Comentario sobre los principios de los signos
تعليقة على معالم الأصول
Editor
السيد علي العلوي القزويني
Editorial
مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين
Edición
الأولى
Año de publicación
1422 AH
Ubicación del editor
قم
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي جعل فروع أحكامه منتظمة، وأصول تلك الفروع منضبطة، وقوانين هذه الأصول محكمة، وضوابط هذه القوانين متقنة، والصلاة والسلام على نبيه نبي الصدق الذي كفى في طريق تصديقه وآية صدقه في نبوته وما أتى به من شرائع دينه عند العقول الصحيحة الكاملة إنه ما أمر بشئ فقال العقل: " يا ليته نهى " ولا نهى عن شئ فقال العقل: " يا ليته أباحه " وعلى آله وخلفائه وأصحابه الذين لم ينقضوا عهده في خلفائه، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين من الأولين والآخرين إلى يوم الدين.
وبعد فيقول - العبد الجاني علي بن إسماعيل الموسوي القزويني مولدا وموطنا -: إني لما وجدت أصول الفقه من أجل مباني العلم بالأحكام، وأعظم مبادئ الاجتهاد المؤدي إلى معرفة الحلال والحرام، حاولت الخوض في مباحثه، وحسن النظر في مبادئه ومبانيه، رجاء للوصول إلى كنوز معارفه وبحور معالمه، فبالغت مستكملا للجد التام والاجتهاد التمام في تسويد أوراق تحتوي المهمات من مسائله، وتضبط من دقائق الأفكار ما لا يكاد يلتقط في المدونات من دفاتره، وألهمت أن أجعلها تعليقة على معالم الأصول لنتبرك ببركات محاسنه - تأليفا وترتيبا - ولأجل ذا أحببت أن أسميها بهذه اللفظة، رعاية لمطابقة الاسم مسماه، غير إني أضفت إلى ما احتواه من المسائل ما كان المصنف قد تركه، وكثيرا من مبادئه التي كان قد أهملها، فأرجو من الله من منه وفضله التوفيق على إتمامها، والتأييد للنفع والانتفاع لنفسي، وكل من حاول النفع والانتفاع بها.
* * *
Página 32
[1] قوله: (الفقه... الخ) وإنما أهمل أصول الفقه، وترك التعرض لشرحه لغة وعرفا، إضافة وعلما، لكون غرضه الأصلي من وضع الكتاب التعرض لمسائل الفقه، وإنما أورد جملة من مسائل أصول الفقه من باب المبادئ، كما هو ديدن جماعة من أوائل الأصحاب، حيث أوردوا في مفتتح كتبهم الفقهية كثيرا من مباحث هذا العلم، وحيث إن غرضنا الأصلي هنا البحث عن هذا العلم واستكمال النظر في مسائله، فالمناسب أن نتعرض لبيان ما أهمله المصنف (قدس سره) فنقول:
إن أصول الفقه علم لهذا العلم كما صرح به جماعة من الأصوليين، وكذلك غيره من ألفاظ سائر العلوم، كالفقه والكلام والمنطق والنحو والصرف وغيرها، فإن كلا علم لمسماه الخاص، ولكن ينبغي أن يعلم أنه ليس المراد بالعلمية هنا كونها من قبيل علم الشخص كزيد وعمرو ونحوهما، بدليل: إن كلا منها في معناه العلمي مما يعرف ويعرف به، وعلم الشخص ما كان مسماه جزئيا حقيقيا، ومن حكمه أن لا يعرف ولا يعرف به، ولا كونها من قبيل علم الجنس كأسامة ونحوه، بدليل عدم جريان أحكام المعارف عليها لذواتها من دون اعتبار تعريف فيها بواسطة الإضافة أو اللام.
وعلم الجنس ما يجري فيه أحكام المعارف، سواء قلنا بكونه معرفة أيضا، كما هو قضية القول بالفرق بينه وبين اسم الجنس بأنه ما وضع للماهية بشرط حضورها في الذهن، واسم الجنس ما وضع لها لا بشرط.
