Sharh Lumat al-I'tiqad by Al-Mahmood
شرح لمعة الاعتقاد للمحمود
شرح كتاب لمعة الاعتقاد [١]
كتاب لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد لابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى من أفضل الكتب المختصرة في باب العقيدة، وقد بين فيه مؤلفه رحمه الله تعالى مجمل اعتقاد أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات، والإيمان، والقرآن، والقدر، والإمامة، والصحابة وغيرها، بطريقة مختصرة ميسرة، مستشهدًا على ذلك بالأدلة من الكتاب والسنة وآثار السلف.
1 / 1
ترجمة ابن قدامة صاحب (لمعة الاعتقاد)
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فسنبدأ -إن شاء الله تعالى- شرح رسالة من رسائل السلف رحمهم الله تعالى في العقيدة ألا وهي رسالة: (لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد) للإمام موفق الدين بن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى.
مؤلف هذه الرسالة هو الإمام الفقيه أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الحنبلي الصالحي، وهذا الإمام اشتهر لدى العلماء بأنه صاحب (المغني)؛ لأن كتابه (المغني) في الفقه يعتبر أوسع موسوعة في مذاهب العلماء وأقاويلهم في مسائل الشريعة الإسلامية؛ فإنه جمع رحمه الله تعالى في هذا الكتاب العظيم الفريد في بابه بين ذكره لأقاويل الصحابة وأقاويل كبار التابعين وتابعيهم، ثم أيضًا ذكره لأقوال الأئمة الأربعة: الشافعي وأبي حنيفة ومالك وأحمد، بل وكبار أصحابهم رحمهم الله تعالى، وأيضًا استقصى رحمه الله تعالى الروايات داخل مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى.
ثم إنه أيضًا اعتمد على ذكر الأدلة والتعليلات التي ذكرها الفقهاء، ثم لم يترك أيضًا الخلاف هكذا، وإنما أخذ رحمه الله تعالى يرجح ما يراه راجحًا، فصار كتابه الذي طبع في مجلدات عديدة موسوعة من أهم موسوعات الفقه الإسلامي، ومرجعًا من أهم المراجع لدى العلماء من بعده وإلى عصرنا الحاضر، ومن ثّم اشتهر رحمه الله تعالى بأنه صاحب (المغني)، فكأن شهرة كتابه (المغني) غطت على اسمه رحمه الله تعالى، فإذا قيل: صاحب (المغني) انتقل هذا التعريف إلى هذا الإمام الجليل الذي سبق أن ذكرنا نسبه باختصار.
هذا الإمام الجليل ولد سنة (٥٤١هـ) بفلسطين، ببلدة تسمى جماعيل قرب نابلس، وتوفي رحمه الله تعالى سنة (٦٢٠هـ) .
وأقول: إن هذا العالم الجليل تميز فوق تميزه العلمي بمثل كتابه (المغني) بمختصراته الأخرى في الفقه، ككتابه (المقنع) الذي يعتبر للمتوسطين، و(الكافي) وهو فوق ذلك، وأيضًا مثل كتابه (العمدة) للمبتدئين، إضافة إلى كتابه (روضة الناظر في أصول الفقه) وهو كتاب مشهور، وغير ذلك من رسائله وكتبه، ومنها هذا الكتاب الذي سنبدأ دراسته في هذه الدروس المتوالية إن شاء الله تعالى.
وأقول: إن هذا العالم الجليل فوق كونه عالمًا بارعًا مصنفًا كان أيضًا إمامًا مجاهدًا، فقد اشتهر رحمه الله تعالى بمشاركاته في الجهاد في سبيل الله مع صلاح الدين الأيوبي هو وجماعته المقادسة من إخوانه وأبناء عمومته رحمهم الله تعالى، فإن هذه الأسرة كانت مع صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى في جهاده، وشارك في المعارك التي دارت سنة (٥٨٣هـ) لقتال الصليبيين وتحرير بيت المقدس منهم، وكان ابن قدامة رحمه الله تعالى وأفراد أسرته ممن له دور كبير في جهاد الصليبيين.
إذًا: إمامنا هو إمام علم، وإمام عمل وجهاد، وهؤلاء هم سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى الذين كانت صفاتهم تميزهم بهذا التميز: علم مؤصل، ويعقبه عمل ودعوة وجهاد في سبيل الله.
1 / 2
شرح عنوان الرسالة
هذا الكتاب الذي معنا سماه المؤلف رحمه الله تعالى: (لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد) .
واللمعة هي: ما خالف بين بقية اللون، كأن يكون -مثلًا- اللون أسود وتكون فيه بقعة بيضاء، فتسمى هذه البقعة البيضاء لمعة.
