Sualat Li Daruqutni
سؤالات السلمي للدارقطني
Editor
فريق من الباحثين بإشراف وعناية د/ سعد بن عبد الله الحميد ود/ خالد بن عبد الرحمن الجريسي
Edición
الأولى
Año de publicación
١٤٢٧ هـ
سُؤالات السُّلمي للدَّارقُطني
تأليف: أبي عبد الرحمن محمَّد بن الحُسين السُّلمي المتوفى (٤١٢هـ)
تحقيق: فريق من الباحثين، بإشراف وعناية
د. سعد بن عبد الله الحُمَيِّد
ود. خالد بن عبد الرحمن الجريسي
1 / 1
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مُقَدِّمَةُ التَّحْقِيقِ
الحَمْدُ للهِ الَّذِي ظهر لأوليائِهِ بنُعوتِ جلالِهْ، وأنارَ قلوبَهم بمشاهدةِ صفاتِ كمالِهْ، وتَعرَّفَ إليهم بما أسداه إليهم من إنعامِهِ وإِفضالِهْ؛ فعلموا أنه الواحدُ الأحَدْ، الفردُ الصَّمدْ؛ الذي لا شريكَ له في ذاتِهِ ولا في صفاتِهِ ولا في أفعالِهْ، بل هو كما وصف به نفسَهُ وفوقَ ما يَصفُهُ به أحدٌ من خلقِهِ في إكثارِهِ وإقلالِهْ، لا يحصي أحدٌ ثناءً عليه، بل هو كما أثنى على نفسِه على لسانِ مَن أكرمهم بإرسالِهْ.
ونشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له إلهًا واحدًا أحدًا فردًا صمدًا جَلَّ عن الأشباه والأمثالْ، وتَقدَّسَ عن الأضدادِ والأندادِ والشركاءِ والأشكالْ، ونشهد أن محمدًا عبدُهُ ورَسولُهُ القائمُ له بحقِّهْ، وأمينُه على وحيِهْ، وخِيرته مِن خلقِهْ، أرسلَه رحمةً للعالمينْ، وإمامًا للمتَّقينْ، وحسرةً على الكافرينْ، وحُجَّةً على العبادِ أجمعينْ، بعثَه على حينِ فَتْرةٍ مِن الرُّسُلْ، فهدى به إلى أقومِ الطُّرُقِ وأوضحِ السُّبُلْ، وافترض على العبادِ طاعتَهُ ومحبَّتَهُ وتعظيمَه وتوقيرَهُ والقيامَ بحقوقِهْ، وسدَّ إلى جنتِهِ جميعَ الطُّرُقِ فلم يفتحْ لأحدٍ إلا من طريقِهْ، فشَرَح له صدرَهْ، ووضع عنه وِزْرَهْ، ورَفع له ذِكْرَهْ، وجعل الذُّلَّ والصَّغارَ على مَن خالَف أمرَهْ، فلم يزلْ ﷺ قائمًا بأمرِ الله لا يَرُدُّه عنه رادّ، مُشَمِّرًا في مرضاةِ اللهِ لا يَصُدُّه عن ذلك صادّ، إلى أن أشرقتِ الدنيا برسالتِهِ ضياءً وابتهاجَا، ودخل الناسُ في دينِ اللهِ أفواجًا أفواجَا. بلَّغ الرسالةْ، وأَدَّى الأمانةْ، ونَصَح الأمةْ، وجاهد في اللهِ حقَّ الجهادِ
1 / 5
وأقام الدِّينْ، وترك أمتَهُ على البيضاءِ الواضحةِ البينةِ للسالكينْ، وقال: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ *﴾ [يُوسُف: ١٠٨] (١) .
فصلَّى الله على نبيِّنا كلَّما ذكره الذاكرون، وغفَلَ عن ذِكْره الغافلون، أفضلَ وأكثَرَ وأزكى ما صلَّى على أحدٍ مِنْ خَلْقِه، وجزاه اللهُ عنا أفضَلَ ما جزى مُرْسَلًا عَمَّنْ أُرْسِلَ إليه.
أما بعد:
فيسرُّنا أن نضعَ بين يديكَ- أخي القارئ- أحدَ كتبِ السُّؤالاتِ المهمَّة، وهو "سؤالاتُ السُّلَميِّ للدارقطنيِّ"؛ في جرحِ الرُّواةِ وتعديلِهم.
