132

Tabsirat Hukkam

تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام

Editorial

مكتبة الكليات الأزهرية

Edición

الأولى

Año de publicación

1406 AH

Ubicación del editor

مصر

الْقَاضِي ذَلِكَ.
وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يُوجَدُ الْحُكْمُ بِدُونِ الثُّبُوتِ أَيْضًا، كَالْحُكْمِ بِالِاجْتِهَادِ كَإِعْطَاءِ أَمِيرِ الْجَيْشِ الْأَمَانَ لِلْعَدُوِّ، وَكَذَلِكَ فِي قَسْمِ الْحَبْسِ بَيْنَ أَهْلِهِ يَجْتَهِدُ وَيُفَضِّلُ أَهْلَ الْحَاجَةِ، وَإِذَا أَسَرَ الْإِمَامُ الْعَدُوَّ فَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِي خَمْسَةِ أَشْيَاءَ، وَكَذَلِكَ عَقْدُ الصُّلْحِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ، وَتَقْدِيرُ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ وَالْأَوْلَادِ، وَقَدْ أَفْرَدْت لِذَلِكَ بَابًا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا عُلِمَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَعَمُّ مِنْ الْآخَرِ مِنْ وَجْهٍ وَأَخَصُّ مِنْ وَجْهٍ، ثُمَّ ثُبُوتُ الْحُجَّةِ مُغَايِرٌ لِلْكَلَامِ النَّفْسَانِيِّ الْإِنْشَائِيِّ الَّذِي هُوَ الْحُكْمُ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي التَّعْرِيفِ بِحَقِيقَةِ الْحُكْمِ، فَثَبَتَ كَوْنُهُمَا غَيْرَيْنِ بِالضَّرُورَةِ، وَأَنَّ الثُّبُوتَ هُوَ نُهُوضُ الْحُجَّةِ، وَالْحُكْمُ إنْشَاءُ كَلَامٍ فِي النَّفْسِ هُوَ إلْزَامٌ أَوْ إطْلَاقٌ.
[فَصْلٌ فِي مَعْنَى تَنْفِيذِ الْحُكْمِ]
ِ وَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ. تَنْفِيذُ حُكْمِ نَفْسِهِ، وَتَنْفِيذُ حُكْمِ غَيْرِهِ، فَالْأَوَّلُ مَعْنَاهُ الْإِلْزَامُ بِالْحَبْسِ وَأَخْذُ الْمَالِ بِيَدِ الْقُوَّةِ وَدَفْعُهُ لِمُسْتَحِقِّهِ، وَتَخْلِيصُ سَائِرِ الْحُقُوقِ، وَإِيقَاعُ الطَّلَاقِ عَلَى مَنْ يَجُوزُ لَهُ إيقَاعُهُ عَلَيْهِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَالتَّنْفِيذُ غَيْرُ الثُّبُوتِ وَالْحُكْمِ، فَالثُّبُوتُ هُوَ الرُّتْبَةُ الْأُولَى، وَالْحُكْمُ هُوَ الرُّتْبَةُ الْوُسْطَى، وَالتَّنْفِيذُ هُوَ الرُّتْبَةُ الثَّالِثَةُ. وَلَيْسَ كُلُّ الْحُكَّامِ لَهُمْ قُوَّةُ التَّنْفِيذِ لَا سِيَّمَا الْحَاكِمُ الضَّعِيفُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْجَبَابِرَةِ فَهُوَ يُنْشِئُ الْإِلْزَامَ، وَلَا يَخْطِرُ لَهُ تَنْفِيذُهُ؛ لِتَعَذُّرِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَالْحَاكِمُ مِنْ حَيْثُ هُوَ حَاكِمٌ لَيْسَ لَهُ إلَّا الْإِنْشَاءُ، وَأَمَّا قُوَّةُ التَّنْفِيذِ فَأَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى كَوْنِهِ حَاكِمًا، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُحَكَّمَ لَيْسَ لَهُ قُوَّةُ التَّنْفِيذِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي الرُّتْبَةِ السَّادِسَةِ مِنْ رُتَبِ الْوِلَايَةِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: تَنْفِيذُ حُكْمِ غَيْرِهِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ فِيمَا تَقَدَّمَ الْحُكْمُ فِيهِ مِنْ غَيْرِهِ ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَ فُلَانٍ مِنْ الْحُكَّامِ كَذَا، فَهَذَا لَيْسَ بِحُكْمٍ مِنْ الْمُنَفِّذِ أَلْبَتَّةَ، وَكَذَا إذَا قَالَ ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّ فُلَانًا حَكَمَ بِكَذَا، وَكَذَا فَلَيْسَ حُكْمًا مِنْ هَذَا الْمُثْبِتِ، بَلْ لَوْ اعْتَقَدَ أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ عَلَى خِلَافِ الْإِجْمَاعِ صَحَّ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَ فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ الْفَاسِدَ وَالْحَرَامَ قَدْ يَثْبُتُ عِنْدَ الْحَاكِمِ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ مُوجِبَ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا

1 / 132