وعليه مبنى القول بالفرق بينه وبين المعرف باللام، بأنه يدل على التعريف بجوهره، والمعرف باللام يدل عليه بواسطة اللام.
أو قلنا: بأنه لا فرق بينهما إلا في أحكام اللفظ، من امتناع الإضافة، ودخول اللام، والوصف بالمعرفة، والوقوع ذا الحال، وغير ذلك من أحكام المعارف.
ولا ريب أن كلا من ألفاظ العلوم مما يصح إضافته وتعريفه باللام، ولا يصح وصفه بالمعرفة بدون اعتبار تعريف فيه بأحد الوجهين، كما يظهر أثر صدق هذا
Página 33
الكلام فيما عدا أصول الفقه - كالفقه والنحو وغيرهما - لسبق تعريفه بالإضافة على العلمية، فتعين أن يكون المراد بها معناه اللغوي وهو " العلامة " كما يقال: الرفع علم الفاعلية والنصب علم المفعولية.
وهذا وإن كان معنى عاما جامعا لأعلام الأشخاص، وأعلام الأجناس، وأسماء الأجناس وغيرها من الألفاظ الموضوعة، لكون كل لفظ موضوع باعتبار دلالته على معناه الموضوع له علامة له، غير أن المراد به هنا ما ينطبق على أسماء الأجناس، لانتفاء الأولين حسبما عرفت، فيكون أصول الفقه كغيره من قبيل اسم الجنس الموضوع للماهية الكلية من حيث هي، التي هي إما القدر المشترك بين جميع المسائل والقدر المعتد به منها الكافي في حصول الغرض المقصود من تدوينها، أو جنس التصديق بالمسائل، أو جنس ملكة التصديق بها، على الخلاف الآتي.
ويمكن القول بخروج أصول الفقه عن سياق النظائر، لتضمن معناه التعريف، ولذا يعرف: " بأنه العلم بالقواعد... الخ " ولا جهة له إلا العلمية، فيكون من قبيل علم الجنس، بخلاف الفقه مثلا المتضمن معناه التعريف، بشهادة أنه يعرف: " بالعلم بالأحكام... الخ " وجهته التعريف باللام، فيكون من قبيل اسم الجنس المعرف.
وفي تعريف المنطق يقال: " إنه آلة قانونية... الخ " وفي تعريف النحو يقال:
" إنه علم... الخ " فالقول بالتفصيل حينئذ غير بعيد.
ثم في كون الألفاظ المشار إليها أسامي لنفس المسائل، أو التصديق بها، أو ملكة التصديق بها، وجوه بل أقوال خيرها أوسطها، لأن الأمور الاصطلاحية يرجع لمعرفتها إلى تنصيص أربابها، ولا نظن نصا منهم أقوى مما اتفقت عليه تعاريف هذه الأسامي، إلا ما شذ منها من أخذ العلم فيها جنسا، واعتبار تعلقه بالمسائل، أو ما يرادفها كالأحكام والقواعد والقوانين والأحوال ونحوها، فإنه لولا كونها عندهم أسامي للتصديق بالمسائل، لأفضى أخذ العلم فيها جنسا إلى البينونة فيما بين الحد والمحدود.
Página 34
وأما القول بكونها لنفس المسائل، فأول ما يرد عليه ويبطله: أنه لو صح ذلك لامتنع الجمع في الحدود بين أخذ العلم جنسا واعتبار تعلقه بالمسائل ومرادفاته، ضرورة امتناع اتحاد المتعلق مع المتعلق، فوجب أن لا يراد المسائل من الجنس، فلا يكون المحدود أيضا مرادا به المسائل، لوجوب انطباق الحد على المحدود.
