Explicación de las Estaciones de Hariri
شرح مقامات الحريري
Editorial
دار الكتب العلمية
Edición
الثانية
Año de publicación
٢٠٠٦ م - ١٤٢٧ هـ
Ubicación del editor
بيروت
بسم الله الرّحمن الرّحيم
تقديم
الصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى صحبه الكرام المنتجبين.
وبعد:
لقد عرف الأدب العربي نوعا من النثر الأدبي وهو السجع وهو الكلام المقفّى، أو موالاة الكلام على رويّ واحد، وقد تأثر كتّاب النثر المسجوع أولا بالقرآن الكريم، وخطب الجاهلية، كخطب أكثم بن صيفي حيث يقول: «أيها الناس: من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت ...»، وهذا السجع له نغم عذب يحرك النفس ويثير الشوق إلى سماعه.
وكان أول ظهور هذا النوع الأدبي كفن قائم بذاته في القرن الثالث الهجري، في خطب الخلفاء وعمال الأقاليم، ثم تطور هذا الفن على أيدي كتاب محترفين كابن نباتة السعدي الذي توفي سنة ٣٧٤ هـ. كما تطور على أيدي كتّاب البلاط كإبراهيم بن هلال الصابي المتوفى سنة ٣٨٤ هـ، حتى أصبح النثر المسجوع أسلوبا مميزا وضروريا لدى الأدباء وكتاب الإنشاء. ومن رحم هذا الأسلوب ظهر فن جديد يدعى فن المقامات الذي يعود الفضل في ابتكاره وتأسيسه إلى بديع الزمان الهمذاني المتوفى سنة ٣٩٨ هـ.
والمقامة هي حكاية تقال في مقام معين وتشتمل على الكثير من درر اللغة وفرائد الأدب والحكم والأمثال والأشعار النادرة التي تدل على سعة اطلاع وغزارة مادة وطول باع وعلو مقام في عالم الأدب. وإذا كان بديع الزمان الهمذاني السباق والمبتكر والمبتدع لهذا الفن، فإن الأستاذ الرئيس أبي محمد القاسم بن علي الحريري هو الملك المتوج على رأس الكتاب الذين تخصصوا في المقامات، فهو بالمقارنة مع كل من كتب المقامات أغزر مادة وأكثر وأشد تعمقا في اللغة مما جعل لمقاماته منزلة خاصة جعلتها ربّما في منزلة تالية للقرآن الكريم والحديث الشريف، حتى إن أديبا عظيما كالزمخشري يقول: إن مقاماته حرية بأن تكتب بماء الذهب.
ويعزى السبب الذي من أجله وضع الحريري مقاماته، كما نقل ياقوت الحموي في معجم الأدباء ٤/ ٥٩٧، ٥٩٨: عن عبد الله بن محمد بن محمد بن أحمد النقور البزاز ببغداد، قال:
سمعت الرئيس أبا محمد القاسم بن علي بن محمد بن عثمان الحريري صاحب المقامات يقول:
أبو زيد السروجي، كان شيخا شحاذا بليغا، ومحدثا فصيحا، ورد علينا البصرة، فوقف يوما في مسجد بني حران، فسلم ثم سأل الناس، وكان بعض الولاة حاضرا، والمسجد غاص بالفضلاء، فأعجبتهم فصاحته وحسن صياغة كلامه وملاحته، ثم ذكر أسر الروم ولده كما ذكرناه في المقامة الحرامية وهي الثامنة والأربعون.
1 / 3
قال: واجتمع عندي عشية ذلك اليوم جماعة من فضلاء البصرة وعلمائها فحكيت لهم ما شاهدته من ذلك السائل وسمعت من لطافة عبارته في تحصيل مراده، وظرافة إشارته في تسهيل إيراده، فحكى كل واحد من جلسائه أنه شاهد من هذا السائل في مسجده مثل ما شاهدت، وأنه سمع منه في معنى آخر فصلا أحسن مما سمعت، وكان يغيّر في كل مسجد زيّه وشكله، ويظهر في فنون الحيلة فضله، فتعجبوا من جريانه في ميدانه، وتصرفه في تلوّنه وإحسانه، فأنشأت المقامة الحرامية ثم بنيت عليها سائر المقامات، وكانت أول شيء صنعته.
