Sharh Mukhtasar Al-Tahawi
شرح مختصر الطحاوي
Editor
عصمت الله محمد وسائد بكداش ومحمد خان وزينب فلاته
Editorial
دار البشائر الإسلامية ودار السراج
Edición
الأولى
Año de publicación
1431 AH
Ubicación del editor
بيروت والمدينة المنورة
بسم الله الرحمن الرحيم
رب يسر
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبيه محمد وآله أجمعين.
سألني بعض إخواني -ممن أجله وأعظمه- عمل شرح لمختصر أبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي الأزدي ﵀، فرأيت إجابته إلى ذلك، ورجوت فيه القربة إلى الله تعالى.
إذ كان هذا الكتاب يشتمل على عامة مسائل الخلاف، وكثير من الفروع، التي إذا فهم القارئ معانيها وعللها، وكيفية بنائها على أصولها: انفتح له به من طريق القياس والاجتهاد ما يعظم نفعه، ويسهل به فهم عامة مسائل كتب الأصول لمحمد بن الحسن رحمة الله عليه.
1 / 195
لأني لا أذكر مسألة تتشعب منها مسائلُ من الفروع إلا نبهت على طرقها ووجوهها، مع ذكر شيء من نظائرها، ليكون الكتاب جامعا لعلم الأصول والفروع معا، وليعم نفعه وتكثر فائدته.
وأتحرى في جميع ذلك الاختصار والإيجاز، وأستمد من الله المعونة والتوفيق، إنه أقوى معين.
1 / 196
كتاب الطهارة
باب ما تكون به الطهارة
[مسألة: لا تكون الطهارة إلا بالماء أو بالصعيد إذا عدم الماء].
قال أبو جعفر: (قال أبو حنيفة ﵀: لا طهارة للصحيح إلا بالماء، أو بالصعيد في غير الأمصار وغير القرى إذا عدم الماء).
قال أبو بكر: الأصل فيه: قول الله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبًا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لمستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾.
فلو اقتصر على قوله: ﴿فاغسلوا﴾ لاقتضى عمومه جواز غسل هذه
1 / 197
الأعضاء بسائر المائعات، لشمول اللفظ لها، لكنه لما قال في سياق الآية ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾: دل على أن حكم الغسل المأمور به مقصور على ما جعل التيمم بدلا منه، وأبيح استعماله عند عدمه.
فإن قال قائل: لو لم يكن في شرط إباحة التيمم ذكر عدم الماء، لكان في قوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورًا﴾. وقوله: ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به﴾. وقول النبي ﷺ في البحر: "هو الطهور ماؤه، والحل ميتته": ما يوجب أن تكون الطهارة بالماء دون ما سواه من المائعات.
قيل له: إنما حكم دلالة الآية والخبر الذي ذكرت مقصور على جواز استعمال الماء للطهارة، فأما أن يدل على نفي الطهارة بغيره، فلا، إذ
1 / 198
الحكم الذي تضمنته إنما هو إثبات الطهارة، لا نفيها، فالمستدل به على نفيها: مغفل لحكم الدلالة.
[مسألة: حكم الوضوء بالنبيذ].
قال أبو جعفر: (ويجوز عند أبي حنيفة الوضوء بنبيذ التمر خاصة، دون ما سواه من الأنبذة في غير الأمصار، وفي غير القرى عند عدم الماء، وقال أبو يوسف: لا يتوضأ به، وقال محمد: يتوضأ به، ثم يتيمم).
قال أبو بكر: القياس يمنع عند أبي حنيفة جواز الوضوء بالنبيذ لاتفاق فقهاء الأمصار على امتناع جوازه بالخل والمرق وسائر المائعات التي لا يتناولها اسم الماء على الإطلاق، إلا أنه ترك القياس فيه لدلالة لفظ الآية والأثر.
وذلك لأن من أصله: أن الأثر مقدم على النظر، وإن كان وروده من طريق الآحاد، وأنه لا يعترض بالقياس على خبر الواحد بعد أن يكون
1 / 199
وروده من الجهة التي تقبل فيها أخبار الآحاد لو لم يعارضه القياس.
