El jardín resplandeciente en la biografía del rey al-Zahir
الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر
... ... ... صلى الله عليه وعلى آله وصحبه،
وبعد : فإنه لما كانت السيرة طراز الدول، ومرآة يرى الناظر فيها أحوال الملوك الأول، وشهادة على ما يحسن كل منهم أو يسيء فيه من قول وعمل ؛ وبها يعلم الناس كيف تصمت الأيام وتصرفت، وبماذا جرت وتوقفت، وعلى ماذا أقبلت عليه من خير وشر وتقفت ؛ فلم تخل دولة من الدول من مؤرخ يسطر أخبارها، ويودع الصحف آثارها ؛ وكانت الدولة الشريفة، السلطانية، الملكية، الظاهرية، الركنية - لا زالت في جبهة الدول غرة واضحة، وفي عقد الممالك درة لائحة ! - قد فضلها الله على غيرها، وهيأ فيها من أسباب السعادة ما استدل كل أحد به على خيرها ؛ وقد جمع الله فيها من النصرة والمعدلة والفتوحات ما لا جمعه الدولة مثلها، [ وسخر ] لها من السعادة، وبلوغ الإرادة ما لا سخر لدولة
Página 45
؟]...[ولم يخطر بباله يجرد سیفة المجالدة، ولا يربط فرسا إلا طرب، لا لمجاهدة ؛ ولم يبق أحد إليه بالنصر يشار، ولا ملك يتوهم أن ستكون للمتقين عقبى الدار ؛ فبعث الله السلطان مقوية عزائم أهل الإيمان، ومشجعة هممهم، ومثبتة أقدامهم، ورافعة علمهم ؛ فكانت آراؤه من أكبر أسباب النصرة، وإقدامه وقدومه من أعظم دواعي الفتوحات، التي جاءت من تخاذل الملوك على فترة ؛ وترتب على ذلك كل نصر عزیز، وفتح وجيز، وحرز للأمة حريز ؛ وكان ما سيذكر في مكانه، ويستقصي في بيانه - وجب أن تسطر سيرتها لتبقى على ممر الأيام، وتكتب حسناتها، وإن كانت قد كتبتها الملائكة الكرام. وكان المملوك الأصغر مشاهدها سفرة وحضرة، ومعاينة لا خبرة، والمطلع على غوامض أسرارها، وتسطير مبارها .
خدمت الخزانة المعمورة بجمع هذه السيرة ....... [ بيد ]اعها كل حسنة، وتضمينها كل مكرمة، لا يحتاج بيانها ....... عيانا فنقلته، ومنه ما سألته ......................... والسائس الذي أجرى الأمور على أحسن الأوضاع.
وها أنذا أذكر كل شيء منه في موضعه، وأبينه في مكانه، وأجلوه عن عين الناظر ومسمعه، وأثبته في مكانه وأوقعه. والله ولي التدبير، وإياه أسأل إجمال التأثير ، بمنه وكرمه، وهو حسبنا ونعم الوكيل !
Página 46
هذا السلطان، الملك الظاهر ركن الدين أبو الفتح بيبر س بن عبد الله الصالحي النجمي، تركي، برلي الجنس، تنقلت به إلى السعادة همته العالية، ووصلته إلى المواطن الشامية، فاختص بالسلطان الشهيد الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملاك الكامل ناصر الدين محمد بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب - رحمهم الله أجمعين ! - وهو الملك الذي فاق الملوك، وسلك في المهابة والعفة أحسن السلوك، ولم يشر قبله ملك حاز ما حاز من الوقار، ولا جمع لغيره ما جمع له من الفخار، ولا احتمی ملك بما احتمی به من الأنصار ؛ تهذب بأخلاقه، وتعلم من شريف أعراقه، واستفاد منه حسن السجايا الملوكية وتعلمها، والتهم المزايا المرضية وتفهمها، وكان فيه استعداد انطبع فيه تلألؤ تلك الأنوار المضيئة، وقبول تلقي عدوی كذا تلك الأخلاق الرضيئة، فسمت إلى ترقي منازل الملك نفسه، وصدق في طلب حياطة الخلائق حدسه؛ وكانت السلطنة في وجه أفعاله تلوح، والفراسة بما سيجعله الله منها تبوح. ولم يزل من أكبر جمدارينه ؟ الخواص، وأوليائه الذين لهم به أعظم اختصاص، حتى انتقال السلطان الشهيد إلى جوار ربه، وخصه الله بشریف تر به، فأقام السلطان الملك الظاهر بين خشداشيته كالشمس بين الكواكب الزاهرة، وكالأسد بين الأشبال الخادرة، يتدرب في غزو الكفار، ويديم الجهاد" آناء الليل، وأطراف النهار، لأن وفاة الشهيد كانت بالمنصورة عندما قصد الفرنج الديار المصرية في سنة سبع وأربعين وستمائة، وذلك في ليلة الاثنين منتصف شعبان من السنة المذكورة ؛ ففعل في الجهاد ما وصلت همته إليه، وجاهد في الكفار جهادة أثابه الله عليه.
