شرح زاد المستقنع

شرح زاد المستقنع

بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
[شرح زاد المستقنع]
لفضيلة الشيخ/ حمد بن عبد الله الحمد
كتاب الطهارة
كانت البداية في هذا الدرس المبارك يوم الأحد بعد صلاة المغرب الموافق ٨/١٠/١٤١٤هـ وكانت الدروس كل ليلة ما عدا ليلتيّ الجمعة والسبت*.
نسأل الله الإعانة على ما بدأنا به، كما نسأله التوفيق والسداد إنه ولي ذلك والقادر عليه ولا حول ولا قوة إلا بالله، وهو حسبنا ونعم الوكيل. والحمد لله.
كتبه: أبو حافظ عبد العزيز الغسلان غفر الله له.

* هذا في البداية لكن تغيّر هذا - كما ستلاحظه في تاريخ الدروس ووقتها - وهذا التغيير هو أنّ الدروس أصبحت كل ليلة سوى ليلتي الخميس والجمعة.
وهذا الدفتر الأول، ويشتمل على شيء من كتاب الطهارة
من أول الكتاب إلى:
(باب: المسح على الخفين)
الدرس الأول
(الأحد: ٨ / ١٠ / ١٤١٤ هـ)
المقدمة:
إن الحمدَ للهِ نحمَدُهُ وَنستَعينُهُ ونَتُوبُ إَلَيهِ، ونعوذُ باللهِ من شُرورِ أنفُسِنَا ومن سيئاتِ أعمالِنَا من يهدِهِ اللهُ، فلا مُضِلَّ لَه، وَمَن يُضلِلْ، فَلا هَادِيَ لَه.
وأشهدُ أَن لا إِلهَ إِلاَّ الله وحدهُ لا شريكَ له وأشهدُ أنَّ مُحمَّدًا عبدهُ ورسولُه.
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إَلا وَأَنتُم مُّسْلِمُون» آل عمران آية (١٠٢) .
«يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَّاحِدَةٍ وَّخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مَنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَّنِسَاءًا وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَام إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُم رقِيبَا» النساء آية (١) .

1 / 1

«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَولًا سَدِيدًا، يُصْلِح لَكُم أَعْمَالَكُم وَيَغْفِر لَكُمْ ذُنُوبَكُم وَمَن يُّطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا» الأحزاب آية (٧٠، ٧١) .
أما بعد:
فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ الله، وخير الهدي، هدي محمدٍ ﷺ، وشرَّ الأمورِ مُحدَثاتُهَا، وَكُلَّ مُحدثةٍ بِدْعَة، وكُلَّ بدعةٍ ضلالة، وَكُلَّ ضَلالَةٍ في النَّار.
هذه المجالس نتدارس فيها الفقه وهو من أعظم العلوم ومن أفضلها، فإن هذا العلم يتعرف به المسلم على كيفية عبادته لربه سبحانه، ويعبد الله على بصيرة من أمره. إذ العمل لا يتقبل مع الإخلاص إلاّ بأن يكون على السنة صوابًا فوجب على المسلم أن يعبد الله على بصيرة من أمره بالتفقه في دين الله تعالى، وبه يعرف المسلم ما أحله الله وما حرمه من البيوع والأنكحة وغير ذلك، وبه يتعلم الحدود والجنايات، ونحو ذلك من الأحكام الشرعية التكليفية التي كلف الله بها عباده وقننها لهم ﷾.
فعلم الفقه من أهم العلوم الشرعية فليس يفضل عنه إلا علم التوحيد الذي هو متعلق بالله ﷾ في أسمائه وصفاته ﷿.
وإن من الطرق التي يتدارس بها الفقه أن يتعلم من خلال أحد الكتب الفقهية المذهبية فإن ذلك من الطرق الصحيحة السليمة في تعلم الفقه، وليس المقصود من ذلك أن يتلقى ما فيها من صواب وخطأ. بل أن يتدارس وأن يتحاكم إلى كتاب الله وسنة نبيه ﵊ فيما وقع بين أهل العلم من الخلاف. فإن ما يذكره صاحب المؤلَّف الذي نتدارسه أو غيره من المؤلفين بالفقه ليس كله صوابًا، وليس كله مجمعًا عليه. بل قد وقع كثير من الخلاف بين أهل العلم.
إلا أن هذه الطريقة في التدارس وهي التلقي عن بعض الكتب الفقهية المذهبية أن هذا في الحقيقة فيه فوائد كثيرة: من ذلك:

