Rasail Rijaliyya
الرسائل الرجالية
Editor
محمد حسين الدرايتي
Edición
الأولى
Año de publicación
1422 AH
1 - رسالة في ثقة
Página 31
بسم الله الرحمن الرحيم ومنه سبحانه الاستعانة للتتميم وبعد فقد تكثر في الغاية وعلى وجه الكمال لفظة " ثقة " في تراجم الرجال في الرجال (1)، وقد أعجبني رسم رسالة في تشريحها وشرح الحال، ولم يسبقني إليها سابق فيما أعلم من الأبدال، ولا أحسب أن يحوم أحد من بعد حيال هذا الخيال، وكان مدة يتخاطر هذا الخيال بالبال، لكن تمانع عن الإقدام ضيق المجال، إلى أن ساعد في مرافقة التوفيق في الحال فضل من الله المنعم المفضال، وعليه التوكل وبه الاعتصام في عموم الأحوال، إنه لا تخيب لديه الآمال، وأسأله سبحانه إكمال التوفيق بتوفيق الإكمال.
[في معنى الثقة]
فنقول: إن " ثقة " لغة - كما ينصرح من القاموس (2) والمصباح (3) - مصدر " وثق " من باب " ورث " بمعنى الائتمان، أي الاعتماد. ومنه ما يقال: " بك ثقتي " إلا أنه قد كثر استعمالها بمعنى المفعول، كالخلق بمعنى المخلوق.
Página 33
وعن السيد السند العلي القول بصيرورتها حقيقة متشرعة في العادل (1). (2) وربما يلوح الميل إليه من الشهيد الثاني في رهن المسالك حيث إنه قال في شرح قول مصنفه: ولو تعذر اقتصر على إقراضه من الثقة غالبا:
والظاهر أن المراد بالثقة في هذا ونظائره العدل؛ لأن ذلك هو المعتبر شرعا، مع احتمال الاكتفاء بالثقة العرفية، فإنها أعم من الشرعية على ما يظهر الآن من عرف الناس (3).
لكن يمكن أن يقال: إن العبارة المذكورة كما تلائم دعوى الحقيقة المتشرعة، كذلك تلائم دعوى الحقيقة الشرعية.
وربما يظهر منه التوقف في رهن الروضة حيث إنه بعد قول مصنفه -: ولو تعذر الرهن هنا، أقرض من ثقة عادل غالبا - قال:
هكذا اتفقت النسخ، والجمع بين الثقة والعدل تأكيد، أو حاول تفسير الثقة بالعدل - لوروده كثيرا في الأخبار (4) وكلام الأصحاب - محتملا (5) لما هو أعم (6).
لكن يمكن أن يقال: إن هذه العبارة لا تنافي دعوى الظهور في العدالة، كما اتفق هذه الدعوى في العبارة المتقدمة من رهن المسالك؛ إذ القول بالاحتمال للمعنى الأعم لا ينافي الظهور في الأخص، أعني العدالة.
لكن نقول: إنه قد صرح في الرعاية: " بأنها مستعملة في أبواب الفقه أعم
Página 34
من العدالة " (1).
وتظهر الثمرة في المطالب الفقهية حيثما يذكر تلك اللفظة في الأخبار أو كلمات الفقهاء.
ومن هذا الباب ما روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل طلق امرأته ثلاثا فبانت منه فأراد مراجعتها فقال: إني أريد مراجعتك فتزوجي زوجا غيري، فقالت: قد تزوجت زوجا غيرك وحللت لك نفسي، أيصدق قولها ويراجعها وكيف يصنع؟
قال: " إذا كانت المرأة ثقة صدقت في قولها " (2).
وعن المسالك: " أن المراد بالثقة من تسكن [النفس] (3) إلى خبرها وإن لم تكن متصفة بالعدالة المعتبرة شرعا " (4).
وعن صاحب المدارك في شرح النافع استظهار ذلك (5).
وعن بعض: أن الثقة هنا بمعنى العدل؛ لظهورها فيه، متأيدا بتصريح المحقق الثاني بأن الأحوط اشتراط الوثاقة بمعنى العدالة (6).
وكذا ما روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن رجل مات وله بنون وبنات صغار وكبار من غير وصية وله خدم ومماليك، كيف يصنع الورثة بقسمة ذلك؟ قال: " إن قام رجل ثقة قاسمهم ذلك كله فلا بأس " (7).
Página 35
وتظهر الثمرة في استفادة العدالة من تلك اللفظة في توثيقات شيخنا المفيد في الإرشاد كما ذكر في حق جماعة (1)، بل قد عقد السيد السند النجفي في أواخر رجاله (2) عنوانا لرجال الإرشاد، وضبط فيه كل من أتى شيخنا المفيد فيه بكلام، توثيقا كان أو غيره.
