Shifa Ghalil

شفاء الغليل في حل مقفل خليل

Editor

أحمد بن عبد الكريم نجيب

Editorial

مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث

Edición

الأولى

Año de publicación

1429 AH

Ubicación del editor

القاهرة

Regiones
Marruecos
•
Imperios y Eras
Wattásidas
مُخْتَصر خَلِيل
للشَّيْخ خَلِيل بن إِسْحَاق الجندي الْمُتَوفَّى ٧٧٦ هـ
وَمَعَهُ
شِفَاءُ الغَلِيلِ فِي حَلِّ مُقفَلِ خَلِيل
تأليف
مُحَمَّد بن أَحْمد بن غَازِي العثماني الْمُتَوفَّى ٩١٩ هـ
دراسة وَتَحْقِيق
الدكتور أَحْمد بن عبد الْكَرِيم نجيب
أستاذ الحَدِيث النَّبَوِيّ وعلومه فِي كُلية الدراسات الإسلامية بسراييفو، والأكاديمية الإسلامية بزينيتسا، ومدرس الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة فِي معهد قطر الديني سَابِقًا
مَرْكَز نجيبويه

Página desconocida

بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين، ربِّ يسّر يا كريم. آمين
قال الشيخُ، الفقيهُ، الإمامُ، العالمُ، العلاَّمة، الحافظُ المتقنُ، المحقِّقُ، البليغُ، الصالحُ، الفاضلُ المتبركُ به، الصدر الأوحد، ترجمان الفقهاءِ، ورئيس النُبَهاءِ، أبوعبدالله محمد بن أحمد بن محمد بن محمد علي بن غازي العثماني المكناسي، غفر الله له، وتغمده برحمته، وتجاوز عنه بمنه وكرمه وفضله، وأبقى بركته، ورضي عنه، ونفعنا به وبأمثاله (١):
الحمدُ للهِ الذي منّ علينا بنعمة الإسلام، وجعلنا من أمة نبينا محمدٍ ﵊؛ فبيّن لنا ﷺ الحدود والأحكام، وفصّل لنا الحلال والحرام، وأورث علماءنا من معارفه ما جلّو به عنّا غياهب الظلام، وكشفوا به عن أبصار بصائرنا سدف (٢) الغمام، فصنّفوا لنا في ذلك المطولات الضخام، والمختصرات الصغيرات الأجرام، جزاهم الله تعالى عنّا أفضل ما جزى إمامًا عن ذوي إئتام، وجعلنا وإياهم في مستقر رحمته بدار السلام أما بعد:
فإنّ مختصر الشيخ العلامة خليل بن إسحاق أفضل نفائس الأعلاق، وأحقّ ما رمق بالأحداق، وصرفت إليه همم الحذّاق؛ إذ هو عظيمُ الجدوى، بليغُ الفحوى، مُبين لما به الفتوى، أو ما هو المرجّح الأقوى، قد جمع الاختصار في شدة الضبط والتهذيب، وأظهر الاقتدار في حسن المساق والترتيب، فما نسج أحدٌ على منوالهِ، ولا سمحت قريحةٌ بمثالهِ، ولله درّ الشيخ الأديب البارع أبي الحسن عليّ بن أبي حمامة السلوى إذ يقول فيه:
خَلَلت من قلبي مسالك نفسه ... والروْحَ قد أحكمتَهُ تخليلا
أخليلُ إني قد وهبتك خلة ... ما مثلها يهب الخليل خليلا
فخليل نفسي من يود خليلها ... وخلاه ذم إن أحب خليلا

(١) أدرجت في هذه المقدمة جُلّ ما حوته النسخ الخطيّة من ألقاب ونعوت إلى كنية المؤلف، واسمه ونسبه ﵀، ولم أشر إلى الفوارق بينها لعدم الفائدة.
(٢) السدف الظلمة، وهي المرادة هنا، وهي أيضا الضوء، فهى من الأضداد. انظر: لسان العرب، لابن منظور: ٩/ ١٤٦.