وكتبُ السُّؤالات نمَطٌ من التصنيفِ معروفٌ؛ يجمع فيه مُصَنِّفُه مايوجِّهُه إلى شيخِه من أسئلةٍ عمَّا يُشْكِلُ عليه من المسائلِ في الفنِّ الذي اشتُهِرَ به الشيخ، أو ما يهمُّه معرفةُ رأي شيخِهِ فيه.
وتوجيهُ الأسئلةِ إلى أهلِ العلمِ والذِّكْرِ أصلٌ دلَّت عليه نصوصُ الكتابِ والسنَّةِ:
فقد أَمرَنا اللهُ في مُحكَمِ التنزيلِ بسؤالِ أهلِ الذِّكْرِ واستفتائِهم؛ قال سبحانه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [النّحل: ٤٣] .
وقد وردتْ آياتٌ كثيرةٌ فيها ذِكْرُ أسئلةٍ وُجِّهتْ إلى النبيِّ ﷺ؛
(١) مقتبسٌ من مقدمة ابن القيم لكتاب "إغاثة اللهفان" بتصرُّف.
1 / 6
كما في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَْهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] (١) .
ودواوينُ السنةِ مليئةٌ بالأسئلةِ التي كان يوجِّهُها الصحابةُ ﵃ إلى النبيِّ ﷺ، وكان يمكنُ أن تكونَ أكثرَ من ذلك، لولا نهيُ الله ﷾ لهم بقولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ *﴾ [المائدة: ١٠١] .
فمن ذلك ما أخرجه مسلمٌ في "صحيحِه" (٢) من روايةِ محمَّدِ بنِ زيادٍ، عن أبي هريرةَ ﵁ قال: خطبنا رسولُ الله ﷺ فقال: «يا أيُّها الناسُ قَدْ فَرض اللهُ عليكم الحجَّ فحُجُّوا»، فقال رجلٌ: أَكُلَّ عامٍ يا رسولَ الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا، فقال رسولُ الله ﷺ: «لو قلتُ: نعم، لوجَبَتْ، ولمَا استطعتُمْ»، ثم قال: «ذروني ما تَركتُكم؛ فإنما هلك مَن كان قبلَكم بسؤالهِم واختلافِهم على أنبيائِهم، فإذا أمرتُكم بشيءٍ فأْتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيءٍ فدَعُوه» .
وخرَّجه الدارقطنيُّ من وجهٍ آخرَ مختصرًا وقال فيه: فنزل قولُهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا
(١) انظر من ذلك أيضًا: سورة البقرة (٢١٥ و٢١٧ و٢١٩ و٢٢٠ و٢٢٢)، والمائدة (٤)، والأعراف (١٨٧)، والأنفال (١)، والإسراء (٨٥)، والكهف (٨٣)، وطه (١٠٥)، والنازعات (٤٢) .
(٢) برقم (١٣٣٧) .
1 / 7
عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ *﴾ (١) [المائدة: ١٠١] .
وغيرُ ذلك من الأحاديثِ التي تدلُّ على النهيِ عن السؤالِ عما لا يُحتاج إليه مما يسوءُ السائلَ جوابُه، وعلى النهيِ عن السؤالِ على وجهِ التَّعَنُّتِ والعبثِ والاستهزاءِ، والسؤالِ عما أخفاه اللهُ عن عبادِهِ ولم يُطلِعْهم عليه، كما تدل أيضًا على نهيِ المسلمينَ عن السؤال عن كثيرٍ من الحلالِ والحرامِ مما يُخشى أن يكونَ السؤالُ سببًا لنزولِ التشديدِ فيه (٢) .
وقد كثرتْ كُتُبُ السؤالاتِ في كلِّ فَنٍّ من الفنونِ، ومنها علمُ الجرحِ والتعديلِ، وكتابُنا هذا واحدٌ من هذه الكتبِ في هذا الفنِّ (٣) .
وقد طُبِع هذا الكتابُ- حَسَبَ عِلمِنا- ثلاثَ طبعاتٍ:
١) الأولى بتحقيق د. سليمان آتش.
٢) والثانيةُ بتحقيق مجدي فتحي السيد.
٣) والثالثةُ بتحقيق محمد بن علي الأزهري.
