القواعد في توحيد العبادة

القواعد في توحيد العبادة

Editorial

دار الأماجد للطباعة والنشر

Edición

الأولى

Año de publicación

١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧ م

Ubicación del editor

الرياض

- أ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد:
فقد بعث الله الأنبياء والرسل بتبليغ التوحيد ولبيانه؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]؛ ومن أجله خلق الله الخلق، وأُنزلت الكتب، وتفرق الناس لأجله بين شقي وسعيد، فأما الموحد فهو من أهل السعادة، وأما المشرك فهو من أهل الشقاء، وهو من أول ما يدخل به العبد في الإسلام؛ فغير الموحد لا يعتبر مسلمًا البتة كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾ [المائدة: ٥]، وكما قال رسول الله ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله؛ فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله" (^١)، والتوحيد هو مفتاح دعوة الرسل، ولهذا قال النبي ﷺ لرسوله معاذ بن جبل ﵁ وقد بعثه إلى اليمن-: "إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله

(^١) رواه البخاري برقم (٢٥)، ومسلم برقم (٢٢).

المقدمة / 1

- ب -
إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة" (^١) وذكر الحديث، وهو أول واجب على العبد، وآخر ما يجب أن يخرج به العبد من الدنيا كما قال رسول الله ﷺ: "من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة" (^٢).
وقد مكث النبي ﷺ في مكة ثلاث عشرة سنة يدعو الناس إلى التوحيد، فآمن به من آمن، وكفر به من كفر، فهاجر بعد ذلك فرارًا بدينه إلى المدينة إلى أن توفاه الله، فسار الصحابة ﵃ على نهج نبيهم في الدعوة إلى التوحيد، ففتحوا الأمصار ونشروا الدعوة واستمر الحال إلى زمن التابعين وأتباعهم إلى أنْ ظهرت الفرق المخالفة للسُّنَّة كالجهمية ثم المعتزلة ثم الكلابية، وكان انحرافهم في الصفات والتوحيد، لذا بذل العلماء جهودهم في الرد على المنحرفين في توحيد الأسماء والصفات، مثل كتب الرد على الجهمية للإمام أحمد بن حنبل والدارمي والبخاري وغيرهم من أهل العلم.
ثم حصل بعد القرون الثلاثة المفضلة انحراف في توحيد العبادة على يد الرافضة -أهل قم- فنشروا شرك الوسائط في الأمة، فاهتم العلماء بالرد على المنحرفين في هذا التوحيد وخاصة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وتلامذته، ثم بعد ذلك الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتلامذته، فألَّفوا المؤلفات العظيمة في تقرير توحيد العبادة وبيان نواقضه، وهذا بفضل الله ورحمته.
وفي هذا العصر اهتم طلبة العلم ببيان مصطلحات التوحيد وبيان

(^١) رواه البخاري برقم (١٣٣١).
(^٢) رواه أبو داود والحاكم وقال الشيخ الألباني: صحيح.

المقدمة / 2

- ج -
قواعده، فسجِّلت الرسائل العلمية العالمية (الماجستير والدكتوراه) في بيان المصطلحات (^١) العلمية للتوحيد وقاعدته؛ والمصطلحات العقدية لها أهمية بالغة، إذْ تحدد معاني الألفاظ الشرعية على مذهب أهل السُّنَّة والجماعة والرد على الطوائف المخالفة فيها، قال شيخ الإسلام: (وهذه الحدود معرفتها من الدين في كل لفظ هو كتاب الله وسُنَّة رسوله ﷺ ثم قد تكون معرفتها فرض عين وقد تكون فرض كفاية، ولهذا ذم الله تعالى من لم يعرف هذه الحدود بقوله تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٧]، وبالجملة فالحاجة إلى معرفة هذه الحدود ماسة لكل أمة، وفي كل لغة، فإن معرفتها من ضرورة التخاطب، الذي هو النطق الذي لا بد منه لبني آدم (^٢).
ومن جملة من اهتم من طلبة العلم في هذا العصر ببيان مصطلحات التوحيد وبيان قواعده: الأخ/ محمد باجسير؛ فقد بحث في رسالة الماجستير بعنوان: مصطلحات توحيد العبادة، وأما بحثه في الدكتوراه فهو في بيان قواعد توحيد العبادة، فيعتبر الدكتوراه هي امتداد للماجستير، إذْ أنَّ موضوعهما واحد، ألا وهو توحيد العبادة، وقد أجاد فيهما.