1 / 111

ولقد عُني تلميذه الإمام أبو البقاء بهرام (١) بحلِّ رموزه، واستخراج كنوزه، وافتراع (٢) أبكاره، واقتباس أنواره، واجتناء ثماره، واجتلاء أقماره بأظرف عبارة، وألطف إشارة، إلاّ أماكن أَضْرَب عنها صفحًا، [أو لم يُجِدها] (٣) شرحًا؛ فتحرك مني العزم الساكن، لتتبع تلك الأماكن، فشرحتها في هذا الموضوع بقدر الاستطاعة، وإن كنت في العلم مزجي البضاعة، وأودعته مع ذلك نكتًا جملة، كل نكتة منها تساوي رحلة، وسمّيته بـ: " شِفَاءُ الغَلِيلِ (٤) في حلِّ مُقْفَلِ خَلِيلِ "، وأمّا ما خرج من ألفاظِ الشارحِ عن لفظِ المشروحِ، فلا يكون منّي للتنبيه عليه جنوحٌ؛ لأنّ ذلك مما يطول، ويشبه الفضول، ومن الله تعالى أستوهب التوفيق والهداية إلى التحقيق؛ فهو حسبي ونعم الوكيل، وهو على كلّ شيءٍ وكيل.
وقد رأيت أن أقدم هنا مقدمتين:
الأولى: [٢ / أ] في ذكر بعض مناقب المصنف - رحمه الله تعالى-.
الثانية: في أمور استنبطناها من كلامه بالاستقراء.
أمّا الأولى: فهو خليل بن إسحاق بن يعقوب (٥)، يُعرف بابن الجندي، كان عالمًا

(١) هو: أبو البقاء، بهرام بن عبد الله بن عبد العزيز، الدميري، المالكي، قاضي القضاة بمصر، حامل لواء المذهب المالكي على كاهله أخذ عن الشيخ خليل وغيره، ودرس بالشيخونية وغيرها، من مصنفاته: " الشامل "، و" المناسك "، و" شرح مختصر خليل "، و" شرح مختصر ابن الحاجب "، و" شرح ألفية ابن مالك "، توفي سنة ٨٠٥ هـ. انظر ترجمته في: كفاية المحتاج لمعرفة من ليس في الديباج، لأحمد بابا التنبكتي، ص: ١٣٢، ونيل الابتهاج بتطريز الديباج، للتنبكتي: ١/ ١٥٩، وتوشيح الديباج، للقرافي، ص: ٦٢.
(٢) في (ن ٢): (افتضاض)، وافترع البكر: افتضّها. انظر، لسان العرب، لابن منظور: ٨/ ٢٥٠.
(٣) في (ن ٢): (أو لم يجد لها)، وفي (ن ٤): (يحددها ولم يجدها).
(٤) الغَلِيلُ: حرارة العطش، وربما سُمّيت حرارة الحزن والحبّ غَلِيلًا. الغَلِيلُ: حَرُّ الجوف لَوْحًا وامْتِعاضًا. والغَلِيلُ: الغِشُّ والعَداوة والضِّغْنُ والحقْد والحسد. انظر: لسان العرب، لابن منظور: ١١/ ٤٩٩.
(٥) المعروف في نسب خليل ﵀: خليل بن إسحاق بن موسى، فـ (يعقوب) خطأ، قال الحطاب: ذكر ابن غازى موضع (موسى) (يعقوب)، ويوجد كذلك في بعض النسخ، وهو مخالف لما رأيته بخطه. انظر: مواهب الجليل، للحطاب: ١/ ٣٠. على أن الخُرَشي في شرحه نسبه ليعقوب أيضا، وناقش العدوي الأمر فطالعه هناك، انظر: شرح الخرشي: ١/ ٣٤.
وأشار إلى ذلك الدسوقي في حاشيته على الشرح الكبير: ١/ ٩، أقول: ووضع في نسبه (يعقوب) صاحب " درة الحجال " أيضًا، ولعلّه تابع ابن غازي. انظر: درة الحجال، لابن القاضي، ص: ١٣٣.

