Comentario sobre El Sendero de la Elocuencia
شرح نهج البلاغة
Editor
محمد عبد الكريم النمري
Editorial
دار الكتب العلمية
Edición
الأولى
Año de publicación
1418 AH
Ubicación del editor
بيروت
الجزء الأول | الحمد لله [ الواحد العدل ] الحمد لله الذي تفرد بالكمال ، فكل كامل كامل سواه منقوص ، واستوعب عموم المحامد والممادح ، فكل ذي عموم عداه مخصوص ، الذي وزع منفسات نعمه بين من يشاء من خلقه ، واقتضت حكمته أن نافس الحاذق في حذقه فاحتسب به عليه من رزقه وزوى الدنيا عن القفضلاء فلم يأخذها الشريف بشرفه ، ولا السابق بسبقه ، وقدم المفضول على الأفضل لمصلحة اقتضاها التكليف ، واختص الأفضل من جلائل المآثر ونفائس المفاخر بما يعظم عن التشبيه ، ويجل عن التكييف ، وصلى على رسوله محمد ، الذي المكنى عنه شعاعه من شمسه ، وغصن من غرسه ، وقوة من قوى نفسه ، ومنسوب إليه نسبة الغد إلى يومه واليوم إلى أمسه ، فما هما إلا سابق ولاحق وقائد وسائق وساكت وناطق ، ومجل ومضل ، سبقا لمحة البارق ، وأنارا سدفه الغاسق ، صلى الله عليهما ما استخلب خبير ، وتناوح جراء وثبير . وبعد ، فإن مراسم المولى الوزير الأعظم ، الصاحب ، الصدر الكبير المعظم العالم العادل المظفر المنصور المجاهد ، المرابط ، مؤيد الدين عضد الإسلام ، سيد وزراء الشرق والغرب ، أبي طالب محمد بن أحمد بن محمد العلقمي ن نصير أمير المؤمنين _ أسبغ الله عليه من ملابس النعم أضفاها ، وأحله من مراقب السعادة ومراتب السيادة أشرفها وأعلاها _ أيما شرقت عبد دولته ، وربيب نعمته بالاهتمام بشرح ' نهج البلاغة ' على صاحبه أفضل الصلوات ، ولذكره أطيب التحيات - بادر إلى ذلك من بعثه من قبل عزم ثم حمله أمر جزم ، وشرع فيه بادي الرأي شروع مختصر ، وعلى ذكر الغريب والمعنى مقتصر ، ثم تعقب الفكر ، فرأى أن هذه النغبة لا تشفى أواما ، ولا تزيد الحاتم إلا حياما ، فتنكب ذلك المسلك ، ورفض ذلك المنهج ، وبسط القول في شرحه بسطا اشتمل على الغريب والمعاني وعلم البيان ، وما عساه يشتبه ويشكل من الإعراب والتصريف ، وأورد في كل موضع ما يطابقه من النظائر والأشباه ، نثرا ونظما ، وذكر ما يتضمنه من السير والوقائع والأخحداث فصلا فصلا وأشسار إلى ما ينطوي عليه من دقائق علم التوحيد والعدل إشارة خفيفة ، ولوح إلى ما يستدعي الشرح ذكره من الأنساب والأمثال والنكت تلويحات لطيفة ، ورضعه من المواعظ الزهدية ، والزواجزالدينية ، والحكم النفسية ، والآداب الخلقية ، المناسبة لفقره ، والمشاكلة لدرره ، والمنتظمة مع معانيه في سمط ، والمنسقة مع جواهره في لط ، بما يهزأ بشنوف النضار ، ويحجل مع الروض غب القطار وأوضح ما يومئ إليه من المسائل الفقهية ، وبرهن على أن كثيرا من فصوله داخل في باب المعجزات المحمدية ، لاشتمالهاغ على الأخبار الغيبية ، وخروجها عن وسع الطبيعة البشرية . وبين من مقامات العارفين ، التي يرمز إليهخا في كلامه ما لا يعقله إلا العالمون ، ولا يدركه إلا الروحانيون المقربون ، وكشف عن مقاصده عليه السلام في لفظة يرسلها ، ومعضلة يكنى بها ، وغامضة يعرض بها . وخفايا يجمجم بذكرها ، وهنات تجيش في صدره فينفث بها نفثه المصدور ، ومرمضات مؤلمات يشكوها فيستريح بشكواها استراحة المكروب . فخرج هذا الكتاب كتابا كاملا في فنه ، واحدا بين أبناء جنسه ، ممتعا بمحاسنه ، جليلة فوائده ، شريفة مفاصده ، عظيما شأنه ، عاليبة منزلته ومكانه ، ولا عجب أن يتقرب بسيد الكتب إلى سيد الملوك ن ، وبجامع الفضائل إلى جامع المناقب ، وبواحد العصر إلى أوحد الدهر ، فالأشياء بأمثالها أليق ، وإلى أشكالها أقرب ، وشبه الشئ منجذب ، ونحوه دان ومقترب . | ولم يشرح هذا الكتاب قبلي - فيما أعلمه - إلا واحد ، وهو سعيد بن هبة الله بن الحسن الفقيه المعروف بالقطب الراوندي ، وكان من فقهاء الإمامية ، ولم يكن من رجال هذا الكتاب ، لاقتصاره مدة عمره على الاشتغال بعلم الفقه وحده ، وأنى للفقيه أن يشرح هذه الفنون التنوعة ، ويخوض في هذه العلوم المتشعبة لا جرم أن شرحه لا يخفى حاله عن الذكي ، وجرى الوادي فطم على القرى ، وقد تعرضت في هذا الشرح لمناقضته في مواضع يسيرة اقتضت الحال ذكرها وأعرضت عن كثير مما قاله ، إذ لم أر في ذكره ونقضه كبير فائدة . وأنا قبل أن أشرع في الشرح أذكر أقوال أصحابنا رحمهم الله في الإمامة والتفضيل والبغاة والخوارج ، ومنبع ذلك بذكر نسب أمير المنؤمنين عليه السلام ، ولمع بسيرة من فضائله ، ثم أثلث بذكر نسب الرضي أبي الحسن محمد بن الحسين الموسوي رحمه الله ، وبعض خصائصه ومناقبه ، ثم أشرع في شرح خطبة ' نهج البلاغة ' التي هي من كلام الرضي أبي الحسن رحمه الله ، فإذا انتهيت من ذلك كله في شرح كلام أمير المؤمنين عليه السلام شيئا فشيئا . | ومن الله سبحانه أستمد المعونة ، وأستدر أسباب العصمة ، وأستميح عمائم الرحمة ، وأمتري أخلاف البركة ، وأشيم بارق النماء والزيادة ، فما المرجو إلا فضله ، ولا المأمون إلا طوله ، ولا الوثوق إلا برحمته ، ولا السكون إلا إلى رأفته ، ^ ( ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير * ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم ) ^ | |
Página 10
القول فيما يذهب إليه أصحابنا المعتزلة في الإمامة والتفضيل والبغاة
والخوارج
Página 11