إلا أن يقال: إن توثيق شيخنا المفيد قد يكون على وجه الإضافة نحو: فلان من ثقات الكاظم (عليه السلام) مثلا. والإضافة فيه مظهرة عن إرادة المعنى اللغوي (ولو بناء على ثبوت الحقيقة المتشرعة في الوثاقة) (3) كما هو المتعارف في العرف حيث يقال: " فلان من ثقات فلان " والغرض الوثاقة بالمعنى اللغوي بلا شبهة.
نعم، تظهر الثمرة لو كان التوثيق في الإرشاد بقول مطلق؛ أي كان بلفظة " ثقة " كما هو المتداول في كلمات أرباب الرجال، والمقصود بالبحث عنه في المقام.
لكن يمكن القول بأن توثيق الإرشاد في حكم توثيق أهل الرجال، بناء على دلالة التوثيق في كلمات أرباب الرجال على العدالة من باب حذف المتعلق، بل على جميع المشارب الآتية في بعض التذييلات في استفادة العدالة من لفظة " ثقة " في كلمات أرباب الرجال. فلا تكون توثيقات الإرشاد مورد ظهور الثمرة في تطور الحقيقة المتشرعة في باب الوثاقة في العدالة.
وقد تأمل بعض - نقلا - في دلالة توثيقات الإرشاد على العدالة، وسيأتي مزيد الكلام.
وتظهر الثمرة (4) أيضا في توثيقات الرواة، كما في توثيق هشام المشرقي من
Página 36
حمدويه (1)، (2) لكن تفصيل الحال موكول إلى ما يأتي في بعض التذييلات، وإنما الإشكال في كلمات أرباب الرجال حيث إن الأصحاب يكتفون بها في تصحيح الخبر ويعملون به، حتى أن من لا يعمل بالحسن والموثق والقوي يجعل الخبر صحيحا بتوسط تلك اللفظة ويسكن إليه، بل من يعتبر ذكر السبب في التعديل يكتفي بها في العمل بالخبر، ومن يعتبر تزكية العدلين يقنع بالتوثيق من عدل واحد في إطلاق الصحيح، ويقنع بالتوثيق في عدلين في العمل بالخبر، فاتفاقهم منعقد في البين، فلابد من كون من ذكرت في ترجمته عدلا ضابطا إماميا.
وربما يتوهم استقرار الاصطلاح من أرباب الرجال على ذلك، أعني العدل الضابط الإمامي، بل اشتهر هذا التوهم في لسان العلماء والمحصلين في هذه الأعصار، إلا أنه صرح بعض بعدم التصريح بالاصطلاح من أحد من أرباب الرجال (3)، وربما حكي عن ثلة دخول العدالة والضبط في مفهومها (4).
والظاهر أن الغرض كونها مصطلحة في الأمرين.
وعن شيخنا البهائي في بداية مشرقه التصريح بكونها مصطلحة في الأمرين.
وليس بشيء؛ لأنه قال:
إنهم يريدون بقولهم: " فلان ثقة " أنه عدل ضابط؛ لأن لفظة " الثقة " من الوثوق، ولا وثوق بمن يتساوى سهوه وذكره، وهذا هو السر في عدولهم عن قولهم: " عدل " إلى قولهم: " ثقة " (5).
ولا خفاء في أن مقتضاه تعيين المقصود ب " ثقة " من باب الاجتهاد في المعنى اللغوي.
Página 37
ودعوى كون المقصود ب " ثقة " هو المعنى اللغوي، فهو يخالف ما نسب إليه من وجهي: كونه من باب الاجتهاد لا الإخبار، وكونه في المعنى اللغوي لا الاصطلاحي.
وبوجه آخر: صدر عبارته وإن كان ظاهرا في تطرق الاصطلاح لكن استدلاله على الدلالة على الضبط يقتضي عدم تطرق الاصطلاح حيث إن مرجعه إلى إناطة صدق الوثاقة لغة بالضبط، وهذا ينافي تطرق الاصطلاح، فلا أقل من توهين دلالة الصدر على تطرق الاصطلاح، إذ لو كانت الدلالة (1) بواسطة إناطة صدق المعنى اللغوي، فلا مجال لكون الدلالة عليه من باب تطرق الاصطلاح، فظهور الصدر في تطرق الاصطلاح موهون بمنافاة الاستدلال في الذيل مع التطرق.
ومقتضى كلام الشهد الثاني في الدراية كون تلك اللفظة - أعني " ثقة " - مصطلحة في العادل (2).
وقد ذكر العلامة البهبهاني أن الروية المتعارفة المسلمة أنه إذا قال مثل النجاشي: " ثقة " ولم يتعرض لفساد المذهب، الحكم بكون الراوي عدلا إماميا؛ إما لاستقرار سيرة الإماميين من أهل الرجال على التعرض لفساد المذهب دون حسنه، أو لأن الظاهر التشيع والظاهر من الشيعة حسن العقيدة، أو لأنهم وجدوا أنهم اصطلحوا ذلك في الإمامي وإن أطلقوا على غيره مع القرينة، أو لأن المطلق ينصرف إلى الفرد الكامل، ومقتضاه عدم ثبوت الاصطلاح (3).