(١) أخرجه الدارقطني في "سننه" (٢/٢٨٢) من طريق إبراهيم الهَجَري، عن أبي عياض، عن أبي هريرة. وإبراهيم الهجري ضعيف، لكن أخرجه قبل هذا (٢/٢٨٠) من طريق منصور بن وردان إمام مسجد الكوفة، عن علي بن عبد الأعلى الثعلبي، عن أبيه، عن أبي البَختري، عن عليٍّ ﵁، به.
(٢) انظر "جامع العلوم والحكم" (ص١٦٨-١٧٨) .
(٣) انظر التعريف بكتب السؤالات وذكر أشهرها (ص ٤١) .
1 / 8
وسيأتي التعريفُ بهذه الطبعاتِ لاحقًا (١) .
ومما حَمَلَنا على إعادةِ تحقيقِ هذا الكتابِ وإخراجه: حصولُنا على نسخةٍ خَطِّيَّةٍ مختصرةٍ منه لم يقفْ عليها أحدٌ من المحقِّقين السابقين، وفيها فروقٌ وزياداتٌ مُهِمَّةٌ تؤكِّد أنّ في الأصلِ المخطوط نقصًا، وقد استدركنا من هذا النقص ما وجدناه في ذلك المختصر، ووقفنا في بعض المصادر على نصوص أخرى مَرْوِيَّةٍ عن الدارقطني من طريقِ السُّلميِّ وليست في المخطوطتين المعتمدتين في تحقيقنا هذا؛ مما يشير إلى احتمال وجود نقص آخر يحتاج إلى نسخة تامة منه، والله أعلم (٢) .
وقد أَتْحفَنا بهذه النسخةِ المختصرةِ فضيلةُ الدكتور الشيخ محمد ابن تُرْكي التُّرْكي، فله منا الشكرُ والدعاءُ بأن يجزلَ اللهُ له الثوابَ.
وآخِرُ دَعوانا أنِ الحَمدُ للهِ ربِّ العالَمين.
د. سعد بن عبد الله الحُمَيِّد ود. خالد بن عبد الرحمن الجريسي
(١) انظر (ص ٥٥) من هذه المقدمة.
(٢) انظر (ص ٦٠-٦٢) من هذه المقدمة.
1 / 9
التعريف بالدارقطني (١)
اسمهُ ونسبُهُ ومَولدُه:
هو: الإمام الحافظُ عليُّ بنُ عمرَ بنِ أحمدَ بنِ مهديِّ بنِ مسعود ابنِ النُّعمانِ بنِ دينارِ بنِ عبدِاللهِ، الدَّارَقُطْنيُّ، البغداديُّ.
كُنيته: أبو الحسَن.
(١) ترجمته في: "تاريخ بغداد" للخطيب (١٢/٣٤- ٤٠)، و"أطراف الغرائب والأفراد" لابن طاهر المقدسي (١/٤٣-٥٢)، و"الأنساب" للسَّمعاني (٢/٢٠٦- ٢٠٧)، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (٤٣/٩٣- ١٠٦)، و"المنتظم" لابن الجوزي (١٤/٣٧٨- ٣٨٠)، و"معجم البلدان" لياقوت (٢/٤٢٢)، و"تكملة الإكمال" (١/٩٩- ١٠٣)، و"التقييد" (ص ٤١٠- ٤١٢) كلاهما لابن نقطة، و"طبقات الشافعية" لابن الصلاح (٢/٦١٦- ٦١٩)، و"وَفَيات الأعيان" لابن خَلِّكان (٣/٢٩٧- ٢٩٩)، و"سير أعلام النبلاء" (١٦/٤٤٩- ٤٦١)، و"تذكرة الحفاظ" (٣/٩٩١- ٩٩٥)، و"العبر في أخبار من عَبَر" (٢/١٦٧)، و"معرفة القراء الكبار" (١/٣٥٠- ٣٥٢)، و"تاريخ الإسلام" (حوادث ووَفَيات سنة ٣٨٥هـ/ص١٠١- ١٠٥) جميعها للذهبي، و"مرآة الجنان" لليافعي (٢/٤٢٥- ٤٢٦)، و"الوافي بالوَفَيات" للصفدي (٢١/٣٤٨- ٣٥٠)، و"طبقات الشافعية الكبرى" للسُّبكي (٣/٤٦٢- ٤١١)، و"البداية والنهاية" لابن كثير (١٥/٤٥٩- ٤٦٢)، و"طبقات القراء" لابن الجزري (١/٥٥٨- ٥٥٩)، و"طبقات الشافعية" للأسنوي (١/٥٠٨- ٥٠٩)، و"طبقات الشافعية" لابن قاضي شُهْبة (١/١٦١- ١٦٣)، و"النجوم الزاهرة" لابن تَغْري بَرْدي (٤/١٧٢)، و"شذرات الذهب" لابن العماد (٣/١١٦- ١١٧)، و"معجم المؤلفين" لعمر رضا كَحَّالة (٢/٤٨٠- ٤٨١/الرسالة)، و"تاريخ الأدب العربي" لكارل بروكلمان (القسم الثاني /ص٢٢٣- ٢٢٥)، و"تاريخ التراث العربي" لفؤاد سزكين (م١/ج١/ ص٤١٨- ٤٢٤)، وكتاب "الإمام أبو الحسن الدارقطني وآثاره العلمية" للدكتور عبد الله بن ضيف الله الرحيلي.