اتفق شيوخنا كافة رحمهم الله ، المتقدمون منهم والمتأخرون ، والبصريون والبغداديون على أن بيعتة أبي بكر الاصدبق بيعة صحيحة شرعية ، وأنها لم تكن عن نص ن وإنما كانت بالاختيار الذي ثبت بالإجماع ، وبغير الإجماع كونه طريقا إلى الإمامة . | واختلفوا في التفضيل ، فقال قدماء البصريين كأبي عثمان عمرو بن عبيد ، وأبي إسحاق إبراهيم بن سيار النظام ، وأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ، وأبي معن ثمامة بن أشرس ، وأبي محمد هشام بن عمرو والفوطي ، وأبي يعقوب يوسف بن عبد الله السحام ، وجماعة غيرهم ، إن أبا بكر أفضل من علي عليه السلام ، وهؤلاء يجعلون ترتيب الأربعة في الفضل كترتيبهم في الخلافة . | وقال البغداديون قاطبة ، قدماؤهم ومتأخروهم ، كأب يسهل بشر بن المعتمر ، وأبي موسى عيسى بن صبيح ، وأبي عبد الله جعفر بن مبشر ، وأبي جعفر الإسكافي ، وأبي الحسين الخياط ، وأبي القاسم عبد الله بن محمود البلخي وتلامذته . إن عليا عليه السلام أفضل من أبي بكر . | وأبي هذا المذهب ذهب من البصريين أبو علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي أخيرا ، وكان من قبل من المتوقفين ، كان يميل إلى التفضيل ولا يصرح به ، وإذا صنف ذهب إلى الوقف في مصنفاته ، وقال في كثير من تصنيفاته ، إن صح خبر الطائر فعلي ذهب إلى الوقف في مصنفاته ، وقال في كثير من تصانيفه ، إن صح خبر الطائر فعلي أفضل ، ثم إن قاضي القضاة رحمه الله ذذذكر في شرح ' المقالات ' لأبي القاسم البلخي أن أبا علي رحمه الله ما مات حتى قال بتفضيل عليه اعليه السلام ، وقال : إنه نقل ذلك عنه سماعا ، ولم يوجد في شيء من مصنفاته ، وقال أيضا : إن أبا علي رحمه الله يوم مات استدنى ابنه أبا هاشم إليه ، وكان قد ضعف عن رفع الصوت ، فألقى إليه أشياء من جملتها القول بتفضيل علي عليه السلام . | وممن ذهخب من البصريين إلى تفضيله عليه السلام أبو عبد الله الحسين ابن علي البصري رضي الله عنه ، كان متحققا بتفضيله ، ومبالغا في ذلك ، وصنف فيه كتابا مفردا . | وممن ذهب إلى تفضيله عليه السلام من البصريين قاضي القضاة أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد رحمه الله ، وذكر ابن متويه عنه في كتاب الكفاية في علم الكلام أنه كان من المتوقفين بين علي عليه السلام وأبي بكر ، ثم قطع على تفضيل عليه عليه السلام بكامل المنزلة . ومن البصريين الذاهبين إلى تفضيله عليه السلام أبو محمد الحسن بن متويه صاحب ' التذكرة ' نص في كتاب الكفاية على تفضيله عليه السلام على أبي بكر ، واحتج لذك وأطال في الاحتجاج . | فهذان المذهبان كما عرفت . | وذهب كثير من الشيوخ رحمهم الله إلى التوقف فيها ، وهو قول أبي حذيفة واصل ابن عطاء ، وأبي الهذيل محمد بن الهذيل العلاف ، من المتقدمين ، وهما وإن ذهبا إلى التوقف بينه عليه السلام وبين أبي بكر وعمر قاطعان على تفضيله على عثمان . | ومن الذاهبين إلى الوقف الشيخ أبو هاشم عبد السلام بن أبي علي رحمهما الله والشيخ أبو الحسين محمد بن علي بن الطيب البصري رحمه الله . | وإما نحن فنذهب إلى ما يذهب إليه شيوخنا البغداديون ، من تفضيله عليه السلام وقد ذكرنا في كتبنا الكلامية ما معنى الأفضل ، وهل المراد به الأكثر ثوابا أو الأجمع لمزايا الفضل والخلال الحميدة ، وبينا أنه عليه السلام أفضل على التفسيرين معا ، وليس هذا الكتاب موضوعا لذكر الحجاج في ذلك أو في غيره من المباحث الكلامية لتذكره ، ولهذا موضع هو أملك به . | وأما القول في البغاة عليه والخوارج ، فهو على ما أذكره لك . أما أصحاب الجمل فهم عند أصحابنا هالكون كلهم إلا عائشةى وطلحة والزبير رحمهم الله فإنهم تابوا ، ولولا لحكم لهم بالنار لإصرارهم على البغي . | وأما عسكر الشام بصفين فإنهم هالكونت كلهم عند أصحابنا لا يحكم لأحد منهم إلا بالنار لإصرارهم على البغي وموتهم عليه رؤساؤهم والاتباع جميعا . | وأما الخوارج فإنهم مرقوا عن الدين بالخبر النبوي المجمع عليه ، ولا يختلف أصحابنا في أنهم من أهل النار | وجملة الأمر أن أصحابنا يحكمونه بالنار لكل فاسق مات على فسقه ، ولا ريب في أن الباغي على الإمام الحق والخارج عليه بشبهة أو بغير فاسق ، وليس هذا مما يخصون به عليا عليه السلام ، فلو خرج قوم من المسلمين على غيره من أئمة الإسلام العدول لكان حكمهم من خرج على علي صلوات الله عليه . وقد برئ كثير من أصحابنا من قوم من الصحابة أحبطوا ثوابهم ، كالمغيرة بن شعبة وكان شيخنا أبو القاسم البلخي إذا ذكر عنده عبد الله بن الزبير ، يقول : لا خير فيه ، وقال مرة : لا يعجبني صلاته وصومه ، وليسا بنافعين له مع قول رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام : ' لا يبغضك إلا منافق ' وقال أبو عبد الله البصري رحمه الله لما سئل عنه : ما صح عندي أنه تاب من يوم الجمل ، ولكنه استكثر مما كان عليه . | فهذه هي المذاهب والأقوال ، أما الاستدلال عليها فهو مذكور في الكتب الموضوعة لهذا الفن . | |
Página 13
القول في نسب أمير المؤمنين علي عليه السلام وذكر لمع بسيرة من فضائله
. | هو أبو الحسن علي بن أبي طالب ، واسمه عبد مناف - ابن عبد المطلب . واسشمه شيبة - ابن هاشم - واسمه عمرو - بن عبد مناف بن قصي . الغالب عليه من الكنية عليه السلام أبو الحسن . وكان ابنه الحسن عليه السلام يدعوه في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله أبا الحسين ، ويدعوه الحسين عليه السلام أبا الحسن ، ويدعوان رسول الله صلى الله عليه وآله أباهما ، فلما توفي النبي صلى الله عليه وآله دعواه بأبيهما . | وكناه رسول الله صلى الله عليه وآله أبا تراب ، وجده نائما في تراب ، قد سقط عنه رداؤه ، وأصاب التراب جسده ، فجاء حتى جلس عند رأسه ، وأيقظه ، وجعل يمسح التراب عليه ، وكان يفرح إذا دعي بها ، وكانت ترغب بنو أمية خطباءها أن يسبو بها على المنابر ، وجعلوها نقيصة له ووصمة عليه ، فكأنما كسوة بها الحلي والحلل ، كما قال الحسن البصري رحمه اللله . | وكان اسمه الأول الذيس سمته به أمه حيدرة ، باسم أبيها أسد بن هاشم ، والحيدرةالأسد - فغير أبوه اسمه ، وسماه عليا . | وقيل : إن حيدرة اسم كانت قريش تسميه به ن والقول الأول أصح ، يدل عليه خبره يوم برز إليه مرحب ، وارتجز عليه فقال :
