Normas Jurídicas Islámicas

القواعد الفقهية : مفهومها، نشأتها، تطورها، دراسة مؤلفاتها، أدلتها، مهمتها، تطبيقاتها

Editorial

دار القلم

أصل هذا الكتاب رسالة ماجستير لت على نقدير: عتاز ما طبعت بعد الزيادة والتنقيح

Página 3

كلملة عن الطبعةالثالسثة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، محمد وأله وأصحابه ومن سار على سننهم إلى يوم الدين.

بعد أن نفدت الطبعة الأولى والثانية من "القواعد الفقهية"، وتلقت من جمهور الأساتذة القراء الأفاضل الرضا والقبول بفضل الله تعالى، يسرني تصدير (الطبعة الثالثة) بكلمة وجيزة تشير إلى أن هذه الطبعة تتميز بإضافات وتنبيهات: مصدرها متابعة الموضوع في مظانه وغير مظانه، ومحاولة تلقط الفوائد المتممة المباحث الكتاب ومقاصده. ولله در الإمام الخطابي القائل : "من صدقت حاجته الى شيء: كثرت مسألته عنه، ودام طلبه له، حتى يدركه ويحكمه"(1) .

وبهذه المناسبة يروق لي أن أذكر ما قاله العلامة النحوي الضليع محمد عبد الخالق عضيمة - رحمه الله - : "وفي رأيي أنه لا يجمل بالمتخصص في مادته، العاكفي على دراستها: أن تكون طبعات كتابه صورة واحدة لا أثر فيها تهذيب أو قراءات جديدة، فإن القعود عن تجديد القراءة سمة من سمات الهمود ولون من ألوان الجمود"(2).

(2) المغني في تصريف الأفعال، مقدمة الطبعة الثالثة، ص4، ط القاهرة، دار الحديث .

Página 4

ومن الزيادات التي تزدان بها هذه الطبعة ما أوردته في الفصل الثاني التاريخي من قواعد الإمامين : أبي سليمان الخطابي (319 ه-388ه) ، وأبي عمر ابن عبد البر (368ه- 463 ه) - رحمهما الله - ؛ وتكمن أهميتها من حيث كشف جانب من جوانب هذا الموضوع في مصدرين عريقين عظيمين يمتزج فيهما الحديث والفقه امتزاجا حسنا لطيفا، وأعني بهما: "معالم السنن" و "التمهيد"(1) ، وما سوى ذلك : هناك بحوث أخرى جديدة، سيلمحها القارىء إن شاء الله في أثناء المطالعة وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.

Página 5

أحمد الله - تبارك وتعالى - حمدا كما يحب ويرضى، وأشكره شكرا كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، فهو سبحانه ولي كل نعمة، وبتوفيقه تتم الصالحات، وأصلي وأسلم على نبيه سيد المرسلين محمد وعلى آله وصحبه والسائرين على سننه إلى يوم الدين.

ثم امتثالا لتوجيه النبي الكريم عليه أزكى التحية والتسليم كما جاء في الحديث النبوي الشريف: "من لا يشكر الناس، لا يشكر الله"(1)، أرى من الواجب ان أسجل جزيل شكري وفائق تقديري لكل من أولاني معروفا بتوجيه أو تشجيع خلال إنجازي لهذا العمل، ولا سيما لأساتذتي : المشرف على الرسالة سعادة الدكتور ياسين شاذلي، والمناقشين لها سعادة الأستاذ الدكتور أحمد فهمي أبوسنة وسعادة الدكتور أحمد عثمان(2) .

وأخص بمزيد من الشكر أستاذي العلامة الجليل فضيلة الدكتور أحمد فهمي ابوسنة الموقر، الذي كان لتوجيهه في البداية ثم لنقاشه في النهاية أثر رائع في صحيح مسار هذا العمل.

كما أشكر صاحب الفضيلة الأستاذ العلامة الجليل الشيخ مصطفى أحمد

(سنن الترمذي بشرح تحفة الأحوذي: 87/6) .

(2) توفي في جمادى الأولى سنة 1407 ه في القاهرة - رحمه الله تعالى - . وكان عالمأ عاقلا صالحا، متحليا بتواضع جم وخلق حسن.

Página 6

الزرقا الموقر على مالقيت منه من العون والتشجيع، ثم التوجيه حين تقديم لرسالة المتواضعة عند طبعها في صورة هذا الكتاب.

و أشكر الأخ الكريم الشيخ عبد الوحيد الحليمي لإعانته على وضع فهارس الرسالة، وكذلك الأخ الكريم حسين أحمد الهندي الملقب ب "منير" لجهوده في استنساخها بالآلة الكاتبة.

