Tafsir al-Baghawi

تفسير البغوي

Editor

حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش

Editorial

دار طيبة للنشر والتوزيع

Edición

الرابعة

Año de publicación

١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م

بسم الله الرحمن الرحيم
مُقَدّمَة التحقيق
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلوات الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد:
فإن الحياة مع كتاب الله نعمة يدركها من أنعم الله بها عليه، وما أسعد الإنسان إذا جعل هذا الكتاب إمامه- وهذا شأن المسلم- فاهتدى بهديه بعد أن تدبر آياته! وما أسعد المجتمع الذي يجمع مثل هذا الفرد! وما أشد بؤس الذين حرموا أنفسهم من هدايته فخبطوا في حياتهم يمنة ويسرة، وانتهوا إلى ضياع أعمارهم وضياع دنياهم وآخرتهم: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا * ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾
وإن أكثر الأوقات بركة تلك التي تقضي مع هذا الكتاب الكريم، إذ يعيش الإنسان مع كلام ربه ﷿، فيحس أنه يناجيه فيرتقي مقامه، ويشعر بالعناية الإلهية تحيط به وترعاه وتأخذ بيده إلى حيث سعادته وفلاحه، سيما وهو يدرك ما فعل منزِّل هذا الكتاب به في الجيل الأول الذي تلقّاه وفي كل جيل أحْسَنَ التلقي والتزم التنفيذ. يحس عندئذ هذا الأثر العميق للقرآن في حياة الفرد والأمة متى أدركت عمن تتلقى وماذا عليها بعد التلقي. يقف على أسرار هذا الكتاب الكريم وهو يصوغ تلك النفوس صياغة جديدة جعلت منهم- أفرادًا ومجموعة- نماذج فريدة متميزة في تاريخ البشرية الطويل.
ثم يدرك من يعيش مع كتاب الله عمق الخطر في دعاوى الذين يطالبون بنشر العامية تكلمًا وكتابة، ولو حاولوا التستر وراء ما يطرحونه من صعوبة النحو العربي وإملائه، تلك الدعاوى التي تريد أن تقطع صلة الأمة بكتاب ربها ﷿ فتنسلخ عن مصدر الهداية لتُغرق في التيه والضياع.

1 / 5

ولكن الله ﷿ الذي تكفل بحفظ كتابه فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ أحبط ويحبط كل محاولة لتضييع هذا الكتاب، فحفظته الصدور وحفظته السطور، وقيض الله من يأخذ بيانه عن رسول الله ﷺ لتجد الأمة ما يعينها على فهم كتاب ربها وحُسنِ الأخذ به.
ولعل إمامنا- البغوي- من خير من قدم خدمة لكتاب الله ﷿ في تفسيره هذا (معالم التنزيل) حيث اعتمد على المأثور في بيان معنى الاَية التي يفسرها كما سنفصل ذلك عند الكلام عن (منهجه في التفسير) .
ولقد اتجهت هممنا لإخراج هذا الكتاب محققًا مستقلًا- بعد أن كان مطبوعًا طبعة حجرية قديمة، وعلى حاشية تفسير ابن كثير، وعلى حاشية تفسير الخازن- ليتم الانتفاع به على خير وجه، فعثرنا خلال البحث على مخطوطة بمكتبة الحرم المكي فعملنا على تصويرها، ثم طلبنا من الشيخ الفاضل عبد القادر الأرناؤوط أن يبعث إلينا بمخطوطة في المكتبة الظاهرية فاستجاب لذلك وشجع على الإِقدام فجزاه الله عنا خيرًا، فبدأنا ونحن ندرك أهمية هذا العمل من خلال اطلاعنا على ما في الكتاب من علم يحتاجه المسلم، ومن خلال ثناء أهل العلم على الكتاب وعلى مؤلفه، وبعد أن قطعنا مرحلة إذ بخبر يقول: إن أخوين فاضلين قاما بتحقيق هذا الكتاب، وهو في طريقه إلى المكتبات، فتوقفنا وقلنا لا حاجة إلى تضييع الجهد والوقت، ولنعمل في كتاب آخر، إلى أن وصل الكتاب بمجلداته الأربعة، فتناولناه لدراسته ومعرفة مدى تحقيق الفائدة منه بإخراجه على هذه الصورة ففوجئنا- وللحقيقة نقول ذلك- بأن الكتاب لم يخدم على الوجه الذي ينبغي وقد وجدنا فيه:
١- اعتماد المطبوع وفيه ما فيه من الأخطاء.
٢-- ترك أكثر الأحاديث بدون تخريج إلا القليل مما لم يذكره البغوي بإسناده.
٣- كثرة الأخطاء والتصحيفات والزيادة والنقص عن المخطوط.
وبعد مدارسة بعض صفحات الكتاب مع بعض أهل العلم واطلاعهم على عملنا أشاروا بمتابعة ما بدأناه ليتم الانتفاع من الكتاب الذي نال ثناء العلماء، فاستأنفنا العمل مستمدين من الله تعالى العون والتوفيق والأجر على خدمة كتابه العزيز، شاكرين لأستاذنا الفاضل الدكتور محمد أديب الصالح، الذي أفادنا بتوجيهاته، فجزاه الله خير الجزاء ومتع الأمة بأمثاله، كما نشكر كلًا من الأساتذة الأفاضل:
الشيخ عبد القادر الأرناؤوط، الذي تفضل وأفادنا بالحصول على صورة من مخطوطة المكتبة الظاهرية.
والأخ الدكتور مسفر غرم الله الدميني على ما أبداه من ملاحظات وإشارات جيدة، فبارك الله به وأثابه.
والأخ المهندس محمد ياسر صفر الحلبي الذي شاركنا وقتًا طويلًا في المقابلة والمراجعة.

