفروضة الواجبة لأخيك المؤمن فقد طلب منك أيضا أن تتطوع بالعطاء لمن ليس مؤمنا. وتلك ميزة في الإسلام لا توجد أبدا في غيره من الأديان، إنه يحمي حتى غير المؤمن. ولذلك يقول الحق: { ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشآء... }.

Página desconocida