قال المؤلف: وذكر ابن الجوزي في تاريخه مثل هذه الحكاية، وزاد فيها أن الحريري عرض المقامة الحرامية على أنوشروان بن خالد وزير السلطان فاستحسنها وأمره أن يضيف إليها ما يشاكلها، فأتمها خمسين مقامة.
وقد اشتملت مقامات الحريري على فوائد جمة عدّدها هو بقوله في تقديمه:
وأنشأت على ما أعانيه من قريحة جامدة وفطنة خالدة وروية ناضبة وهموم ناصبة، خمسين مقامة تحتوي على جد القول وهزله ورقيق لفظه وجزله، وغرر البيان ودرره وملح الأدب ونوادره إلى ما وشحتها به من الآيات ومحاسن الكنايات، ورصعته فيها من الأمثال العربية واللطائفالأدبية والأحاجي النحوية والفتاوى اللغوية والرسائل المبتكرة والخطب المحبّرة، والمواعظ المبكية والأضاحيك الملهية، مما أمليت جميعه على لسان أبي زيد السروجي وأسندت روايته إلى الحارث بن همام البصري، وما قصدت بالإحماض فيه إلا تنشيط قارئيه وتكثير سواد طالبيه، ولم أودعه من الأشعار الأجنبية إلا بيتين فذين أسست عليهما بنية المقامة الحلوانية، وآخرين توأمين ضمنتهما خواتم المقامة الكرجية، ما عدا ذلك فخاطري أبو عذره ومقتضب حلوه ومرّه.
شرح المقامات
لقد حظيت مقامات الحريري بكمّ كبير من الشروحات والتعليقات، أحصى منها صاحب كشف الظنون حاجي خليفة أكثر من خمسة وثلاثين شرحا، ويعود كثرة الشروحات إلى ما زخرت به المقامات من الألفاظ، والأمثال، والأحاجي والألغاز والنكت النحوية والبلاغية، مما جعلها ميدانا رحبا للشرح والتفسير والاستطراد.
ويعتبر هذا الشرح الذي بين أيدينا من أهم الشروحات وأغزرها، وقد وضعه العلامة أحمد ابن عبد المؤمن القيسي المعروف بالشريشي الذي يقول: لم أدع كتابا ألّف في شرح ألفاظها وإيضاح أغراضها إلا وعيته نظرا، وتحققته معتبرا ومختبرا وترددت في تفهمه وردا وصدرا، وعكفت على استيفائه بسيطا كان أو مختصرا، ولم أترك في كتاب منها فائدة إلا استخرجتها ولا نكتة إلا علقتها ولا غريبة إلا استلحقتها فاجتمع من ذلك حفظا وخطا أعلاق جمة، وفوائد لم تهتم بها قبله همة، ثم لم أقنع بتدوين الدواوين، ولا اقتصرت على توقيف التصانيف، حتى لقيت بها صدور الأمصار وعلماء الأعصار.
وقد قام الشارح بالتعريف بالبلدان والأمصار المذكورة في المقامات، ثم شرح غريب
1 / 4
الألفاظ والأمثال، ووضع تراجم وافية للمشهورين من الأدباء والأمراء والقادة والشعراء، وكان للشعر الأندلسي نصيب وافر حيث أورد مجموعة كبيرة منه.
أما عملنا في هذا الكتاب فقد اقتصر على تخريج جميع الآيات القرآنية وتخريج معظم الأحاديث النبوية استنادا إلى كتب الصحاح التي بين أيدينا، وكذلك خرجنا الشواهد الشعرية في مظانها. كما وضعنا عناوين فرعية وبوبنا الكتاب ووضعنا حواش تشرح بعض الألفاظ الغريبة استنادا إلى معاجم اللغة التي بين أيدينا.
ونرجو أن يكون عملنا هذا خالصا لوجهه تعالى ولله الكمال وحده وهو ولي التوفيق.
إبراهيم شمس الدين
1 / 5
ترجمة المؤلف
هو الرئيس أبو محمد القاسم بن علي بن محمد بن عثمان الحريري، نسبة إلى صناعة الحرير أو بيعه، ولد سنة ٤٤٦ هـ بالمشان، وهي قرية قريبة من البصرة، ثم رحل إلى البصرة وسكن في محلة بني حرام، وتأدب بها، وقرأ العربية على أبي الحسن بن فضال المجاشعي شيخ إمام الحرمين، والفقه على أبي إسحاق الشيرازي، وعيّن صاحب الخبر بالبصرة، وظل بهذا المنصب حتى وفاته.