ولذا اشتهرت هذه الكلمة بأن تطلق على لمعة الفرس التي تكون غالبًا في الخيل ونحوها، وتكون هذه اللمعة لمعة بيضاء وبقية الجسم إما أدهم أو قريب من ذلك؛ المهم أنه اشتهر هذا اللفظ بقولهم: لمعة الفرس.
أو أن اللمعة بمعنى: البلغة من العيش، كما يقول أهل اللغة، وعلى هذا أو هذا فإن المصنف رحمه الله تعالى قصد بكلامه أو بكتابه هذا حين سماه بـ (لمعة الاعتقاد) أنه بلغة من الاعتقاد الصالح الصحيح، ومن ثَّم قال رحمه الله تعالى: (الهادي إلى سبيل الرشاد)، ولاشك أن الاعتقاد الصحيح المبني على الأدلة الصحيحة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ هو هادٍ لمن سلكه وسار عليه إلى سبيل الرشاد.
وسبيل الرشاد هو في الدنيا بأن يكون من اعتصم بها ممن هدي ورشد واستقام في طريقه، وهو أيضًا سبيل إلى الرشاد في الآخرة حين يهدى من مات على هذا التوحيد الصحيح إلى جنات النعيم، أسأل الله ﵎ أن يجعلنا جميعًا من أهل الجنة، وممن وفق وهدي إلى سبيل الرشاد.
وعلى هذا فإن الشيخ رحمه الله تعالى لم يرد من رسالته هذه أن تكون كتابًا مفصلًا في الاعتقاد، وإنما أرادها لمعة تبين الطريق، أو أرادها بلغة للسالكين؛ بحيث إنه إذا قرأها الإنسان واستوعبها وفهمها استقام لديه معرفة العقيدة من جوانبها المتعددة، وهو رحمه الله تعالى ربط عقيدته بالأدلة من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ.
1 / 3
شرح البسملة
بدأ المصنف رحمه الله تعالى رسالته هذه بما يبدأ به المصنفون من أئمة الإسلام رحمهم الله تعالى فقال: بسم الله الرحمن الرحيم والكلام على البسملة منتشر في كافة شروح الكتب من جميع الأنواع، في اللغة وفي النحو وفي كتب العقائد والفقه وغيرها، ولا يكاد من شرح كتابًا من هذه الكتب إلا وتكلم عن البسملة، وعن معناها وما دلت عليه من الأسماء لله ﷾: الله، الرحمن، الرحيم.
ونحن نشير إلى ذلك إشارة مجملة فنقول: قول المؤلف رحمه الله تعالى: (بسم الله الرحمن الرحيم) المعنى: أبتدئ كتابي مستعينًا بالله ﵎، و(باسم): الجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره: أكتب، وهذا بالنسبة لمن يؤلف كتابًا، كإمامنا هنا، وإذا كان القارئ يقرأ القرآن وقال: بسم الله الرحمن الرحيم، تكون (باسم) جارًا ومجرورًا متعلقًا بقوله: أقرأ، وإذا كان الإنسان يدخل بيته أو يدخل مكانه ويقول: باسم الله، فيكون معناها: أدخل هذا المكان باسم الله، أي مستعينًا بالله ﵎.
و(الله) الصحيح فيه: أنه مشتق وليس بجامد؛ لأن العلماء رحمهم الله تعالى اختلفوا في لفظ الجلالة (الله)، فبعضهم قال: إنه علم جامد وغير مشتق، وبعضهم قال: إنه مشتق، ثم اختلفوا في الاشتقاق هل هو من أله يأله فهو مألوه، أو من أله يأله فهو آله؟ فذهب بعض المتكلمين: إلى أنه من أله يأله فهو آله، أي: أن الله يأله عباده، ومن ثمَّ فسروه بتوحيد الربوبية وهو الخلق، أي: أن الله يأله عباده؛ فهو الذي خلقهم، وهو الذي يرزقهم إلى آخره، وبناءً على هذا التفسير وقع خطأ كبير عند كثير من المتكلمين حين فسروا كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) بأن معناها: لا خالق إلا الله؛ بناءً على هذا الفهم في الاشتقاق.
القول الثاني هو: أنها من أله يأله فهو مألوه، أي: معبود، أي: أن الله ﷾ هو المستحق للعبودية، وهذا هو القول الصحيح، ومن ثَّم جاء تفسير كلمة الشهادة (لا إله إلا الله) أي: لا معبود بحق إلا الله ﵎، وهذا هو توحيد العبادة، وهذا هو الصحيح في معنى (لا إله لا الله)، وهو الصحيح أيضًا في اشتقاق كلمة (الله) .
و(الرحمن الرحيم) اسمان من أسماء الله ﵎؛ الرحمن: اسم، وهو صيغة مبالغة خاص بالله ﷾ لا يوصف به مخلوق.
والرحيم أيضًا: اسم من أسمائه ﵎، لكن قد يوصف المخلوق بأنه رحيم.
