Sharh Ibn Naji al-Tunukhi 'ala Matn al-Risala

شرح ابن ناجي التنوخي على متن الرسالة

Editorial

دار الكتب العلمية

Edición

الأولى

Año de publicación

1428 AH

Ubicación del editor

بيروت

Regiones
Túnez
•
Imperios y Eras
Hafsíes
شرح ابْن نَاجِي التنوخي
قَاسم بن عِيسَى بن نَاجِي الْمُتَوفَّى ٨٣٧ هـ
على
متن الرسَالَة
للْإِمَام أبي مُحَمَّد عبد الله بن عبد الرَّحْمَن ابْن أبي زيد القيرواني الْمُتَوفَّى سنة ٣٨٦ هـ
أعتنى بِهِ
أَحْمد فريد المزيدي
الْجُزْء الأول
دَار الْكتب العلمية

Página desconocida

بسم الله الرحمن الرحيم
ترجمة مختصرة للمصنف
هو الشيخ الإمام العالم العلامة الفقيه أبو الفضل وأبو القاسم: قاسم بن عيسى بن ناجي التنوخي القيروانى: من القضاة من أهل القيروان.
تعلم فيها وولي القضاء فى عدة أماكن.
له كتب منها: شرح المدونة الكبرى لسحنون.
وزيادات على معالم الإيمان.
شرح رسالة أبو زيد القيروانى.
ومشارق أنوار القلوب، وشرح التهذيب للبراذعى.
- الشافى فى الفقه.
- وانظر: نيل الابتهاج (ص٢٢٣).
- والبستان (ص١٤٩).
- معجم المؤلفين (٢/ ٦٤٦)
كتبه
أبو الحسن أحمد فريد المزيدى
***

1 / 3

المقدمة
الحمد لله مالك يوم الدين المعبود الموصوف بالقدم والجود، الذى خلق الإنسان من طين وجعل نسله من سلالة من ماء مهين، ثم سواه ونفخ فيه من روحه، وشق سمعه وبصره وأنشأه خلقاَ آخر فتبارك الله أحسن الخالقين؛ اخترعه وابتدعه، ثم وفقه لما ارتضاه وشرعه، فسبحان من رفع فى جنته درجة من سبقت له العناية بتفقهه في الدين، وبجمعه ما اقتفى من آثار السلف الصالح وبثه لسائر العالمين، أحمده على ما أسبغ من آلائه وعلم من عظيم دينه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمد عبده ورسوله التي الكريم الرءوف الرحيم، المبعوث بالحنيفية السمحة ليبين للناس ما نزل إليهم من تحليل وتحريم، صلى الله وعلى آله أفضل صلاة يتبعه أفضل تسليم.
وبعد:
فإنه لما كثر إقرائي لرسالة الشيخ الفقيه العالم العامل الورع أبي محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني استخرت الله في وضع تعليق يعين الناظر على ما يتعلق بما تكلم عليه الشيخ من أقوال في المسألة وتتميم لما نطق به الشيخ من ظاهر كلامه إلى غير ذلك من الفوائد فمهما عبرت ببعض شيوخنا فهو الشيخ الفقيه العالم الصالح التقي الزاهد أبو عبدالله محمد ابن الشيخ الصالح المجاور والمرحوم أبي عبد الله محمد بن عرفة الورغمي عرفه الله الخير في الدنيا والآخرة ومهما عبرت به فأكثره من تأليفه المنسوب إليه بعضه تلقيه من بعض من لقيناه وأقله سمعته منه مشافهة نسأل الله تعالى الإعانة وهو حسبنا ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.