أنا الذي سمتني أمي مرحبا
فأجابه عليه السلام رجزا :
Página 14
أنا الذي سمتني أمي حبدرة
ورجزهما معا مشهور منقول لا حاجة لنا الآن إلى ذكره . | وتزعم الشيعة أنه خوطب في حياة الرسول صلى الله عليه وآله بأمير المؤمنين خاطبة بذلك جلة المهاجرين والأنصار ولم يثبت ذلك في أخبار المحدثين ، إلا أنهم قد رووا ما يعطي هذا المعنى ، وإن لم يكن اللفظ بعينه ، وهو قول رسول الله صلى الله عليه وآله له : ' أنت يعسوب ' الدين الدين والمال يعسوب الظلمة ، وفي رواية أخري ' هذا يعسوب ' المؤمنين ، وقائد الغر المحجلين ، واليعسوب ، ذكر النحل وأميرها ، روى هاتين الروايتين أبو عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني في المسند في كتابه فضائل الصحابة ، ورواهما أبو نعيم الحافظ في حلية الأولياء . | ودعي بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله بوصي رسول الله ، لوصضايته إليه بما أراده ، وأصحابنا لا ينكرون ذلك ، إنها لم تكن وصية بالخلافة ، بل بكثير من المتجددات بعده ، أفضى بها إليه عليه السلام ، وسنذكر طردا من هذا المعنى فيما بعد . | وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصي أول هاشمية ولدت لهاشمي ، كان علي السلام أصغر بنيها ، وجعفر أسن منه بعشر سنين ، وفاطمة بنت أسد أمهم جميعا . | وأم فاطمة بنت أسد فاطمة بنت هرم من رواحة بن حجر بن عبد بن معيص ابن عامر بن لوي ، وأمها حدية بنت وهب بن ثعلبة بن وائلة بن عمرو بن معيص بن عامر بن لوي وأمها سلمى بنت عامر بن ربيعة بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر . وأمها عاتكة بنت أبي همهمة ، واسمه عمرو بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي وأمها حبيبة ، وهي أمة الله بنت عبد يا ليل بن سالم بن مالك بن خطيط بن جشم بن قسي ، وهو ثقيف ، وأمها فلانة بنت مخزوم بن أسامة بن ضبع بن وائلة بن نصر بن صعصعة بن ثعلبة بن كنانة بن عمرو بن قين بن فهم بن عمرو بن قيس بن عيلان بن مضر . وأمها ريطة بنت يسار بين مالك بن خطيط بن جشم بن ثقيف وأمها كلة بنت حصين بن سعد بن بكر بن هوازن وأمها حبي بنت الحارث بن النابغفة بن عميرة بن عوف بن نصر بن بكر بن هوازن ، ذكر هذا النسب أبو الفجر علي بن الحسي الأصفهاني في كتاب ' مقاتل الطالبيين ' | أسلمت فاطمة بنت أسد بعد عشرة من المسلمين ، وكانت الحاتدية عشرة ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يكرمها ويعظمها ويدعوها : ' أمي ' وأوصت إليه حين حضرتهاغ الوفاة ، فقبل وصيتها ، وصلى عليها ، ونزل في لحدها ، واضطجع معها فيه بعد أن ألبسها قميصه ، فقال له أصحابه : إنا ما رأيناك صنعت يا رسول الله بأحد ما صنعت بها ، فقال : ' إنه لم يكن أحد بعد أبي طالب أبر بي منها ، وإنما ألبستها قميصي لتكسى من حلل الجنة ن واضطجعت معها ليهون عليها ضغطة القبر ' . | فاطمة أول امرأة بايعت رسول الله صلى الله عليه وآله من النساء . | وأم أبي طالب بن عبد المطلب فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم ، وهي أم عبد الله ، والد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله , وأم الزبير بن عبد المطلب وسائر ولد عبد المطلب بعد لأمهات شتى . | واحتلف في مولد علي عليه السلام اين كان ؟ فكثير من الشيعة يزعمون أنه ولد في الكعبة ، والمحدثون لا يعترفون بذلك ، | ويزعمون أن المولود في الكعبة حكيم بن حزام خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي . واختلف في سنة حين أظهر النبي صلى الله عليه وآله الدعوة ، إذ تكامل له صلوات الله عليه أربعون سنة ، فالأشهر من الروايات أنه كان ابن عشر ، وكثير من أصحابنا المتكلمين يقولون : إنه كان ابن ثلاث عشرة سنة ، ذكر ذلك شيخنا أبو القاسم البلخي وغيره من شيوخنا . والأولون يوقولن : إنه قتل وهو ابن ثلاث وستين سنة ، وهؤلاء يقولون : ابن ست وستين ، والروايات في ذلك مختلفة ، ومن الناس من يزعن أن سنة كانت دون العشر ، والأكثر الأظهر خلاف ذلك . | وذكر أحمد بن يحيى البلاذري وعلي بن الحجسين الأصفهاني أن قريشا أصابتها أزمة وقحط ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لعميه ، حمزة والعباس : ' الا نحمل ثقل أبي طالب في هذا المحل ' فجاؤوا إليه وسألوه أن يدفع إليهم ولده ليكفوه أمرهم ، فقال : دعوا لي يعقيلا وخذوا من شئتم ، وكان شديد الحب لعقيل فأخذ العباس طالبا ، وأخذ حمزة جعفرا ، وأخذ محمد صلى الله عليه وآله عليا ، وقال لهم : قد اخترت من اختار الله لي عليكم عليا ' قالوا : فكان علي عليه السلام في حجر رسول الله عليه وآله ، منذ كان عمره ست سنين . | وكان ما يسدي إليه صلوالت الله عليه من إحسانه وشفقته وبره وحسن تربيته ، كالمكافأة والمعاوضة لصنيع أبي طالب به ، حيث مات عبد المطلب وجعله في حجره وهذا يطابق قوله عليه السلام : لقد عبدت الله قبل أن يعبده أحد من