(^١) أ - كأطروحة الدكتوراه بعنوان: "الألفاظ والمصطلحات المتعلقة بتوحيد الأسماء والصفات -جمعًا ودراسة"- للدكتورة: أسماء السلمان.
ب - أطروحة الدكتوراه بعنوان: "الألفاظ والمصطلحات المتعلقة بتوحيد الربوبية -جمعًا ودراسة-".
ج - أطروحة الدكتوراه بعنوان: "الألفاظ والمصطلحات المتعلقة بالنبوات -جمعًا ودراسة-" للدكتورة: منيرة العقلا.
د - أطروحة الماجستير بعنوان: "المصطلحات الكلامية في أفعال الله -عرض ونقد-" للباحث: أحمد محمد طاهر؛ وغير ذلك من الرسائل العلمية.
(^٢) الرد على المنطقيين لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص ٤٩ - ٥١)، وانظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (٩/ ٩٥).

المقدمة / 3

- د -
هذا وأسأل الله التوفيق للباحث والأجر والثواب.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان.
كتبه
أ. د. محمَّد بن عَبد الرَّحمن الخَميِّس
أستاذ العقيدة في حلية أصول الدين

المقدمة / 4

- هـ -
مُقَدِّمَةُ المُعتَني باِلكِتَاب
إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وبعد: فإن علم التوحيد أشرف العلوم وأفضلها، وأرفعها مكانة وأجلها لتعلقه بذات الباري سبحانه، وتضمنه معرفة أسمائه وصفاته وأفعاله والعلم بما أنزل من كتبه وأرسل من رسله، ولتأكيد أهميته وعُلوّ شأنه، ونُبل غايته وعظيم منزلته، خلق من أجله الخلق وأجرى عليهم الرزق كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)

المقدمة / 5

- و-
مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
واتفقت كلمة جميع المرسلين عليهم الصلاة والتسليم على الدعوة إليه ونصرته والجهاد في سبيله، كما في قوله سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقوله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ [الزخرف: ٤٥]. فأمرُ توحيده تعالى إذًا: الدلالة على أمره ونهيه، ومعرفة وعده ووعيده، وإقامة دينه وشرعه، لذا وُضعت من أجله الدواوين، ونُصِبت بشأنه الموازين، وكان الثواب والعقاب، والجزاء والحساب، وافتراق العباد، فريق في الجنة وفريق في السعير.
ولما كان "من المِحَال أن تَسْتَقِلّ العقول البشرية بمعرفة ذلك وإدراكه على التفصيل اقتضت حكمة العزيز الرحيم أن بعث الرسل به مُعَرِّفِين وإليه داعين، ولمن أجابهم مبشرين، ولمن خالفهم منذرين، وجعل مفتاح دعوتهم وزبدة رسالتهم معرفة المعبود سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله؛ إذ على هذه المعرفة تنبني مطالب الرسالة جميعها، وأن الخوف والرجاء والمحبة والطاعة والعبودية تابعة لمعرفة المرجو المخوف المحبوب المطاع المعبود" (^١).
ثلَاث عشرةَ سَنَةً في مكة والنَّبيُّ ﷺ يدعو إليه، ويغرس جذوره في أعماق النفوس، ويبني أُسُسَهُ ودعائمه في سويداء القلوب، ويثبت أَركانه في الوجدان؛ حتى اتضحت سبيله للسالكين، وبانت معالمه للراغبين، فأَظهر الله الحق وأَزهق الباطل، وأَضاءت القلوبَ أَنوارُ التوحيد الخالص، فَجلتْه من أَوضار الشرك، وصقلته من أَدران التنديد.

(^١) مقدمة الصواعق المرسلة للإمام ابن القيم ﵀: (١/ ٥).

