Explanation of the Lamiyat Al-Ajam
شرح لامية العجم
Editor
الدكتور جميل عبد الله عويضة
ـ[شرح لامية العجم (وهو مختصر شرح الصفدي المسمى الغيث المسجم)]ـ
المؤلف: كمال الدين، محمد بن موسى بن عيسى بن علي الدَّمِيري أبو البقاء الشافعي (المتوفى: ٨٠٨هـ)
تحقيق: الدكتور جميل عبد الله عويضة
طبعة: ١٤٢٩هـ /٢٠٠٨م.
أعده للشاملة/ محمد مستقيم
[ترقيم الكتاب موافق لنسخة المحقق، وهو مذيل بالحواشي]
Página desconocida
ترجمة الدميري (١):
هو محمد بن موسى بن عيسى بن على الكمال أبو البقاء الدَّمِيريّ الأصل، القاهري، الشافعي، والدميري - بالفتح والكسر - نسبة إلى دَمِيْرَة قرية في الوجه البحري بمصر وهي تابعة لمركز طلخا في محافظة الدقهلية (حاليا).
والدليل على نسبته لهذه القرية هو وجود مسجد في هذه القرية باسمه، والمسجد مازال موجودًا إلى الآن، ويقام احتفال سنوي في القرية لهذا العالم الجليل.
كان اسمه أولًا كمالًا بغير إضافة، وكان يكتبه كذلك بخطه في كتبه، ثم تسمى محمدًا وصار يكشط الأول، وكأنه لتضمنه نوعًا من التزكية مع هجر اسمه الحقيقي.
بدء حياته خياطا حتى أجتذبه العِلم، فالتحق بالأزهر، وتعلم الأدب والفلسفة والحديث والفقه ودرس على يد مجموعة من كبار علماء الأزهر، فتفقه على:
ـ الشيخ بهاء الدين أحمد السبكي، ولازمه كثيرًا، وانتفع به.
ـ والشيخ جمال الدين ألأسنوي.
ـ والقاضي كمال الدين أبي الفضل النويري المالكي، الذي أجازه بالفتيا والتدريس.
ـ وبرهان الدين القيراطي، الذي أخذ عنه الأدب والعربية. ووصف الدميرى ابنَ الملقن بشيخنا، وذكر السخاوي أنه أخذ عن البلقيني، وأخذ عن البهاء بن عقيل، وسمع جامع الترمذي على المظفر العطار المصري، وعلى علي بن أحمد العرضي الدمشقي مسند أحمد ابن حنبل بفوت يسير، وسمع بالقاهرة من محمد بن علي الحراوي، وغيره؛ وبمكة على الجمال بن عبد المعطي، والكمال محمد بن عمر بن حبيب في آخرين؛ كالعفيف المطري بالمدينة، ومما سمعه على الأول الترمذي في سنة نيف وخمسين، ووصفه الزيلعي في الطبقة بالفاضل كمال الدين كمال، وعلى ثانيهما فقط جل مسند أحمد أو جميعه وجزء الأنصاري.