وثاني ما يرد عليه: صدق الفقيه والحكيم و المتكلم وغيرها من الألفاظ المشتقة من تلك الأسامي باعتبار معناها الوصفي المأخوذ فيه المبدأ صدقا حقيقيا، ومن الممتنع كون ذلك المبدأ هو المسائل، لأن القائم بالذات المأخوذة في مفاهيم هذه المشتقات ليس هو المسائل، ولا أن الذات متصفة أو متلبسة بها، بل هو إما التصديق أو ملكته، فوجب أن يكون مسمى الألفاظ أيضا أحد هذين، لوجوب التطابق بين المشتق والمشتق منه في المعنى الحدثي.
مع أنه لم نقف لهذا القول على ما يعتمد عليه إلا على وجوه ضعيفة، ربما أمكن الاحتجاج بها :
منها: دعوى تبادر المسائل من تلك الألفاظ.
ومنها: قولهم: " النحو ما دونه فلان " و " المنطق ما دونه فلان " وهكذا، بتقريب: إن المدون ليس إلا المسائل.
ومنها: قولهم: " هذا فقه أو نحو أو منطق " إشارة إلى الكتاب الحاضر، بتقريب:
أن الإشارة إنما تقع على المكتوب الذي ليس إلا المسائل، فهي مسمى الاسم الواقع محمولا، لامتناع حمل المبائن.
ومنها: قولهم: " هذه المسألة من النحو أو بعض منه " وما أشبه ذلك، بتقريب:
أن كون شئ بعضا من شئ مسمى باسم، يستدعى كون الاسم اسما للمجموع من الشئ الأول وغيره، وهو ليس إلا المسألة بحكم الإشارة فكذلك غيره.
وفي الأول: منع واضح، لو أريد به ما يستند إلى حاق اللفظ ليكون وضعيا.
نعم شيوع إطلاقها على نفس المسائل مما لا مجال إلى إنكاره، فإن أريد به ما يستند إليه أو ما هو موجود في الأمثلة المذكورة، وفي مثل قولهم: " فلان يعلم
Página 35
النحو " وما أشبه ذلك فهو غير مجد، لاستناده إلى أمر آخر غير الوضع، والبواقي ترجع إلى إثبات استعمال لا يصلح دليلا على الحقيقة، مع أنه في جميع الموارد المذكورة حتى في مثل " فلان يعلم النحو " استعمال مع القرينة كما يظهر بأدنى تأمل، مع أنه في بعضها ليس استعمالا في المسائل فقط، بل في المجموع منها ومن المبادئ والموضوعات، كما في العبارة الأولى، بدليل التدوين، وفي بعضها استعمال في أمر مبائن كما في العبارة الثانية، لوضوح أن المكتوب المشار إليه هو النقوش الحاكية عن المسائل لا أنها نفس المسائل، ولئن سلمنا أصل الاستعمال بل شيوعه أيضا - كما أشرنا إليه - فهو لا يقاوم التنصيص المستفاد من الحدود، والجمع بينهما بالتزام الاشتراك بين المسائل والتصديق بها بعيد، مع أن المجاز خير منه.
وبجميع ما ذكر ظهر ضعف القول بكونها للملكات، ومما يزيفه أيضا: إن من القواعد اتصاف الاسم باعتبار المسمى بما يتصف به المسمى من الصفات اللاحقة به، كزيد المتصف بما يتصف به مسماه من الطول والقصر والعالمية والشاعرية ونحوها، والمقام على تقدير الوضع للملكة ليس بتلك المثابة، لاتصاف الملكة بصفات كالشدة والضعف والقوة والوهن مع عدم اتصاف الاسم من جهتها بها، لغرابة أن يقال: " الفقه القوي، أو الشديد، أو الضعيف ".
وقضية ذلك عدم كونه اسما للموصوف بهذه الصفات، مع أنه ليس له وجه يعتمد عليه إلا توهم تبادر الملكة منها عند الإطلاق، كما في " فلان فقيه، أو حكيم، أو متكلم، أو نحوي، أو أصولي " حيث لا يتبادر منها إلا كونه ذا ملكة.