هذه الأمة سبع سنين وقوله : كنت أسمع الصوت وأبصر الضوء سنين سبعا ، ورسول الله صلى الله عليه وآله حينئذ صامت ما أذن في الإنذار والتبليغ ، وذلك لأنه إذا كان عمره يوم إظهار الدعوة ثلاث عشرة سنة ، وتسليمه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله من أبيه وهو ابن ست ، فقد صح أنه كان يعبد الله قبل الناس بأجمعهم سبع سنين ، وابن ست تصح من العبادة إذا كان ذا تمييز ، على أن عبادة مثله هي التعظيم والإجلال ، وخشوع القلب ، واستخداء الجوارح إذا شاهد شيئا من جلال الله سبحانه وآياته الباهرة ، ومثل هذا موجود في الصبيان . | وقتل عليه السلام ليلة الجمعة لثلاث عشرة بقين من شهر رمضان ، سنة أربعين في رواية أبي عبد الرحمن السلمي وهي الرواية المشهورة ، وفي رواية أبي مخنف أنها كانت لإحدى عشرة ليلة بقين من شهر رمضان ، وعليه الشيعة في زماننا . | والقول الأول أثبت عند المحدثين ، والليلة السابعة عشرة من شهر رمضان هي ليلة بدر ، وقد كانت الروايات وردت أنه يقتل في ليلة بدر ، عليه السلام ن وقبره بالغرى . | وما يدعيه أصحاب الحديث من الاختلاف في قبره ، وأنه حمل إلى المدينة ، أو أنه دفن في رحبة الجامع ، أو عند باب قصر الإمارة ، أو ند البعير الذي حمل عليه فأخذته الأعراب ، باطل كله ، لا حقيقة له ، وأولاده أعرف بقبره وأولاد كل الناس أعرف بقبور آبائهم من الأجانب ، وهذا القبر الذي زاره بنوه لما قدموا العراق ، منهم جعفر بن محمد عليه وغيره من أكابرهم وأعيانهم . | وروى أبو الفرج في مقاتل الطالبيين بإسناد ذكره هناك أن الحسين عليه السلام لما سئل : أين دفنتم أمير المؤمنين ؟ فقال : خرجنا به ليلا من منزلة بالكوفة ، حتى مررنا به على مسجد الأشعث ، حتى انتهينا به إلى الظهر بجنب الغري . | وسنذكر خبر مقتله عليه السلام فيما بعد . | فأما فضائلة عليه السلام ن فإنها قد بلغت من العظم والجلالة والانتشار والاشتهار مبلغا يسمح معه التعرض لذكرها ، والتصدي لتفصيلها ، فصارت كممما أبو العيناء لعبيد الله بن يحيى بن خاقانت وزير المتوكل والمعتمد : رأيتني فيما أتعاطى من وصف فضلك ، كالمخبر عن ضوء النهار الباهر ، والقمر الزاهر ن الذي لا يخفى على الناظر ، فأيقنت أني حيث انتهى بي القول منسوب إلى العجز ، مقصر عن الغاية ، فانصرفت عن الشاء عليك إلى الدعاء لك ، وتوكلت الإخبار عنك إلى علم الناس بك . | وأما أقول في رجل أقر له أعداؤه وخصومه بالفضل ، ولم يمكنهم جحد مناقبه ، ولا كتمان فضائله ، فقد علمت أنه استولى بنو أمية على سلطان الإسلام في شرق الأرض وغربها ، واجتهدوا بكل حيلة في إطفاء نوره ، والتحريض عليه ، ووضع المعايب والمثالب له ، ولعنوه على جميع المنابر ، وتوعدوا مادحيه ، بل حبسوهم وقتلوهم ، ومنعوا من رواية حديث يتضمن له فضيلة ، أو يبرفع له ذكرا ، حتى حظروا أن يسمىأحد باسمه ، فما زاده ذلك إلا رفعه وسموا ، وكان كالمسك كلما سترانتشر عرفه ، وكلما كتم تضوع نشره ، وكالشمس لا تستر بالراح ، وكضوء النهار إن حجبت عند عين واحدة ، أدركته عيون كثيرة ، | وما أقول في رجل تعزى إلأيه كل فضيلة ، وتنتهي إليه كل فرقة ، وتتجاذبه كل طائفة ، فهو رئيس الفضائل وينبوعها وأبو عذرها ، وسابق مضمارها ، ومجلي حلبتها ، كل من برع فيها بعده فمنه أخذ ، وله اقتفى ، وعلى مثاله احتذى . | وقد عرفت أنه أشرف العلوم هو العلم الإلهي ن لأن شرف العلم بشرف المعلوم ومعلومه أشرف الموجودات ، فكان هو أشرف العلوم ، ومن كلامه عليه السلام اقتبس وعنه نقل ، وإليه انتهى ، ومنه ابتدأ ، فإن المعتزلة - الذين هم أهل التوحيد والعدل ، وأرباب النظر ومنهم تعلم الناس هذا الفن ، تلامذته وأصحابه ، لأن كبيرهم واصل بن عطاء تلميذ أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية ، وأبو هاشم تلميذ أبيه ، وأبوه تلميذه عليه السلام وأما الأشعرية فإنهم ينتمون إلى أبي الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر الأشعري وهو تلميذ أبي علي الجبائي ، وأب علي أحد مشايخ المعتزلة ، فالأشعرية ينتهون بآخرهن إلى استاذ المعتزلة ومعلمهم ، وهو علي بن أبي طالب عليه السلام . وأما الإمامية والزيدية فانتماؤهم إليه ظاهر . | ومن العلوم علم الفقه وهو عليه السلام أصله وأساسه ، وكل فقيه في الإسلام فه عيال عليه ، ومستفيد من فقهه ، أما أصحاب أبي حنيفة كأبي يوسف ومحمد وغيرهما فأحذوا عن أبي حنيفة ، وأما الشافعي فقرأ على محمد بن الحسن ، فيرجع فققه أيضا إلى أبي حنيفة ، وأما أحمد بن حنبل فقرأ على الشافعي ، فيرجع فقهه أيضا إلى أبي حنيفة ، وأبو حنيفة قرأ على جعفر بن محمد عليه السلام ، وقرأ جعفر على أبيه عليه السلام ، وينتهي الأمر إلى علي عليه السلام ، وأما مالك بن أنس فقرأ على ربيعة الرأي ، وقرأ ربيعة ، على عكرمة ، وقرأ عكرمة على عبد الله بن عباس ، وقرأ عبد الله بن عباس على علي بن أبي طالب ، وإن شئت فرددت إليه فقه الشافعي بقراءته على مالك كان لك ذلك ، فهؤلاء الفقهاء الأربعة . | وأما فقه الشيعة فرجوعه إليه ظاهر ن وأيضا فإن فقهاء الصحابة كانوا : عمر بن الخطاب ، وعبد الله بن عباس ، وكلاهما أخذ عن علي عليه السلام ، أما ابن عباس فظاهر وأما عمر فقد عر كل أحد رجوعه إليه في كثير من المسائل التي أشكلت عليه وعلى غيره من الصحابة ، وقوله غير مرة ، ' لولا علي لهلك عمر ' وقوله ' لات بقيت لمعضلة ليس لها أبو الحسن ' وقوله ' لا يفتين أحد في المسجد وعلي حاضر ' فقد عرف بهذا الوجه أيضا انتهاء