1 / 112

عاملًا مشتغلًا بما يعنيه، حتى حُكي عنه: أنه أقام عشرين سنة لم ير النيل وهو بمصر، وحكي عنه أنه جاء يومًا لمنزل بعض شيوخه، فوجد كَنِيف (١) المنزل مفتوحًا، ولم يجد الشيخ هناك، فسأل عنه؟ فقيل له: إنه شوّشه أمر هذا الكَنِيف، فذهب يطلب من يُستأجر على تنقيته، فقال خليل: أنا أولى بتنقيته، فشمّر ونزل يُنَقّيه، فجاء شيخه فوجده على تلك الحال، والناس قد حلّقوا عليه ينظرون إليه تعجُّبًا من فعلِهِ فقال: من هذا؟ فقالوا: خليل؛ فاستعظم الشيخ ذلك، وبالغ في الدعاء له عن قريحة ونية صادقة، فنال بركة دعائه، ووضع الله تعالى البركة في عمره. فسبحان الفتّاح العليم.
وحدثنا شيخنا أبو زيد الكاواني (٢)، عمن رأي خليلًا بالديار المصرية: يلبس الثياب القصار، أظنّه قال: ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
وسمعت شيخنا العلاّمة أبا عبد الله القوري (٣) يحكي أنه بلغه عنه أنّه كان من أهل المكاشفات، وأنه مرّ بطباخ دلّس الناس ببيع لحم الميتة، فكاشفه وزجره؛ فأقرّ وتاب على يديه.
أخذ رحمه الله تعالى عن الشيخ الفقيه الصالح أبي محمد (٤) عبد الله المنوفي (٥) ... وغيره،

(١) الكَنِيف: الخَلاء. انظر: لسان العرب، لابن منظور: ٩/ ٣٠٨ وما بعدها.
(٢) هو: أبو زيد، عبد الرحمن الكاواني، الفاسي، مفتيها، الفقيه العالم المتفنن، الإمام في الأصلين، توفي سنة ٨٦٠ هـ. انظر ترجمته في: كفاية المحتاج، لأحمد بابا: ١/ ٢٧٦، ونيل الابتهاج، للتنبكتي: ١/ ٢٨٠، وطبقات الحضيكي: ٢/ ٢٧٥، وشجرة النور، لمخلوف، ص: ٢٦٦، غير أنه ذكر وفاته سنة: ٨٩٠ هـ.
(٣) هو: أبو عبد الله، محمد بن قاسم بن محمد بن أحمد اللَّخْمي نسبًا، المكناسي دارًا ومسكنًا ومولدًا، الأندلسي سلفًا، القوري شهرة ولقبًا، الفاسي نقلة ومزارًا، قال عنه تلميذه ابن غازي: كان فقيهًا عالمًا علامة مفتيًا مشاورًا حجة حافظًا. انظر ترجمته في: كفاية المحتاج، ص: ١٨٤، وتوشيح الديباج، ص: ٢٠٢، وسلوة الأنفاس: ٢/ ١١٥.
(٤) في (ن ١): (عن)، وهو غير مستقيم.
(٥) هو: عبد الله المغربي، المصري، المشهور بالمنوفي، أخذ عن الشيخ شمس الدين التونسي، والزواوي، والأقفهسي، وكان من الصلحاء، وانقطع بالمدرسة الصالحية، فكان لا يخرج إلا إلى صلاة الجماعة أو الجمعة، وامتنع من الاجتماع بالسلطان، وعين لكثير من المناصب فلم يجب، واشتهر بالديانة والصلاح والعبادة والزهادة. انظر: ترجمته في: الدرر الكامنة، لابن حجر: ٣/ ٩٧.

1 / 113

وتوفي ثالث عشر أحد شهري ربيع سنة ست وسبعين وسبعمائة (١)، وفي هذه السنة توفي الشيخ أبو عمران موسى بن محمد بن معطي العبدوسي (٢)، وأبو عبد الله بن الخطيب السلماني (٣).
وأمّا المقدمة الثانية: فمن عادته أنه لا يمثِّل بشيء إلاّ لنكتة، من رفع إيهام، أو تحذير من هفوة، أو إشارة لخلاف، أو تعيين لمشهور، أو تنبيه بالأدنى على الأعلى، وعكسه، أو محاذاة نصّ الكتاب أو نحو ذلك، مما يستطعمه من فتح له في فهمه.
ومن قاعدته: أنه إذا جمع نظائر وكان في بعضها تفصيل أخّره، وقيّده بأحد طرفي التفصيل، ثم يتخلّص منه لطرفه الآخر مع ما يناسبه من الفروع فيحسن تخلّصه غاية، وينتظم الكلام، ويأخذ بعضه بحجزة بعض.