1 / 2

ـ أنه أسهل ترتيبًا من التلقي عن طريق الكتب التي جمع فيها مؤلفها الأحاديث النبوية المشتملة على المسائل الشرعية، فإن هذا بلا شك أسهل ترتيبًا وأوضح. بل إن أصحاب الكتب المؤلفة الحديثية، كصاحب بلوغ المرام، والمنتقى من أخبار المصطفى وغير ذلك من الكتب إنما استفادوا ذلك الترتيب من هذه الكتب الفقهية.
ـ الأمر الثاني: أنه أبعد عن تشتت ذهن الطالب، فإنه من المعلوم أن الكتب التي جمعت الأحاديث النبوية في الأحكام ليست جامعة للأحكام كلها، إذ الأحكام الشرعية مستفادة من الأحاديث النبوية ومن غيرها؛ فإنها تستفاد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والإجماعات، والقياسات الصحيحة وأقوال الصحابة.
وكتب الحديث الفقهية إنما تجمع الأحاديث التي قالها النبي ﷺ في مسائل الأحكام التكليفية فلا شك أنه - حينئذ - يكون أبعد للتشتيت فإن الطالب عندما يقرأ الكتاب الفقهي يجد فيه جميع المسائل العلمية التي استفادها العلماء من القرآن والسنة والإجماع والقياس وغيرها من الأحكام الشرعية.
فيكون أبعد لأَنْ يتشتت ذهنه بأن تجمع له المسائل من مصادر أخرى، بل يجد هذه المسائل موجودة في الكتاب الذي يتدارسه.
فإن التدارس من الكتب الفقهية ليس منكرًا - كما ينكره بعض طلبة العلم - هذا أمر ليس بصحيح، بل تدارس ذلك من الطرق السليمة التي مازال يبينها أهل العلم، فإن شيخ الإسلام ابن تيمية وكذلك ابن القيم وغيرهم من أهل العلم قد تلقوا الفقه من مثل هذه الطريقة.
لكنهم لم يكتفوا - كما اكتفى كثير من الناس المقلدين، اكتفوا بها فتلقوا العلم من هذه الكتب ثم اكتفوا بذلك ولم يحرروا ولم يبحثوا عن الحق، بل اكتفوا بما فيها، فهذا أمر ليس بصحيح، وليس مشروعًا وهذا هو التقليد المذموم.

1 / 3

لكن كون المسلم يتعلم منها ويتفقه ويتفهم ثم يبحث عن الحق بدليله؛ فإن هذا أمر سائغ جائز، مازال عليه أهل العلم، والذّم إنما يقع في الصورة المتقدمة بأن يتلقى منها تلقي العلم مجردًا عن دليله، فيأخذ المسائل مقلدًا هؤلاء من غير أن يبحث عن الحق بدليله، بل لو عرض له الحق بدليله أباه ورفضه.
أو هو قادر على أن يجد الحق بدليله لكنه يعرض عن ذلك، ويكتفي بما تقدم.
بخلاف العاجز عن البحث والنظر فإنه يجوز له التقليد، فإن العاجز الذي لا نظر له في المسائل العلمية يسوغ له أن يقلد أحدًا من أهل العلم من غير أن يحدد ذلك بصاحب مذهب ولا غيره، بل كل أهل العلم يقلدون كما قال تعالى:
﴿فاسْأَلُوا أهلَ الذّكرِ إنْ كنتُم لا تعلَمُون﴾ (١) .
* قوله: «بسم الله الرحمن الرحيم»:
ومؤلف الكتاب هو شرف الدين أبو النجا موسى بن أحمد المقدسي، المتوفى سنة ٩٦٠هـ، وهو حنبلي المذهب، وله مؤلفات نافعة في المذهب الحنبلي منها هذا الكتاب (زاد المستقنع)، ومنها كذلك كتاب: (الإقناع) .
وقام بشرحهما البهوتي، المتوفى سنة ١٠٤٦هـ شرح (زاد المستقنع) بكتاب أسماه: (الروضُ المُرْبِع)، وشرح الإقناع بكتاب أسماه: (كشاف القناع عن متن الإقناع) .
وهما كتابان نافعان.
والمؤلف مشهور من مشايخ المذهب الحنبلي، وقد شرع المؤلف بالبسملة اقتداءً بالكتاب العزيز.