وكان الحريري من ذوي الجاه واليسار يملك بالمشان أكثر من ثمانية عشر ألف نخلة يغلها، وكان له منزل بالبصرة يقصده الأدباء والعلماء يقرءون عليه أو يفيدون من علمه، وخصوصا بعد أن ألف المقامات وذاع أمرها بين الناس، وكان مرهف الشعور صادق الحس والتخمين.
وكان الحريري ضئيل الجسم زريّ المنظر عصبي المزاج، ينتف شعرات لحيته إذا اشتغل بالتفكير والكتابة، ولكنه مع هذا كان موضع تقدير الناس وإكبارهم، ويحكى أن شخصا زاره، وأراد أن يتلقى عليه شيئا من العلم لذيوع شهرته، فلما رآه استزرى منظره، فأدرك الحريري ما دار في نفسه، ولما طلب هذا الشخص إلى الحريري أن يملي عليه شيئا من الأدب قال له: اكتب! وأملاه هذين البيتين: [البسيط].
ما أنت أول سار غرّه قمر ... ورائد أعجبته خضرة الدمن
فاختر لنفسك غيري إنني رجل ... مثل المعيدي فاستمع بي ولا ترني
فخجل الرجل وانصرف عنه.
وللحريري ديوان رسائل، وله الرسالة السينية التزم في جميع كلماتها حرف السين، والرسالة الشينية التزم أيضا بجميع كلماتها حرف الشين. وله ديوان شعر.
ومن مؤلفات الحريري «درّة الغواص في أوهام الخواص» بين فيه أغلاط الكتاب فيما يستعملونه من الألفاظ بغير معناها وفي غير موضعها، وكذلك له «ملحة الأعراب في صناعة الإعراب»، وهي أرجوزة في النحو.
توفي الرئيس أبو محمد الحريري في البصرة سنة ٥١٥ هـ.
ترجمة الشارح
هو أبو العباس أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي، ولد بشريش سنة ٥٧٧ هـ. وتلقى بها على أبي الحسن بن لبّال، وأبي بكر بن الأزهر، وأبي عبد الله بن زرقون، وأبي الحسين بن جبير، ورحل إلى المشرق ثم عاد إلى شريش وتوفي بها سنة ٦١٩ هـ.
له كتب وشروحات كثيرة منها: مختصر لنوادر أبي علي القالي، وشرح الإيضاح لأبي علي الفارسي، وشرح جمل الزجاجي، ووضع رسالة في العروض؛ بالإضافة إلى الكتاب الذي بين أيدينا وهو أشهرها، وهو واحد من ثلاثة شروح: مختصر، ومتوسط، وهذا وهو المطول.
وكان الشريشي شاعرا مطبوعا شائق اللفظ رشيق المعنى، ومن شعره:
يا جيرة الشام هل من نحوكم خبر ... فإن قلبي بنار الشوق يستعر
1 / 6
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الشارح
قال الشيخ الأستاذ اللغوي النحويّ أبو العباس أحمد بن عبد المؤمن بن عيسى بن موسى بن عبد المؤمن القيسي الشريشي، تغمده الله برحمته ورضوانه، وأسكنه فسيح جناته بمنه وكرمه آمين:
الحمد لله الذي اختصّ هذه الأمة بأفصح الألسنة وأفسح الأذهان، وشرّف علماءها بالافتنان في أفانين البلاغة والبيان، وميّزنا بين سائر الأمم بالنثر المتفق الفقر والنظم المعتدل الأوزان.
نحمده على أفئدة هداها، وألسنة أطال في شأو البلاغة مداها، ونصلّي على سيد المرسلين، وخيرة العالمين، الذي ختمت بنبوته العامة النبوة، ونسخت بشرعته التّامة الكتب المتلوة، محمد سيد هذا العالم والمخصوص بعلوّ المكانة، وعموم الديانة في ولد آدم، وعلى آله وصحبه الذين عزّروه ووقروه، وآووه إيواء الموفين بالعهود ونصروه، ونقلوا شرعه الكريم نقل التواتر وآثروه، وسلم تسليما، وآتاهم من لدنه رحمة وأجرا عظيما.