1 / 11
ونسبتُه «الدَّارَقُطْنيُّ»: إلى مَحَلَّةِ «دارِ القُطْن» ببغدادَ (١) .
كان مولدُه ببغدادَ سنة ستٍّ وثلاثِ مئةٍ كما أخبرَ هو عن نفسِه، ونقله عنه أبو عبد الرحمن السُّلميُّ في كتابنا هذا (٢) . وقيل: وُلدَ سنة خمسٍ وثلاثِ مئةٍ، ورجَّح الخطيبُ البغدادي (٣) الأوَّلَ.
نشأتُه وطَلَبُه للعِلم:
بدأ الدارقطنيُّ بطلب العلم وهو ما يزال فتىً صغيرًا، فقد كان بَدءُ كتابته للحديث في أوَّل سنة خمسَ عشرةَ وثلاثِ مئةٍ كما أخبر هو عن نفسِه، ونقله عنه البَرقانيُّ (٤) . وروى ابنُ عساكر في "تاريخ دمشق" من طريق القوَّاس قال: «كنا نمرُّ إلى ابن مَنيع، والدارقطنيُّ صبيٌّ يمشي خلفَنا بيده رغيفٌ عليه كامَخ (٥)، فدخَلنا إلى ابن مَنيع ومنعناه،
(١) قال السمعاني في "الأنساب" (٢/٢٠٦): «الدَّارَقُطْنيّ: بفتحِ الدَّالِ المهملةِ، بعدها الألفُ، ثم الراءُ، والقاف المضمومة، والطاء المهملة الساكنة، وفي آخرها النون، هذه النسبة إلى "دارِ القُطن"، وهي كانت مَحَلَّةً بـ"بغدادَ" كبيرةً خَرِبتِ الساعةَ، كنتُ أجتازُ بها بالجانبِ الغربيِّ، وأراني صاحبُنا الشيخ سعد الله بن محمد المقرئ مسجدَه في دار القُطن» .
وقال الأستاذ محمود مصطفى في "إعجام الأعلام" (ص١٠٨): «كان حق النسبة أن تكونَ إلى «دار» وحدَها، فإن خِيفَ اللَّبْسُ تكون إلى «قطن» . ولا تبيح العربية غيرَ هذين. فأما النسبةُ إلى المركَّب الإضافي كلِّه فغير معروفة. ويظهر أنهم لما نسبوا إليه كاملًا توهَّموا أنه صار مُركَّبًا مَزْجيًّا؛ لذلك فتحوا آخر صَدْره» .
(٢) النص رقم (٤١) .
(٣) "تاريخ بغداد" (١٢/٤٠) .
(٤) "سؤالات البرقاني" (ص٤٨) .
(٥) الكامخ- بفتح الميم وتكسر أيضًا-: إدامٌ، أو ما يُستعمَل لتشَهِّي الطعام من المُخَلَّلات وغيرها، وهو لفظٌ فارسيٌّ معرَّب، أصله: «كامه» .
انظر: "تاج العروس" (ك م خ) .
1 / 12
فقَعَدَ على الباب يَبْكي» (١) .
وقد سمعَ في صِباهُ من أبي القاسم البغويِّ، ويحيى بن محمد بن صاعِد، وأبي بكر بن أبي داود، وغيرهم (٢) .
أمَّا أبوه عمرُ بنُ أحمدَ فقد كان من المحدِّثينَ الثقات، سمع وحدَّث، إلى جانب معرفته بالقراءات (٣) .
وقد سمع منه ولده أبو الحسن الدارقطني الحديثَ، وحدَّث عنه في "سننه" (٤)، كما عرض عليه القرآنَ (٥) .