الفقه إليه . | وقد روت العامة والخاصة قوله صلى الله عليه وآله : ' أقضاكم علي ' والقضاء هو الفقه ، فهو إذا أفقههم وروى الكل أيضا أنه عليه السلام قال له وقد بعثه إلى اليمن قاضيا ' اللهم اهد قلبه وثبت لسانه ' قال : فما شككت بعدها في قضاء بين اثنين ، وهو عليه السلام الذي أفتى في المرأة التي وضعت لستة أشهر ، وهو الذي أفتى في الحامل الزانية ، وهو الذي قال في المنبرية ' صار ثمنها تسعا ، وهذه المسألة لو فكر الفرضي فيها فكرا طويلا لاستحسن منه بعد طول النظر هذا الجواب ، فما ظنك بمن قاله بديهة ، واقتضبه ارتجالا | ومن العلوم علم تفسير القرآن ، وعنه أخذ ، ومنه فرع ، وإذت رجعت إلى كتب التفسير علمت صحة ذلك لأن أكثره عنه وعن عبد الله بن عباس وقد علم الناس حال ابن عباس في ملازمته له ، وانقطاعه إليه وأنه تلميذه وخريجه ، وقيلف له : أين علمك من علم ابن عمك ؟ فقال : كسبه قطرة من المطر إلى البحر المحيط . ومن العلوم علم الطريقة والحقيقة وأحوال التصوف ، وقد عرفت أن أرباب هذا الفن في جميع بلاد الإسلام إليه ينتهون ، وعنده يقفون ، وقد صرح بذلك الشبلي ، والجنيد وسري ، وأبو يزيد البسطامي ، وأبو محفوظ معروف الكرخي ، وغيرهم . ويكفيك دلالة على ذلك الخرقة التي هي شعارهم إلى اليوم ، وكونهم يسندونها بإسناد متصل إليه عليه السلام . | ومن العلوم علم النحو والعربية ، وقد علم الناس كافة أنه هو الذي ابتدعه وأنشأه وأملى على أبي الأسود الدؤلي جوامعه وأصوله ، من جملتها : الكلام كله ثلاثة أشياء : اسم وفعل وحرف ، ومن جملتها تقسيم الكلمة إلى معرفة ونكرة ، وتقسيم وجوه الإعراب إلى الرفع والنصب والجر والجزم ، وهذا بكاد يلحق بالمعجزات ، لأن القوة البشرية لا تفي بهذا الحصر ، ولا تنهض بهذا الاستنباط . وإن رجعت إلى الخصائص الخلفية والفضائل النفسانية والدينية وجدته ابن جلاها وطلاع ثناياها . | وأما الشجاعة فإنه أنسى الناس فيها ذكر من كان قبله ، ومحا اسم من يأتي بعده ، ومقاماته في الحرب مشهورة يضرب بها الأمثال إبى يوم القيامة وهو الشجاع الذي ما فر قط ، ولا ارتاع من كتيبة ، ولا بارز أحدا إلى قتله ، ولا ضرب ضربة قط فاحتاجت الأولى إلى ثانية ، وفي الحديث : ' كانت ضرباته وترا ' ولما دعا معاوية إلى المبارزة ليستريح الناس من الحرب بقتل أحدهما ، قال لهن عمرو : لقد أنصفك ، فقال معاوية : ما غششتني منذ نصحتني إلا اليوم ، أتأمرني بمبارزة أبي الحسن وأنت تعلم أنه الشجاع المطرق أراك طمعت في إمارة الشام بعدي ، وكانت العرب نفتخر بوقوفها في الحرب في مقابلته ، فأما قتلاه فافتخار رهطهم بأنه عليه السلام قتلهم أظهر وأكثر قالت أخت عمرو ابن عبد ود ترثيه : |
لو كان قاتل عمرو غير قاتله
بكيته أبدا ما دمت في الأبد
Página 19
لكن قاتله من لا نظير له
وكان يدعى أبوه بيضة البلد
وانتبه يوما معاوية ، فرأى عبد الله بن الزبير جالسا تحت رجليه على سريره فقعد ، فقال له عبد الله يداعبه ، يا أمير المؤمنين للو شئت أن أفتك بل لفعلت ، فقال : لقد شجعت بعدنا يا أبا بكر قال : وما الذي تنكره من شجاعتي وقد وقفت في الصف إزاء علي بن أبي طالب قال : لا حرم ، إنه قتلك وأباك بيسرى يديه ، وبقيت اليمنى فارغة ، يطلب من يقتله بها . وجملة الأمر أن كل شجاع في الدنيا إليه ينتهي ، وباسمه ينادي في مشارق الأرض ومغاربها . | وأما القوة والأيد فيه يضرب المثل فيهما ، قال ابن قتيبة في المعارف : ما صارع أحدا قط إلا صرعه ، وهو الذي قلع باب خيبر ، واجتمع عليه عصبة من الناس ليقلبوه فلم يقلبوه ، وهو الذي اقتلع هبل من أعلى الكعبة وكان عظيما جدا ، وألقاه إلى الأرض ، وهو الذي اقتلع الصخرة العظيمة في أيام خلافته عليه السلام بيده بعد عجز الجيش كله عنها ، وأنبط الماء من تحتها . | وأما السحاء والجود فحاله فيه ظاهرة ، وكان يصوم ويطوي ويؤثر بزاده ، وفيه أنزل : ^ ( ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا * إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا ) ^ وروى المفسرون أنه لم يكن يملك إلا أربعة دراهم ، فتصدق بدرهم ليلا وبدرهم نهارا ، وبدرهم سرا وبدرهم علانية ، فأنزل فيه : ^ ( الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية ) ^ | وروى عنه أنه كان يسقي بيده لنخل قوم من يهود المدينة ، حتى مجلت يده ، ويتصدق بالأجرة ، ويشد على بطنه حجرا . | وقال الشعبي وقد ذكره عليه السلام : كان أسخى الناس ، كان على الخلق الذي يحبه الله : السخاء والجود ، ما قال لا لسائل قط . | وقال عدوه ومبغضه الذي يجتهد في وصمه وعيبه معاوية بن أبي سفيان لمحفن بن أبي محفن الضبي لما قال له : جئتك من عند أبخل الناس ، فقال : ويحك كيف تقول إنه أبخل الناس ، لو ملك بيتا من تبر وبيتا من تبن لأنفذ ببره قبل تبنه . | وأما الحلم والصفح فكان أحلم الناس عن ذنب ، وأصفحهم عن مسئ ، وقد ظهر صحة ما قلناه يوم الجمل ، حيث ظفر بمروان بن الحكم ، وكان أعدى الناس له ، وأشدهم بغضا ، فصفح عنه . وكان عبد الله بن الزبير يشتمه على رؤوس الأشهاد ، وخطب يوم البصرة فقال : قد أتاكم الوغد اللئيم علي بن أبي طالب ، وكان علي عليه السلام يقول : ما زال الزبير رجلا منا أهل البيت حتى شب عبد الله ، فظفر به يوم الجمل ، فأخذه أسيرا ، فصفح عنه ، وقال فلا أرينك ، لم يزده على ذلك . | وظفر بسعيد بن العاص بعد وقعة الجمل بمكة ، وكان له عدوا ، فأعرض عنه ولم يقل له شيئا . | وقد علمتم ما كان من عائشة في أمره ، فلما ظفر