(١) حرّر الحطاب هذا الأمر فقال: " سنة سبع وستين وسبعمائة، كذا ذكر القاضى تقى الدين وابن حجر، وذكر ابن غازى أنها في سنة ست وسبعين أي وفاة المصنف وهما أعلم من ابن غازى بذلك ". وما وهم فيه ابن فرحون أيضًا قال فيه الحطاب: وأما تاريخ الوفاة الذى ذكره ابن فرحون في ترجمة الشيخ خليل فإنما هو تاريخ وفاة الشيخ عبد الله المنوفى، وقد وهم بعض محققي المختصر فنقل كلام ابن فرحون بنصّه دون تحرير، فوقع في خطأ ابن فرحون. انظر: المختصر ط المكتبة العصرية، ص: ٨، وفي شرح الزرقاني مناقشة لهذا الأمر، ورجّح أنها سنة ٧٧٦ هـ، وانظر: شرح الزرقاني، ط، الكتب العلمية: ١/ ٣، والديباج المذهب، لابن فرحون ص: ١٨٦، وانظر: الدرر الكامنة، لابن حجر: ٢/ ٢٠٧.
(٢) هو: أبو عمران، موسى بن محمد بن معطي الفاسي، الشهير بالعبدوسي، أخذ عن عبد العزيز القروي، وعن أبي زيد عبد الرحمن بن عفان الجزولي، وكان يحضر مجلسه الفقهاء والصلحاء والمدرسون وحفاظ المدونة. انظر ترجمته في: كفاية المحتاج، ص: ٢٤٢، ودرة الحجال، لابن القاضي، ص: ٢٩٤.
(٣) هو: أبو عبد الله، محمد بن عبد الله بن سعيد بن علي السلماني، الغرناطي، القرطبي، المعروف بلسان الدين ابن الخطيب، الإمام الأوحد الفذ صاحب الفنون المنوعة والتآليف العجيبة، ذو الوزارتين، توفي قتيلًا سنة ٧٧٦ هـ، من مصنفاته: " الإحاطة فيما تيسر من تاريخ غرناطة "، و" سد الذريعة في تفضيل الشريعة "، و" الوزارة ومقامة السياسة "، و" الكتيبة الكامنة في شعراء المائة الثامنة "، وغيرها. انظر ترجمته في: كفاية المحتاج، لأحمد بابا، ص: ٨٣، والدرر الكامنة، لابن حجر: ٥/ ٢١٣، ودرة الحجال، لابن القاضي، ص: ٢٩٤.

1 / 114

ومن قاعدته غالبًا أنه: إذا جمع مسائل مشتركة في الحكم والشرط نسّقها بالواو، فإذا جاء بعدها بقيدٍ علمنا أنه منطبق على الجميع، وإن كان القيد مختصًا ببعضها أدخل عليه كاف التشبيه، فإذا جاء بالقيد علمنا أنه لما بعد الكاف.
وأمّا نسجه على منوال ابن الحاجب (١) في بعض اصطلاحه فواضح (٢).

(١) هو: أبو عمرو، عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس، الدويني، المصري، الفقيه المالكي، تبحّر في الفنون، وكان الأغلب عليه علم العربية، توفي سنة ٦٤٦ هـ، من تصانيفه: " الإيضاح شرح المفصل للزمخشري "، و" الكافية في النحو "، و" مختصر منتهى السؤل والأمل في علمي الأصول والجدل "، و" جامع الأمهات ". انظر ترجمته في: الديباج المذهب، لابن فرحون، ص: ١٨٩، والطبقات، لابن قنفذ، ص: ٣١٩، والبلغة في تاريخ أئمة اللغة، للفيروزآبادي، ص: ١٤٠، وطبقات القراء، للذهبي: ٢/ ٥١٦، وغاية النهاية، لابن الجزري: ١/ ٥٠٨.
(٢) يقصد المؤلف هنا أن المصنف ﵀ قد تابع ابن الحاجب في كثير من عباراته فمثلا يقول المؤلف في قول خليل: (ولا أَنَّهَا رَأَتْ أَوَّلَ الدَّمِ وانْقَطَعَ) يقول: هذه نفس عبارة ابن الحاجب، وقوله: (أَوْ قَصَدَ تَلَذُّذًا) يقول: اتبع فِي هذه العبارة ابن الحاجب، وقوله: (وفَسَدَ بِتَعْيِينِ الْمَعْمُولِ مِنْهُ أَوِ الْعَامِلِ) كذا فِي النسخ الصحيحة كعبارة ابن الحاجب، كما أن خليلًا نهج في اختياراته الفقهية نهج ابن الحاجب، والمطالع لما عند المؤلف هنا سوف يقف على ذلك بجلاء. وأما اصطلاح خليل ﵀ فتابع لابن الحاجب في كثير منه، كتعبير ابن الحاجب عن المدونة: (بفيها)، وهو نفس تعبير خليل ﵀، واصطلاح (الأصح)، و(المشهور)، و(الأظهر) يعبر بها عن ترجيح يراه ابن الحاجب في المسألة، وهي نفس اصطلاحات خليل ﵀، وإن كان يختلف عنه قليلًا فيما تطلق عليه.

