Jardín de los Virtuosos

روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار

Editorial

دار القلم العربي

Edición

الأولى

Año de publicación

١٤٢٣ هـ

Ubicación del editor

حلب

مقدمة [المحقق]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
١- ابن قاسم الأماسي (٨٦٤- ٩٤٠ هـ)
اشتهر هذا العلّامة بأنه «ابن الخطيب» تارة و: «ابن الخطيب قاسم» و«الأماسيّ» و«ابن قاسم» تارات أخرى. وكل ذلك مستمدّ من اسم أبيه حينا، أو أحد أجداده حينا آخر.
وهو محيي الدين، محمد بن الخطيب قاسم بن يعقوب بن أحمد الأماسي الحنفي. أما نسبته فهي إلى «أماسية» وهي بلدة في بلاد الروم (الترك) حيث ولد ابن الخطيب سنة ٨٦٤ هـ، الموافقة لسنة ١٤٦٠ م، وفي هذه المدينة كانت نشأته العلمية الأولى، إذ قرأ العلوم على أبيه، وعلى نخبة من العلماء، كالعلامة علي الطوسي، والمولى خضر بك. واستمرّ على ذلك حتى فرغ من قراءة الأصول والفروع سنة ٨٨٠ هـ وهو في السادسة عشرة من عمره، وهذا يدل على نبوغه مبكرا، وعلى دأبه في تحصيل مختلف العلوم المعروفة في عصره.
وهكذا بدأ فضله يظهر، وشهرته تصعد، وراح يمارس التدريس في بلدته «أماسية» مدّة ثم ترقّى في عمله هذا، حتى أصبح مدرسا في إحدى المدارس الثماني المشهورة في القسطنطينية، وهكذا أمضى بقية حياته في هذه المهنة، متنقلا بين مختلف المدارس في بلاد الروم، كما نصبه السلطان بايزيد خان معلما لابنه السلطان أحمد.

1 / 5

وبقي على هذه الحال، يدرّس ويؤلف الكتب، حتى وافته المنيّة في مدينة «أدرنة» سنة ٩٤٠ هـ الموافقة لسنة ١٥٣٤ م. وصلّي عليه وعلى العلامة ابن كمال باشا صلاة الغائب في الجامع الأموي بدمشق، يوم الجمعة ثاني ذي القعدة من السنة المذكورة.
كان الأماسيّ عالما صالحا متقشفا، مقبلا على العلم والعبادة طوال حياته التي امتدت ستا وسبعين سنة هجرية. وكان طليق اللسان، جريء الجنان، قويا على المحاورة مقتدرا على المناظرة فصيحا عند المباحثة، وكل ذلك جعله يتفوق على كثير من علماء عصره.
وعرف عن الأماسيّ أنه كان ذا أنفة وإباء، وقانعا بما هو فيه، لا يتزلف ولا يتقرّب إلى أحد من الوزراء أو السلاطين، ويقول لطلابه: نحن المخدومون وهم الخدّام، ويقول عن السلطان العثماني: يكفيه فخرا أن يذهب إليه عالم مثل ابن الخطيب (يعني نفسه) .
وقد ساعده ذكاؤه وحبّه للعلم والتعليم على أن يتقن كثيرا من علوم عصره.
فكان عارفا بالحديث النبوي، ذا مهارة في القراءات والتفسير، والتواريخ، واطلاع عظيم على العلوم الغريبة: كالأوفاق والتعبير والجفر والموسيقا، مع المشاركة في علوم أخرى كثيرة، وهذا كله جعله قريبا من الناس، الذين يفدون عليه، أو يسعون إلى استماع دروسه في الحلقات العلمية والدينية، إذ كانت له أيضا يد طولى في الوعظ والتذكير. وكان- إلى ذلك- شاعرا ينظم القصائد بالعربية والتركية.
ألّف الأماسيّ كتبا كثيرة ومختلفة، ومعظمها حواش على شروح بعض المؤلفات، ورسائل وتعليقات في موضوعات مختلفة، ولم يطبع منها سوى

