بما توسوس به من أمور الدنيا، فأما إن خطرت همة محظورة أو فكرة في معصية مأزورة؛ فهذا هو الهلاك والبعد، يكون عن وصف النفس الأمارة باستحواذ العدوّ المغوي؛ فهو علامة الإبعاد، والحجاب دليل المقت، والإبعاد والإعراض، فإذا ابتلي في صلاته بهذه المعاني فقد اختبر بذلك فعليه أن يعمل في نفيه مع نفس بدوّه، ولا يمكنه من الظهور من قلبه فيملكه، ولا يصغي إليه بعقله فيستولي عليه، ولا يحادثه ولا يطاوله فيخرجه من حدّ الذكر واليقظة إلى مسامرة الجهل والغفلة، وكل عمل محظور فالهمة به محظورة وفيه نقص، وكل عمل مباح فالهمة به مباحة ونفيها فضيلة، وما خظر على قلبه من الخيرات المتأخر فعلها فليعقد النية بذلك، فإنه قد ذكر به وأريد منه، ثم ليمض في صلاته ولا يشتغل بتدبيره؛ كيف يكون؟ ومتى يكون؟ أو كيف أكون فيه؟ وعنده إذا كان فيفوته الإقبال في الحال بتدبير شأنه في المآل؛ وهذا هو استراق من العدوّ عليه وإلقاء من خدوعه إليه، فإن جاهد هذا المصلّي نفسه عن مسامرة الفكر وقابل عدوّه في قطع وسوسة الصدر، كان مجاهدًا في سبيل الله تعالى، مقاتلًا لمن يليه من أعداء الله تعالى، له أجران: أجر الصلاة للتقرب إلى الكريم، وأجر المصارمة والمحاربة لعدوّه الرجيم.
وقد كان الأقوياء من المؤمنين، أهل الغلظة على الأعداء والتمكين، إذا ابتلوا بداخل يدخل عليهم في الصلاة من الأسباب، يخرجهم عن المشاهدة فيها عملوا في قطع ذلك الشيء وإبعاده من أصله، إذ كان سبب قطعهم وإبعادهم من قربهم، فيستخرج بإدخال ذلك عليهم إخراجهم من الدنيا؛ وهو الزهد فيها، فيكون ذلك إحسانًا من الله إليهم ومريدًا منه لهم؛ وهذا أحد ما زهد لأجله الزاهدون في الدنيا لتصفو قلوبهم من الأسباب فتخلص أعمالههم من الوسواس بالاكتساب ومن ذلك ما بلغنا عن رسول الله ﷺ أنه نزع الجبة التي كانت عليه في الصلاة لما نظر إلى علمها وقال: ألهتني هذه في الصلاة يعني شغلتني، ونظر إلى شراك نعله في الصلاة وكان جديدًا، فأمر أن ينزع منها ويعاد لها الشراك الخلق، وكان قد احتذى نعلًا فأعجبه حسنها فسجد وقال: تواضعت لربي كيلا يمقتني، ثم خرج بها فدفعها إلى أوّل سائل لقيه، ثم أمر عليًّا أن يشتري له نعلين سبتيين جرداوين فلبسهما.
وكان الضعفاء من المؤمنين يعملون في نفيه وترك مساكنته ومحادثته في الحال لقوادح اليقين في إيمانهم ولسرعة التيقظ في قلوبهم؛ لأن الآفات تدخل من مكان الهوى وتمكّن الأعداء، ومكان الهوى وقوّة العدوّ لطول الغفلة وعدم حلاوة الطاعة لاتساع النفس في الشهوات وقوة سلطانها على الصفات واتساع النفس وقوة صفتها لضيق القلب، وضعف اليقين إذ لو قوي يقين العبد لانشرح صدره ولأطفأ نور يقينه ظلمة هواه، ولاندرجت النفس في القلب اندراج الليل في النهار، ولأسقط مكانه من الشهادة تمكن
2 / 173
بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة
الفصل الأول في ذكر الآي التي فيها ذكر المعاملة
الفصل الثاني في ذكر الآي التي فيها أوراد الليل والنهار
الفصل الخامس في ذكر الأدعية المختارة بعد صلاة الصبح
الفصل السادس في ذكر عمل المريد بعد صلاة الغداة
الفصل السابع في ذكر أوراد النهار
الفصل الثامن في ذكر أوراد الليل الخمسة
الفصل التاسع فيه ذكر وقت الفجر وحكم ركعتيه
الفصل العاشر كتاب معرفة الزوال
الفصل الثاني عشر في ذكر الوتر وفضل الصلاة بالليل
الفصل الثامن عشر كتاب ذكر الوصف المكروه من نعت الغافلين
الفصل الثالث والعشرون كتاب محاسبة النفس ومراعاة الوقت
الفصل الخامس والعشرون ذكر تعريف النفس وتصريف مواجيد العارفين
الفصل السادس والعشرون كتاب ذكر مشاهدة أهل المراقبة
الفصل السابع والعشرون كتاب أساس المريدين
الفصل الثاني والأربعون كتاب حكم المسافر والمقاصد في الأسفار
الفصل الثالث والأربعون فيه كتاب حكم الإمام ووصف الإمام والمأموم