1 / 5

الكتاب
الحمد لله الذي ابتدأ الإنسان بنعمته:
الحمد لله ثمانية أحرف والجنة لها ثمانية أبواب فمن قال الحمد لله فتحت له أبواب الجنة الثمانية قاله ابن الخطيب. وابتدأ الشيخ بالحمد لأنه مفتتح كتاب الله الكريم فجعله فاتحة كلامه وأول ما جاء به القرآن في نظامه ولأنه سنة رسول الله ﷺ في كتبه ومواعظه وسنة الخلفاء الراشدين من بعده روي أن رسول الله ﷺ قال: "كل أمر ذي بال لا يبتدأ فيه بالحمد لله فهو حرام" وفي رواية: "فهو أقطع" وفي رواية: "فهو أبتر" وبذلك تعقب الشيخ الفقيه أبو محرز على أسد بن الفرات لما بادر في قراءة عقد فقال: هذا ما اشترى الأمير الأجل.
فقال أبو محرز أخطأت يا أسد وبين له خطأه لما سأل عن ذلك بتركه الحمد لله حسبما هو مذكور في كتاب أبي بكر المالكي والمدارك لعياض ولولا الإطالة لذكرت القضية بكمالها وليس المراد بعين لفظ الحمد بل المطلوب إيقاع ذكر من الأذكار إذ المراد بحمدا لله الثناء على الله سبحانه.
وبذلك أجيب عن مالك بن أنس ﵀ لكونه ابتدأ كتابه الموطأ بوقوت الصلاة فإنه ابتدأ ببسم الله الرحمن الرحيم وهو الجواب عن الشيخ أبي القاسم الزجاجي، ومن الشيخ أبي عمر وابن الحاجب وغيرهما.
واختلف هل الحمد أعم من الشكر أم لا على ثلاثة أقوال: فقيل بذلك لأن الشكر إنما يكون في مقابلة الإنعام وقيل عكسه لأن الشكر يكون بالقول والفعل بخلاف الحمد إنما يكون بالقول خاصة وقيل ليس بينهما عموم ولا خصوص فيستعمل كل واحد منهما في موضع الآخر، والمراد بالإنسان الجنس.
وقول من حمله على عيسى ﵇ بعيد وأبعد من قول من حمله على آدم ﵇ والباء في قوله بنعمته للمصاحبة أو السبية أي ابتدأه بسبب أن ينعم عليه والضمير المضاف إليه نعمة يعود على الخالق سبحانه ويجوز عوده على الإنسان لما كانت النعمة ملتبسة به ومصاحبة له.
وظاهر كلام الشيخ أن لله ﷿ على الكافر نعمة وهو كذلك عند أكثر العلماء في الدنيا والآخرة أما في الدنيا فواضح وأما في الآخرة فلأن ما من نعمة وعذاب إلا وثم ما هو أشد منهما إلا أنه لا يقال إنهم في نعمة لأنهم في محل الانتقام والغضب

1 / 6

والعذاب الشديد لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون.
ونقل الشيخ أبو بكر بن العربي عن الشيخ أبي الحسن الأشعري أنه قال لا يقال إن لله تعالى على الكافر نعمة لا دينية ولا دنيوية، وجعل التالي الخلاف لفظيا بعيد لما قدمت والله أعلم.
(وصوره في الأرحام بحكمته):
الضمير يعود على الإنسان وهو للجنس فلذلك جمع الأرحام باعتبار ما في الجنس من الجمع، ومعنى بحكمته أي بعلمه ومشيئته وهي وضع الشيء في محله، ألا ترى أنه وضع البصر وجعله في أعلى الجسد لتكون منفعته أعم وأتم وجعل عليه أجفانا كالأغطية تغطي وتقيه من الآفات وجعلها متحركة تنطبق وتنفتح على مقدار حاجته وجعل في أطرافها أشفارا تدع الذباب والهوام إذا نزلت عليها، وجعلها عليه زينة كالحلية لماي حلى وجعل عظم الحاجب ناتئا عليها يقيها ويدفع عنها لما كانت لطيفة في شكلها إلى غير ذلك من المصالح والمنافع والآلاء التي لا يحيط بها إلا خالقها تعالى، هذا بالنظر إلى ما في عضو من أعضائه فما ظنك بسائر جسده.
(وأبرزه إلى رفقه وما يسره له من رزقه):
أي أبرزه من الصلب إلى الرحم وقيل: أوجده وأخرجه من الضيق ضيق الأحشاء إلى الموضع الواسع وخلق تعالى في قلوب عباده الرفق الشفقة عليه ويسر له رزقا لينا في ثدي أمه متوسطا بين الملوحة والعذوبة باردا في الصيف حارا في الشتاء يخرج من عرقين يتغذى من أحدهما يشرب من الآخر، وتكفل برزقه مدة حياته ودفع عنه مالا يستطيع دفعه عن نفسه منة منه تعالى عليه ولطفا به.
واعلم أن مذهب أهل السنة أن الله تعالى يرزق الحلال والحرام فجميع ما يتغذى به الإنسان من حلال أو حرام فهو رزقه. قال الله ﷿: (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها) [هود: ٦]
وقد علمت أن جميع المكلفين لا يأكلون الحلال كلهم لأنهم قد يسرقون ويغصبون يتغذون به وقد قال رسول الله ﷺ "وإن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها": وأجمع المسلمون على القول بأن الله تعالى هو الذي يرزق البهائم ما تأكله وليس لها ملك فدل ذلك على أن الغذاء يكون رزقا لمن أكله وإن لم