ويؤيده، بل يدل عليه: أن الفنون المدونة ليست إلا كسائر الحرف والصنائع، وإن امتازت عنها بما فيها من الشرافة وعلو المرتبة، بل هي صنائع علمية وغيرها صنائع عملية.
ومن المقرر المعلوم بالاستقراء المصرح به في كلام غير واحد، كون ألفاظ سائر الحرف والصنائع مع الألفاظ المشتقة منها بأسرها أسامي لملكاتها، من دون اعتبار التلبس والاشتغال بالمبدأ الحالي في مسمياتها، وكذلك ألفاظ الصنائع
Página 36
العلمية وسائر تصاريفها، فلا يدخل في مسمياتها التلبس الفعلي بالمبدأ الحالي وهو " الإذعان للنسبة " والقول: بأن صدق الفقيه على صاحب الملكة الذي لا يعلم شيئا من الأحكام بعيد، مجرد استبعاد لا يصلح للاستناد إليه، مع أن المراد بصاحب الملكة هنا من له قوة راسخة يقتدر بها على الإذعانات الفعلية للمسائل بمراجعة المدارك واستعمال مبادئها حين المراجعة.
ومن الظاهر أن هذه القوة لا تحصل إلا بالممارسة التامة في الفن، المستتبعة لاستحضار مسائله واستحصال مبادئه، مع التمكن من أعمالها حين الرجوع إلى المدارك، بحيث لم يكن بينه وبين الإذعان الفعلي للمسائل حالة منتظرة إلا الرجوع إلى المدارك والنظر فيها، فهو في القوة إذا كان بتلك المثابة، يصدق عليه " الفقيه " وغيره على وجه الحقيقة بلا إشكال فيه ولا شبهة تعتريه.
وتبادر الملكة من أصل ألفاظ العلوم المتنازع فيها ممنوع، ومن الألفاظ المشتقة منها مسلم، ولكنه لا يجدي في ثبوت كون الألفاظ المتنازع فيها أسامي للملكات، غاية ما هنالك حصول الفرق بين المشتقات ومبادئها، ولعله وضع آخر في المشتقات وارد على خلاف مقتضى وضع المبادئ، نظير الكاتب والقارئ والمعلم والخياط وغيرها من المشتقات العرفية بالقياس إلى مبادئها، الظاهرة في الحال، مع كون المشتقات لذوي الملكات، باعتبار الوضع الجديد العرفي، على ما عليه غير واحد من المحققين.
ويمكن الفرق في المبادئ أيضا بين الفقه وغيره بجعل الأول للملكة، كما يرشد إليه بناؤهم في دفع الإشكال المعروف، الوارد على تعريفه من جهة انتقاض عكسه بخروج أكثر الفقهاء، على حمل العلم المأخوذ في جنسه على الملكة، فإنه لولا المعرف اسما للملكة فسد التعريف على هذا الحمل من جهة أخرى، وهو لزوم البينونة بين المعرف والمعرف، بل هذا أوضح فسادا من انتقاض العكس.
لا يقال: لو صح كون هذا اللفظ اسما للملكة، لكان في التصديق بالمسائل مجازا، وهو باطل.
Página 37
ويلزم ذلك، على القول بذلك في مطلق ألفاظ العلوم أيضا، إذ لو أريد بالتصديق بالمسائل ما لا ملكة معه أصلا، فهو مما لا يمكن تحققه عادة فيما هو محل البحث، من استناد العلم بالأحكام إلى الاجتهاد واستفراغ الوسع في الأدلة المعهودة، وعلى فرض إمكان تحققه فبطلان اللازم ممنوع بالنظر إلى الاصطلاح، وإن كان مسلما بالنظر إلى العرف واللغة.