Página 48
واتفق حضور الملك المعظم وجلوسه في دست المملكة، وخدمه مماليك والده كلهم أتم خدمة، وبذلوا له ما يستحقه مثله من أولياء النعمة ؛ اعتقادا منهم أن ذلك فيه يفيد، أو أنه يأتي برأي سديد، وفعل رشيد ؛ فشرع في تقديم من معه من الأطراف والسفل، وأخذ أمره في استعجال قاده إلى الوهل ؛ فصار يتوعد مماليك والده، الذين رباهم كأولاده، بقطع الأخباز، ونهب الأموال ؛ وكتبت مناشير ا كثيرة ما سمي فيها اسم أحد، إلا خليت مواضع الأسماء ليجعل مكان كل واحد من أمراء والده واحدة من غلمانه الأطراف الأوباش ؛ وصار يقدم قومة الاخلاق" لهم، ومن جملتهم عبد أسود، نوبي الجنس، جعله أمير جانداره ، وأقطعه الإقطاعات العظيمة، وأفاده النعم الجسيمة ؛ وغيره من العبيد الخدام، الذين هم كالأنعام ؛ ولم يرع لأمراء والده ومماليكه فضل التربية، ولا حقوق" الخدمة، ولا ما قاسوه معه في بلاد الشرق، وصبروا عليه من ملازمة الفاقة، ومداومة التعب، ولا كونهم حموا رأسه عند وصوله إلى مصر من الأعداء، ولا كونهم كسروا الفرنج في نوبة غة، وفتحوا له دمشق وطبرية، وعسقلان.
Página 49
ولم يفد كل ذلك عنده، وشرع في فساد الأحوال، وإعطاء من لا يستحق، وإحرام من يستحق ؛ ويتوعد من لا ذنب له، ويغري الناس بالناس، وكان ذلك في وقت لا يحتمل مثل هذه الأمور. واتفق ما قدره الله سبحانه وتعالى من هروب ريدا فرنسا وجماعة الفرنج، وركوب الناس خلفه ؛ والملك المعظم لا تحدثه نفسه بركوب فرس القتال، بل إنه ركب في مركب على صورة متفرج، وكان الواجب عليه الركوب، واجتماع الناس عليه، وإظهار الشهامة والصرامة، والإحسان إلى من رآه بذل نفسه في سبيل الله، واقتحم المهالك، لأن الناس إذا رأوا ملكتهم قد ثبت جأشه، وأعطى من أظهر شجاعة، تشبهوا من بعضهم البعض، وقاتلوا، هذا لله وللدين، وهذا للشكر والثناء، وهذا للإقطاعات والعطاء. فرحم الله المسلمين، ونصرهم على عدو الدين، وأسوا ريدا فرنس، وجماعة من الفرنج. وبقيت دمياط في يد الكفر، وهو لا يرجع عن ذلك التخليط، وزاد في تغليث قلوب الناس. فلما رأى السلطان الملك الظاهر هذه الأمور القبيحة، والأسباب التي هي من أكبر فضيحة ؛ وبلغه. سوء اعتماده في حق حريم والده السلطان الشهيد، الذين كانوا عنده في حصن کیفا ، وما تجرأ عليه من الفتك بجدته والدة السلطان الشهيد، عندما أنكرت عليه أمورة لا ترضي، على ما ذكر. وصار