[لفظ " ثقة " في اصطلاح أرباب الرجال]
أقول: إنه لم يأت أحد من أرباب الرجال بذكر تطرق الاصطلاح في " ثقة " في
Página 38
عدل ضابط إمامي (1)، أو عدل ويبعد كمال البعد ثبوت الاصطلاح من أرباب الرجال مع عدم تصريح به من أحد، كيف! وكل منهم يذكر في اول كتابه ما اصطلح عليه، بل كل مصنف ومؤلف في كل فن يذكر في أول كتابه ما اصطلح عليه، بل دعوى التطرق الاصطلاح في المقام من باب التخرص على الغيب، ومع هذا لو كان " ثقة " مصطلحة في عدل ضابط إمامي أو عدل ضابط، يلزم استعمال اللفظ في معنى متعدد في استعمال واحد، وهو غير واقع بعد الجواز حتى في الاصطلاحات، فالبناء عليه بناء على ما يكون المظنون بظن متاخم (2) للعلم عدمه.
ومع هذا قد وقع " ثقة " في كلمات الرواة سؤالا وجوابا، ولم يقل أحد بتطرق الاصطلاح في لسانهم، والظاهر اتحاد المفاد، فالظاهر الاستعمال في المعنى اللغوي.
ومع هذا وقع " ثقة " في كلام غير الإمامي كابن عقدة، وابن فضال، وابن نمير، وابن حجر، والذهبي. والظاهر وحدة المفاد ، فالظاهر الاستعمال في المعنى اللغوي.
إلا أن يقال: إن اصطلاح العامة متحد في العدالة مع الخاصة كما يأتي، فيتأتى اتحاد المفاد مع ثبوت الاصطلاح.
لكن نقول: إن هذا المقال لا يجري في كلام ابن عقدة وابن فضال؛ لكون الأول زيديا، وكون الثاني فطحيا.
Página 39
ومع هذا، الاستقراء الكامل في كلمات أرباب الرجال - كما يأتي - يفيد الظن المتاخم للعلم، بل العلم بكون المقصود بالوثاقة في " ثقة " هو المعنى اللغوي، أعني الاعتماد، ولم يقل أحد بدلالة " ثقة " على الإمامية، أو الضبط بالانفراد أو الاجتماع.
[أخذ الضبط في " ثقة "]
نعم، قال السيد الداماد في الرواشح: " أما الضبط، وهو كون الراوي متحفظا مستيقظا غير مغفل ولا ساه ولا شاك في حالتي التحمل والأداء فمتضمن في الثقة " (1).
لكن الظاهر أن المعنى الذي ذكره للضبط خارج عن (2) المعنيين المذكورين للضبط، ومع هذا يأتي في كل من الضبط والإمامية والعدالة ما يدل على عدم دلالة " ثقة " عليه، ومقتضاه عدم تجدد الاصطلاح.
[الضبط المعدود من شرائط حجية الخبر الواحد]
وبعد ذلك أقول (3): إن الضبط المعدود من شرائط حجية خبر الواحد يكون المقصود به - كما ينصرح من جماعة (4) - أن يكون الراوي ذكره (5) غالبا على نسيانه،
Página 40
أي لا يكون كثير النسيان، كما هو - أعني غلبة الذكر وعدم كثرة النسيان - حال أكثر أفراد نوع الإنسان.
وإليه يرجع التفسير ب " أن لا يكون سهوه غالبا على ذكره ولا مساويا له " كما جرى عليه شيخنا البهائي في مشرقه (1)، فالمرجع إلى غلبة بقاء المحفوظ (2) في الخاطر، أي حدا معتدا به في قبال الزوال بسرعة بعد التمكن من الحفظ، فليس الغرض البقاء مدة العمر، كيف! وما لا يبقى مدة العمر أغلب مما يبقى.
ويرشد إلى ذلك - أعني ما ذكر في معنى الضبط - تفسير الضبط من السيد السند المحسن الكاظمي بقوة الحفظ بأن يحفظ ما سمعه غالبا، ولا يزول ما حفظه بسرعة (3).
إلا أن علة اشتراط الضبط بالمعنى المذكور تقتضي اشتراط غلبة التمكن من الحفظ بالأولوية أو بالالتزام. ولعله الأظهر. ونظيره أن عد التوحيد من أصول الدين يقتضي كون الإقرار بالألوهية من أصول الدين بالالتزام.
والظاهر أن اشتراط خصوص غلبة الذكر من جهة كمال ندرة عدم التمكن من الحفظ أو عدم وقوعه.
Página 41