برع في التفسير، والحديث، والفقه، وأصوله، والعربية، والأدب، وغيرها وأذن له بالإفتاء والتدريس، وتصدى للإقراء فانتفع به جماعة، وأصبح من فقهاء الشافعية، وقال الشعر، ودرَّس في عدة أماكن، فقد حدث بالقاهرة، وسمع منه الفاسي فيها، وأفتى ودرس بأماكن بالقاهرة منها جامع الأزهر، وكانت له فيه حلقة يشغل فيها الطلبة يوم السبت غالبًا، ومنها القبة البيبرسية، كان يدرس فيها الحديث، وكان يذكر
(١) انظر ترجمته في: الضوء اللامع ٥/ ١٦/ المكتبة الشاملة، وطبقات الشافعية ١/ ٢٠٥/ المكتبة الشاملة، شذرات الذهب ٧/ ٧٩ - ٨٠
1 / 2
الناس بمدرسة ابن البقري داخل باب النصر في يوم الجمعة غالبًا، ويفيد في مجلسه هذا أشياء حسنة من فنون العلم، وبجامع الظاهر في الحسينية بعد عصر الجمعة غالبًا، ودرس أيضًا بمكة وأفتى وجاور فيها مدة سنين مفرقة، وسمع منه الصلاح الأقفهسي في جوف الكعبة، وتأهل فيها بأم أحمد فاطمة ابنة يحيى بن عياد الصنهاجي المكية، وولدت له أم حبيبة، وأم سلمة، وعبد الرحمن، وأول قدماته إليها على ما يروي السخاوي في موسم سنة اثنتين وستين وسبعمائة، وجاور بها حتى حج في التي بعدها، ثم جاور بها أيضًا في سنة ثمان وستين، قدمها مع الرجبية، فدام حتى حج ثم قدمها في سنة اثنتين وسبعين، فأقام بها حتى حج في التي بعدها، ثم قدم مكة في موسم سنة خمس وسبعين؛ فأقام بها حتى حج في التي تليها، ثم قدمها في موسم سنة ثمانين؛ وأقام بها حتى حج في التي بعدها، ثم قدمها في سنة تسع وتسعين؛ وأقام حتى حج في التي بعدها، وانفصل عنها فأقام بالقاهرة.
قال المقريزي في عقوده: صحبته سنين، وحضرت مجلس وعظه مرارًا؛ لإعجابي به، وأنشدني وأفادني، وكنت أحبه ويحبني في الله؛ لسمته وحسن هديه، وجميل طريقته ومداومته على العبادة، لقيني مرة فقال لي: رأيت في المنام أني أقول لشخص لقد بعد عهدي بالبيت العتيق، وكثر شوقي إليه، فقال، قل: لا إله إلا الله الفتاح العليم الرقيب المنان، فصار يكثر ذلك فحج في تلك السنة ﵀ وإيانا ونفعنا به.
قال الحافظ شهاب الدين ابن حجر في المعجم: وكان له حظ من العبادة تلاوة وصيامًا ومجاورة في الحرمين مكة والمدينة. واشتهرت عنه كرامات، وأخبار بأمور مغيبات يسندها إلى المنامات تارة، وإلى بعض الشيوخ أخرى، وغالب الناس يعتقد أنه يقصد بذلك الستر.
ويقال أنه كان في صباه أكولًا نهمًا ثم صار بحيث يطيق سرد الصيام، وله أذكار يواظب عليها وعنده خشوع وخشية وبكاء عند ذكر الله سبحانه، وقد تزوج بابنتيه الجمال محمد، والجلال عبد الواحد بن إبراهيم بن أحمد بن أبي بكر المرشدي المكي الحنفي، واستولداهما، الأول أبا الفضائل محمدًا وعبد الرحمن، والثاني عبد الغني وغيره. ومما ينسب إليه:
بمكارم الأخلاق كن متخلقًا ... ليفوح ند شذائك العطر الندي
وصدق صديقك إن صدقت صداقة ... وادفع عدوك بالتي فإذا الذي (١)
(١) يعني ما جاء في الآية ٣٤ من سورة فصلت: [وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ]
1 / 3
ألف كمال الدين الدميرى العديد من الكتب في الفقه والحديث والأدب، واختصر وشرح الكثير من الكتب، فشرح المنهاج في أربعة مجلدات، وسماه النجم الوهاج، ضمنه فوائد كثيرة خارجة عن الفقه، وعظم الانتفاع به، وله الديباجة في شرح سنن ابن ماجة في خمس مجلدات، مات قبل تحريره وتبيضه، ونظم في الفقه أرجوزة طويلة، فيها فروع غريبة وفوائد حسنة، وله تذكرة مفيدة، وله خطب مدوّنة جمعية ووعظية، واختصر شرح الصفدي للأمية العجم المطبوع باسم الغيث المسجم في شرح لامية العجم، وهو الكتاب الذي بين أيدينا، على أن أهم مؤلفاته وأشهرها كتاب حياة الحيوان الكبرى، ويعتبر هذا الكتاب مزيجا من العلم والأدب والفلسفة والتاريخ والحديث - وقد تمت ترجمته إلى العديد من اللغات وأقتبس منه العديد من الغربيين.
