شرح رياض الصالحين

شرح رياض الصالحين

Editorial

دار الوطن للنشر

Año de publicación

1426 AH

Ubicación del editor

الرياض

بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلي الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إي يوم الدين وسلم تسلينًا كثيرًا.
أما بعد:
فإن هذا الكتاب يحتوي على تعليقات نافعه لفضيلة شيخنا محمد بن صالح العثيمين ﵀ تعالي - لجمل كبيرة من الأحاديث الواردة في كتاب: «رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين» للإمام النووي ﵀ تعالي ـ.
وقد جاءت تلك التعليقات ضمن أحاديث شيخنا اليومية ﵀ تعالي - بعد صلاة العصر في الجامع الكبير بعنيزه. وتكررت طباعتها منذ الطبعة الأولي عام ١٤١٥هـ التي اعتني بها فضيلة الأستاذ الدكتور عبد الله ابن محمد بن أحمد الطيار جزاه الله خيرا.
وإنفاذًا للقواعد والضوابط والتوجيهات التي قررها وعهد بها إلي اللجنة العلمية فضيلة شيخنا ﵀ تعالي - لإخراج مؤلفاته، تم - ولله الحمد - إعداد هذا الكتاب للنشر ومراجعة محتواه العلمي على أصوله المسموعة المسجلة.
نسأل الله تعالي أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، نافعًا لعباده، وان يجزي فضيلة شيخنا محمد بن صالح العثيمين عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، ويضاعف له المثوبة والأجر، إنه سميع قريب.
وصلي الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلي يوم الدين.
اللجنة العلمية
في مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
١٥/٩/١٤٢٤هـ

Página desconocida

مقدمة الإمام النووي ﵀
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الواحد القهار، العزيز الغفار، مكور الليل على النهار، تذكرة لأولى القلوب والأبصار وتبصرة لذوي الألباب والاعتبار، الذي أيقظ من خلقه من اصطفه فزهدهم في هذه الدار، وشغلهم بمراقبة وإدامة الأفكار، وملازمة الاتعاظ والأذكار، ووفقهم للدؤوب في طاعته والتأهب لدار القرار ن والحذر مما يسخطه ويوجب دار البوار، والمحافظة على ذلك مع تغاير الأحوال والأطوار.
احمده أبلغ حمد وأزكاه، وأشمله وأنماه.
وأشهد أن لا إله إلا الله البر الكريم، الرؤوف الرحيم، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وحبيبه وخليليه، الهدي إلي صراط مستقيم، والداعي إلي دين قويم ن صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر النبيين، وآل كل وسائر الصالحين.
أما بعد:
فقد قال الله تعالي: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ) (الذريات: ٥٦/٥٧) وهذا تصريح بأنهم خلقوا للعبادة، فحق عليهم الاعتناء بما خلقوا له، والإعراض عن حظوظ الدنيا بالزهادة؛ فإنها دار نفاد لا محل إخلاد، ومركب عبور لا منزل حبور، ومشرع انفصام لا موطن دوام.

1 / 7

فلهذا كان الأيقاظ من أهلها هم العباد، وأعقل الناس فيها هم الزهاد؛ قال الله تعالي: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (يونس: ٢٤) والآيات في هذا المعني كثيرة.
إن لله عبادًا فطنا ... طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا
نظروا فيها فلما علموا ... أنها ليست لحي وطنا
جعلوها لجة واتخذوا ... صالح الأعمال فيها سفنا
فإذا كان حالها ما وصفته، وحالنا ما خلقنا له، ما قدمته؛ فحق على المكلف أن يذهب بنفه مذهب الأخيار، ويسلك مسلك أولى النهي والأبصار، ويتأهب لما اشر ت إليه، ويهتم بما نبهت عليه.
وأصوب طريق له في ذلك، وأرشد ما يسلكه السالكين: التأدب بما صح عن نبينا سيد الأولين والآخرين، وأكرم السابقين اللاحقين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر النبيين، وقد فال الله تعالي:) وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) (المائدة: من الآية٢) وقد صح عن رسول الله صلي الله عليه وسلم أنه قال: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه وأنه قال: «من

1 / 8

دل على خير، فله مثل أجر فاعله» وأنه قال: «من دعا إلي هدي كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقصه ذلك من أجورهم شيئًا) وأنه قال لعلي ﵁: «فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدا خير لك من حمر النعم» .
فرأيت أن أجمع مختصرًا من الأحاديث الصحيحة، مشتملًا على ما يكون طريقًا لصاحبه إلي الآخره، ومحصلًا لآدابه الباطنة والظاهرة، جامعًا للترغيب والترهيب وسائر أنواع آداب السالكين: من أحاديث الزهد، ورياضات النفوس، وتهذيب الأخلاق، وطهارات القلوب وعلاجها، وصيانة الجوارح وإزالة اعوجاجها، وغير ذلك من مقاصد العارفين.
وألتزم فيه أن لا أذكر حديثًا صحيحًا من الواضحات، مضافًا إلي الكتب الصحيحة المشهورات، وأصدر الأبواب من القرآن العزيز بآيات كريمات، وأوشح ما يحتاج إلي ضبط أو شرح معني خفي بنفائس من التنبهات.

1 / 9

وإذا قلت في آخر حديث: «متفق عليه» فمعناه: رواه البخاري ومسلم.
وأرجو إن تم هذا الكتاب أن يكون سائقًا للمعتني به إلي الخيرات، حاجزًا له عن أنواع القبائح والمهلكات.
وأنا سائل أخًا انتفع بشيء منه أن يدعو لي، ولوالدي، ومشايخي، وسائر أحبابنا، والمسلمين أجمعين، وعلى الله الكريم اعتمادي، وإليه تفويضي واستنادي، وحسبي الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.