1 / 7

يملكه. وهذا الذي ذكرنا معناه لابن فورك.
(وعلمه ما لم يكن يعلم وكان فضل الله عليه عظيم):
جعل يعدد نعم الله تعالى على عباده وتنقله من طور إلى طور إلى أن يصير هذا الإنسان يعلم مصالح نفسه فيقصدها ويجتنب مضارها فيباعدها قال الله تعالى (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون) [النحل: ٧٨]
قال القرافي: وقع في "كان" حديث الفقهاء، هل يجوز إطلاقها على وجوده ﷾ أم لا؟ فمنع قوم كثي لإشعارها بانصرام الشيء وعدمه، والصحيح جوازه لأنها أعم فلا دلالة لها على خصوص الانقطاع فجاز أن تقول كان الله سبحانه ولا شيء معه ولا محظور في ذلك.
(ونبهه بآثار صنعته):
أي أيقظه من نوم الغفلة والجهالة بإيجاد آثار صنعته قال الله تعالى: (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) [الذاريات: ٢١]
وقال تعالى: (ومن ءاياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم) [الروم:٢٢]
إلى غير ذلك من الآي فمن وفقه الله ونبهه وأيقظه وتأمل بأدنى فكره مضمون هذه الهيئات وأدار ذهنه على عجائب خلق الأرض والسموات وبدائع فطر الحيوان والنبات علم أن هذا الأمر العجيب والترتيب المحكم الغريب لا يستغنى عن صانع يدبره وفاعل يحكمه ويقدره.
وفي كلام الشيخ حذف لا بد من تقديره كأنه قال ونبهه بآثار صنعته على وجوده ﷾ ووحدانيته وغير ذلك من صفاته.
(وأعذر إليه على ألسنة المرسلين الخيرة من خلقه):
الإعذار: المبالغة في طلب المعذرة ومنه الإعذار في الحكم، قالوا: أعذر من أنذر أي بالغ في المعذرة من تقدم إليك بالإنذار وقد ورد النص بذلك في مواضع منها قوله تعالى (ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا) [طه:١٣٤].
(لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) [النساء:١٦٥]
و(أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير) [فاطر:٣٧]
إلى غير ذلك من الآي.
والألسنة جمع لسان وهو يذكر ويؤنث من ذكره ذهب به مذهب الدليل والبرهان، ومن أنثه ذهب به مذهب اللغة والحجة.

1 / 8

والمرسلون: جمع مرسل وهو المأمور بتبليغ الوحي، وهو أخص من النبي والمرسلون ثلاثمائة وثلاثة عشر كلهم أعجمي إلا خمسة: محمد، واسماعيل، وصالح، وشعيب، وهو على جميع الصلاة والسلام.
والخيرة بتسكين الياء وفتحها ذكر اللغتين الجوهر وغيره، قبل بالفتح المصدر وبالسكون الاسم وقيل بالعكس ذكره ابن جني.
قال التادلي: ويجوز أن يكونا مصدرين وجاء أحدهما مسكن الياء رغبة في التخفيف وفي هذا تنبيه على أن العقل لا يكتفي به عن بعثة الرسل وأنه لا يحسن ولا يقبح فلا حكم إلا ما جاءت به الرسل ولا حسن ولا قبح إلا ما حسنه الشرع وقبحه، وظاهر كلا المصنف يقتضي تفضيل الأنبياء على الملائكة على جميعهم الصلاة والسلام وهو المختار عند أهل الحق على ما يأتي إن شاء الله تعالى. قال التادلي: وهذا الأخذ يتأتى إذا جعلت "من" في قوله: "من خلقه" لبيان الجنس وإن جعلت للتبعيض فلا.
(فهدى من وفقه بفضله وأضل من خذله بعدله):
الهدى هو البيان والإرشاد ومنه قوله تعالى: (وهديناه النجدين) [البلد:١٠]
وهديناه السبيل أي بينا له طريق الخير والشر وقيل: هي المعرفة فمن سبقت له العناية الأزلية وهي التوفيق اهتدى وسلك طريق الخير ومن لم تسبق له العناية أضله الله وصرفه عن طريق الخير.
فهداية المهتدين وسلوكهم طريق الخير إنما هو بفضل الله ﷿ إذ ليس ذلك عوضا من شيء ولا سابقة استحقاق للعبد ولا يجب ذلك على الله تعالى بل هو فضل محض والإضلال والخذلان منه عدل إذ هو تعالى مالك لجميع الأشياء ولا حجر عليه فيها وذلك نفى الله تعالى الظلم عن نفسه فقال تعالى: (ومارك بظلام للعبيد) [فصلت:٤٦]. قال بعضهم كل وصف صالح وصالح ورد في القران مكررا مرتين أو أكثر إلا التوفيق فإنه لم يرد إلا مرةواحدة في قوله تعالى: (وما توفيقي إلا بالله) [هود:٨٨]. تنبيها على قلة المتصف به قيل له: قد ذكره في مواضع آخر في قوله تعالى: (إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا) [النساء:٦٢]
وقوله: (إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما) [النساء:٣٥]
قال هذا توفيق دنيوي والذي لم يتكرر التوفيق الأخروي.