رتب الدميري في كتابه هذا الذى يعد أول مرجع شامل في علم الحيوان باللغة العربية الكائنات التى كتب عنها ترتيبا أبجديا، على طريقة المعجم، وتناول بالبحث ١٠٦٩ كائنا، موضحا الصفات المميزة لكل كائن منها مما كان معروفا في عهده، وموضحا أيضا أسماء تللك الكائنات خلال مراحل نموها، وكذلك أسماءها في مختلف البلدان، وأحكام الشريعة لتلك الحيوانات ومنتجاتها، وبعض الأحاديث النبوية التى ذكرت فيها، وقد جمع مادته من ٥٦٠ كتاب، و١٩٩ ديوان شعر، وأتخذ في مشاهداته لصفات الحيوانات الأسلوب العلمى القائم على الرصد والمشاهدة.
ومات بعد حياة علمية حافلة بالقاهرة، في ثالث جمادى الأولى سنة ٨٠٨هـ / ١٤٠٥م، وصلي عليه ثم دفن بمقابر الصوفية سعيد السعداء.
1 / 4
[متن] لامية العجم
أصالةُ الرأي صانتْنِي عن الخَطَلِ ... وحِليةُ الفضلِ زانتني لدَى العَطَلِ
مجدي أخيرًا ومجدِي أوّلًا شَرَعٌ ... والشمسُ رأْدَ الضُحَى كالشمسِ في الطَفَلِ
فيمَ الإقامُة بالزوراءِ لا سَكَني ... بها ولا ناقتي فيها ولا جَملي
نَاءٍ عن الأهلِ صِفْرُ الكفِّ منفردٌ ... كالسيفِ عُرِّيَ متناهُ من الخَللِ
فلا صديقَ إليه مشتكَى حزَنِي ... ولا أنيسَ إليه منتَهى جذلي
طالَ اغترابيَ حتى حنَّ راحلتي ... ورحُلها وقرَى العَسَّالةِ الذُّبلِ
وضَجَّ من لَغَبٍ نضوي وعجَّ لما ... يلقَى رِكابي ولجَّ الركبُ في عَذَلي
أُريدُ بسطةَ كَفٍ أستعينُ بها ... على قضاءِ حُقوقٍ للعُلَى قِبَلي
والدهرُ يعكِسُ آمالِي ويُقْنعُني ... من الغنيمةِ بعد الكَدِّ بالقَفَلِ
وذِي شِطاطٍ كصدرِ الرُّمْحِ معتقلٍ ... لمثلهِ غيرَ هيَّابٍ ولا وَكِلِ
حُلْوِ الفُكاهِةِ مُرُّ الجِدِّ قد مُزِجتْ ... بقسوةِ البأسِ فيه رِقَّةُ الغَزَلِ
طردتُ سرحَ الكرى عن وِرْدِ مُقْلتِه ... والليلُ أغرَى سِوامَ النومِ بالمُقَلِ
والركبُ مِيلٌ على الأكوارِ من طَرِبٍ ... صاحٍ وآخرَ من خمر الهوى ثَمِلِ
فقلتُ أدعوكَ للجُلَّى لتنصُرَنِي ... وأنت تخذِلُني في الحادثِ الجَلَلِ
تنام عيني وعينُ النجمِ ساهرةٌ ... وتستحيلُ وصِبغُ الليلِ لم يَحُلِ
فهل تُعِيُن على غَيٍّ هممتُ بهِ ... والغيُّ يزجُرُ أحيانًا عن الفَشَلِ
اني أُريدُ طروقَ الحَيِّ من إضَمٍ ... وقد رَماهُ رُماةٌ من بني ثُعَلِ
يحمونَ بالبِيض والسُّمْرِ اللدانِ بهمْ ... سودَ الغدائرِ حُمْرَ الحَلْي والحُلَلِ
فسِرْ بنا في ذِمامِ الليلِ مُهتديًا ... بنفحةِ الطِيب تَهدِينَا إِلى الحِلَلِ
فالحبُّ حيثُ العِدَى والأُسدُ رابضَةٌ ... [حَولَ الكِناسِ لها غابٌ مِنَ الأَسَلِ]
نَؤمُّ ناشِئةً بالجزع قد سُقيَتْ ... نِصالُها بمياه الغَنْجِ والكَحَلِ
قد زادَ طيبَ أحاديثِ الكرامِ بها ... ما بالكرائمِ من جُبنٍ ومن بُخُلِ