المقدمة / 6

- ز -
بقيت العقيدة على صفائها ونقائها وطهرها؛ حتى إذا قضى الله أمرًا كان مفعولًا، ودخل في دين الله من لم يتشرَّب قلبه التوحيد الخالص، حدث في النَّاس الخلل، وتفرَّقت بهم السُّبل، وراجت المذاهب المنحرفة، والأفكار الهدَّامة، وأَطلَّت الفتن برأسها، وفشت البدع ببؤسها، حتى إذا زاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، وابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالًا شديدًا، قيَّض الله من أَئمَّة الهدى، ومصابيح الدجى من يعيد النَّاس إلى مشكاة النبوة وقلعة الإيمان، ويكشف لهم زيوف الباطل، ويدحض شُبَه المبطلين، ويردَّهم إلى منهج السَّلف الصَّالح.
إنَّ المتبصِّر في تاريخ الأُمَّة الإسلاميَّة؛ ليرى أن عزَّتها وعلوَّها وغلبتها ودينونة الأُمم لها مرتبطة بصفاء عقيدتها، وصدق توجهها إلى الله، واتباعها لأَثر النَّبيِّ ﷺ وسيرها على منهج السَّلف الصَّالح، واجتماعها على أَئمَّتها، وعدم منازعتهم في ذلك، وأَنَّ ذلها وضعفها وانخذالها، وتسلط الأُمم عليها مرتبط بانتشار البدع والمحدثات في الدِّين، واتخاذ الأَنداد والشركاء مع الله، وظهور الفِرَق الضالَّة، ونزع يد الطاعة، والخروج على الأَئمَّة.
إنَّ الانحرافات العقدية، والحيدة عن منهج السَّلف الصَّالح، والانخداع بزخرف قول أرباب المذاهب المنحرفة هو الذي فرق الأُمَّة، وأَضعف قوتها، وكسر شوكتها، والواقع شاهد على ذلك، ولا مخرج لها من ذلك إلَّا بالرجوع إلى ما كان عليه النَّبي ﷺ وأصحابه وأئمَّة الهدى، فلن يصلح آخر هذه الأُمَّة إلَّا بما صلح به أَولها.
ومن هنا تأتي أهمية العناية بهذا الأمر، وتربية الناشئة عليه وتصحيح المسار إليه حتى لا تتشعب بها السُبل فتضل في متاهات الأهواء والفتن. وقد وفق الله عددًا من مشايخنا وعلمائنا ونفرًا من طلبة العلم المخلصين إلى الاهتمام بهذا الموضوع العظيم، تقريرًا واستدلالًا،

المقدمة / 7

- ح -
وتأصيلًا وتقعيدًا، وتأليفًا وإبطالًا لما يُضادُّه، ويُناقِضه ويُعارضُه من شُبَهِ أَهْلِ الضَّلالِ والانحرافِ في هذا الباب.
وكان منهم صاحب الفضيلة الشيخ الدكتور محمد بن عبد الله باجسير في كتابه الماتع "القواعد في توحيد العبادة وما يضاده من الشرك عند أهل السُّنَّة والجماعة -جمعًا ودراسة-".
وفّقه الله وبارك في علمه وعمله وأهله وذريته، وهو كتاب نفيس فيه تأصيل بديع وتوجيهات رصينة لا يستغنى عنه طلاب العلم ولا يشبع منه العلماء.
كما أسأله جلّت عظمته أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، مقربًا إليه نافعًا لعباده إنه سميع مجيب وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
كتبه الفقير إلى عفو ربه ورحمته
عَبدُ الجَبَّار بن عَبدُ العظيم بن محَمَّد آلَ مَاجِد
غَفرَ الله لَه وَلوَالدَيْه ولجميع المُسلمِينَ
Email: a.j.majid@hotmail.com