(١) سورة النحل (٤٣)

1 / 4

واقتداء بالنبي ﷺ في رسائله وكتبه فإنه كان يفتتحها بالبسملة، كما ثبت ذلك في الصحيحين من كتاب رسول الله ﵊ إلى هرقل عظيم الروم، فإنه كتب فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم: من مُحمَّد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم) (١)، فشرع النبي ﷺ بالبسملة فيه.
وقد قال تعالى عن ملكة سبأ: ﴿قالت يا أيها الملأُ إني أُلقي إلى كتاب كريم، إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم﴾ (٢) . فهي من سنن أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام.
وأما ما رواه الخطيب، والحافظ الرهاوي في أربعينه: أن النبي ﷺ قال: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع) (٣) فهذا الحديث فيه ابن الجندي، وهو متهم، فالحديث، ضعيف جدًا، لا يثبت عن النبي ﷺ.
(بسم الله) هنا الباء للاستعانة، و(اسم) مجرور بحرف الجر و(الله) مضاف إليه، مضاف إلى اسم، وهما متعلقان بمحذوف فعلي متأخر مناسب، تقديره هنا: (بسم الله أُؤَلِّف)، وعندما نتوضأ تقديره: (بسم الله أَتَوَضَّأ)، وعندما نقرأ تقديره: (بسم الله أقرأ)؛ فهو فعل متأخر عن الجار والمجرور يناسب المقام.
(بسم الله): أي أستعين بالله في قراءتي وأستعين به في وضوئي، وأتبرك بالبداءة باسمه ﷾ في تأليفي وفي وضوئي أو في قراءتي ونحو ذلك.

(١) أخرجه البخاري: في كتاب بدء الوحي، رقم ٧، وأخرجه كذلك برقم ٥١، ٢٦٨١، ٢٨٠٤، ٢٩٤٠، ٢٩٧٨، ٣١٧٤، ٤٥٥٣، ٥٩٨٠، ٦٢٦٠، ٧١٩٦. وأخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير باب كتاب النبي ﷺ إلى هرقل (١٧٧٣) .
(٢) سورة النمل (٣٠) .
(٣) قال في الإرواء [١ / ٢٩] رقم (١): " ضعيف جدًا، وقد رواه السبكي في طبقات الشافعية الكبرى (١ / ٦) " وقال: " وهذا سند ضعيف جدًا آفته ابن عمران هذا، ويعرف بابن الجندي ".

1 / 5

و(الله): هو العَلَم الأعظم لله ﷿؛ فهو اسم الله ﷾ الذي هو عَلَم من أعلامِهِ.
وأصله من الإله: وهو المعبود، وهو يطلق على المعبود سواء كانت عبادته حقًا أو كانت باطلًا، كما قال تعالى: ﴿أنه لا إله إلا أنا﴾ (١)، وقوله ﴿واتخذوا من دونه آلهة﴾ (٢): فهي آلهة لكنها باطلة. لذا يقال: لا إله إلا الله أي لا معبود بحق إلا الله ﷾.
فإذًا (الله): مشتق من الإله: وهو المعبود، والله هو الاسم الأعظم لله، وهو علمٌ له.
(الرحمن): أيضا اسم من أسمائه وتعالى متضمن لصفته الرحمة التي هي صفة من صفاته تعالى.
و(الرحيم) كذلك اسم من أسمائه متضمن لصفة الرحمة أيضا إلا أن الرحمة في الرحمن صفة متعلقة بذاته سبحانه، أي ذو الرحمة الواسعة الشاملة.
وأما الرحيم فهي صفة متعلقة بفعله سبحانه: أي ذو الرحمة الواصلة أي إلى من يشاء من خلقه سبحانه.
والرحمن: نظرًا إلى صفتة الذاتية.
والرحيم: نظرًا إلى صفته ﷾ الفعلية.
* قوله: «الحمد لله حمدًا لا ينفد» .
هنا شرع المؤلف بالحمد لما ورد في سنن أبي داود وابن ماجه أن النبي ﵊ قال: (كل أمر ذي بال لا يبدأ بالحمد لله فهو أقطع) (٣) أي ذاهب البركة، فلا بركة فيه.
وهذا الحديث رواه الحفاظ عن الزهري مرسلًا.