تبيتُ نارُ الهَوى منهنَّ في كَبِدٍ ... حرَّى ونار القِرى منهم على القُلَلِ
يقتُلنَ أنضاءَ حبٍّ لا حَراكَ بها ... وينحرونَ كرامَ الخيلِ والإِبِلِ
يُشفَى لديغُ الغوانِي في بُيوتهِمُ ... بنهلةٍ من لذيذِ الخَمْر ِ والعَسَلِ
لعلَّ إِلمامةً بالجِزعِ ثانيةً ... يدِبُّ فيها نسيمُ البُرْءِ في عللِ
لا أكرهُ الطعنةَ النجلاءَ قد شُفِعَتْ ... برشقةٍ من نِبالِ الأعيُنِ النُّجُلِ
ولا أهابُ صِفاح البِيض تُسعِدُني ... باللمحِ من صفحاتِ البِيضِ في الكِلَلِ
1 / 5
ولا أُخِلُّ بغِزلان أغازِلُها ... ولو دهتني أسودُ الغِيل بالغيَلِ
حُبُّ السلامةِ يُثْني همَّ صاحِبه ... عن المعالي ويُغرِي المرءَ بالكَسلِ
فإن جَنَحْتَ إليه فاتَّخِذْ نَفَقًا ... في الأرضِ أو سلَّمًا في الجوِّ فاعتزلِ
ودَعْ غمارَ العُلى للمقديمن على ... ركوبِها واقتنِعْ منهن بالبَلَلِ
رضَى الذليلِ بخفضِ العيشِ يخفضُه ... والعِزُّ عندَ رسيمِ الأينُقِ الذُلُلِ
فادرأْ بها في نحورِ البِيد جافلةً ... معارضاتٍ مثانى اللُّجمِ بالجُدَلِ
إن العُلَى حدَّثتِني وهي صادقةٌ ... في ما تُحدِّثُ أنَّ العزَّ في النُقَلِ
لو أنَّ في شرفِ المأوى بلوغَ مُنَىً ... لم تبرحِ الشمسُ يومًا دارةَ الحَمَلِ
أهبتُ بالحظِ لو ناديتُ مستمِعًا ... والحظُّ عنِّيَ بالجُهَّالِ في شُغُلِ
لعلَّهُ إنْ بَدا فضلي ونقصُهُمُ ... لعينهِ نامَ عنهمْ أو تنبَّهَ لي
أعلِّلُ النفس بالآمالِ أرقُبُها ... ما أضيقَ العيشَ لولا فسحةُ الأمَلِ
لم أرتضِ العيشَ والأيامُ مقبلةٌ ... فكيف أرضَى وقد ولَّتْ على عَجَلِ
غالى بنفسيَ عِرفاني بقيمتِها ... فصُنْتُها عن رخيصِ القَدْرِ مبتَذَلِ
وعادةُ النصلِ أن يُزْهَى بجوهرِه ... وليس يعملُ إلّا في يدَيْ بَطَلِ
ما كنتُ أُوثِرُ أن يمتدَّ بي زمني ... حتى أرى دولةَ الأوغادِ والسّفَلِ
تقدَّمتني أناسٌ كان شَوطُهُمُ ... وراءَ خطويَ إذ أمشي على مَهَلِ
هذا جَزاءُ امرئٍ أقرانُه درَجُوا ... من قَبْلهِ فتمنَّى فُسحةَ الأجلِ
وإنْ عَلانِيَ مَنْ دُونِي فلا عَجَبٌ ... لي أُسوةٌ بانحطاطِ الشمس عن زُحَلِ
فاصبرْ لها غيرَ محتالٍ ولا ضَجِرٍ ... في حادثِ الدهرِ ما يُغني عن الحِيَلِ
أعدى عدوِّكَ أدنى من وَثِقْتَ به ... فحاذرِ الناسَ واصحبهمْ على دَخَلِ
وإنّما رجلُ الدُّنيا وواحِدُها ... من لا يعوِّلُ في الدُّنيا على رَجُلِ
وحسنُ ظَنِّكَ بالأيام مَعْجَزَةٌ ... فظُنَّ شَرًّا وكُنْ منها على وَجَلِ
غاضَ الوفاءُ وفاضَ الغدرُ وانفرجتْ ... مسافةُ الخُلْفِ بين القولِ والعَمَلِ
وشانَ صدقَك عند الناس كِذبُهمُ ... وهل يُطابَقُ معوَجٌّ بمعتَدِلِ
إن كان ينجعُ شيءٌ في ثباتِهم ... على العُهودِ فسبَقُ السيفِ للعَذَلِ
يا واردًا سؤْرَ عيشٍ كلُّه كَدَرٌ ... أنفقتَ عُمرَكَ في أيامِكَ الأُوَلِ