بها أكرمها ، وبعث معها إلى المدينة عشرين امرأة من نساء عبد القيس عممهن بالعمائم وقلدهم بالسيوف ، فلما كانت الطريق ذكرته بما لا يجوز أن يذكر به ، وتأففت وقالت : هتك ستري برجاله وجنده الذين وكلهم بي ، فلما وصلت المدينة ألقى النساء عمائمهن ، وقلن لها : إنما نحن نسوة . | وحاربه أهل البصرة ، وضربوا وجهه ووجوه أولاده بالسيوف ، وشتموه ةولعنوه ، فلما ظفر رفع السيف عنهم ، ونادى مناديه في أقطار العسكر ، ألا لا يتبع مول ، ولا يجهز على جريح ، ولا يقتل مستأسر ، ومن ألقى سلاحه فهو آمن ، ومن تحيز إلى عسكر الإمام فهو آمن ، ولم يأخذ أثقالهم ، ولا سبى ذراريهم ولا غنم شيئا من أموالهم ، ولو شاء أن يفعل كل ذلك لفعل ، ولكنه أبى إلا الصفح والعفو ، وتقيل سنة رسول الله صلى الله عليه وآله يوم فتح مكة ، فإنه عفا والأحقاد لم تبرد ، والإساءة لم تنس . | ولما ملك عسكر نعاوية عليه الماء ، وأحاطوا بشريعة الفرات ، وقالت رؤساء الشام له : اقتلهم بالعطش كما قتلوا عثمان عطشا ، سألهم علي عليه السلام وأصحابه أن يشرعوا لهم شرب الماء ، فقالوا لا والله ، ولا قطرة حتى تموت ظمأ كما مات ابن عفان ، فلما رأى عليه السلام أنه الموت لا محالة تقدم بأصحابه ، وحمل على عساكر معاوية حملات كثيفة ، حتى أزالهم عن مراكزهم بعد قتل ذريع ، سقطت منه الرؤوس والأيدى وملكوا عليهم الماء ، وصار أصحاب معاوية في الفلاة ، لا ماء لهم ، فقال له أصحابه وشيعته . امنعهم الماء يا أمير المؤمنين كما منعوك ، ولا تسقهم منه قطرة ، واقتلهم بسيوف العطش وخذهم قبضا بالأيدي فلا حاجة لك إلى الحرب ، فقال : لا والله لا أكافئهم بمثل فعلهم أفسحوا لهم عن بعض الشريعة ، ففي حد السيف ما يغني عن ذلك ، فهذه إن نسبتها إلى الحلم والصفح فناهيك بها جمالا وحسنا ، وإن نسبتها إلى الدين والورع فأخلق بمثلها أن تصدر عن مثله عليه السلام . | وأما الجهاد في سبيل الله فمعلوم عند صديقه وعدوه أنه سيد المجاهدين ، وهل الجهاد لأحد من الناس إلا له . وقد عرفت أنه أعظم غزاة غزاها رسول الله عليه وآله ، وأشدها نكاية فيالمشركين بدر الكبرى ، قتل فيها سبعون من المشركين ، قتل علي نصفهم ، وقتل المسلمون والملائكة النصف الآخر وإذا رجعت إلى مغلزيس محمد بن عمر الواقدي وتاريخ الأشراف لأحمد بن يحيى بن جابر البلاذري وغيرهما علمت صحة ذلك ، دع من قتله في غيرها كأحد والخندق وغيرهما ، وهذا الفصل لا معنى للإطناب فيه ، لأنه من المعلومات الضرورية ، كالعلم بوجود مكة ومصر ونحوهما . | وأما الفصاحة فهو عليه السلام إمام الفصحاء وسيد البلغاء ، وفي كلامه قيل : دون كلام الخالق ، وفوق كلام المخلوقين ، ومنه تعلم الناس الخطابة والكتابة ، قال عبد الحميد بن يحيى : حفظت سبعين خطبة من خطب الأصلع ، ففاضت ثم فاضت ، وقال ابن نباتة : حفظت من الخطابة كنزا لا يزيده إلا سعة وكثرة ، حفظت مائة فصل منمواعظ علي بن أبي طالب . | ولما قال محفن بن أبي محفن لمعاوية : جئتك من عند أعيا الناس ، قال له : ويحك كيف يكون أعيا الناس فوالله ما سن الفصاحة لقريش غيره ، ويكفي هذا الكتاب الذي نحن شارحوه دلالة علىأنه لا يجارى في الفصاحة ، ولا يبارى في البلاغة ، وحسبك أنه لم يدون لأحد من فصحاء الصحابة العشر ولا نصف العشر مما دون له ، وكفاك في هذا الباب ما يوله أبوو عثمان الجاحظ في كتاب البيان والتبيين وفي غيره من كتبه . | وأما سجاحة الأخلاق ، وبشر الوجه ، وطلاقة المحيا والتبسم ، فهو المضروب به المثل فيهع ، حتى عابه أعداؤه ، قال عمرو بن العاص لأهل الشام : إنه ذو دعابة شديدة ، وقال علي عليه السلام في ذاك : عجبا لابن النابغة يزعم لأهل الشام أن في دعابة ، وأني امرؤ تلعابة ، أعافس وأمارس ، وعمرو بن العاص إنما أخذها عن عمر بن الخطاب لقوله له لما عزم على استخلافه : لله أبوك لولا دعابة فيك إلا أن عمر اقتصر عليها ، وعمرو زاد فيها وسمجها . | قال صعصعة بن صوحان وغيره من شيعته وأصحابه : كان فينا كأحدنا ، لين الجانب ، وشدة تواضع ، وسهولة قياد ، وكنا نهابه مهابة الأسير المربوط للسياف الواقف على رأسه . وقال معاوية لقيس بن سعد : رحم الله أبا الحسن ، فلقد كان هشا بشا ، ذا فكاهة . قال قيس : نعم ، كان رسول الله صلى الله عليه وآله يمزح ويبتسم إلى أصحابه ، وأراك تسر حسوا في ارتغاء ، وتعيبه بذلك ، أما والله لقد كان مع تلك الفكاهة والطلاقة أهيب من ذي لبدتين قد مسه الطوى ، تلك هيبة التقوى ، وليس كما يهابك طغام أهل الشام . | وقد بقي هذا الخلق متوارثا متناقلا في محبيه وأوليائه إلى الآن ، كما بقي الجفاء والخشونة والوعورة في الجانب الآخر ، ومن له أدنى معرفة بأخلاق الناس وعوائدهم يعرف ذلك . | وأما الزهد في الدنيا فهو سيد الزهاد ، وبد الأبدال ، وإليه تشد الرحال وعنده تنفض الأحلاس ، ما شبع من طعام قط . وكان أخشن الناس مأكلا وملبسا ، قال عبد الله بن رافع : دخلت عليه يوم عيد ، فقدم جرابا مختوما ، فوجدنا فيه خبز شعير يابسا مرضوضا ، فقدم فأكل ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، فكيف تختمه ؟ قال : خفت هذين الوليدن أن يلتاه بسمن أو زيت . | وكان ثوبه مرقوعا بجلد تارة وليف أخرى ، ونعلاه من ليف ، وكان يلبس الكرباس الغليظ ، فإذا وجد كمه طويلا قطعه بشفرة ، ولم يخطه ، فكان لا يزال متساقطا على ذراعيه حتى يبقى سدى لا لحمه له . وكان يأتدم إذا اتئدم بخل أو بملح ، فإن ترقى عن ذلك فبعض نبات الأرض ، فإن ارتفع عن ذلك فبقليل من ألبان الإبل ، ولا يأكل اللحم إلا قليلا ، ويقول لا تجعلوا بطونكم مقابر الحيوان ، وكان مع أشد الناس قوة وأعظمهم أيدا ، لا ينقص الجوع قوته ، ولا يخون الإقلاق منته ، وهو الذي طلق الدنيا ، وكانت الأموال تجبى إليه من جميع بلاد الإسلام إلا من الشام ، فكان يفرقها ويمزقها . ثم يقول :