1 / 115

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يَقُولُ الْفَقِيرُ الْمُضْطَرُّ لِرَحْمَةِ رَبِّهِ، الْمُنْكَسِرُ خَاطِرُهُ لِقِلَّةِ الْعَمَلِ والتَّقْوَى، خَلِيلُ ابْنُ إِسْحَاقَ [ابْنِ مُوسَى عَفَا اللهُ عَنْهُ بِمَنِّهِ] (١) [الْمَالِكِيُّ] (٢) الْحَمْدُ للهِ حَمْدًا يُوَافِي مَا تَزَايَدَ مِنَ النِّعَمِ، والشُّكْرُ لَهُ عَلَى مَا أَوْلانَا مِنَ الْفَضْلِ والْكَرَمِ، لا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْهِ هُوَ كَمَا أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ، ونَسْأَلُهُ اللُّطْفَ والإِعَانَةَ فِي جَمِيعِ الأَحْوَالِ، وحَالَ حُلُولِ الإِنْسَانِ فِي رَمْسِه (٣).
وَالصَّلاةُ والسَّلامُ، عَلَى مُحَمَّدٍ سَيِّدِ الْعَرَبِ والْعَجَمِ، الْمَبْعُوثِ لِسَائِرِ الأُمَمِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وأَصْحَابِهِ وأَزْوَاجِهِ وذُرِّيَّتِهِ وأُمَّتِهِ أَفْضَلِ الأُمَمِ. وبَعْدُ:
فَقَدْ سَأَلَنِي جَمَاعَةٌ أَبَانَ اللهُ لِي ولَهَمُ مَعَالِمَ التَّحْقِيقِ، وسَلَكَ بِنَا وبِهِمْ أَنْفَعَ طَرِيقٍ، مُخْتَصَرًا عَلَى مَذْهَبِ الإِمَامِ مَالِكٍ بْنِ أَنَسٍ رَحِمَهْ اللهُ تَعَالَى، مُبَيِّنًا لِمَا بِهِ الْفَتْوَى، فَأَجَبْتُ سُؤَالَهُمْ بَعْدَ الاسْتِخَارَةِ.
مُشِيرًا بِـ (فِيهَا) لِلْمُدَوَّنَةِ.
قوله: (مُشِيرًا بِفِيهَا لِلْمُدَوَّنَةِ (٤» يريد وبنحو: رُويت، وحُملت، وظاهرها، وأُقيمَ منها.
وَبِـ (أَوَّلَ) إِلَى اخْتِلافِ شَارِحِيهَا (٥) فِي فَهْمِهَا.
قوله: (وَبِأَوَّلَ إِلَى اخْتِلافِ شَارِحِيهَا فِي فَهْمِهَا) أي: ومشيرًا بمادة (أول) ليندرج