فيمَ اعتراضُكَ لُجَّ البحرِ تركَبُهُ ... وأنتَ تكفيك منه مصّةُ الوَشَلِ
مُلْكُ القناعةِ لا يُخْشَى عليه ولا ... يُحتاجُ فيه إِلى الأنصار والخَوَلِ
ترجو البَقاءَ بدارِ لا ثَباتَ لها ... فهل سَمِعْتَ بظلٍّ غيرِ منتقلِ
1 / 6
ويا خبيرًا على الأسرار مُطّلِعًا ... اصْمُتْ ففي الصَّمْتِ مَنْجاةٌ من الزَّلَلِ
قد رشَّحوك لأمرٍ إنْ فطِنتَ لهُ ... فاربأْ بنفسكَ أن ترعى مع الهَمَلِ
1 / 7
[المقدمة]
/ بسم الله الرحمن الرحيم ... [٢ أ]
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله
الحمد لله الذي شرح صدر مَن تأدَّب، ورفع قدر مَن تأهَّل للعلم وتأهَّب، وجمَّل مَن تدرَّع لباس الفضل وتدرَّب، وكمَّل مَن ترقَّى إلى غاية ما ترقَّب.
أحمده على نعمه الوافرة، وأشكره على مِننه المتكاثرة، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيد الخلق المخصوص بجوامع الكَلِم، وأفصح ناطق صرف عنان لفظه، وأبلغ صادق أرهف سنان وعظه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، الذين تمسَّكوا بآدابه، وسبقوا إلى مدى لم يطمع أحد من بعدهم في غاية سكابه، صلاة تطول لهم بها القصور، وتحيط بهم بركتها إحاطة الهالات (١) بالبدور،
وبعد ...
فإنّ القصيدة الموسومة بلامية العجم، رحم الله ناظم عقدها، وراقم بردها، تعاطى الناس مدام أكوابه، وتجاذبوا هُدَّاب أهدابه، أهانت الدرّ حتى ما ثمن، وأرخصت قيمة الأمثال والخطباء، كأنّ ناظمها خاض في البحر فأتى بدرّ منضودة، وارتقى إلى السماء فجاء بالدراري من الأفق معقودة.
شعر (٢) (من البسيط)
فما لها في الورى مثل يناظرها وكم لها سار بين الناس من مثل
أقمارها في تمام النظم قد طلعت تسير في أوج معناها ولم تفُل
وزهرها لم تزل تذري عصارته لأن منبته في روضها الخَضِل
/يرتاح سامعها حتى يهزّ لها ... من التعجب عطف الشارب الثمل [٢ ب]
فلا تَعِرْ غيرها سمعا ولا بصرا ... في طلعة الشمس ما يُغنيك عن زُحل
وقد شرحها أوحد زمانه، وفريد أوانه، الشيخ صلاح الدين الصفدي، سقى الله ثراه، وجعل الجنة مأواه شرحا تضرب أباط الإبل فيما دونه، وتقف فحول الرجال عنده ولا يعدونه، والتزم أن يذكر فيه ما سمع فوعى، وما جمع فأوعى، ولا يغادر صغيرة ولا كبيرة من فوائده وفرائده إلاّ أظهرها، ولا نكتة بديعة من لطائف معناه إلاّ وفي ذلك الكتاب سطرها،
(١) الهالات: جمع هالة، والهالةُ: دارة القمر؛ قال ابن سيده: وإِنما قضينا على عينها أَنها ياء لأَن فيه معنى الهَيُول الذي هو ضوء
الشمس، فإِن قلت: إِن الهَيُول رومية والهَالة عربية كانت الواو أَولى به لأَنّ انقلاب الأَلف عن الواو وهي عين أَكثر من انقلابها عن الياء كما ذهب إِليه سيبويه، والجمع هالاتٌ. لسان العرب (هيل).