1 / 6

وأخيرًا نتوجه بالشكر إلى الأخ الفاضل عبد العزيز ناصر الجلِّيل، صاحب مكتبة دار طيبة بالرياض، التي تولت طباعة هذا الكتاب وإخراجه بهذه الحلة القشيبة.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

1 / 7

منهج البغوي في التفسير
إن معالم التنزيل كتاب متوسط، نقل فيه مصنفه عن مفسري الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وهو من أجلِّ الكتب وأنبلها وأسناها، حاوٍ للصحيح من الأقوال، عارٍ عن الغموض والتكلف في توضيح النص القرآني، محلى بالأحاديث النبوية والاَثار الغالب عليها الصحة.
قال العلامة ابن تيمية: (والبغوي تفسيره مختصر من الثعالبي، لكنه صان تفسيره عن الأحاديث الموضوعة، والاَراء المبتدعة) وقد سئل عن أي التفاسير أقرب إلى الكتاب والسنة؟ الزمخشري أم القرطبي، أم البغوي؟ أو غير هؤلاء؟ فأجاب: "وأما التفاسير الثلاثة المسئول عنها فأسلمها من البدعة والأحاديث الضعيفة- البغوي") (١)
وقد بين البغوي شيئًا من ذلك في مقدمته إذ يقول:
"فسألنى جماعة من أصحابي المخلصين، وعلى اقتباس العلم مقبلين: كتابًا في معالم التنزيل وتفسيره فأجبتهم إليه، معتمدًا على فضل الله وتيسيره، ممتثلًا وصية رسول الله ﷺ فيهم فيما يرويه أبو سعيد الخدري ﵁ أنه ﵊ قال: " إن رجالًا يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون في الدين، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرًا" (٢) واقتداءً بالماضين من السلف في تدوين العلم، إبقاء على الخَلَف".
استجاب أجزل الله مثوبته لرغبة طلابه وأصحابه آخذًا بوصية رسول الله ﷺ، مقتديًا بالسلف الصالح في كتابه العلم حيث يقول: "فجمعت- بعون الله تعالى وحسن توفيقه- فيما سألوه كتابًا متوسطًا، بين الطويل الممّل، والقصير المخل، أرجو أن يكون مفيدًا لمن أقبل على تحصيله مريدًا" (٣) .
ومن خلال البحث يمكننا أن نقف على منهج الإمام البغوي فنوجزه بما يلي:
١- يتعرض لتفسير الآية الكريمة بلفظ سهل موجز، لا تكلُّف في لغته ولا تطويل، فهو يكتفي