ورضي الله عن الإمام المعصوم، المهدي المعلوم، مجدد معالم الديانة، والمليء بأداء الأمانة، والمشهور على تعاقب العصور بالزمان والمكان والمكانة، وعن خلفائه الراشدين المرشدين أئمة الهدى، والتالين له في شرف ذلك المدى، والقائمين بأعباء أمره الموعود أنه يبقي أبدا.
ونسأل الله تعالى لسيدنا الخليفة الإمام أمير المؤمنين ابن الخلفاء الأئمة الراشدين، سعدا يعلى أعلامه. ونصرا يصحب قلمه وحسامه، وتأييدا يظهر أمره وينصر اعتزامه، حتى ينتظم شذّان الأمصار في سلك ملكه، وتزدحم وفود الأمم على غمر برّه، وتنطوي ضمائر القلوب ومخبّآت الغيوب على إخلاص طاعته والانثناء لأمره.
أما بعد؛ فإن العلم أربح المكاسب، وأرجح المناصب، وأرفع المراتب، وأنصح المناقب، وحرفة أهل الهمم من الأمم، ونحلة أهل الشرف من السلف، لم يتقلد سلكه إلا جيد ماجد ولم يتوشح برده إلا عطف جادّ في طلب الكمال جاهد ولم يستحق اسمه إلا الواحد الفذ بعد الواحد، وهو وإن تشعّبت أفانينه، وتنوعت دواوينه؛ فعلم الأدب
1 / 7
علمه، والأسّ الذي يبنى عليه كلمه، والرّوح الذي يخبّ في ميدان الطّروس قلمه؛ ولذلك كان أولى ما تقترحه القرائح، وأعلى ما تجنح إليه الجوانح؛ فذوو الأخطار في سائر الأقطار يتنافسون في اقتنائه، ويتصافنون في عافي إنائه (١)، ويرتاحون لأوضاعه وتآليفه، ويستريحون إلى أعبائه المكدودة وتكاليفه، فإنه زمام المنظوم والمنثور، وقوام نطق الألسنة وفكر الصدور، ومنشط المقال من عقال الفهاهة، ومميز الأقدار بالمهابة والنباهة.
ولم يزل في كل عصر من حملته بدر طالع، وزهر غصن يانع، وعلم ترنو إليه أبصار وتومئ إليه أصابع، وصناعة البراعة بينهم تتمكن وتتأصل، وتنويع البديع ينضبط ويتحصل، والآخر يكدّ ذهنه في تتميم ما غادره الأول؛ إلى أن اعتدلت كفتاه، وامتلأت ضفتاه، وراق مجتلاه ومجتباه، وتناهى في الحسن والإحسان لفظه ومعناه.
وكان آخر البلغاء وخاتمة الأدباء، أولهم بالاستحقاق، وأولاهم بسمة السباق، والفذ الذي قد عقمت عن توأمة فتية العراق، وفارس ميدان البراعة، ومالك زمام القرطاس واليراعة، والملبي عند استدعاء درر الفقر بالسمع والطاعة، أبو محمد القاسم ابن علي الحريريّ- سقى الله ثراه صوب رحماه، وكافأ إحسانه في الثناء عليه بحسناه- فبسط لسان الإحسان، ومدّ أفنان الافتنان، ومهّد جادة الإجادة، وقوي مادة الإفادة، ولم يبق في البلاغة متعقّبا، ولا للرّيادة مترقبا، لا سيما في المقامات التي ابتدعها، والحكايات التي نوعها وفرعها، والملح التي وشحها بدرر الفقر ورصّعها؛ فإنه برز فيها سابقا، وبزّ البلغاء فائقا، وأتى بالمعنى الدقيق واللفظ الرقيق مطابقا، وخلّدها تاجا على هامة الأدب وتقصارا (٢) في جيد لغة العرب، وروضة تحوم أنفاس الهمم عليها، ولا تصل أيدي المطامع إليها.
ولما كانت من البراعة بهذا المحل الشهير، وسارت مسير النّيّرين بين مشاهير الجماهير؛ جعلت الاعتناء بها سهم فهمي، والعكوف عليها تحرز عزمي، والدّءوب في حفظ لغاتها وفك مخبّآتها أهم همّي، وصيّرت تحفّظها فرض عيني، والفكر الذي لا يحول وسني بينه وبيني، فبدأت بروايتها عن الشيوخ والثقات، وتقييد ألفاظها عن أعلام هذه الجهات؛ حتى لا أنقل لفظا إلا عن تحقيق، ولا أثبت ضبطا إلا من طريق.