الملك المعظم يتنقص والده، ولا يرضى عن شيء من فعله، ولا يحلف الا بتربة الملك الكامل جده. وآل الأمر به إلى أن صار يبسط السجادة، ويقوم يصلي وهو على غير طهارة، وتدخل إليه الكيزان مملوءة خمرة على أنه ماء، ويشرب ذلك بحضور الناس ؛ ويكون جالسة صاحية، فيتفكر ساعة، ويشقق ثيابه بغير سببا - غار السلطان بخوشداشيته، وعلم أن الملك المعظم المذكور لا يتأتى منه خير، ولا يجي منه ملك يقيم منار بيته، وتبقى كلمة السلطنة باقية في عقبه ؛ وأنه متى اطمأن، وأمن، أهلك الحرث والنسل، وبدد الشمل ؛ وأدی ذلك إلى انقراض الدولة الصالحية، وهلاك أمرائها في الحبوس، وأخذ أموالهم وإعطائها لغيرهم من شيعته الأوباش ؛ فوثب هو وجماعة من خوشداشيته عليه، وثبة الأسد المفترس، وانصبوا إليه انصباب الستيل المحتبس ؛ فكان ما قدره الله من انتقاله. وللوقت اجتمع الناس، واتفقوا ولم يرق دم آخر، وسكنت الفتنة، وطابت القلوب. ولما رأى ريدا فر نس ما جرى خاف على نفسه وستم دمياط، ودخلت العساكر إلى القاهرة، وانعكف الناس على خدمة السلطان، وقامت له المهابة في قلوب العالم.
Página 50
ذکر خروجه للعربان
لما دخلت العساكر إلى القاهرة من المنصورة بعد أن جرى ما ذكرناه، مال عربان الصعيد إلى الفتنة، ونهب البلاد، وحشدوا الحشود ؛ فجرد عسكر إلى جهتهم، وخرج السلطان في جملة من خرج. وكانت حشود العربان ثلاثة عشر ألفا من فارس وراجل، والسلطان وجماعته في مائي فارس - وذلك ما خبرني به السلطان - فالتجأ السلطان إلى دهروطا، فقام أهلها بنصرتيه، وأحسنوا في خدمته ؛ وأقام إلى تكامل العسكر المذكور، وهو مائتا فارس ؛ ثم ساق فأوقع بالعر بان أشد التكال، وأرمل الحلائل ؛ وفتك بالرجال، وهجم بنفسه على ابن حاتم المقدم فقتله، وأحضر رأسه على رمح، فكسر شوكتهم، وبدد زمرتهم. ولما رد الله إلى السلطان أمر المملكة أحسن إلى أهل دهروط، وكتب لهم بالمسامحات والعطايا، ورعي لهم تلك الحرمة، ولم تضع عنده تلك الخدمة.
ذكر ما فعله السلطان مع الملك المعز، وما فعله الملك المعز في حقه
لما جرى في المنصورة ما جرى اتفق الناس
Página 51
الرأي والتدبير لوالدة خليل، ولد الملك الصالح، لأنها كانت تعرف أخلاقه، ومنازل" أمرائه ومماليكه، فأقام الأمر على ذلك مدة، فداخلت الأمير عز الدين الطمعة في المملكة، وتسمى بالملك المعز، وتسلطين، ثم خاف فرجع عن ذلك، وبقي اللقب له.