ونحن نقول: إن اسمه ﵎ (الرحيم) دال على صفة الرحمة، وكذلك أيضًا اسم الله (الرحمن)، ونثبتهما لله ﵎ كما يليق بجلاله وعظمته من غير مشابهة للمخلوقين؛ ولـ ابن القيم رحمه الله تعالى في أول (مدارج السالكين) كلام قيم جدًا حول البسملة، وحول أيضًا اسمه تعالى (الرحمن الرحيم)، فمن أراد فليرجع إليه؛ فإن فيه فوائد جمة.
1 / 4
معنى الحمدلة
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [الحمد لله المحمود بكل لسان] .
(أل) في الحمد للاستغراق، والمقصود بقول القائل: الحمد لله: ذكر أوصاف المحمود، والاعتراف بها، والثناء على الله ﷾ بما هو أهله.
وقول المؤلف رحمه الله تعالى هنا: (بكل لسان) يدل على أمر مهم، وهو أن الله ﷾ فطر جميع الخلق على حمده ﷾ والاعتراف له بالربوبية، ومن ثمَّ فقوله: (المحمود بكل لسان)، يشمل لسان الحال، ويشمل أيضًا لسان المقال؛ أما لسان الحال فإن الله ﷾ يحمده جميع المخلوقات، وأما لسان المقال فإنه ﷾ المحمود على جميع الألسنة، فمهما اختلفت اللغات فإن الله ﷾ يحمده أهل تلك اللغة بما علموا من أوصافه ﷾ بما هو أهله، وهذا من خصائص الربوبية والألوهية التي لا تكون لأحد.
1 / 5
أقسام العبودية ومعناها
ثم قال رحمه الله تعالى: [المعبود في كل زمان] .
أي: أنه ﷾ له العبودية، والعبودية قسمان: القسم الأول منها: عبودية عامة شاملة لا يخرج عنها أحد، بل تشمل جميع الخلق، كما قال ﷿: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣]، وهو ﷾ معبود -أي: العبودية التي هي مقتضى الربوبية- عند جميع الخلق؛ لأنه ﷾ هو خالقهم، وهو ربهم ﵎، لهذا فإن هذه العبودية العامة الشاملة لا يخرج عنها أحد من إنس ولا من جن، ولا مؤمن ولا كافر، ولا من البشر ولا من الملائكة، ولا من شمس ولا من أرض، ولا من بحر ولا من هواء، فالكل عبيد لله ﷾ مسخرون له ﵎ مطيعون، وهذا مما دلت عليه النصوص الكثيرة؛ فإن الله ﷾ هو الذي خلق الخلق، وهو الذي يأمرهم، وهو الذي يقدر لهم ما يشاء، وهم خاضعون له؛ فحتى بني آدم الذين أعطاهم الله ﷾ عقولًا هم أيضًا في نشأتهم في هذه الأرض وفي حياتهم فيها، بل وفي رزقهم وأجلهم وموتهم وألوانهم وأطوالهم وما يجري داخل أجسامهم من حركات القلب والدم والهضم إلى آخره؛ كل ذلك هو خاضع لله ﷾؛ فليس للإنسان إرادة في أن يختار كيفية معيشته، ولا كيفية نفسه، ولا كيفية ضخ الدم في عروقه إلى آخره.
إذًا: هذا في الإنسان العاقل المكلف، فكيف بغيره من المخلوقات؟! هذه هي العبودية الشاملة التي لا يخرج عنها أحد.
النوع الثاني من العبودية: العبودية الخاصة، وهذه العبودية الخاصة هي التي يتميز بها المؤمنون عن الكفار، فالمؤمنون هم الذين يعبدون الله ﵎ مخلصين له على وفق شريعته التي أمر بها على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام.
فقول المؤلف رحمه الله تعالى: (المعبود في كل زمان) قد يدخل فيه العبودية العامة وقد يدخل فيه العبودية الخاصة بالمؤمنين.
وقوله: (في كل زمان) أيضًا وفي كل مكان، والمعنى: أنه لا يخلو زمان أو مكان من وجود من يعبد الله ﷾، وهذا هو الذي علمناه من أخبار رسل الله الكرام، ومما أخبرنا به رسول الله ﷺ بأنه: (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بالحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله تباك وتعالى) .
1 / 6
شمول علم الله ﷾
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: [الذي لا يخلو من علمه مكان] .
وهذا فيه إثبات شمول علم الله ﷾؛ فلا يخلو من علمه أي مكان، سواء كان هذا المكان ظاهرًا أو باطنًا، في جوف البحار أو في جوف الأرض أو تحت صخور الجبال أو ما هو غائب، فعلم الله ﷾ قد أحاط بكل شيء، كما قال ﷿: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]، فعلمه ﷾ أحاط بكل مكان، كما قال ﷿: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩] .
1 / 7
شمول قدرة الله ﷿
ثم قال: [ولا يشغله شأن عن شأن] أي: لكمال صفاته، فالمخلوق لضعفه حتى لو كان عنده بعض الصفات لا يستطيع أن يشتغل بأكثر من أمر في وقت واحد، ويندر أن يجمع قواه العقلية لتكون في شغلين متكافئين، وإنما غاية ما يحصل عند الإنسان أن يشتغل بأمر يعمل فيها ذهنه، ثم يشتغل بيده أو برجله بشغلة أخرى لا تحتاج إلى إعمال الذهن، أما ماعدا ذلك فلا يستطيع.
أما الله ﷾ فهو يسمع، وسمعه وسع السماوات والأرض؛ فيسمع في وقت واحد دعاء الداعين وأقوالهم على اختلاف الزمان والمكان، وهو ﷾ كل يوم في شأن، ولا يشغله شأن عن شأن، فيغفر لهذا، ويتوب على هذا، ويستجيب لهذا، ويرزق هذا، ويحيي هذا، ويميت هذا، ﷾ وتقدس؛ لأنه كامل الصفات، فلا يقاس بغيره، وهذا هو حقيقة فهم أئمة أهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى لأسمائه وصفاته؛ حيث إنهم يفهمونها كما يليق بجلاله وعظمته، ومن ثمَّ فلا يحتاجون إلى تأويل.
أما أهل الكلام الباطل فإنهم أولًا يقعون في التشبيه، فإذا سمعوا صفة من صفات الله ﵎ ظنوا أنها كصفة فلان فيقعون في التشبيه، ثم يضطرون إلى التأويل والتعطيل؛ أما أهل السنة والجماعة فيثبتون لله الصفات كما يليق بجلاله وعظمته، ولا يحتاجون إلى تأويل ولا إلى تحريف ولا إلى تعطيل.
1 / 8
تنزيه الله ﷿ عن الند والشبيه والصاحبة والولد
ثم قال رحمه الله تعالى: [جل عن الأشباه والأنداد] .
أي: تقدس وتنزه.
وقوله: (عن الأشباه والأنداد)، الشبيه هو: المشابه ببعض الوجوه دون بعض، وهو ﷾ جل أن يشبه شيئًا من خلقه لا في ذاته ولا في أي صفة من صفاته ﵎، كما أنه أيضًا جل وتقدس عن الند والمثيل، سواء في الربوبية أو في الخالقية أو في أي صفة من صفاته سبحانه؛ فهو الرب المعبود وحده لا شريك له.
ثم قال: [وتنزه عن الصاحبة والأولاد] .
وهذا بنص القرآن؛ فقد دلت عليه الأدلة المعروفة، فلم يتخذ صاحبة ولا ولدًا ﷾، فهو ليس له صاحبة ولا ولد، وفي ذلك نقض لما ادعاه المشركون حين قالوا: إن الملائكة بنات الله! أو النصارى حينما يقولون: إنما المسيح ابن الله! أو اليهود حينما يقولون: إن العزير ابن الله! فالابن يحتاج إلى صاحبة، والله ﷾ تنزه عن الصاحبة والولد، وتعالى عما يقول هؤلاء جميعًا علوًا كبيرًا.
1 / 9
نفوذ حكم الله القدري في جميع الخلق
ثم قال: [ونفذ حكمه في جميع العباد] .
أي: أن حكمه ﷾ نافذ في جميع العباد، وهذا الحكم النافذ في جميع العباد الأصل فيه أنه حكمه القدري، فما شاء الله كان، وما شاء لم يكن، وهذا هو الذي ينفذ في الجميع: المؤمن والكافر؛ فجميع العباد نفذ فيهم وينفذ فيهم حكم الله ﷾، فهم جاءوا إلى هذه الدنيا بأمر الله، ويحيون بأمر الله، ويموتون بأمر الله، فحكمه فيهم نافذ، وقد يدخل في عموم هذا الكلام أن الله ﷾ وحده هو الذي يحكم بين العباد، كما قال تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، والخلق هو التقدير، والأمر هو نفاذ شرع الله ﷾؛ فهو ﷾ هو الذي يحكم بين عباده، ويشرع لهم ما يشاء؛ وبما أنه هو القاهر فوق عباده وحكمه القدري هو النافذ فهو أيضًا ﷾ الذي له الشرع والحكم بين عباده، كما قال تعالى: ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]، ويقول ﷾: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ * فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [القصص:٦٥-٦٦]، وقال تعالى بعد ذلك: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص:٦٨]، وقال سبحانه: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]؛ فهو ﷾ الذي ينفذ حكمه في جميع العباد قدرًا، وهو الذي يجب أن ينفذ حكمه في جميع العباد أمرًا وشرعًا.
1 / 10