(١) فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٣/ ٣٨٦.
(٢) انظر تخريجه فيما سيأتي، ص (٣٤)
(٣) انظر مقدمة المفسر ص (٣٤)

1 / 8

بالوقوف على الكلمة الغريبة ليكشف عن معناها بالرجوع إلى أصلها ومصدرها، مستدلًا بالآيات والأحاديث وما أثر عن الصحابة والتابعين وبأقوال أهل اللغة.
٢- يسلك السبيل القويم في بيان المعاني فيفسر القرآن بالقرآن أو بالحديث أو بأقوال الصحابة، ويستأنس بأقوال التابعين والمجتهدين، وذلك أن القرآن يفسر بعضه بعضًا فما أُجمل في موضع فُصِّل في موضع آخر، وقد تخصص آية عموم آية أخرى.
ونجده يعتمد الجمع بين الآيات ذات المعنى الواحد، ليوضح معنى كلمة في الآية، كما فعل- على سبيل المثال- عند تفسر قوله تعالى: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (١) إذ بّين معنى المَدِّ ثم أورد قوله تعالى: ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ (٢) ثم بين معنى الإمداد فأورد قول الله تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ (٣) .
وعند قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ (٤) يقول: لأن الآَيات كانت تنزل تترى آية بعد آية، كلما كفروا بآية ازدادوا كفرًا ونفاقًا، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ (٥) .
وأما اعتماد الإمام البغوي على السنة في تفسير القرآن الكريم فهو سمة واضحة في تفسيره. كيف لا وهو محي السنة! ولذا فقد جاء تفسيره حافلًا بالأحاديث التي انتخبها فذكرها بأسانيدها، وقلَّ أن يذكر حديثًا بغير إسناد، أو يورد حديثًا ضعيفًا، وقد نجده يسوق عدة أحاديث عند الآية الواحدة كما فعل عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٦) أو عند قوله تعالى: (والشعراء يتبعهم الغاوون) (٧)
٣- يتعرض للقراءات من غير إسراف وذلك حين يجد أن القراءة يترتب عليها تَغَيُّرُ المعنى، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ (٨) إذ يقول ﵀: "قرأ أهل المدينة وعاصم وقَرن بفتح القاف، وقرأ الآخرون بكسرها، فمتى فتح القاف فمعناه: أقررن أي الزمن بيوتكن من قولهم قررت بالمكان أقر قرارًا...... ومن كسر القاف فقد قيل: هو من قررت أقر معناه أقررن بكسر الراء، فحذفت

(١) سورة البقرة، الآية (١٥) .
(٢) سورة مريم، الآية (٧٩) .
(٣) سورة الإسراء الآية (٦) .
(٤) سورة البقرة، الآية (١٠) .
(٥) سورة التوبة، الآية (١٢٥) .
(٦) سورة البقرة، الآية (١٧٨) .
(٧) سورة الشعراء، الآية (٢٢٤) .
(٨) سورة الأحزاب، الآية (٣٣) .