ولو أريد به ما نشأ عن الملكة - كما في فقهائنا اليوم - فالملازمة ممنوعة، لا لأن المسمى خصوص التصديق لا بشرط وجود الملكة، بل لأن المسمى هو الملكة الموجودة مع التصديق، المأخوذة في الوضع لا بشرط ذلك التصديق، نظرا إلى أن حصول التصديق الفعلي مسببا عن الملكة لا يوجب زوال الملكة، كما هو واضح.
ثم إن قضية الاعتراف بالأقوال الثلاث المذكورة، التزام كون أسامي العلوم بأسرها من المنقولات، لوضوح عدم كون شئ من المسائل والتصديق بها وملكة التصديق بها عين مسمى هذه الألفاظ لغة، مع ما في كلامهم مما هو بمنزلة التصريح بذلك، حيث يتعرضون لشرحها لغة واصطلاحا فيذكرون لها بحسب كل معنى.
ومن ذلك تصريحهم في خصوص أصول الفقه، بأن فيه جهتين باعتبار الإضافة والعلمية، فإن اعتبار جهة الإضافة اعتراف بالمعنى الإضافي اللغوي، كما أن اعتبار جهة العلمية اعتراف بثبوت ما يغاير الأول، ويعبر عنه بالمعنى العلمي فلابد وأن يكون اصطلاحيا ليغاير الأول بقرينة المقابلة.
وأما ما يوهمه بعض عبارات بعضهم من أن الإضافة بنفسها تعريف لهذا العلم، من منافاته لما ذكر بل إنكار للنقل، نظرا إلى أنه اعتبار للمعنى الإضافي، وهو لا يلائم القول بثبوت المعنى العلمي المغاير له، فإن القائل بالنقل لا يعتبر المعنى المنقول منه.
معنى الأصل فيدفعه: منع منافاة ذلك للاعتراف بالنقل هنا، لأن مرجع هذا الكلام عند التحقيق إلى منع انحصار تعريف المسمى الاصطلاحي بالرسم في التعريف
Página 38
المشهور، المعبر عنه " بالعلم بالقواعد الممهدة... الخ " مثلا، لإمكان رسمه أيضا باعتبار الإضافة المعنونة بأنه " أصول الفقه " على معنى ما يبتنى عليه الفقه، بناء على أن الماهية المقررة في نفس الأمر إذا احتوت فيها عناوين متكثرة وجهات متعددة يجوز تعريفها بكل واحد منها، حيث أن المقصود تأتي معرفتها بوجه ما، وهي تتأتى بأي عنوان يكون، وإن كان المأخوذ في بعضها ما هو من قبيل الغاية، وفي الآخر ما هو من قبيل العرض.
وعلى أي حال كان، فقد جرت عادة الأصوليين في لفظ " أصول الفقه " بالبحث عن كلتا الجهتين، استعلاما للمناسبة المعتبرة في النقل كما هو الأظهر، أو تنبيها على صحة إرادة كلا المعنيين في مقام التعريف، أو على عدم تحقق الهجر في المعنى المنقول منه على ما احتمله بعض الأجلة، غير أنه اختلفت مشاربهم في التعرض للجهتين من حيث التقديم والتأخير، فإن منهم من قدم المعنى الإضافي - وهم الأكثرون - نظرا منهم إلى تقدمه بالطبع، المقتضي لأولوية تقدمه في الوضع أيضا.
ومنهم من قدم المعنى العلمي كبعض الأعلام (1) نظرا إلى أنه المقصود أصالة، فهو أولى بالتقديم من المقصود بالتبع، ولكل وجه وإن كان الأول أولى، لما يرتبط بالمعنى العلمي ما لا يتأتى معرفته إلا بمعرفة المعنى الإضافي، فالنظر في المعنى الإضافي يستدعي البحث في مقامين:
المقام الأول:
فيما يتعلق بالجزء الأول من هذا المركب وهو ال " أصول " فإنه جمع مفرده الأصل وهو في العرف الكاشف عن اللغة يأتي لمعان:
أحدها: مبدأ الشئ وأوله، يقال: الملح أصله ماء، أو في الأصل كان ماء، والخمر أصله ماء عنب أو في الأصل كذلك، وفلان أصله عربي أو بغدادي،
Página 39
أو في الأصل كان كذا " وأنت إذا تأملت في موارد إطلاق هذا اللفظ لوجدته أغلب استعمالا في هذا المعنى.