(١) سورة النحل (٢)، سورة الأنبياء (٢٥) .
(٢) سورة الفرقان (٣) .
(٣) أخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب الهدي في الكلام (٤٨٤٠) بلفظ: (كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم)، أخرجه ابن ماجه في كتاب النكاح باب خطبة النكاح (١٨٩٤) " حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن يحيى ومحمد بن خلف العسقلاني قالوا: حدثنا عبيد الله بن موسى عن الأوزاعي عن قرة عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد أقطع ".

1 / 6

ورواه قرة بن عبد الرحمن وهو ضعيف، رواه عنه موصولًا بذكر أبي هريرة، والصواب ترجيح رواية من أرسله، فهم الحفاظ ولذلك قال الدارقطني: " فالحديث الصواب أنه مرسل " وعليه فالحديث ضعيف.
وقد كان النبي ﷺ يفتتح كلامه بالحمد والثناء على الله.
وكذلك اقتداء بالكتاب العزيز، فإن فيه ﴿بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين﴾ . فالحمد يشرع للمسلم أن يفتتح كلامه به.
أما هذا الحديث الوارد فهو حديث ضعيف مرسل لا يثبت عن النبي ﷺ، وقد حسنه بعض العلماء كالنووي، وابن الصلاح وغيرهما.
والصواب أنه ضعيف مرسل من مراسيل الزهري وهي من ضعاف المراسيل.
والحمد: هو ذكر محاسن المحمود محبة له وإجلالًا.
" ذكر محاسن المحمود " أي فضائله، خيراته، ما عنده من الصفات الحميدة والأفعال الطيبة، هذا كله يسمى حمدًا.
" محبة وإجلالًا ": فليس مقابل النعمة فحسب، بخلاف الشكر، فإن الشكر أخص منه من هذه الحيثية، فإنه إنما يكون - أي الشكر - مقابل النعمة، أما الحمد فإنه سواء كان من هذا المحمود نعمة قد أسديت إليك أو لم يكن منه ذلك، فإنك تحمد فلانًا على شجاعته وقوله الحق وصلاحه ونحو ذلك، وإن كان هذا كله لا يصل إليك منه شيء.
وكذلك إن أسدى إليك معروفًا فكذلك يسمَّى حمدًا.
أما الشكر فهو أخص منه، فالشكر: لا يكون إلا مقابل النعمة، والله ﷿ يحمد على كل حال، ولا يحمد على كل حال سواه ﷾.

1 / 7

وقد ثبت في سنن ابن ماجه بإسناد صحيح أن النبي ﷺ: (كان إذا رأى ما يحب قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإذا رأى ما يكره قال: الحمد لله على كل حال) (١) .
إذًا الحمد: هو ذكر محاسن المحمود سواء كان مقابل النعمة أو لم يكن مقابلها.
فالله يحمد على كل صفاته سواء التي يصل إلينا منها شيء من النعم، أو كانت الصفات اللازمة منه سبحانه كحياته سبحانه.
فالله يحمد على حياته، ويحمد على غيرها من صفاته سواء كانت الصفات اللازمة أو الصفات المتعدية.
إذن: الحمد هو ذكر محاسن المحمود تحية له وإجلالًا.
(حمدًا لا ينفد): أي نفس الحمد لا ينفد. أما قول الحامد فإنه سينفد بنفاده وموته، فإنه ينقطع حمده لكن هذه المحاسن وهذه الفضائل، هذه الصفات التي يتصف الله بها لا تنفد، فهي صفات لا تنفد، فالله ﷿ لا يزال متصفًا بصفات الكمال ولن يزال على ذلك.
كما أنه سبحانه لا يزال محمودًا من خلقه: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده﴾ (٢) أما من حيث الأفراد فإن من مات منهم أو شغل بأمر من الأمور فإن حمده يقف وينقطع.
لكن الله ﷿ لا يزال محمودًا من خلقه من حيث العموم.
كما أنه سبحانه لا يزال متصفًا بصفات الحمد.
(لا ينفد): أي لا ينقطع.
* قوله: «أفضل ما ينبغي أن يحمد» .
فهو أهل الثناء والمجد - سبحانه - ولا يحصى الثناء عليه، فيثنى عليه سبحانه بما ينبغي له سبحانه.

(١) أخرجه ابن ماجه في كتاب الأدب، باب فضل الحامدين (٣٨٠٣) قال: " حدثنا هشام بن خالد الأزرق أبو مروان حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا زهير بن محمد عن منصور بن عبد الرحمن عن أمه صفية بنت شيبة عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا رأى ما يحب قال: (الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإذا رأى ما يكره قال: (الحمد لله على كل حال) .
(٢) سورة الإسراء ٤٤.

