205

Scenes from the Lives of the Companions

صور من حياة الصحابة

Editorial

دار الأدب الاسلامي

Edición

الأولى

إِنِّي لَا أَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَ الْبَيْعَ ... وَلَكِنِّي أُحِبُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الَّذِينَ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ.

***

لَمْ يَتْرُكْ أَبُو الدَّرْدَاءِ التِّجَارَةَ فَحَسْبٍ وَإِنَّمَا تَرَكَ الدُّنْيَا، وَأَعْرَضَ عَنْ زِينَتِهَا وَزُخْرُفِهَا، وَاكْتَفَى مِنْهَا بِلُقْمَةٍ خَشِنَةٍ تُقِيمُ صُلْبَهُ(١) وَثَوْبٍ صَفِيقٍ(٢) يَسْتُرُ جسدَهُ.

فَقَدْ نَزَلَ بِهِ جَمَاعَةٌ فِي لَيْلَةٍ شَدِيدَةِ الْقَرِّ(٣) قَاسِيَةُ الْبَرْدِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ طَعَاماً سَاخِناً، وَلَمْ يَبْعَثْ إِلَيْهِمْ بِاللُّحُفِ، فَلَمَّا هَمُّوا بِالنَّوْمِ جَعَلُوا يَتَشَاوَرُونَ فِي أَمْرِ اللَّحُفِ، فَقَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ: أَنَا أَذْهَبُ إِلَيْهِ وَأُكَلِّمُهُ...

فَقَالَ لَهُ آخَرُ: دَعْهُ، فَأَتَى، وَمَضَى حَتَّى وَقَفَ عَلَى بَابِ حُجْرَتِهِ فَرَآهُ قَدِ اضْطَجَعَ، وَامْرَأَتُهُ جَالِسَةٌ قَرِيباً مِنْهُ لَيْسَ عَلَيْهَا وَعَلَيْهِ إِلَّا ثَوْبٌ خَفِيفٌ لَا يَقِي مِنْ حَرٍّ وَلَا يَصُونُ مِنْ بَرْدٍ، فَقَالَ الرَّجُلُ لِأَبِي الدَّرْدَاءِ:

مَا أَرَاكَ بِتَّ إِلَّا كَمَا نَبِيتُ نَحْنُ!!...

أَيْنَ مَتَاعُكُمْ؟!.

فَقَالَ: لَنَا دَارٌ هُنَاكَ نُرْسِلُ إِلَيْهَا تَاعاً كُلَّ مَا نَحْصُلُ عَلَيْهِ مِنْ مَتَاعٍ، وَلَوْ كُنَّا اسْتَبْقَيْنَا فِي هَذِهِ الدَّارِ شَيْئًا مِنْهُ لَبَعَثْنَا بِهِ إِلَيْكُمْ...

ثُمَّ إِنَّ فِي طَرِيقِنَا الَّذِي سَتَسْلُكُهُ إِلَى تِلْكَ الدَّارِ عَقَبَةً كَؤُوداً(٤) المُخِفُّ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ المُثْقَلِ، فَأَرَدْنَا أَنْ نَتَخَفَّفَ مِنْ أَنْقَالِنَا عَلَّنَا نَجْتَازُ.

ثُمَّ قَالَ لِلرَّجُلِ: أَفَهِمْتَ؟.

(١) تقيم صلبه: تقيم أوده.
(٢) ثوب صفيق: ثوب خشن.
(٣) شديدة القر: شديدة البرد.
(٤) عقبة كؤوداً: عقبة صعبة المرتقى.

210