1 / 10

مقدمة الشارح
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا؛ من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، واشهد أن لا إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (آل عمران: ١٠٢) (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (النساء: ١» يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا) (ايُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) (الأحزاب ٧٠/٧١) .
أما بعد:
فإن اصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلي الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
فهذه الخطبة الطويلة المفيدة «لكتاب رياض الصالحين» الذي ألفه الشيخ الحافظ النووي ﵀ وهو كتاب جيد ولم يسبق لنا قراءته.
ورأيت أن نبدأ فيه ونسأل الله تعالي أن نتمه على خير؛ لأنه كتاب نافع للقلوب، وللأعمال الظاهرة والمتعلقة بالجوارح؛ لذلك ينبغي أن يعتني

1 / 11

بهذا الكتاب.
وقد طلب ﵀ ممن انتفع به أن يدعو له ولوالديه ولسائر المسلمين؛ فنسأل الله أن يغفر له ولوالديه ولسائر المسلمين، وأن يجمعنا وإياه وإخواننا المؤمنين في دار كرامته؛ إنه جواد كريم، وأسال الله أن يوفقنا لاتمامه، وأن ينفعنا بهن وأن يغفر لمؤلفه وأن يجزيه عن الإسلام والمسلمين خيرًا، والله الموفق.
الشارح
محمد بن صالح العثيمين

1 / 12

١- باب الإخلاص وإحضار النية في جميع الأعمال والأقوال البارزة والخفية
قال الله تعالي: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) (البينة: ٥) وقال تعالي:) لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ) (الحج: من الآية٣٧) وقال تعالي (قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ) (آل عمران: من الآية٢٩) .
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ﵀ تعالي: «باب الإخلاص وإحضار النية، في جميع الأعمال والأقوال البارز والخفية»:
«النية» محلها القلب، ولا محل لها في اللسان في جميع الأعمال؛ ولهذا كان من نطق بالنية عند إرادة الصلاة، أو الصوم، أو الحج، أو الوضوء، أو غير ذلك من الأعمال كان مبتدعًا قائلًا في دين الله ما ليس منه؛ لأن النبي صلي الله عليه وسم كان يتوضأ، ويصلي ويتصدق، ويصوم ويحج، ولم يكن ينطق بتالنية، فلم يكن يقول: اللهم إني نويت أن أتوضأ، اللهم إني نويت أن أصلي، اللهم إني نويت أن أتصدق، اللهم إني نويت أن أحج، لم يكن يقول هذا؛ وذلك لأن النية محلها القلب، والله ﷿ يعلم ما في القلب، ولا يخفي عليه شيء؛ كما قال الله تعالي في الآية التي ساقها المؤلف: (قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ

1 / 13

تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ) (آل عمران: الآية٢٩) .
ويجب علي الإنسان أن يخلص النية لله سبحانه وتعالي في جميع عباداته، وأن لا ينوى بعباداته إلا وجه الله والدار الآخرة.
وهذا هو الذي أمر الله به في قوله: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ)، أي مخلصين له العمل، (وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) وينبغي أن يستحضر النية، أي: نية الإخلاص في جميع العبادات.
فينوى مثلًا الوضوء، وأنه توضأ لله، وأنه توضأ أمثالًا لأمر الله.
فهذه ثلاثة أشياء:
نية العبادة.
ونية أن تكون لله.
ونية أنه قام بها امتثالًا لأمر الله.
فهذا أكمل شيء في النية.
كذلك في الصلاة: تنوي أولًا: الصلاة، وأنها الظهر، أو العصر، أو المغرب، أو العشاء ن أو الفجر، أو ما أشبه ذلك، وتنوي ثانيًا: أنك إنما تصلي لله ﷿ لا لغيره، لا تصلي رياء ولا سمعة، ولا لتمدح على صلاتك، ولا لتنال شيئًا من المال أو الدنيا، ثالثًا: تستحضر أنك تصلي امتثالًا لأمر ربك حيث قال: (أَقِمِ الصَّلاة) (ْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) إلي غير ذلك من الأوامر.
وذكر المؤلف ﵀ عدة آيات كلها تدل على أن النية محلها

1 / 14

القلب، وأن الله - سبحانه وتعالي - عالم بنية العبد، ربما يعمل العبد عملًا يظهر أمام الناس أنه عمل صالح، وهو عمل فاسد أفسدته النية، لأن الله - تعالي - يعلم ما في القلب، ولا يجازى الإنسان يوم القيامة إلا على ما في قلبه، لقول الله تعالي:) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ) (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ) (فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ) (الطارق: ٨-١٠) يعني: يوم تختبر السرائر - القلوب - كقوله:) أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ) (وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ) (العاديات: ٩-١٠) .
ففي الآخرة: يكون الثواب والعقاب، والعمل والاعتبار بما في القلب.
أما في الدنيا: فالعبرة بما ظهر، فيعامل الناس بظواهر أحوالهم، ولكن هذه الظواهر: إن وافقت ما في البواطن، صلح ظاهره وباطنهن وسريرته وعلانيته، وإن خالفت وصار القلب منطويًا على نية فاسد، نعوذ بالله - فبما أعظم خسارته !! يعمل ويتعب ولكن لا حظ له في هذا العمل؛ كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «قال الله تعالي: أنا أغني الشركاء عن الشرك من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه» .
فالله الله!! أيها الاخوة بإخلاص النية لله سبحانه وتعالي!!
واعلم: أن الشيطان قد يأتيك عند إرادة عمل الخير، فيقول لك: إنك

1 / 15