ومنه ما في كلام أهل الصرف عند إعلال الكلمات، من أن اللفظ الفلاني أصله كذا أو في الأصل كذا فصار كذا، ولعله عليه مبنى ما في عرف الأصوليين من إطلاقه على الاستصحاب، لما أعتبر عندهم فيه من وجود الحالة السابقة، التي هي الحالة الأولية في الشئ.
والعجب أنهم اقتصروا في هذا المقام على ذكر المعنى الآتي، وتركوا هذا المعنى إلا قليل منهم، مع كونه أشيع والاستعمال فيه أغلب.
وثانيها: ما ذكره الأكثر من الخاصة والعامة، من أنه ما يبتنى عليه غيره، كما حكى التصريح به عن أبي الحسين البصري (1) ومنه أصل الجدار وأصل الشجر، وكون مشيئة الله أصلا في الأشياء.
ومن هنا يعلم أن الابتناء المأخوذ في هذا المعنى، أعم من كونه على نحو العلية التامة، أو السببية باصطلاح الأصولي للحدوث أو البقاء.
نعم لا يطلق الأصل بهذا المعنى على ما هو من قبيل الشروط والمعدات وغيرها من العلل الناقصة.
وقد أفرط في هذا المقام الآمدي (2) في محصوله - على ما حكي عنه - وكذلك في منتخبه.
وعن صاحب التحصيل (3) أيضا من تفسيره بالمحتاج إليه، فإنه بحسب المفهوم يشمل ما لو كان من قبيل الشروط وغيرها، إلا أن يراد به ما يرجع إلى
Página 40
المبتنى، عليه، فيكون التعبير به واردا على سبيل المسامحة، وكما أنه بناء على ظاهر عبارته أفرط فقد فرط هو في إحكامه، وجماعة أخرى ففسروه بما يستند تحقق الشئ إليه (1).
وصاحب الحاصل (2) ففسره بما منه الشئ، وبعضهم ففسره بمنشأ الشئ، فإن هذه التفاسير ظاهرة كالصريح في إرادة العلة التامة للحدوث فقط.
وقد عرفت أنه للأعم من الجهتين، إلا أن يريدوا بها ما يرجع إلى المعنى الأعم.
وممن فرط في هذا المقام من فسره بما يبنى عليه الشئ، لظهور ذلك في الابتناء الناشئ عن الجعل والاعتبار، وهو في العرف للأعم منه ومما يكون من مقتضيات ذات الشئ، كالمعلول بالقياس إلى علته التامة، بل الأشياء بالقياس إلى مشيئة الله تعالى.
وأضعف التفاسير، تفسيره بما في القاموس من أسفل الشئ، سواء أريد به المطلق، أو المقيد بما يكون على جهة الابتناء.
أما الأول: فلوضوح عدم إطلاق الأصل على كل أسفل حتى ما لا يبتنى عليه غيره، وهو كثير.
وأما الثاني: فلأن الأصل وإن كان يصدق على الأسفل المبتنى عليه الأعلى، لكن لا باعتبار عنوان الأسفلية، بل باعتبار عنوان الابتناء عليه.
والحاصل: بين ما يبتنى عليه وأسفل الشئ عموم من وجه، والأصل إنما يصدق في مادة افتراق الأول ومادة اجتماعه مع الثاني، لكن من جهة عنوان الابتناء عليه.
وبالجملة، الذي يساعد عليه العرف إنما هو صحة ما ذكره الأكثرون.
Página 41