(١) ما بين المعكوفتين زيادة من أصل المختصر المحفوظ لدينا.
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من أصل المختصر لدينا.
(٣) الرمس: طمس الأثر، وما هيل التراب عليه. انظر: لسان العرب، لابن منظور: ٦/ ١٠١.
(٤) يعني: المدوّنة، لعبد الرحمن بن القاسم توفي سنة: ١٩١ هـ، تلميذ الإمام مالك، وأحد رواة الموطأ، وهي من أعظم الكتب في فروع مذهب المالكية، وللمالكية عليها شروح عديدة، والمراد أن خليلًا إذا قال: (فيها) فمراده: في المدوّنة، كقوله: (وفِيهَا كَرَاهَةُ الْعَاجِ)، وقوله: (وَفِيهَا نُدِبَ تَأْخِيرُ الْعِشَاءِ قَلِيلًا) وقوله: (وفِيهَا الْبُدَاءَةُ بِالْغَرِيمِ).
(٥) من شراح المدوّنة: ابن عبدوس المتوفى سنة ٢٦٠ هـ، وابن محرز المتوفى سنة ٢٩٩ هـ، وقاسم بن خلف الجبيري المتوفى سنة ٣٧٨ هـ، وابن زمنين المتوفى سنة ٣٩٩ هـ، وعمر بن أبي الطيب القيرواني المتوفى سنة ٤٣٠ هـ، وابن المرابط الطلمنكي المتوفى سنة ٤٨٥ هـ، وخليل بن إسحاق الجندي صاحب المختصر المتوفى سنة ٧٦٧ هـ، وأبي عمران العبدوسي المتوفى سنة ٧٧٦ هـ. . . وغيرهم ممن شرحها، أو علّق على شرحها، أو تهذيبها. انظر: جامع الشروح والحواشي، لعبد الله محمد الحبشي: ٣/ ١٩١٢ وما بعدها.

1 / 116

نحو: تأويلان وتأويلات، وهذا النوع من الاختلاف إنما هو في جهات محمل لفظ الكتاب، وليس في آراء في الحمل على حكم من الأحكام فتعد أقوالًا.
وَبِـ (الاخْتِيَارِ) لِلَّخْمِيِّ (١)، لَكِنْ إِنْ كَانَ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ فَذَلِكَ لاخْتِيَارِهِ هُوَ فِي نَفْسِهِ، وبِالاسْمِ فَذَلِكَ لاخْتِيَارِهِ مِنَ الْخِلافِ، وبِـ (التَّرْجِيحِ) لابْنِ يُونُسَ (٢) كَذَلِكَ. وبِـ (الظُّهُورِ) لابْنِ رُشْدٍ (٣) كَذَلِكَ وبِـ (الْقَوْلِ) لِلْمَازِرِيِّ (٤) كَذَلِكَ ..
قوله: (وَبِالاخْتِيَارِ لِلَّخْمِيِّ .. إلى آخره) إنما جعل الفعل لاختيار الأشياخ في أنفسهم، والاسم والوصف لاختيارهم من الخلاف المنصوص لمن قبلهم؛ لأن الفعل يدل على الحدوث، والوصف يدل على الثبوت، وخصّهم بالتعيين لكثرة تصرفهم [٢ / ب] في الاختيار.
وبدأ باللخمي؛ لأنه أجرأهم على ذلك؛ ولذا خصه بمادة الاختيار (٥).

(١) هو: أبو الحسن، علي بن محمد الربعي، القيرواني، المعروف باللخمي، نزل سفاقس، كان فقيهًا فاضلًا دينًا متفننًا، له تعليق كبير على المدونة سماه " التبصرة " أورد فيه آراء خرج بها عن المذهب، توفي سنة ٤٧٨ هـ. انظر ترجمته في: ترتيب المدارك، للقاضي عياض: ٤/ ٧٩٧، والديباج المذهب، لابن فرحون، ص: ٢٠٣، وشجرة النور، لمخلوف، ص: ١١٧.
(٢) هو: أبو بكر، محمد بن عبد الله بن يونس التميمي، الصقلي، الإمام الحافظ، الفقيه الفرضي، الملازم للجهاد، الموصوف بالنجدة، توفي سنة ٤٥١ هـ. انظر ترجمته في: ترتيب المدارك، لعياض: ٨/ ١١٤، والديباج المذهب، لابن فرحون، ص: ٢٧٤، وشجرة النور الزكية، لمخلوف: ١/ ١١١.
(٣) هو: أبو الوليد، محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد، القرطبي، القاضي، شيخ المالكية، من تصانيفه " المقدمات الممهدات "، و" البيان والتحصيل لما في المستخرجة من التوجيه والتعليل "، و" اختصار المبسوطة "، و" اختصار مشكل الآثار " للطحاوي، وغيرها، توفي سنة ٥٢٠ هـ. انظر ترجمته في: الديباج المذهب، لابن فرحون، ص: ٢٤٨، وشجرة النور الزكية، لمخلوف: ١/ ١٢٩، والصلة، لابن بشكوال: ٢/ ٥٧٦، والوفيات، لابن قنفذ، ص: ٢٧٠.
(٤) هو: أبو عبد الله، محمد بن علي بن عمر بن محمد، التميمي، المازَري، القيرواني، الفقيه المالكي، المعروف بالذكي، أحد الأئمة الأعلام، كان فاضلًا متقنًا، وكان أفقه المالكية في عصره، حتى عدّ في المذهب إمامًا، وصار الإمام لقبًا له، فلا يعرف بغير الإمام المازري، توفي سنة ٥٣٦ هـ، من مصنفاته: " المعلم بفوائد مسلم "، و" إيضاح المحصول في برهان الأصول "، و" نظم الفرائد في علم العقائد "، و" تعليق على المدونة "، و" شرح التلقين ". انظر ترجمته في: وفيات الأعيان، لابن خلكان: ٤/ ٢٨٥، والديباج المذهب، لابن فرحون: ١/ ١٤٧، وسير أعلام النبلاء، للذهبي: ٢٠/ ١٠٥، شجرة النور الزكية، لمخلوف: ١/ ١٢٧.
(٥) والمراد أن: (اختار) في كلام خليل يعني به اللخمي كقوله في باب إزالة النجاسة: " واختار إلحاق رجل الفقير "، وقوله: في باب الصلاة: " واختار في الأخير خلاف الأكثر ".