Página 23
هذا جناي وخياره فيه
إذ كل جان يده إلى فيه
وأما العبادة فكان أعبد الناس وأكثرهم صلاة وصوما ، ومنه تعلم الناس صلاة الليل ، وملازمة الأوراد وقيام النافلة ، وما ظنك برجل يبلغ من محافظته على ورده أن يبسط له نطع بين الصفين ليلة الهرير ، فيصلي عليه ورده ، والسهام تقع بين يديه وتمر على صماخيه يمينا وشمالا ، فلا يرتاع لذلك ، ولا يوقم حتى يفرغ من وظيفته وما ظنك برجل كانت جبهته كثفنه البعير لطول سجوده . | وأنت إذا تأملت دعواته ومناجاته ، ووقفت على ما فيها من تعظيم الله سبحانه وإجلاله ، وما يتضمنه من الخضوع لهيبته ، والخشوع لغزته واستخذاء له ، عرفت ما ينطوي عليه من الإخلاص ، وفهمت من أي قلب خرجت ، وعلى أي لسان جرت . وقيل لعلي بن الحسين عليه السلام ، وكان الغاية في العبادة : أين عبادتك من عبادة جدك ؟ قال : عبادتي عند عبادة جدي كعبادة جدي عند عبادة رسول الله صلى الله عليه وآله . | وأما قراءته القرآن واشتغاله به فهو المنظور إليه في هذا الباب ، اتفق الكل على أنه كان يحفظ القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله ، ولم يكن غيره يحفظه ، ثم هو | أول من جمعوا ، نقلوا كلهم أنه تأخر عن بيعة أبي بكر ن فأهل الحديث لا يقولون ما تقوله الشيعة من أنه تأخ مخالفة للبيعة ، بل يقولون : تشاغل بجمع القرآن ، فهذا يدل على أنه أول من جميع القرآن لأنه لو كان مجموعا في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله لما احتاج إلى أن يتشاغل بجمعه بعد وفاته صلى الله عليه وسلم وآله . وإذا رجعت إلى كتب القراءات وجدت أئمة القراء كلهم يرجعون إليه ، كأبي عمرو بن العلاء وعاصم ابن أبي النجود وغيرهما ، لأنهم يرجعون إلى أبي عبد الرحمن السلمي القارئ ، وأبو عبد الرحمن كان تلميذه ، وعنه أخذ القرآن ، فقد صار هذا الفن من الفنون التي تنتهي إليه أيضا ، مثل كثب مما سبق . | وأما الرأي والتدبر فكان من أس الناس رأيا ، وأصحهم تدبيرا ، وهو الذي أشار على عمر بن الخطاب لما عزم أن يتوجه بنفسه إلى حرب الروم والفرس بما أشار ، وهو الذي أشار على عثمان المأمور كان صلاحه فيها ، ولو قبلها لم يحدث عليه ما حدث ، وإنما قال أعداؤه : لا رأي له ، لأنه كان متقيدا بالشريعة لا يرى خلافها ، ولا يعمل بما يقتضي الدين تحريمه ، وقد قال عليه السلام : لولا الدين والتقى لكنت أدهى العرب وغيره من الخلفاء كان يعمل بنقتضى ما يستصلحه ويستوقفه ، سواء أكان مطابقا للشرع أم لم يمن ، ولا ريب أن من يعمل بما يؤدي إليه من اجتهاده ، ولا يقف مع ضوابظ وقيود يمتنع لأجلها مما يرى الصلاح فيه ، تكون أحواله الدنيوية إلى الانتظام أقرب ، ومن كان بخلاف ذلك تكون أحواله الدنيوية إلى الانتثار أقرب . | وأما السياسة فإنه كان شديد السياسة ، خشنا في ذات الله ، لم يراقب ابن عمه في عمل كان ولاه إياه ، ولا راقب أخاه عقيلا في كلام جبهه به . وأحرق قوما بالنار ونقض دار مصقلة بن هبيرة ودار جرير بن عبد الله البجلي ، وقطع جماعة وصلب آخرين . | ومن جملة سياسته في حروبه أيام خلافته بالجمل وصفين والنهروان ، وفي أقل القليل منها مقنع ، فإن كل سائس في الدنيا لم يبلغ فتكه وبطشه وانتقامه مبلغ العشر مما فعل عليه السلام في هذه الحروب بيده وأعوانه . | فهذه هي خصائص البشر ومزاياهم قد أوضحنا أنه فيها الإمام المتبع فعله ، والرئيس المقتفي أثره . | وما أقول في رجل تحبه أهل الذمة على تكذيبهم بالنبوة ، وتعظمه الفلاسفة على معاندتهم لأهل الملة ، وتصور ملوك الفرنج والروم في بيعها وبيوت عباداتها ، حاملا سيفه ، مشمرا لحربه ، وتصور ملوطك الترك والديلم صورته على سيأفها كان علة سيف عضد الدلو بن بويه وسيف أبيه ركن الدولة صورته ، وكان على سيف إلب أرسلان وابنه ملكشاه صورته ، كأنهم يتفاءلون به النصر والظفر . | وما أقول في رجل أحب كل واح أن يتكثر به ، وود كل أحد أن يتجمل ويتحسن بالانتساب إليه ، حتى الفتوة التي أحسن ما قيل في حدها ألا تستحسن من نفسك ما تستقبحه من غيرك ن فإن أربابها نسبوا أنفسهم إليه ، وصنفوا في ذلك كتبا ، وجعلوا لذلك إسنادا أنهوه إلأيه ، وقصروهخ عليه ، وسموه سيد الفتيان ، وعضدوا مذهبهم إليه بالبيت المشهور المروي ، أنه سمع من السماء يوم أحد :
Página 25
لا سيف ذو الفقار
ولا فتى إلا علي
وما أقول في رجل أبوه أبو طالب سيد البطحاء ، وشيخ قريش ، ورئيس مكة ، قالوا : قل أن يسود فقير وساد أبو طالب وهو فقير لا مال له ، وكانت قريش تسميه الشيخ . | وفي حديث عفيف الكندي ن لما رأى النبي صلى الله عليه وآله يصلي يفي مبدأ الدعوة ، ومعه غلام وامرأة ، قال : فقلت للعباس : أي شيء هذا ؟ قال هذا ابن أخي ، يزعم أنه رسول من الله إلى الناس ولم يتبعه على قوله إلا هذا الغلام ، وهو ابن أخي أيضا ، وهذه المرأة وهي زوجته ، قال فقلت : ما الذي تقولونه أنتم ؟ قال : ننتظر ما يفعل الشيخ ، يعني أبا طالب ، وأبو طالب هو الذي كفل رسول الله صلى الله عليه وآله صغيرا ، وحماه كبيرا ، ومنعه من مشركي قريش ن ولقى لأجله عنتا عظيما ، وقاسى بلاء شديدا ، وصبر على نصره والقيام بأمره ، وجاء في الخير أنه لما توفي أبو طالب أوحى إليه عليه السلام وقيل له : اخرج منها ، فقد مات ناصرك . | وله مع شرف هذه الأبوة أن ابن عمه محمد سيد الأولين والآخرين وأخاه جعفر ذو الجناحين ، الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وآله ، ' أشبهت خلقي وخلقي ' فمر بحجل فرحا ، وزوجته سيدة نساء العالمين ، وابنيه سيدا شباب الجنة ، فآباؤءه أباء رسول الله ، وأمهاته أمهات رسول الله ، وهو مسوط بلحمه ودمه ، لم يفارقه منذ خلق الله آدم ، إلى أن مات عبد المطلب بين الأخوين عبد الله وأبي طالب ، وأنهما واحدة ، فكان منهما سيد الناس ، هذا الأول وهذا التالي ، وهذا النتذر وهذا الهادي . | وما أقول في رجل سبق الناس إلى الهدى ، وآمن بالله وعبده ، وكل من في الأ { ض يعبد الحجر ويجحد الخالق لم يسبقه أحد إلى التوحيد إلا السابق إلى كل خير محمد رسول الله صلى الله عليه وآله . ذهب أكثر أهل الحديث إلى أنه عليه السلام أول الناس اتباعا لرسول الله صلى الله عليه وآله إيمانا به ، ولم يخالف في ذلك إلا الأقلون ، وقد قال هو عليه السلام : أنا الصديق الأكبر ، وأنا الفاروق الأول ن أسلمت قبل إسلام الناس ، وصليت قبل صلاتهم ، ومن وقف على كتب أصحاب الحديث تحقق ذلك وعلمه واضحا ، وإليه ذهب الواقدي وابن جرير الطبري ، وهو القول الذي رجحه ونصره صاحب كاتب الاستيعاب . | ولأنا إنما نذكر في مقدمة هذا الكتاب جملة من فضائله عنت بالعرض لا بالقص ، وجب أن يختصر ونقتصر فلو أردنا شرح مناقبه وخصائصه لاحتجنا إلى كتاب مفرد بمائل حجم هذا بل يريد عليه ، وبالله التوفيق . |
Página 26
القول في نسب الرضى أبي الحسن رحمه الله وذكر طرف من خصائصه ومناقبه
. | هو أبو الحسن محمد بن أبي أحمد الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن جعفر الصادق عليه السلام ، مولده سنة تسع وخمسين وثلثمائة . | وكان أبوه النقيب أبو أحمد جليل القدر ، عظيم المنزلة في دولة بني العباس ودولة بني بويه ، ولقب بالطاهر ذي المناقب ، وخاطبه بهاء الدجولة أبو نصر بن بويه بالطاهر الأوحد ، وولي نقابة الطالبيين خمس دفعات ، ومات وهو متقلدها بعد أن حالفته الأمراض ، وذهب بصره ، وتوفي عن سبع وتسعين سنة ، فإن مولده كان في سنة أربع ثلثمائة ، وتوفي سنة أربعمائة ، وقد ذكر ابنة الرضي أبو الحسن كمية عمره في قصيدته التي رثاه بها ، وأولها :
وسمتك خالية الربيع المرهم
وسقتك ساقية الغمام المرزم
سبع وتسعون اهتبلن لك العدا
حتى مضوا وغبرت غير مذمم
لم يلحقوا فيها بشأوك بعد ما
أملوا فعاقهم اعتراض الأزلم
إلا بقايا من غبارك أصبحت
غصصا وأقذاء العين أو لهم
إن يتبعوا عقبيك في طلب العلا
فالذنب يعسل في طريق الضيغم
ودفن النقيب أبو أحمد أولا في داره ، ثم نقل منها إلى مشهد الحسين عليه السلام وهو الذي كان السفير بين الخلفاء وبين الملوك من بني بويه والأمراء من بني حمدان وغيرهم وكان مبارك الغرة ميمون النقيبة مهيبا نبيلا ، ما شرع في إصلاح أمر فاسد إلا وصلح على يديه ، وانتظم بحسن سفارته ، وبركة همته ، وحسن تدبيره ووساطته . والاستعصام عضد الدولة أمره ، وامتلاء صدره وعينه به حين قدم العراق ما قبض عليه وحمله إلى القلعة بفارس ، فلم يزل بها إلى أن مات عضد الدولة ، فأطلقه شرف الدولة أبو الفوارس شيرذيل بن عضد الدولة ، واستصحبه في جملته حيث قدم إلى بغداد ، وملك الحضرة ، ولما توفي عضد الدولة ببغداد كان عمر الرضي أبي الحسن أربع عشرة سنة ، فكتب إلى أبيه وهو معتقل بالقلعة بشيراز :
أبلغا على الحسين الوكا
أن ذا الطود عهدك ساخا
والشهاب الذي اصطليت لظاء
عكست ضوءه الخطوب فباخا
والفنيق الذي تذرع طول الأرض
خوى به الردى وأناخا
إن يرد مورد القذى وهو راض
فيما يكرع الزلال اللقاحا
والعقاب الشعواء أهبطها النيق
وقد أرعت النجوم صماخا
|
Página 27
أعجلتها المنون عنا ولكن
خلفت في ديارنا أفراخا
وعلى ذاك فالزمان بهم عاد
غلاما من بعد | ما كان شاخا
وأم الرضي أبي الحسن فاطمة بنت الحسين بن أحمد بن الحسن الناصر الأصم ، أبي طالب عليهم السلام ، شيخ الطالبيين وعالمهم وزاهدهم ، وأديبهم وشاعرهم ، ملك بلاد الديلم والجبل ، ويلقب بالناصر للحق ، جرت له حروب عظيمة مع السامانية ، وتوفي بطبرستان سنة أربع وثلاثمائة ، وسنة تسع وسبعون سنة ، وانتصب في منصبه الحسن بن القاسم بن الحسين الحسني ، ويلقب بالداعي إلى الحق . | وهي أم أخيه أبي القاسم علي المرتضى أيضا . | وحفظ الرضي رحمه الله القرآن بعد أن جاوز ثلاثين سنة في مدة يسيرة ، وعرق من الفقه والفرائض طرفا قويا ، وكان رحمة الله عالما أديبا ، وشاعرا مفلفا ، فصيح النظم ، ضخم الألفاظ ، قادرا على القريض متصرفا في فنونه ، إن قصد الرقة في النسيب أتى بالعجب العجاب ، وأن أراد الفخامة وجزالة الألفاظ في المدح وغيره أتى بما لا يشق فيه غباره ، وإن قصد في المرائي جاء سابقا والشعراء منقطع أنفاسها على أثره ، وكان مع هذا مترسلا ذا كتابة قوية ، وكان عفيفا شريف يالنفس ، علي الهمة ، ملتزما بالدين وقوانينه ، ولم يقبل من أحد صلة ولا جائزة ، حتى أنه رد صلات أبيه ، وناهيك بذلك شرف نفس ، وشدة ظلف ، فأما بنو بويه فإنهم اجتهدوا على قوبله صلاتهم فلم يقبل . | وكان يرضى بالإكرام وصيانة الجانب وإعزاز الأتباع والأصحاب ، وكان هو أشد حبا وأكثبر ولاء للطالع منه للقادر ، وهو القائل للقادر في قصيدته التي مدحه بها ، منها : |
عطفا أمير المؤمنين فإننا
في دوحة العلياء لا نتفرق
ما بيننا يوم الفخار تفاوت
أبدا كلانا في المعالي معرق ) |
Página 28