1 / 9

(ويسر المؤمنين لليسرى وشر صدورهم للذكرى فآمنوا بالله بألسنتهم ناطقين وبقلوبهم مخلصين)
يسر أي هيأ، ومنه قوله ﷺ "وكل ميسر لما خلق له"
واليسرى قيل المراد بها الجنة أو الخير أو طريقهما لأن طريق الخير عاقبته يسر ويجوز أن يراد بالتيسير تهوين فعل الطاعات بأن يجعلها فيهم محبوبة لهم حتى تكون عليهم أهون الأمور وأيسرها.
ومعنى شرح: فتح ووسع ومنه شرح المسائل إذا بسطها وعبر بالصدور عن القلوب كما يعبر عنها بالأفئدة وهو من التعبير عن الشيء بمحله أو بمجاوره، والذكرى مصدر ويراد به الموعظة فنور قلوبهم، ووسعها حتى قبلوا المواعظ واهتدوا بها، وتعلموا مقتضاها فكان ذلك سببا لإيمانهم بوجود الله تعلى ووحدانيته، وكتبه ورسله واليوم الآخر، فأمنوا بالله نطقا واعتقادا وعملا بما أتتهم به الرسل امتثالا وتصديقا بقول الله تعالى: (وما ءاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) [الحشر:٧]
ووقفوا عند ما حد لهم.
(أما بعد، أعاننا الله وإياك على رعاية ودائعه وحفظ ما أودعنا من شرائعه):
أي ما بعد ما سبق قيل إن رسول الله صلى الله ﵇ كان يقولها في خطبه. قال جماعة: هي فصل الخطاب الذي أوتيه داود ﵇، وقيل: هو أول من قالها. وقيل: أول من قالها قس بن ساعدة، وقيل: كعب بن لؤي وتسمى كلمة إقبال وفصل وتفصيل وفيهما معنى الشرط، والتحقيق أن الفصل والشرط إنما هو في إما خاصة دون بعد فقيل إن أما