فإذا لم يبق للحادثة طريق يوصل إلى معرفة حكمها إلا النظر والأثر، وتعارضا، كان الحكم للأثر، وسقط معه اعتبار النظر.
هذا مع تعاضد الأثر الوارد في إباحة الوضوء بالنبيذ من دلالة فحوى خطاب الآية.
وقد روى جواز الوضوء بالنبيذ عند عدم الماء عن ابن عباس وعكرمة وأبي العالية ﵃.
1 / 200
وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: ركبت مع أصحاب رسول الله ﷺ البحر ففني ماؤهم، فتوضؤوا بالنبيذ، وكرهوا ماء البحر.
وما نعلم أحدًا من الصحابة روي عنه خلاف ذلك.
فأما الأثر الذي ذهل إليه أبو حنيفة ﵀ في جواز الوضوء بالنبيذ: فهو حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال له ليلة الجن: "أمعك ماء؟ قال: لا فقال: أمعك نبيذ؟ قال: نعم، فتوضأ به، وصلى الفجر".
روي هذا الخبر عن عبد الله من أربع طرق:
1 / 201
رواه ابن عباس، وأبو رافع، وأبو وائل، وأبو زيد مولى عمرو بن حريث
- فأما حديث ابن عباس ﵄، فأخبرناه عبد الباقي بن قانع في الإجازة قال: حدثنا الحسين بن إسحاق قال: حدثنا محمد مصفى قال: حدثنا عمر بن سعيد عن ابن لهيعة عن قيس بن الحجاج عن حنش، عن ابن عباس عن ابن مسعود ﵃ أنه خرج مع رسول الله ﷺ ليلة الجن، فقال له رسول الله ﷺ:
أمعك ماء يابن مسعود؟ قال: معي نبيذ في إداوة. قال رسول الله ﷺ "صب علي منه"، فتوضأ رسول الله ﷺ وقال: "هو شراب، وطهور".
وحدثنا سليمان بن أحمد الطبراني قال: حدثنا أحمد بن رشدين المصري
1 / 202
قال: حدثنا يحيى بن بكير قال: حدثنا ابن لهيعة بإسناده، مثله.
- وأما حديث أبي رافع فأخبرنا عبد الباقي بن قانع إجازة قال: حدثنا الحسين بن أحمد بن أبي بشر السراج ومحمد بن عبدوس قالا: حدثنا محمد بن عباد المكي قال: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم قال: حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي رافع عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال له ليلة الجن: أمعك ماء؟ قال: لا قال: أمعك نبيذ؟ قال: نعم، "فتوضأ به".
وحدثنا أبو الحسن عبيد الله بن الحسين الكرخي ﵀ قال: حدثنا علي بن عبيد قال: حدثنا العمري قال: حدثنا محمد بن عباد المكي قال: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، بإسناده مثله.
- وأما حديث أبي وائل: فحدثنا أبو بكر الجعابي قال: ثنا أبو العباس الفضل بن صالح الهاشمي، حدثنا الحسين بن عبيد الله العجلي قال: حدثنا أبو معاوية محمد بن حازم، عن الأعمش عن أبي وائل قال: سمعت عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ ليلة الجن، فأتاهم فقرأ عليهم القرآن، وقال لي رسول الله ﷺ في بعض الليل: أمعك ماء يا ابن أم عبد؟ قلت: لا والله يا رسول
1 / 203
الله، إلا إداوة فيها نبيذ، فقال رسول الله ﷺ: "تمرة طيبة وماء طهور"، فتوضأ به رسول الله ﷺ.
- وأما حديث أبي زيد: فحدثنا محمد بن بكر البصري قال: حدثنا أبو داود السجستاني قال: حدثنا سليمان بن داود العتكي قال: حدثنا شريك عن أبي فزارة عن أبي زيد عن عبد الله بن مسعود ري الله عنه أن النبي ﷺ قال ليلة الجن: ما في إداوتك؟ قال: نبيذ: قال "تمرة طيبة، وماء طهور".
وقد روى هذا الحديث عن أبي فزارة الثوري وشعبة إسرائيل والجراح وأبو وكيع بن الجراح وأبو العميس عتبة بن عبد الله
1 / 204