1 / 9

الأولى ونقلت حركتها إلى القاف كما ذكرنا، وقيل- وهو الأصح- إِنه أمرٌ من الوقار، كقولهم من الوعد: عدن، ومن الوصل: صلن، أي كُنَّ أهل وقار وسكون، من قولهم: وقر فلان يقر وقورًا إذا سكن واطمأن.
٤- يعرض لرأي أهل السنة ولآراء مخالفيهم مع الانتصار لرأي أهل السنة مدللا عليه بالمنقول والمعقول كما ذكر عند قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ (١) مثبتًا الرؤية عيانًا، مستدلًا بقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (٤) ثم بين أن النبي ﷺ فسر الزيادة بالنظر إلى وجه الله تعالى، ثم أورد حديثًا في إثبات الرؤية، وفرق بين الإدراك والرؤية.
٥- ويظهر بوضوح اهتمامه بالآراء الفقهية فكثيرًا ما نجده يبسط آراء الفقهاء ويرجِّح رأي الشافعية وهو من أبرز فقهائهم، وأحيانًا يورد الآراء بدون ترجيح والقارئ الكريم سيجد هذا المنهج من خلال قراءته لهذا التفسير.
٦- يذكر أحيانًا بعض الإسرائيليات، ونراه يمر على بعضها- وهي قليلة مقارنة بالتفاسير الموجودة بين أيدينا- دون التعقيب عليها، كما فعل عند ذكره لقصة هاروت وماروت في مسخ المرأة الجميلة إلى كوكب الزهرة؟ (الآية: ١١٢ من سورة البقرة) أو ما رواه عن الضحاك عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ﴾ (الآية: ٢٥١ من سورة البقرة)، وفي مواضع أخرى ستأتي الإشارة إليها في التفسير إن شاء الله.
ويجدر بنا أن نشير إلى أن الإسرائيليات تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
أ- ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق فذاك صحيح.
ب- قسم يخالف شرعنا ويناقضه، وهو مردود ولا تصح روايته.
ت- قسم نتوقف فيه، فلا هو من القسم الأول، ولا من الثاني وهذا لا حرج من روايته إن كان موضوعه بعيدًا عن العقيدة والأحكام.
فقد روى البخاري في تفسير سورة البقرة: باب قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا، وفي الاعتصام: باب قول النبي ﷺ: لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء عن أبي هريرة ﵁ قال: كان أهل الكتاب يقرؤون

(١) سورة الأنعام، الآية (١٠٣) .
(٢) سورة القيامة، الآية (٢٢) .
(٣) سورة المطففين، الآية (١٥) .
(٤) سورة يونس، الآية (٢٦) .

1 / 10

التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ﴾ " الآية.
والخير للمفسر أن يقلع عن هذه الإسرائيليات- أي القسمين الأخيرين - وأن يعرض عما لا طائل منه ويعد صارفًا وشاغلًا عن الأصول المعتمدة في شرعنا وهذا أحكم وأسلم.
٧- ويلاحظ أنه ﵀ أكثر الرواية عن الكلبي: وهو أبو النضر محمد بن السائب بن بشر بن عمرو بن عبد الحارث الكلبي، الكوفي، مات بالكوفة سنة ست وأربعين ومائة. قال معتمر بن سليمان عن أبيه: كان بالكوفة كذابان، أحدهما الكلبي (١) .
والحق أن البغوي، وهو من أهل الحديث وتحرير الروايات، لم يجعل ما ينقله عن الكلبي مناط الجزم في معنى الآية ولكنَّ التوسع في النقل أحيانًا ليعلم الناس ما قيل في مفهوم الآية جعله يستشهد بأقوال الكلبي، علمًا أنه قد يقول كلامًا جيدًا في التفسير موافقًا لما ورد في المأثور. والكلبي معروفة رواياته، وموقف العلماء منها.

(١) قال البخاري: تركه ابن معين وابن مهدي.
وقال: حدثنا علي، حدثنا يحيى، عن سفيان، قال: قال الكلبي: قال لي أبو صالح: كل شيء حدثتك فهو كذب.
قال ابن عدي: وقد حدث عن الكلبي سفيان وشعبة وجماعة، ورضوه في التفسير، وأما في الحديث فعنده مناكير، وخاصة إذا روى عن أبي صالح عن ابن عباس.
وقال ابن حبان: كان الكلبي سبئيًا، من أولئك الذين يقولون: إن عليًا لم يمت، وإنه راجع إلى الدنيا، ويملؤها عدلًا كما ملئت جَوْرًا، وإن رأوا سحابة قالوا: أمير المؤمنين فيها.
وقال أحمد بن زهير: قلت لأحمد بن حنبل: يحلُ النظر في التفسير الكلبي؟ قال: لا.
قال ابن حبان: يروي عن أبي صالح عن ابن عباس - التفسير، وأبو صالح لم يرَ ابن عباس، ولا سمع الكلبي من أبي صالح إلا الحرف بعد الحرف، فلما احتيج إليه أخرجت له الأرض أفلاذ كبدها. لا يحل ذكره في الكتب، فكيف الاحتجاج به!
انظر: الضعفاء الصغير للإمام البخاري، ومعه كتاب الضعفاء والمتروكين للنسائي، ص (١٥٨، ٢٠٣) طبقات ابن سعد:
٦ / ٣٥٨ - ٣٥٩. تهذيب التهذيب: ٩ / ١٥٧ - ١٥٩ - تقريب التهذيب ٢ / ١٦٣. ميزان الاعتدال: ٣ / ٥٥٦ - ٥٥٩.
المغني في الضعفاء للذهبي ٢ / ٢٠٠.