فكان أول من أخذت عنه روايتها، وتلقيت منه درايتها، ببلدي، الشيخ الفقيه المقرئ أبو بكر بن أزهر الحجري، حدثني بها عن صهره الفقيه المحدّث الراوية أبي القاسم بن عبد ربه القيسي المعروف بابن جهور، عن منشئها أبي محمد الحريريّ.
(١) الصّفن- بالضم: كالركوة يتوضأ فيها، وخريطة لطعام الراعي، وتصافنوا الماء: اقتسموه بالحصص (القاموس المحيط: صفن).
(٢) التقصار والتقصارة، بكسرهما: القلادة جمعه تقاصير.
1 / 8
وحدّثني بها أيضا ببلدي الشيخ الفقيه الراوية أبو بكر بن مالك الفهري عن ابن جهور المذكور، وعن الشيخ الفقيه أبي الحجاج الأبّدي القضاعيّ كلاهما عن أبي محمد الحريريّ. وحدثني بها أيضا إجازة الشيخ الفقيه المحدث أبو محمد عبد الله بن محمد ابن عبد الله الحجريّ عن القضاعيّ، وحدثني بها أيضا الكاتب الزاهد أبو الحسن بن جبير عن الشيخ الجليل بركات بن إبراهيم بن طاهر بن بركات القرشي المعروف بالخشوعي عن الحريريّ. وحدثني بها أيضا الشيخ الفقيه الأستاذ أبو ذرّ مصعب بن محمد بن مسعود الخشنيّ بسنده، بعد وقوفه ﵀ على هذا الشرح وأمره لي بتكليمه، وتلقيت بها جماعة من جلة الأشياخ أكثر في العدد ممن ذكرت؛ لا يعدمني واحد منهم إفادة ضبطية أو لفظية، ولا يفقدني زيادة هزلية أو وعظية فأخذتها أخذ متثبت، عن واع منكّت.
ثم لم أدع كتابا ألّف في شرح ألفاظها وإيضاح أغراضها، وتبيين الإنصاف بين انفصالها واعتراضها إلا وعيته نظرا، وتحققته معتبرا ومختبرا، وتردّدت في تفهمه وردا وصدرا، وعكفت على استيفائه بسيطا كان مختصرا؛ حتى أتيت على جميع ما انتهى إليه وسعي ممن فسرها، واستوعبت عامة فوائده الممكنة بأسرها؛ ولم أترك في كتاب منها فائدة إلا استخرجتها، ولا فريدة إلا استدرجتها ولا نكتة إلا علقتها، ولا غريبة إلا استلحقتها، ولا غادرت في موضع منها مستحسنا يشذّ عن جمعي، ولا مستجادا ينبو عنه بصري أو سمعي. فاجتمع من ذلك حفظا وخطا أعلاق جمة، وفوائد لم تهتم بها قبلي همّة، ثم لم أقنع بتبيين الدواوين، ولا اقتصرت على توقيف التصانيف؛ حتى ليقت بها صدور الأمصار، وعلماء هذه الأعصار، فباحثت وناقشت، وتأوّلت وتداولت، وطالبت المتحفّظ بالأداء، والمتيقظ بالإبداء؛ حتى لم أبق في قادحة زندا إلا اقتدحته، ولا مقفلا إلا افتتحته، فتحصّل لي من ذلك أيضا عيون صائبة النواظر، وفنون قلّما توجد في مخبآت الدفاتر.
وأنا في خلال ذلك ألتمس مزيدا، ولا أسأم بحثا وتقييدا، إلى أن عثرت على شرح الفنجديهيّ للمقامات- والفنجديهيّ هو الشيخ الحافظ أبو سعد محمد بن عبد الرحمن بن محمد المسعوديّ، من قرية فنج ديهة من عمل خراسان- فرأيت في شرحه الغاية المطلوبة، والبغية المرغوبة، والضالة التي كانت عنيّ إلى هذا الأوان مطوية محجوبة؛ فاستأنفت النّظر ثانيا، وشمرت عن ساعد الجدّ لا متكاسلا ولا وانيا، وعانيت نور المعنى في نور اللفظ فأصبحت مجتليا جانيا، فاستوعبته أيضا أبلغ استيعاب، وقيدت من فوائد ما لم أجد قبله في كتاب، وأخذت منه أحاديث مسندة أوردها، وآثارا مرفوعة قيّدها تليق بالباب الذي أوردت فيه، وتورد مصحّحة إما لألفاظه وإما لمعانيه، وحذفت أسانيد- وإن كان قد أوردها- تخفيفا عمن يريد المتن ويبتغيه فتم لي بهذا الغرض استيفاء مقاصده، واستيعاب فوائده. وتركته مستلب المعاني، مطروق المغاني، كالروض ركدت
1 / 9
ريحه، والجسم قبض روحه؛ فانضاف من فوائد هذا التأليف البديع- إلى الفوائد الملتقطة من الألسنة والمأخوذة من التصانيف المستحسنة- روض كله زهر، وسلك كله درر، وأدب إن لم يجمعه التصنيف فهو بعد عين أثر.