1 / 10

حرف تفصيل نابت عن حرف الشرط وفعله.
وبعد بضم الدال وأجاز الفراء أما بعد بالنصب والتنوين وأجازه هشام بفتح الدال دون تنوين، وأنكره النحاس وفي علة ضم يعد للنحويين بضعة عشر قولا وهي كلمة توضع في صدور الرسائل عند إرادة المقصد قال ثعلب: معناها خروج عما نحن فيه إلى غيره وفيها معنى التنبيه. وقول الشيخ، وإياك: خطاب للمؤدب العابد محرز وإن كان دخل معه في الضمير في أعاننا ولكن أراد أن يفرده بالذكر لأنه الذي سأله تأليف الرسالة وهكذا قال غير واحد من التونسيين وغيرهم كابن سلامة وناصر الدين.
وقال أبو زيد عبدالرحمن بن الدباغ القروي صاحب معالم الإيمان الذي سأله تأليفها هو الشيخ الصالح أبو إسحاق إبراهيم السبائي وهو ضعيف ولا يقال إنهما معا سألاه وأسعهما جميعا لأن إفراد الضمير يأباه، وأيضا فإنه قوله: كما تعلمهم حروف القرآن يدل على أنه المؤدب محرز لأني لا أعلم أحدا ممن تعرض لمناقب أبي إسحاق ذكر أنه كان مؤدبا وقدم الشيخ نفسه في الدعاء تأديبا بآداب الشريعة بالكتاب والسنة، أما بالكتاب فقوله تعالى: (واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات) [محمد:١٩]
(رب اغفر لي ولوالدي) [نوح:٢٨]
(ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان) [الحشر:١٠]
، وأما بالسنة فروى أو داود في سننه أنه ﷺ كان إذا دعا بدأ بنفسه وقال ﷺ "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" فإذا طلب تقديم النفس في الدنيا فطلبه في أمور الآخرة أولى وقال الشيخ ناصر الدين خلاف ذلك قال: فإن قلت لم قدم نفسه في الدعاء وكان الأولى تقديم غيره فيقول أعانك الله وإياي، إذ هو أتم في الإيثار.
فالجواب لا نسلم أنه قدم نفسه فقط لجواز أن يكون الضمير في أعاننا أراد به نفسه والسائل، فإن قلت: لا فائدة إذن في قوله وإياك قلت فائدته تحقيق الغير في الدخول. والرعاية والحفظ والكلأ والمراقبة، كلها بمعنى واحد وهو القيام بالشيء والاحتفال به.
والودائع: الأمانات وقيل العبادات كالوضوء والصلاة وقيل الجوارح وقيل لا يمتنع أن تكون الودائع مجموعة ما تقدم لأن الإنسان راع على جوارحه وعبادته وجميع

1 / 11

تصرفاته. وقد قال ﵇ "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" والشرائع جمع شريعة وهي أحكام الله تعالى التي تتلقى من رسله وحفظ الشرائع الإتيان بها من جميع جهاتها من فرض وسنة وفضيلة.
(فإنك سألتني أن أكتب لك جملة مختصرة من واجب أمور الديانات):
السؤال والالتماس يكون من المتماثلين والدعاء من الأدنى إلى الأعلى والأمر عكسه هكذا قال بعض من شرحها وليس كذلك قال في الجمل: واللفظ المركب إن دل بالقصد الأول على طلب الفعل كان مع الاستعلاء أمرا ومع الخضوع سؤالا ومع التساوي التماسا والجملة من أجملت الشيء إذا لم تفصله ومنه أجملت الحساب إذا جمعت بعضه إلى بعض والاختصار والتعبير باللفظ القليل عن المعنى الكثير.
والأمور جمع أمر، والأمر تارة يراد به الفعل والشأن وتارة يراد به القول الطالب للفعل على سبيل الاستعلاء فالذي بمعنى القول يجمع على أوامر، والذي بمعنى الفعل، والشأن يجمع على أمور فلذلك أضاف الواجب إلى الأمور لأن الأحكام الشرعية هي المتعلقة بأفعال العباد وأفعال العباد لا تخرج من نطق اللسان واعتقاد القلب وعمل الجوارح، والألسنة: جمع لسان يذكر ويؤنث ويقع على العضو المعروف.
ويقع على اللفظ والكلام فمن ذكره ذهب به مذهب الدليل ومن أنثه ذهب به مذهب الحجة. والقلوب: جمع قلب والجوارح الكواسب وهي أعضاء الإنسان التي يكتسب بها الخير والشر.
(وما يتصل بالواجب من ذلك من السنن ومن مؤكدها ونوافلها ورغائبها وشيء من الآداب منها):
اعلم أن كل مطلوب بالشرع ليس بواجب يصح أن يطلق عليه مندوب ومسنون ومرغب فيه وفضيلة ونافلة إلا أن الفقهاء لا سيما المالكية خصوصا خصوا كل لفظ بمعنى يخصه فقالوا الفرق بين السنة والفضيلة والنافلة: أن السنة ما فعله النبي ﷺ وداوم عليه وأظهره في الجماعة ولم يدل على وجوبه كالوتر، والفضيلة والمرغب فيه ما كان دون السنة في الرتبة إما لأن النبي ﷺ لم يفعله في الجماعة كركعتي الفجر أو لم يداوم عليه كصلاة الضحى.

1 / 12