ويبدو أن الدارقطنيَّ شرع في حفظ القرآن وإتقان تلاوته وهو غلامٌ حَدَثٌ، على عادة أهل عصره، وبَرَّزَ في ذلك وتفوَّق، حتى تنبَّأ له الناسُ أن يصيرَ شيخًا كبيرًا من شيوخ الإقراء. يقول هو عن نفسه: «كنتُ أنا والكتَّاني (٦) نسمع الحديثَ، فكانوا يقولون: يخرج الكتانيُّ
(١) "تاريخ دمشق" (٤٣/٩٧- ٩٨)، ونقله ابن خير في "الفهرست" (ص١٩٦)، والذهبي في "سير أعلام النبلاء" (١٦/٤٥٢)، و"تذكرة الحفاظ" (٣/٩٩٤) .
(٢) "سير أعلام النبلاء" (١٦/٤٤٩) .
(٣) ترجم له الخطيب في "تاريخ بغداد" (١١/٢٣٩) .
(٤) "سنن الدارقطني": (١/٩٩، ٢٥٢) و(٢/١٠٣، ١٧٨) و(٤/١٣٣، ٢٠٨، ٢٢١، ٢٤٥، ٢٧٨) .
(٥) قال ابنُ الجزريِّ في "طبقات القراء" (١/٥٨٩): «عمر بن أحمد بن مهدي البغدادي، والدُ الحافظ أبي الحسن الدَّارَقُطنيِّ، عرض على أحمدَ بن سهل الأُشْناني، وعرض عليه ابنُه عليُّ بن عمر» .
(٦) هو: عمر بن إبراهيم بن أحمد، أبو حفص الكتاني، ولد سنة ثلاث مئة، وتوفي سنة تسعين وثلاث مئة. ترجمته في: "تاريخ بغداد" (١١/٢٦٩)، و"سير أعلام النبلاء" (١٦/٤٨٢- ٤٨٤) .
1 / 13
محدثَ البلد، ويخرج الدارقطنيُّ مقرئَ البلد، فخرجت أنا محدثًا والكتانيُّ مقرئًا» (١) .
وقد ألَّف في القراءات كتابًا مختصرًا موجزًا، ذكره الخطيب البغدادي وقال عنه: «جمع الأصولَ في أبوابٍ عقدها أوَّلَ الكتاب، وسمعتُ بعض من يعتني بعلوم القرآن يقول: لم يُسبَق أبو الحسن إلى طريقَته التي سلكها في عَقْد الأبواب في أوَّل القراءات، وصار القُرَّاء بعده يسلكون طريقَتَه في تصانيفهم ويَحْذُون حَذْوَه» (٢) .
ولم يكن الدارقطنيُّ محدِّثًا ومُقْرِئًا فحسبُ، بل كان فقيهًا أيضًا، يقول الخطيب البغداديُّ في ذكره العلومَ التي تضلَّع منها الدارقطنيُّ سوى علمِ الحديث: «ومنها المعرفةُ بمذاهبِ الفقهاء، فإن كتابَ «السُّنَن» الذي صنَّفَه يدلُّ على أنه كان ممَّن اعتنى بالفقه؛ لأنه لا يَقْدرُ على جمع ما تضمَّن ذلك الكتابُ إلا من تقدَّمَت معرفتُه بالاختلاف في الأحكام، وبلغَني أنه درس فقهَ الشافعيِّ على أبي سعيد الإِصْطَخْري، وقيل: بل درسَ الفقه على صاحبٍ لأبي سعيد، وكتب الحديثَ عن أبي سعيدٍ نفسه» (٣) .
وقد كان للدارقطنيِّ عنايةٌ بمذهب الإمام الشافعيِّ، مع معرفةٍ بمذاهبِ الفقهاء، حيثُ عدَّه بعضُ من صنَّفَ في طبقات الشافعيَّة منهم. قال شيخُ الإسلام ابن تيميَّة: «والدارقطنيُّ هو أيضًا يميل إلى مذهب الشافعيِّ وأئمَّة السنة والحديث، لكن ليسَ هو في تقليد
(١) "المنتظم" لابن الجوزي (١٤/٣٨٠) .
(٢) "تاريخ بغداد" (١٢/٣٤- ٣٥) .
(٣) "تاريخ بغداد" (١٢/٣٥) .
1 / 14