فاستخرت الله تعالى في ضمّ ما انتشر من فوائدها، ونظم ما انتثر من فرائدها، والاعتناء بتأليف في المقامات يغني عن كل شرح تقدم فيها، ولا يحوج إلى سواه في لفظ من ألفاظها ولا معنى من معانيها، فتم من ذلك مجموع جامع وموضوع بارع أودعته من اللغات أصحّها وأوضحها، وأسلسها قياد لفظ وأسمحها؛ وأولاها بالصواب في مظانّ الاختلاف وأرجحها؛ ونسبت المشكل منها إلى قائله من جهابذة العلماء، وجمعت بين مشهور اللغات ومشهور الأسماء، وسبكت العبارة عن المعاني سبكا يدل على الإلغاء والإصغاء. وهذا الفصل وإن سبقني إليه من تقدمني من الشارحين قبلي، فلي فيه مزية إيراد اللفظ البعيد عن الإشكال، والمطابقة بين الأقوال وأرباب الأقوال.
ثم زدت في فوائد هذا التأليف التعريف بالأمصار المذكورة في المقامات على أوفى ما يمكنني؛ من ذكر مواضعها وأقدارها واختطاطها، ومن عقد صلحها، أو تولى فتحها؛ وهذه فوائد لا يخفى مكانها، ولا ينكر استحسانها بالحاجة إلى التعريف بالمكان، تتلو الحاجة إلى غوامض اللسان.
ثم استوعبت شرح الأمثال ونسبتها، جمعا بين القائلين والأقوال، ولم أغفل منها الكثير الدّور ولا القليل الاستعمال، وهذا الفن لم يتبعه أحد على الكمال، وإن ذكره فإنما يذكره استطرادا بحسب الحال.
ثم استوفيت أيضا ذكر من وقع فيه من الرجال والنساء أتم استيفاء، وعرّفت المشتهرين من الأدباء والأبناء، وبنيت أنسابهم وأمكنتهم، وأخبارهم وحرفتهم، وآثارهم ومدتهم، وزيادة في التهمّم والاعتناء، وهذا الفن أيضا لم يورده الشارحون حقّ إيراده؛ ولا اعتمدوه بالتبليغ حقّ اعتماده، وهو مهمّ في الإفادة، على مغفلة في الوقت وبعده الإعادة.
ثم زدت فيه فصلين مفيدين لم أر من اعتنى بهما، . ولا من قصد قصدهما. سوى أبي سعيد الفنجديهيّ في بعض المواضع، فإنه ألمح وألمع، وأورد اليسير فما شفى ولا أقنع:
أحدهما تبيين مأخذ الحريري في الكلام، وإخراج الاحالات المودعة فيه من حيز الإبهام والرد إلى المنشأ في آية أو أثر أو خطبة أو خبر، أو حكمة فائقة، أو لفظة رائقة، أو بيت نادر، أو مثل سائر؛ وهذا تتميم بيّن، وتكميل متعيّن.
والفصل الثاني: التنبيه على صناعة البديع، وتوفية أسمائه؛ كالتجنيس والتتميم والترصيع، والإتيان بهذا النوع من التبيين والتنبيه على الجميع، وبسط أنواع الأدب
1 / 10
وافتنانه، والإكثار من الشعر في مظانه من الجد والهزل في المواضع اللائقة باستحسانه، ومقابلة كل باب بما يزيد في حسنه وبيانه، والجري مع أبي محمد حسب اتساع خطوه وامتداد ميدانه.