المقدمة / 8

المُقَدِّمَة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾. [الأحزاب؛ ٧٠، ٧١].
أما بعد:
فَمِمَّا لا يَخْفَى على كلّ مسلمٍ بَصِيرٍ في دِينِهِ أن اللهَ تعالى أرسلَ جميعَ رسلِه بالدعوةِ إلى التوحيدِ وإفرادِه بالعبادةِ دونَ غيرِه؛ والغايةُ من خلق الخلقِ هو إفراد الله بالعبادة وهو مقصودِ الرسالاتِ؛ لأنَّ ابتلاء العباد بإرسالِ الرسلِ إنما وقع في معاني الألوهيةِ، أما معانِي الربوبيةِ فقد كانت مستقرةً عندَ المشركين في الجملةِ، والله ﷿ لا يقبلُ من عبادِه صَرْفًا ولا عَدْلًا بدونِ التوحيدِ الذي هو إفرادِه ﷾ بالعبادةِ، والناظرُ في كلامِ اللهِ يَجِدُ الله قد أكثرَ من ذكر توحيد العبادةِ؛ لأنَّه المقصودُ من دعوةِ

1 / 5

المشركين، فَقَدْ ذكره اللهُ تعالى في غالبِ سورِ القرآنِ وبيَّنَ أدِلَّتَه بطرق عديدة، وحاجَّ المشركين في تركِ عبادتِه وحدَه واتخاذِ الأندادِ والأصنامِ من دونه، وهكذا كان شأن رسولِنا ﷺ وصحابتِه الكرامِ ﵃ في دعوتِهم إلى اللهِ ﷿، ظَهرَ ذلك في حِرْصِه ﷺ وسدِّه لأبوابِ الشركِ بكلِّ الطرقِ والوسائِل، وكذا صحابته من بعده فقويَتِ الأُمّةُ في عَقِيدَتِها، وصارَت صلتُها عظيمةً بربِّها ﷿، وَرَسَخَتْ عَقِيدَةُ التوحيدِ في القلوبِ، وسارَتِ الأمّةُ على هذا التوحيدِ رَدْحًا من الزمن ثم بدأ الشركُ في هذا الباب وغيره يَدُبُّ إليهم من جديدٍ، ويَسْرِي فِي كثيرٍ منهم سَرَيَان الرُّوحِ في البدنِ، وإلى اليوم تعاني الأمة من الانحرافِ العظيم، والضلالِ الواضحِ في أصلِ دعوةِ الأنبياءِ والمرسلين، فانتشرَ بَيْنَهم الشِّرْكُ بكل أشْكَالِهِ وصوَرِهِ، وتَعَلَّقَ كثير من الأمّةِ بغيرِ اللهِ تعالى، وصرفوا صنوفًا من العباداتِ والتَّقَرُّباتِ إلى البشرِ دونَ اللهِ تعالى، فأُصِيبَتِ الأُمّةُ بسببِ ذلك بالضعفِ والذلةِ، وَتَكَالُبِ الأَعْداءِ عليها، وأخذوا منها كُلَّ مأخَذٍ.
ولذا كان الاهتمامُ بهذا النوعِ العظيمِ من التوحيد (^١) في كلام أهل العلم في مُقَدِّمَةِ المَهَام؛ تقريرًا واستدلالًا، وتأصيلًا وتقعيدًا، وإبطالًا لما يُضادُه، ويُناقِضُه ويُعارضُه من شُبَهِ أَهْلِ الضَّلالِ والانحرافِ في هذا الباب.
ولقد قُمْتُ بتوفيقٍ مِنَ اللهِ ﷿ في مرحلةِ الماجستير بجمع المصطلحات والألفاظِ المُتَعَلِّقَةِ بتوحيدِ الألوهيةِ وَمِنْ ثَمَّ دِرَاسَتُها وذِكْرُ أقْوَالِ العلماءِ في بيانِها، فَظَهَرَ لي من خلاله أهمِّيَةُ التَرْكِيزِ على القواعدِ والضوابطِ التي تَضبِطُ هذا البابَ وَتُبِيِّنُ الأُسُسَ التي يُبْنَى عليها فَقَاعِدَةُ الشيءِ هي أصلُهُ وأَسَاسُهُ.

(^١) لا يعني هذا إهمال بقية أنواع التوحيد؛ فإنها هي أصله وأساسه، ولا يستقيم عمود توحيد العبادة بدون توحيد الربوبية أو الأسماء والصفات، كما سيأتي مفصلًا تقرير ذلك في قاعدة مستقلة. [انظر: (ص ٤٤٠، ٦٦٠)، من هذه الرسالة].

1 / 6