1 / 8

* قوله: «وصلى الله وسلم على أفضل المصطفين محمد» .
(صلى الله): أي أثنى.
فالصلاة من الله ﷿ هي الثناء؛ كما قال ذلك أبو العالية.
وقيل: هي الرحمة، وهو ضعيف.
والصواب أن الصلاة من الله هي الثناء؛ لأن الله ﷿ قد عطف أحدهُما على الآخر.
﴿عليهم صلوات من ربهم ورحمة﴾ (١) فدل على أنهما متغايران إذ الأصل في التعاطف هو التغاير؛ كما أن الرحمة عامة، وأما الصلاة فهي خاصة فناسب ألا تفسر الصلاة بها.
إذن الصلاة من الله ﷿ هي الثناء فعندما تقول: " اللهم صل على محمد " أي بمعنى: اللهم اثن على محمد واثن عليه عند ملئك المقربين.
وعندما يدعو الإنسان بالصلاة؛ فالمراد من ذلك أنه يدعو له بأن يثني الله ﷿ عليه.
إذن الصلاة من الله هي: الثناء.
(وسلم): السلام من السلامة؛ وهي البراءة من النقائص والعيوب والآفات: أي يدعو الله بأن يسلمه من كل نقص وعيب لا يليق به - أي الآدمي، ومن كل آفة. فإذن النبي ﷺ مجمع له بين الصلاة والسلام.
الصلاة: بأن يثني الله عليه وهذا جلب خير.
والسلام: أن يدعي الله بأن يسلم عليه: أي يلقي عليه السلامة من الآفات والعيوب فهذا دفع ضر، فيجتمع له بين جلب الخير ودفع الضر.
* (على أفضل المصطفين): المصطفين: جمع مصطفى وهو المختار من الصفوة: وهي خلاصة الشيء. فالمصطفون هم المختارون من الله سبحانه، الذين اختارهم الله على خلقه؛ لأنهم خلاصة خلقه.

(١) البقرة ١٥٧.

1 / 9

وهم الأنبياء والرسل، وهو ﵊ أفضل هؤلاء، فهو أفضل رسل الله عليهم صلاة الله وسلامه جميعًا. ويدخل في ذلك أولو العزم، كإبراهيم ﵇ وموسى وعيسى ﵈، وغيرهم من أنبياء الله فكلهم مفضولون بالنسبة إلى النبي ﷺ فهو سيدهم وأفضلهم، فهو سيد البشر ولا فخر؛ كما صح ذلك عنه في الحديث المتفق عليه (١) .
* قوله: «وعلى آله وصحبه ومن تبعهم» .
(آله): من آل يؤول إذا رجع.
وقيل بمعنى أهل وهو ضعيف، ضعّفه ابن القيم في كتابه في الصلاة [على] النبي ﷺ من عدة أوجه، ليس هذا موضع ذكرها.
فـ: (آله): أصلها من آل يؤول، إذا رجع. فآل الرجل: هم الراجعون إليه المضافون إليه المنتسبون إليه. هم آل الرجل.
وآل النبي ﷺ لهم إطلاقان:
١ـ إطلاق خاص، ٢ـ إطلاق عام.
* أما الإطلاق الخاص: فهم قرابته وزوجاته.
فزوجاته وذريته وسائر قرابته هم آله، وقد قال ﷺ كما في الصحيحين: (أما علمت أن آل محمد لا تحل لهم الصدقة) (٢): فالمراد من (آل محمد): هم أقاربه من بني هاشم، وذريته ﵊ من فاطمة ﵂ وزوجاته على قول قاله بعض أهل العلم تقدم البحث فيه.

(١) قال رسول الله ﷺ: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ...) أخرجه مسلم في كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي ﷺ (٢٢٧٨)، وفي لفظ: (أنا سيد الناس يوم القيامة) برقم (١٩٤) . وأخرجه البخاري (٤٧١٢)، (٣٣٤٠) .
(٢) أخرجه البخاري بلفظ (أما علمت أن آل محمد لا يأكلون الصدقة) في كتاب الزكاة، باب أخذ صدقة التمر عند صرام النخل، وأخرجه أيضًا في مواضع أخرى دون ذكر (الآل)، وأخرجه مسلم كذلك (١٠٦٩) .

1 / 10