ومن تمام التصنيف ردّ الفرع إلى أصله، والجمع في الترتيب بين الشكل وشكله، فأتبعت المواعظ بما يزيدها أثرا في القلوب، وأردفت المسليات بما يعينها في إجلاء الكروب، وسلكت هذه المسالك في سائر الأساليب وأنواع الضروب؛ فإن وجد هذا الكتاب لفظ ظاهر الهزل أو معنى ينسب فيه إلى العذل؛ من وصف نور وثمر وذكر نديم وخمر أو نعت حسن وحسن أو مدح سماع وأذن، فلأن أبا محمد بدأ بأمر فتمم، وخص نوعا فعمم مع أن صنعة الأدب مبنية على الملح، وخواطر الأدباء جائشة بما سنح، فجاء من هذا الترتيب الغريب، ما يضرب في الإجادة بسهم مصيب، ويثبت لي في الجدّ والدءوب أوفر نصيب.
ثم رأيت الشارحين لها من أولى البصر كالفنجديهيّ وابن ظفر قد جردوا من شروحهم مختصرات وجيزة.، اقتصروا فيها على إيراد اللغات، فحذوت حذوهم في مختصر أوردتها فيه على الكمال، ووفّيتها حقها من رفع الغلط وكشف الإشكال، ولم أخلّ في تصريفها واشتقاقها بوجه من الوجوه ولا حال من الأحوال فجاء غاية في هذا الباب، مغنيا في اللغات الغريبة عن كل كتاب؛ فإن فاته هذا الأصل بضروب من الإفادات وأنواع من الزيادات، فلذلك الفرع شفوف الاستيعاب في اللغات، ومزية الاشتقاق والتصريف والشاهد من الشعر والآيات.
وكل ذلك بلطف الله تعالى، وبسعد من شرّفت كتابي بخدمته، وبنيت تأليفي على أداء شكر نعمته، ونصبت نفسي لأقف ببابه الأعلى، وأتزين بلثم تربته فأنا العبد وهو المولى؛ عماد الأنام، والظل الممدود على المسلمين والإسلام، ونعمة الله التي هي من أفضل النعم الجسام؛ منفق سوق المعارف، ومفجر بحور المنن والعوارف، والمجير بفضله وعدله من المفاقر الفادحة والمخاوف، سيدنا الخليفة الإمام أمير المؤمنين أبو عبد الله ابن إمام الأئمة الراشدين وولي عهده سيدنا الأمير الأجل أبو يعقوب، أيد الله سلطانهم، وأيد بيضتهم وحزبهم، وجمع القلوب على الانقياد لهم، والوجوه على التوجه قبلهم.
وهذا الكتاب وإن كان المعبر عن حسنه، والغاية الملتمسة في فنّه، والجامع لما افترق في سواه، والمبرّز بما وشحه من الزيادات وحلاه، فإنه لم يتم جماله ولا استوفى احتواءه على الفوائد واشتماله، إلا ببركة مولانا الخليفة، واقترن اسمه الكريم باسم ولي عهده المستحق للتقديم في الصحيفة فالحمد لله على التوفيق لخدمتهم، والمعونة على شكر نعمتهم، والتعرض لخيري الدنيا والآخرة في ظل حرمتهم.
وقد بذلت في الخدمة جهدي، وأبرزت من فوائد هذا التّأليف أنفس ما عندي، ولم
1 / 11
أتعاط قياما بكل الواجب، ولا وفاء بجميع الحقّ الراتب؛ فالقول يقتصر عن التحصيل، وليس إلى مطاولة الطود ومكاثرة اليمّ من سبيل.
وقد كنت حين أتممت هذا التأليف، وألقيت عن كاهلي الأعباء التي له والتكليف، وجلوته كالحسناء ألقت في المنصّة النّصيف، كثرت خطابه إليّ من البلدان، وتواردت عليه رغبات الاستحسان، فقلت: حتى يتشرف بلثم اليمين العليا، ويتخصص بقبول إمام الدين والدنيا، فمن بابه الأسمى يلتقط دره المنظوم، وببركاته يسطع مسكه العبق المختوم.
وها أنا أشرع ببركة الله وبركة خليفته المبارك الأهدى، وبنجله المتقلّد منه صفة وعهدا، في الشرح الخطبة كلمة كلمة، وإيضاحها حتى لا أدع لفظة مبهمة، ثم أشرح المقامات على الولاء، وأسلك الجمع بين الإيجاز والاستيفاء، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وآله وسلم أفضل التسليم.
1 / 12