1 / 11

منهجنا في العمل
يتلخص منهجنا في إخراج هذا التفسير الجليل في الخطوات التالية:
ا- إخراج نص التفسير على ما يغلب على الظن أنه نص المؤلف، وذلك باعتماد إحدى النسخ أصلًا في التحقيق، لاعتبارات تذكر في حينها، ومقارنتها مع نسخة (ب) بحيث يعتمد نص الأصل، وإذا تيقنا من أن الصواب في غير الأصل لعبارة أو كلمة أثبتنا الصواب، وأشرنا في الحاشية عند الحاجة إلى ذلك، إذ كثيرًا ما نجد فروقًا طفيفة في بعض الكلمات أو الحروف مما لا يؤثر على المعنى، فقد نجد في نسخةٍ العطف بالفاء وفي بعضها بالواو مثلًا، فلم نجد حاجة للإشارة إلى ذلك لئلا نثقل الكتاب بكثرة الهوامش التي لا ضرورة لها، ولئلا يتضخم حجم الكتاب.
٢- عزو الآيات القرآنية الكريمة التي يستشهد بها المؤلف في التفسير، وتمييزها عن الآيات المفسرة بأقواس مختلفة.
٣- تخريج الأحاديث النبوية بكاملها تخريجًا تفصيليًا بالعزو إلى الكتاب والباب والجزء والصفحة والرقم في بعض الكتب، تسهيلًا للفائدة وتسهيلًا للرجوع إلى كل الطبعات عند اختلافها.
فإن كان الحديث في الصحيحين، أو في أحدهما، اقتصرنا في العزو إليهما، لأن العزو إليهما مُعْلِمٌ بالصحة لأن الأمة قد تلقتهما بالقبول، وأما إن لم يُخَرَّج الحديث فيهما فنخرجه من سائر الكتب الأخرى. كالسنن، والمسانيد، والمصنفات، وننقل حكم العلماء والنقاد والمحدثين على الحديث، كالحافظ ابن حجر، والمنذري والهيثمي، والبوصيري، وغيرهم، والأحاديث الضعيفة أو الموضوعة- وهي قليلة- ننقل الحكم عليها وسبب علتها بالتفصيل.
وسواء أكان الحديث في الصحيحين أم في غيرهما، وقد أخرجه المصنف في كتابه "شرح السنة" فإننا نشير إلى موضعه، وقد أفدنا من ذلك في تصحيح كثير من التصحيفات في رجال السند بخاصة، كما أن العزو إليه يسهل معرفة رأي البغوي في الحديث ومعناه.
٤- عزو أسباب النزول والروايات المختلفة في نزول الآيات إلى مظانها من كتب الحديث وكتب أسباب النزول، أو كتب التفسير الأخرى، كالدر المنثور، والطبري، وابن كثير.
٥- قد تدعو الحاجة إلى تعليق أو تعقيب على بعض المواطن في التفسير لبيان رأي مرجوح، أو