Página 52
وصار يقدم جماعة خلف جماعة، ويداري في الظاهر، ولا يجسر إلا على إظهار التبعية، والتسمي بالأتابكيتة. هذا والسلطان والأمير فارس الدين أقطاي يشد ان منه غاية الشدة، ويرد ان أعظم رد ؛ ويمنعانه من كل متعرض، ويحميانه من كل متغرض ؛ ويردعان عنه كل صائل، ويجاوبان عنه كل قائل ؛ وهما سيلفاه إذا صال، وجناحاه إذا جال، ويداه إذا قارعة العيدي، ومثبتاه إذا خار من الدي ؛ وهو يضمر لهما ولحوشداشيتهما الغدر في قلبه، ولا يخفى ذلك على السلطان ؛ وأخذ في تحذير الأمير فارس الدين وتخويفه ؛ وكان الأمير فارس الدين يدل بشجاعته وبكر مه وإحسانه إلى الناس، ومحبتهم له. فلما كان يوم الأحد طلب الأمير فارس الدين فحضر، وحضر السلطان الملك الظاهر إلى القلعة، وكان الملك المعزة قد قرر مع الأمير سيف الدين قطز، مملوكه، وجماعة من مماليكه وأمرائه، قتل فارس الدين ؛ فلما حضر السلطان" معه لم يجسر أحد عليه، وعلموا أنه لا قبل لهم به، وأن يقظته لا تجوز عليها المكائد، ولا تنصب عليها حبال المصائد ؛ فلم يبق لأحد منهم يد يقبضها على سيف، ولا عقل يدري به أين ولا كيف ؛ فقدوا ساعة، فركب السلطان الظاهر والأمير فارس الدين ونزلا ؛ فاجتمع السلطان بالأمير فارس الدين وحذره، واجتمع الملك المعز بمماليكه، وتوعدهم وجزاهم ؛ ثم سيتر خلف الأمير فارس الدين يطلبه لهم قد اتفق، ورأي يستشيره فيه ؛ فحسب السلطان الحساب، وخوفه، فأبى إلا الرجوع، ولكل أجل كتاب . وعاد إلى القلعة، وتم السلطان على حاله محترزا على نفسه، فلم يكن أكثر مما دخل الأمير فارس الدين إلى قاعة العمد بالقلعة، وقام منها إلى قاعة أخرى وإذا بالأمير سيف الدين قطز قد ضربه بالسيف وهو غافل، وأعانه بقية الجماعة، وقتلوه غدرة في دهلييز ضيق، وكتم الأمر
Página 53
وبلغ السلطان أن أمرا جرى في القلعة لم يتحقق ما هو، فقطع بقتل الأمير فارس الدين، ولوفته ركب، واجتمع اليه خوشداشيته، وجماعة كبيرة، وجعل كل أحد يشير برأي، ولا يتفق أحد مع أحد، إلا انقسمت الآراء، وتفرقت الأهواء ؛ وصار هذا قلبه في أهله وأولاده، وهذا خاطره في اقطاعه أو ملكه، وهذا يقول : « مالي ذنب أهرب منه ». وهذا يقول : « أنا فعلت مع الملك المعز خيرة لا بد وأن يكافيني عنه ». وأظلم الليل، وضاقت المدة عن اعتماد حيله، وعلم السلطان أنه إن أصبح الصبح تفرق من بقي إلا القليل، ولم يجد إلى الخلاص من سبيل؛ فساق في جماعة من أهل النجدة، يتبعونه في الرخاء والشدة، وأصبح الصبح فلم يقع أحد له على خبر، ولا رأي أحد له عينة ولا أثرا. وأصبح كل متأخر عنه يؤخذ وينهب، وتهتك حرمته وحريمه ويسلب ؛ والحاضر يقيد، والغائب پز سل خلفه فيمسك ويخشب ؛ فامتلأت بهم الحبوس والأجباب، وتعاون عليهم من كانوا يعتمدون عليه من الأصحاب ؛ فكأنما
وافية، وحرزا حريز ) ؛ فلما زال ظله - لا تلتصه الله ! – أحرقتهم شموس الحتوف، وحل بهم كل أمر مخوف ؛ وطمع فيهم كل من
بكلمة. وصارت الأرض لا تسع الهارب، ويود
Página 54
بأموالهم كل فقير، وسكن أملاكهم ودورهم كل طريد، ولم يظن أحد منهم أنهم تقوم لهم قائمة، وما سبب ذلك إلا تهاونهم في مصالحهم كما يخادع الضبع إذا قيل له أم عمرو نائمة.
ذکر وصول السلطان إلى الشام
لما وصل السلطان إلى الشام تلقاه الملك الناصر صلاح الدين ابن الملك العزيز، صاحب دمشق وحلب، وأكرمه وأكرم من وصل معه من الأمراء خوشداشيته. وتسلسل الهاربون من البحرية إلى السلطان، فجمع شملهم، وصارت لهم به صورة عظيمة، وصار إليهم بالشجاعة يشار، ولمملكة الشام به أعظم افتخار ؛ فحسنوا لهم قصد الديار المصرية، فخرج عسكر الشام، وهو لا يستطيع إقدامة ولا رجوعة.
Página 55