لقد فكرت في مسألة القضاء والقدر فوجدت لي فيها مجالا وفي المقام مقالا , فألقيت إليكم أن الكفر وجميع المعاصي بقضاء الله وقدره , فقبلتم مني وجعلتم ذلك عمدة لكم وأحلتم كل قبيح يحدث في العالم على القضاء والقدر.
وأنكرت المعتزلة ذلك أشد الإنكار وقالوا: ما معنى قولكم كل شيء بقضائه ؟ إن أردتم (بخلقه) فمعاذ الله أن يكون الكفر بقضائه وخلقه , وإن أردتم (بأمره) فهو خلاف الإجماع لأنهم أجمعوا [على ] أنه لا يأمر بغير الطاعات , وان أردتم ( العلم والبيان ) فنحن نقول إنه يعلم جميع الأشياء قبل كونها لأنه عالم لذاته لا يخفى عنه خافية في الأرض ولا في السماء . وقالوا : ثبت في دين النبي _صلى الله عليه وعلى آله وسلم _ أن الرضا بقضاء الله واجب , فلو كان الكفر بقضائه لوجب الرضا به , والرضا بالكفر كفر , وتلوا قوله تعالى : { ولا يرضى لعباده الكفر }. وقالوا : من قال إنه يرضى الكفر فقد خالف النص . وقاموا على رأس هذا الأمر , فأعياني أمرهم وبهتني شأنهم .
واجتمعت أنا وهم في مجلس فجرى ذكر القدرية وأنهم مجوس الأمة على ما وردت به السنة . فقالت المعتزلة : القدرية هم المجبرة لوجوه أربعة :
أحدها : أن هذا الاسم أخذ من القدر , وإنما يؤخذ من الإثبات لا من النفي كالموحدة والمشبهة والمجسمة , وقد اختلفنا في أن المعاصي بقدر الله أم لا , فقلتم بلى وقلنا لا , فأنتم بالاسم أولى منا .
وثانيها : أنكم لهجتم بذكر القدر في كل قضية وفي إضافة القبيح إليه , فنسبتم إليه كما يقال تمري ولبني .
وثالثها : روي أن النبي _صلى الله عليه وعلى آله وسلم _ سئل عن القدرية من هم ؟ فقال : قوم يعملون المعاصي ثم يقولون إن الله قدرها عليهم .
Página 40
الباب الأول في ما صدر به الرسالة من الشكوى
الباب الرابع في القضاء والقدر وذكر القدرية
الباب الخامس في خلق الأفعال
الباب السادس في الاستطاعة
الباب السابع في الإرادة والكراهة
الباب الحادي عشر في الآجال والأموات والأرزاق
الباب الثاني عشر في جزاء الأعمال والوعيد
الباب الثالث عشر في ذكر السلف
الباب الخامس عشر في ذكر المذاهب
الباب السادس عشر في القتال
Carta de Iblis a sus hermanos los infortunados | Usul