1 / 12

الإشارة إلى بعض الإسرائيليات ونقدها، أو غير ذلك عند الحاجة، كما سيأتي في مواضعه من الكتاب إن شاء الله تعالى.
٦- إعادة توزيع النص وإخراجه بشكل يعين القارئ، ويسهل عليه المراجعة والقراءة، مع العناية بعلامات الترقيم، لما لذلك من أهمية في فهم المعنى بيسر وسهولة.
٧- وتيسيرًا للاستفادة من الكتاب بصورة أفضل، وتوفيرًا للوقت على القارئ عند البحث عن تفسير آية معينة، فقد أثبتنا في أعلى كل صفحة اسم السورة ورقم الجزء.
هذا ولا ندَّعي أن عملنا هذا قد أوفى على الغاية، فلعلنا نعيد النظر فيه مرة ومرات، إن هيأ الله تعالى لنا الأسباب، ولنا- بعد عون الله تعالى- من ملاحظات الإخوة الباحثين والقراء خير ما يسعف في تصويب وتجويد عملنا هذا، في طبعات قادمة، أو في الأجزاء التي تلي الجزء الأول من هذا الكتاب إن شاء الله.
"فنسأل الله المبتدئ لنا بِنعَمِه قَبْلَ استحقاقها، المديمَها عَلَيْنَا مع تقصيرنا في الإتيان على ما أوجب به من شكره بها، الجَاعِلَنَا في خير أمة أخرجت للناس: أن يرزقنا فهمًا في كتابه، ثم سنَّةِ نبيه، وقولًا وعملًا يؤدى به عنا حقه ويوجب لنا نافلة مزيده" (١) .
وأن يقبل منا عملنا هذا ويجعله خالصًا لوجهه الكريم، ويثيبنا عليه بما يثيب به عباده المخلصين.
والحمد لله رب العالمين،، الطائف في ١/١٤٠٨ "المحققون"
١٥

(١) اقتباس من افتتاحية الإمام الشافعي ﵀ لكتابه "الرسالة" ص ١٩

1 / 13

"ترجمة الإمام البغوي" (١)
هو الإمام الحافظ، الفقيه المجتهد: محي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد الفرَّاء البغوي الشافعي ويلقب بركن الدين.
أحد العلماء الذين خدموا الكتاب العزيز، والسنة النبوية، بالعكوف على دراستهما، وتدريسهما، وكشف كنوزهما، وأسرارهما، والتأليف فيهما.
والفراء: نسبة إلى عمل الفراء وبيعها.

(١) بعض المراجع التي ترجمت للبغوي من أهمها:
(١) معجم البلدان.
(٢) الاستدراك لابن نقطه مخطوط الظاهرية.
(٣) مرآة الجنان: ٣/٢١٣.
(٤) وفيات الأعيان: ٢/١٣٦.
(٥) سير أعلام النبلاء ١٩/٤٣٩.
(٦) العبر للذهبي: ٢/٤٠٦.
(٧) تذكرة الحافظ: ٤/١٢٥٧-١٢٥٩.
(٨) الإعلام بوفيات الأعلام للذهبي مخطوط الظاهرية.
(٩) طبقات الشافعية للسبكي: ٧/٧٥-٨٠.
(١٠) البداية والنهاية: ١٢/١٩٣.
(١١) مناقب الشافعي وأصحابه لابن قاضي شهبة مخطوط الظاهرية.
(١٢) النجوم الزاهرة لابن تغري بردي.
(١٣) طبقات الحفاظ ص ٤٥٧.
(١٤) طبقات المفسرين ص ٣٨-٣٩.
(١٥) طبقات المفسرين للداووي مخطوط عارف حكمت.
(١٦) مفتاح السعادة لطاش كبرى زاده.
(١٧) كشف الظنون ١٩٥- ٥١٧- ١٦٩٨.
(١٨) أسماء الرجال الناقلين عن الشافعي والمنسوبين له لابن هداية مخطوط الظاهرية.
(١٩) شذرات الذهب: ٤/٤٨ - ٤٩.
(٢٠) الأعلام للزركلي ٢/٢٥٩.
(٢١) معجم المؤلفين ٤/٦١.
(٢٢) التفسير والمفسرون للذهبي ١/٢٣٤.

1 / 14

Tafsir al-Baghawi | Usul