1 / 117

وخصّ ابن يونس بالترجيح؛ لأن أكثر اجتهاده في الميل مع بعض أقوال من سبقه، وما يختاره لنفسه قليل.
وخصّ ابن رشد بالظهور لاعتماده كثيرًا على ظاهر الروايات فيقول: يأتي على رواية كذا وكذا، وظاهر ما في سماع كذا وكذا (١).
وخصّ المازري بالقول؛ لأنه لما قويت عارضته في العلوم، وتصرّف فيها تصرف المجتهدين كان صاحب قول يعتمد عليه:
إذا قَالت حَذامِ فصدّقوها ... فإنّ القَوْلَ مَا قَالَتْ حَذامِ (٢)
ولا حجر فى اصطلاح ولا تسمية (٣).
توفي أبو الحسن اللخمي سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، وأبو بكر بن يونس سنة واحد وخمسين وأربعمائة، وأبو الوليد بن رشد سنة عشرين وخمسمائة، وأبو عبد الله المازري سنة ست وثلاثين وخمسمائة، وقد نيّف على الثمانين سنة.

(١) مما يوضح ذلك ما قاله ابن رشد في كتاب الوضوء الأول، من سماع أشهب وابن نافع، من رسم النذور والجنائز والذبائح: هاهنا في الخبز الذي عجن واللحم. . . وقال في رسم سلف من سماع ابن القاسم. . . وهو نحو ما في سماع يحيى من كتاب الصيد. . . وخلاف لما في سماع موسى بن معاوية. . . . وليس بخلاف لما في آخر السماع. . . والمسألة التي في آخر السماع. . . إلخ، وهذا في شرح سماع واحد. والأمر يطول على المتتبع له، فانظره إن شئت في البيان والتحصيل، وراجع ما سقناه عنه في نفس المصدر: ١/ ١٠٦.
(٢) البيت نسبه الزمخشري لدميس بن ظالم الأعصري، وقال ابن منظور: وأَنشد أَبو علي لوُشَيمِ بن طارقٍ، ويقال للُجَيمِ ابن صَعبٍ، وفي موضع آخر نسبه للجيم فقط، ونسبه السيوطي لزهير بن جَنَاب الكلبي، ونُسب أيضا لديسم بن طارق من شعراء الجاهلية، ونسب لعجل بن لجيم، وهو في تاج العروس للجيم. وهو من بحر الوافر، وحذام هي حذام بنت الريان، وهو من أمثال العرب المشهورة المستدل بها في اللغة، وله بدل صدقوها أنصتوها. انظر: لسان العرب، لابن منظور: ٢/ ٩٩، ٦/ ٣٠٦، المزهر، للسيوطي: ٢/ ٤٠٣.
(٣) انفرد المؤلف هنا من بين شراح المختصر ببيان السبب الذي لأجله خصّ المصنف هؤلاء الأربعة بتلك المصطلحات، وعنه نقلها الحطاب في شرحه.