(٢) يبدو أنّ هذا الشعر للصفدي - شارح لامية العجم.
1 / 8
ولله درّه، فقد أودعه فوائد جمة، ومسائل مهمة، وكنت حين سمعت بهذا الكتاب، أطلبه من أُولي الألباب، وأحثّ في الوصول إليه من العزم الخيل والركاب، إلى أنْ يسّر الله تعالى الوقوف عليه في هذا العام، فوجدته كبحر أجاج، متلاطم الأمواج، ريحه عاصف، ووبله واكف، وجواهره منضودة، وفرائده معقودة، لم يُنسج في فنه على منواله، ولا سمحت قريحة بمثاله، وقد جمع من كل فن عرنيده (١)، ومن كل عالم تالده وطريده، فكان حقه أن يقال فيه (٢): (من الخفيف)
هكذا هكذا وإِلا فلا لا ... طُرُقُ الجدِّ غَيْرُ طُرْقِ المِزاحِ
غير أنه ينتقل فيه من علم إلى علم، ومن نكتة إلى نكتة، ومن غريبة إلى غريبة، وكأنه تمسك بقول القائل (٣): (من البسيط)
لا يُصلِحَ النَفسَ إِذْ كانَت مُدبرةً ... إِلّا التَنَقُّلُ مِن حالٍ إِلى حالِ
فهو غريب في بابه، عزيز عند طلابه، ومع ذلك اعتذر بخشية الإطالة، واجتنبها خوفا من عدم الإقالة، وذكر أنه حين علّقه كان في هموم / علم الله ترادف نعوتها، وانكشاف غمائم [٣ أ] غمها وعيوبها، هذا والزمان قصير، والعلم جمع غزير، فاستخرت الله تعالى - وله الخيرة - في تلخيصه وتهذيبه، سالكا فيه طريقته في ترتيبه؛ ليكون ذلك سببا لتحصيل مقصوده، وكالرمز على حلّ عقوده؛ فكتبت هذه الأوراق، مستعينا بالمهيمن الخلاق أن يجيرني وأحبائي من عوارض الأيام، وأن يجعلني من العلماء الأعلام، وأن لا يجعل سعينا في طلب العلم وبالا، وأن يحل علينا منة ورحمة وإفضالا.
[ترجمة الطغرائي]
فصل فيما يتعلق بترجمة الطغرائي ومولده ووفاته وذكر شيء من أشعاره مختصرا:
الطغرائي ﵀ هو العميد مؤيد الدين فخر الكتاب ابن إسماعيل الحسين بن علي بن محمد بن عبد الصمد الأصبهاني المنشئ المعروف بالطغرائي، بضم الطاء المهملة، وسكون الغين المعجمة، وفتح الراء، وهذه نسبة إلى من يكتب الطغراء، وهي الطرة التي تكتب في أعلى الكتب، فوق البسملة بالقلم الغليظ، تتضمن نعوت الملك، وألقابه، وهي لفظة أعجمية.
قال ابن خلكان (٤): كان غزير الفضل، لطيف الطبع، فاق أهل عصره بصنعة النظم والنثر، وذكره السمعاني، وأثنى عليه، وذكر شيئا من شعره، وذكر أنه قتل في سنة خمس عشرة وخمسمائة، والطغرائي المذكور له ديوان شعر جيد، ومن محاسن شعره قصيدته
(١) العرندد: الصلب، اللسان (عرد)
(٢) البيت لابن قلاقس. ديوانه / الموسوعة الشعرية. وسنرمز لها بالحرف (م)
(٣) لأبي العتاهية، ديوانه، ص، ٣٥٩، وفيه: لن يصلح.