1 / 6

كتاب «روض الأخيار» هذا الذي يجده القارىء بين يديه، وأما سائر كتبه الأخرى فمنها ما هو مفقود، ومنها ما هو مخطوط ومحفوظ في مكتبات العالم، ونذكر، فيما يلي، أشهر مؤلفاته وأهمّها:
١- أنباء الاصطفا، في حق آباء المصطفى (ص) .
٢- تحفة العشّاق. منظومة تركية لطيفة.
٣- حاشية على «شرح الفرائض السراجية للسيد الشريف الجرجاني» «١» ٤- حاشية على أوائل «شرح الوقاية» لصدر الشريعة. وقد حالت بعض العوائق دون إتمام هذه الحاشية.
٥- حاشية على رسالة «السبع أشكال على المواقف» وهذه الرسالة لمصلح الدين، مصطفى القسطلاني المتوفى سنة ٩٠١ هـ.
٦- حاشية على المقدّمات الأربع.
٧- رسالة في الرؤية والكلام.
٨- رسالة في «فضل الجهاد» .
٩- رسالة في «القبلة» ومعرفة سمتها.
١٠- رسالة في مختارات العلم.
١١- رسالة في موضوعات العلوم.
١٢- روض الأخيار وهو الذي نخصّه بالتعريف الآتي.

1 / 7

٢- روض الأخيار:
العنوان الكامل لهذا الكتاب هو: «روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار» . وعنوانه هذا يدل على مضمونه ومحتواه. فقد انتخبه الأماسي من كتاب ضخم للزمخشري (٥٣٨ هـ) عنوانه «ربيع الأبرار»، وهذا الكتاب- كما قال الأماسيّ- «بحر زاخر لا تدرك غايته، ولا ترجى نهايته» وهذا ما حفزه إلى الاختيار منه على وجه الاختصار مع الزيادة عليه. ويوضح الأماسي ذلك بقوله:
«استخرجت من نخب فرائده، وكتبت من نكت فوائده ما استحسنته على وجه الاختصار، متجنّبا عن الإملال الحاصل من الإكثار، ليسهل ضبطه على الطالبين، ولتكثر فيه رغبة الراغبين. وألحقت به ما عثرت عليه في كتب الأدباء.
وما سمعته من أفاضل العلماء من لطائف الحكايات وعجائب العبارات، وسمّيته بروض الأخيار، المنتخب من ربيع الأبرار..» .
وقدّم الأماسيّ كتابه هذا هدية إلى سدّة السلطان سليمان بن السلطان سليم خان.
وهذا الكتاب يعدّ من كتب الأدب والثقافة العامّة، أو ما يسمى قديما «علم المحاضرات» وهذه التسمية تطلق على الكتب التي تعنى بالأدب، شعره ونثره، وتسعى إلى تزويد القارىء بمختلف الموضوعات والعلوم التي عرفها العرب والمسلمون كالأغاني لأبي الفرج الأصفهاني والعقد الفريد لابن عبد ربّه وعيون الأخبار لابن قتيبة. وكثر هذا النوع من التأليف في عصري المماليك والعثمانيين وقد وصلت إلينا، من هذين العصرين، كتب كثيرة جدا. وهذه الكتب تضم نصوصا ونقولا من كتب المؤلفين السابقين، الذين فقدت معظم كتبهم على مرّ الزمن، بسبب الكوارث والكوائن التي اجتاحت البلاد إبان الخلافة الإسلامية أو