1 / 118

وقد عرّف عياض (١) بالأوّلين في " المدارك " (٢) وبالآخرين في: " الغنية " (٣)؛ غير أنه لم يذكر وفاة ابن يونس؛ وإنما أفادنيها شيخنا العلاّمة أبو عبد الله القوري.
وَحَيْثُ قُلْتُ: (خِلافٌ) فَذَلِكَ لِلاخْتِلافِ فِي التَّشْهِيرِ، وحَيْثُ ذَكَرْتُ (قَوْلَيْنِ) أَوْ (أَقْوَالًا) فَذَلِكَ لِعَدَمِ اطِّلاعِي فِي الْفَرْعِ عَلَى أَرْجَحِيَّةٍ مَنْصُوصَةٍ.
فإن قلت: لم قال أولًا: (وَحَيْثُ قُلْتُ: خِلافٌ)؟ فعبّر بالقول، ورفع لفظَ خلاف، وقال ثانيًا: (وحَيْثُ ذَكَرْتُ قَوْلَيْنِ أَوْ أَقْوَالًا) فعبّر بالذكر، ونصب (قولين) و(أقوالًا)؟
قلت: لما كان ذكره الأقوال أعمّ من أن يتلفظ بها أو يقول مثلًا: وهل كذا أو كذا ثالثها كذا، ورابعها كذا، لم يصلح الرفع على الحكاية، ولا القول المناسب؛ لذلك فلو قال وحيث قلت أقوال؛ لخرح ما لم يتلفظ به بصيغة القول كثالثها رابعها، بخلاف (خلاف)؛ فإن حكايته بعد القول لا تُخْرِج معنىً يريد إدخاله.
فإن قلتَ: لا يطَّرد ذلك بهذا إلا في الأقوال لا القولين.
قلت: بل هو جارٍ في القولين أيضًا كقوله في باب الرهن: (وَرَجَعَ صَاحِبُهُ بِقِيمَتِهِ أَوْ بِمَا أَدَّى مِنْ ثَمَنِهِ، نُقِلَتْ عليهما). ولو لم يوجد له في القولين لقلنا: لمّا بيّن وجه اصطلاحه فيهما دفعة كانت التثنية تبعًا للجمع، قيل: وبحمل المستفتي على معين من الأقوال المستوية جرى العمل، وقد ذكر اللخمي في ذلك قولين في باب صلاة السفر فقال:

(١) هو: أبو الفضل، عِياض بن موسى بن عياض بن عمرون، اليَحْصُبِيّ، السَّبْتِيّ، القاضي، عالم المغرب، وإمام أهل الحديث في وقته. كان من أعلم الناس بكلام العرب وأنسابهم وأيامهم، فقيهًا محدثًا. توفي سنة ٥٤٤ هـ. من مصنفاته: " الشِّفَا بتعريف حقوق المُصْطَفَى "، وبه اشتهر، و" الإعلام بحدود قواعد الإسلام "، و" مشارق الأنوار على صحيح الآثار "، و" ترتيب المدارك وتقريب المسالك في ذكر فقهاء مذهب مالك "، و" إكمال المعلم شرح صحيح مسلم ". انظر ترجمته في: الديباج المذهب، لابن فرحون: ١/ ١٦٨، وسلوة الأنفاس، للكتاني: ١/ ١٦٢، وجذوة الاقتباس، لابن القاضي المكناسي: ٢/ ٤٩٨، والإعلام، للسملالي: ٩/ ٣١٩.
(٢) هو: كتاب " ترتيب المدارك وتقريب المسالك "، للقاضي عياض، جمع فيه أسماء أعيان المالكية وأعلامهم، وبين طبقاتهم وأزمانهم، وجمع فضائلهم وآثارهم، انظر: كشف الظنون، لحاجي خليفة: ١/ ٣٩٥.
(٣) كتاب الغنية، للقاضي عياض، وضعه في أسماء شيوخه الذين أخذ عنهم، بدأه بذكر من اسمه محمد، وبلغ عدد من ترجم لهم ثمانية وتسعين شيخًا. انظر: كشف الظنون، لحاجي خليفة: ٢/ ١٢١٣.

1 / 119