(٤) وفيات الأعيان ٢/ ١٨٥ - ١٩٠.
1 / 9
المعروفة بلامية العجم، وكان عملها ببغداد سنة خمس وخمسمائة، يصف فيها حاله، ويشكو زمنه، وذكره أبو المعالي الحظيري في كتابه زينة الدهر، وذكر له مقاطيع، وذكره العماد الكاتب في كتابه نصرة الفترة وعصرة القطرة، وهو تاريخ الدولة / السلجوقية وأنه كان [٣ ب] وزير السلطان مسعود بن محمد السلجوقي بالموصل، وذكر العماد الكاتب في الخريدة، قال: كان متولي ديوان الطغراء، ومالك قلم الإنشاء، وتولى الاستبقاء، وتوشح إلى الوزارة الوزارة، ولم يكن في الدولتين السلجوقية والإمامية مَن يضاهيه في الترسل والإنشاء سوى أمير الملك منشئ نظام الملك، قيل: لمّا عزم أخو استاذ الطغرائي على قتله، أمر به أن يُشد إلى شجرة، وأن يقف إلى تجاهه شاب تركي؛ ليرميه بالنبل، وكان الطغرائي يهوى ذلك الشاب، ففعل ذلك، وأوقف إنسانا خلف الشجرة يسمع ما يقول من غير أن يشعر به الطغرائي، وأن يسمع ما يقول، وقال لأرباب السهام: لا ترموه إلاّ إنْ أشرت إليكم؛ فوقفوا والسهام في أيديهم مفوقة؛ ليرموه، فأنشد الطغرائي (١) في تلك الحالة: (من الكامل)
ولقد أقولُ لمن يفوق سهمَهُ ... نحوي وأطرافُ المَنِيَّةِ شُرَّعُ ... والموتُ في لحظاتِ آخرِ سهمه ... دوني وقلبي دونَهُ يتقطَّعُ
باللهِ فتِّشْ عن فؤاديَ هَلْ يُرى ... فيه لغيْرِ هَوى الأَحِبَّةِ مَوْضِعُ (٢)
أهوِنْ بهِ لو لم يكنْ في طَيِّهِ ... عهدُ الحبيبِ وسرُّه المستودَعُ
فرق له وأمر بإطلاقه في ذلك الوقت، ثم إنّ الوزير عمل على قتله فيما بعد وقتله، وكان له ﵀ في حلّ رموز الكيمياء اليد العليا، والسابقية الأولى، وله فيها تصانيف عدة، ومن شعره (٣): (من الكامل)
أما العلومُ فقد ظَفِرْتُ ببغْيتي ... منها فما أحتاجُ أنْ أتعلَّمَا
وعرَفت أسرارَ الخليقةِ كلَّها ... عِلمًا أنارَ ليَ البهيمَ المُظلما
/ودريتُ هُرْمُسَ سِرَّ حكمتِه التي ... ما زال ظنًّا في الغيوب مرجَّما [٤ أ]
وملكتُ مفتاحَ الكُنوزِ بفطنةٍ ... كشَفتْ ليَ السرَّ الخفيَّ المُبْهَما
لولا التَّقِيَّةُ كنتُ أُظهِرُ معجزًا ... من حكمةٍ تشفي القلوبَ من العَمى
أهوى التكرُّمَ والتظاهرَ بالذي ... عُلِّمْتُه والعقلُ يَنْهَى عنهما (٤)
وأُريدُ لا ألقى غبيًَّا موسرًا ... في العالمينَ ولا لبيبًا مُعدِما
(١) ديوانه، ص ٢٤٩ - ٢٥٠.
(٢) كتب في الهامش باللون الأحمر وبالخط نفسه الذي كتبت به المخطوطة هذا البيت:
باللهِ فتِّشْ عن فؤاديَ أوّلًا ... هل فيه للسَّهمِ المُسَدَّدِ موضِعُ
وهذا هو المثبت في النسخة ب
(٣) ديوانه، ص ٣٦٦ - ٣٦٧
(٤) هذا البيت زيادة من ب
1 / 10