1 / 8

السلطنة المملوكية والعثمانية. ومن هنا تأتي أهمية تلك الكتب التي وصلت إلينا من عصري المماليك والعثمانيين، اللذين ظلمهما عدد من الباحثين حين أطلقوا عليهما اسم «عصور الانحطاط» أو «عصور الانحدار» . وهذا الحديث ذو شجون، ولا يتسع المقام هنا للإفاضة وبسط الكلام.
وقد جعل ابن قاسم الأماسي كتاب «روض الأخيار» أشبه بمائدة كبيرة عليها صنوف كثيرة ومتنوعة من الأطعمة والحلويات، أو دوحة ذات ظلال وأشجار ومياه عذبة، وترك للقارىء الحريّة في الاختيار والانتقاء من تلك الروضة الفينانة، والحديقة الغنّاء، وإنك لتجد في رياض «الأماسيّ» الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، والمختارات الشعرية والنثرية الجميلة والحكم، والرسائل والأخبار المشوّقة التي تدل على اتساع المخزون الأدبي والثقافي عند مؤلفه.
وقد كسّره الأماسي على خمسين روضة، والروضة الواحدة هنا يقصد بها ما يسمّى عادة بالباب أو الفصل. ولكل منها عنوان يطول أو يقصر، بحسب ما تشتمل عليه كل روضة من رياضه.
وهذا الكتاب بروضاته الخمسين لا يكاد يترك شيئا من شؤون الدين والدنيا، كالعبادات، والجهاد والقضاء، والصّبر والذكر، ومكارم الأخلاق والصناعات، والسماء بما فيها من سحاب ومطر، والأرض بما عليها من ثلج ورياح ونيران وسرج، وكذلك الصحة والمرض، والأجوبة المسكتة، والطعام والنساء والحبّ، والألحان والغناء والأضاحيك والمداعبات، والبكاء، والحزن، والملابس، فضلا عن اللغة واللحن في الكلام، والحماقة، والمكر والاحتيال، والسفر والغربة والفصاحة والبلاغة، وأحوال الجواري، والوصايا ... الخ.

1 / 9

وهذا كله جرّ المؤلف إلى إيراد أخبار وأشعار طابعها المجون الصريح، الذي ينافي آداب عصرنا اليوم، وليس ضروريا إثباته في مطاوي الكتاب لما فيه من الفحش وهجرا لقول، ولا فائدة من إذاعته ونشره، فإن لكلّ مقام مقالا، ولكل أيام كلاما. وهو قليل جدا، على كلّ حال.
وقد انتهى الأماسي من تأليف كتابه هذا سنة ٩٢١ هـ، مؤرخا إياه بجملة «جاء بفضله» التي وردت في شعر له أثبته في آخر كتابه.
والذي يقرأ هذا الكتاب، أو يتصفّحه يعجب جدا بما بذله مؤلفه من جهد ووقت، وبهذا المخزون الأدبي والثقافي الذي يطل علينا كلما أنعمنا النظر فيه، وهذا ما يجعل الكتاب ذا قيمة كبيرة، وقد أصبح اليوم نادر الوجود لأن آخر طبعة له كانت سنة ١٣٠٧ هـ أي مضى عليها أكثر من قرن. فقد طبع أربع مرات بمصر فيما سلف من السنين، وذلك في السنوات ١٢٧٩ هـ و١٢٨٠ و١٢٩٢ و١٣٠٧ هـ» وهذا ما جعل الحاجة إلى نشره وطبعه ضرورية اليوم.
هذا، وقد اعتمدت في قراءة الكتاب وتصحيحه على طبعتين اثنتين «١» هما:
١- طبعة بولاق بمصر سنة ١٢٨٠ هـ وعدد صفحاتها ٢٩٠ وحروفها متعبة للقارىء.
٢- طبعة المطبعة الميمنية بمصر في شعبان من سنة ١٣٠٧ هـ وصفحاتها ٢٥٦.
وقد قابلت بين هاتين الطبعتين، اللتين تتشابهان في المضمون والمحتوى، والفرق بينهما ضئيل جدا، وقمت بضبط الكتاب وتصحيحه وتقسيم نصوصه إلى

1 / 10

فقرات مناسبة ووضع علامات الترقيم في أماكنها الملائمة، وكل ذلك خلا منه الكتاب، كما قمت بما تقتضيه النصوص والأخبار والأشعار من شرح وتعليق ضرورين، لئلا يضخم حجم الكتاب على ما فيه، هو نفسه، من ضخامة أيضا.
وعسى أن يجد قارىء هذا الكتاب، في حلّته العصرية القشيبة، وفي موضوعاته الشائقة ما يجعله موقنا أنه من الكتب النفيسة النادرة.
والله الموفّق إلى سواء السبيل.
محمود فاخوري حلب في ا ٥/١/٢٠٠٠ م الموافق ٢٨ رمضان ١٤٢٠ هـ

1 / 11

[مقدمة الكتاب]
بسم الله الرّحمن الرّحيم نحمدك اللهم على ما علّمتنا من البيان. وألهمتنا من التبيان. ونشكرك على ما أسبغت علينا من الإحسان. ونسألك المغفرة والرضوان. ونصلي على رسولك المبعوث إلى كافة الخلق بأعدل الأديان. محمد وعلى آله الكرام. وأصحابه العظام. ما دار دور الزمان. وحدث حوادث الأكوان.
وبعد: فيقول العبد المتضرّع إلى فاتح القلوب وساتر العيوب، محمد بن قاسم بن يعقوب، دفع الله بلطفه وكرمه عنه وعن والديه كل الكروب، وغفر له ولهما بفضله جميع الذنوب: لمّا كان علم المحاضرات علما نافعا في أنواع المحاورات. وهو علم عال من العلوم العربية، وفن فاخر من الفنون الأدبية، يحتاج إليه طوائف الأنام، ويرغب فيه العلماء العظام، حتى المولى الفاضل العلامة، أجلّه الله تعالى في دار المقامة، الذي لا يرى مثله في الأنام، إلى انقراض الدهور والأيّام، ولا يسمع نظيره في الأدوار، ما دار الفلك الدوّار، قد صنّف فيه كتاب ربيع الأبرار، وأودعه ما لا يعدّ من الأسرار، إلّا أنه بحر زاخر لا تدرك غايته ولا ترجى نهايته، قد قصرت عن إحاطته الأوهام، وعجزت عن محافظته الأفهام، استخرجت من نخب فرائده، وكتبت من نكت فوائده، ما استحسنته على وجه الاختصار، متجنبا عن الإملال الحاصل من الإكثار، ليسهل ضبطه على الطالبين، ولتكثر فيه رغبة الراغبين، وألحقت به ما عثرت عليه في

1 / 12

كتب الأدباء، وما سمعته من أفاضل العلماء، من لطائف الحكايات، وعجائب العبارات، وسميته ب (روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار)، ثم جعلته تحفة للعتبة العليا، وهدية للسّدّة العظمى لا زالت ملجأ لأعلام العلماء الكاملين، وملاذا لأعيان الأمراء والسلاطين، ما دامت الأرض ودارت أفلاك السماء، من قال آمين يسّر الله له ما يشاء، أعني عتبة من عمّ بفيض فضله طوائف الأيام، وسدّة من استنار بضياء عدله ظلم الظّلم في صفحات الأيام:
أقامت في الرقاب له أياد ... هي الأطواق والناس الحمام
لقد حسنت بك الأيام حتى ... كأنّك في فم الزمن ابتسام
رافع رايات الخلافة الكبرى، وواضع أوضاع السلطنة العظمى، ماحي آثار الجهل والظلم والطغيان، وممهد قواعد العلم والعدل والإحسان، ظلّ الله تعالى في الأرضين قهرمان «١» الماء والطين، السلطان ابن السلطان ابن السلطان ابن السلطان ابن السلطان سليمان ابن السلطان سليم خان ابن السلطان أبي يزيد ابن السلطان محمد خان، لا زالت ظلال رايات سلطنته ساطعة على مفارق العالمين، وشموس معدلته «٢» طالعة على سكان الآفاق والأرضين، ولا زالت الأيام طائعة لأوامره وأحكامه، والأجرام العالية جارية وفق مطلبه ومرامه، فلو وقع عليه من عين عنايته العميمة شيء من الالتفات، لكان هذا الكتاب نور العيون الكمّل وأعيان الثقات، ولو طلع عليه من شعاع سعادته سمة من النظر، لسار ذكره مسير الشمس والقمر.

1 / 13

والمأمول من كرم عالم الأسرار، أن يسهّل علينا الأوطار «١»، ويضع عن ظهورنا الأوزار، إنه الكريم الغفار والمهيمن الستار، ومجيب الدعوات وقاضي الحاجات.

1 / 14