هذا ولا يفوتني في الختام أن أشكر لجامعة أم القرى بمكة المكرمة - متمثلة في القائمين عليها - لتهيئة الفرصة الثمينة للدراسة، وتوفير التسهيلات التي ساعدتني على إنجاز العمل على الوجه المنشود .

وحين إصدار الطبعة الثالثة أود أن أشكر العلامة البارع فضيلة الشيخ أحمد القلاش الحلبي المدني والأستاذ الفاضل الدكتور رفيق المصري لما أبديا لي من ملاحخلات انتفعت بها لأولئك جميعا، ولسائر أهل الفضل علي، أقدم شكري ودعائي لهم بمزيد من فضل الله تعالى وحسن الختام، إنه سميع مجيب.

Página 7

التقديم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد المرسلين وإمام المتقين، وعلى آله وصحبه ومن تابعهم في مسيرتهم وسيرتهم .

وبعد: فإن تدوين الأحكام الشرعية وفقهها بالطريقة الفروعية على حسب الواقعات هو البداية الطبيعية لكل نظام مكتوب في أول نشوئه.

وهكذا بدأ تدوين الأحكام الشرعية في الفقه الإسلامي، ففتحت فيه أبواب بحسب أنواع الوقائع، دون فيها علماء الشريعة الأولون ما ترامى إليهم من الوقائع وأحكامها، نقلا عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، مما قضى فيه، أو استنباطا من نصوص الكتاب والسنة ودلالاتها، وما عرفوا من مقاصد الشريعة الإسلامية من العبادات وسواها: كالصلاة والزكاة والنكاح والطلاق والبيع والرهن والقضاء والجهاد والميراث... إلخ، وعلل أحكامها، ومنطق العدل فيها. ففي كل باب تدون الوقائع والمسائل المتعلقة به مقرونة بأحكامها المنصوصة أو المستنبطة ، لكي يرجع اليها من يريد أن يتفقه في الدين ويعرف أحكامه العملية.

وإذ كان لكل حكم علة بني عليها وإلا كان تحكما لا تشريعا، وكان كثير من االأحكام، وإن اختلفت أبوابها التي ترجع إليها، قد تجمعها علة واحدة تحكم فيها جميعا - كان لا بد بعد التدوين الأولي للمسائل والأحكام أن يقوم في وقت لاحق جميع لتلك العلل الجامعة، يبرز بها ويتجلى المنطق والمنطلق في اشتراك المسائل من أنواع وأبواب شتى في حكم من الأحكام .ا - فقد تقرر مثلا أن من شك في بقاء وضوءه أو زواله اعتبر متوضئا، وجاز له ان يصلي ما لم يتيقن بوقوع ناقض لوضوئه.

Página 8

- ومن ادعى دينا على آخر منكر له وليس للمدعي بينة تثبت دعواه اعتبر المدعى عليه بريئا غير مدين له بما يدعي إلى أن يثبت شغل ذمته .ا - وإذا زعم البائع أن المشتري قد رضي بالعيب الذي ظهر في المبيع بعد شرائه فسقط حقه في رده، والمشتري ينكر وقوع الرضا منه، فله رد المبيع ما لم يثبت البائع عليه رضاه بالعيب.

فالعلة الجامعة في هذه المسائل الثلاث هي أن الأمر الثابت المتيقن في وقت ما لا يحكم بزواله بمجرد الاحتمال، بل لا بد لزواله أن يثبت السبب المزيل له وإلا كان اعتباره باقيا مستمرا هو الواجب. هذه الفكرة الجامعة التي تبدو للفقيه الباحث المفكر رباطا مشتركا بين هذه المسائل الثلاث وكثير أمثالها تمخضت عن صيغة قاعدية تبلورت في النهاية على الصورة التالية: "اليقين لا يزول بالشك"، فكانت من أمهات القواعد الفقهية الحاكمة فيما لا يحصى من المسائل والوقائع من مختلف الأبواب، وصارت ركيزة ثابتة في مراكز القضاء أمام كل قاض.: وهكذا تم تجميع القواعد الفقهية بأيدي الفقهاء المتعاقبين على مراحل زهنية، كلما اكتشف بعضهم رابطة من هذه الروابط مشتركة بين عديد من المسائل ترتب عليها حكم واحد بينها.

ولم تكن تلك القواعد الفقهية في درجة واحدة من الأهمية والاتساع الذي يحيط بأنواع المسائل ويتغلغل في أبواب الفقه، بل كان منها القواعد الأمهات التي يكاد لا يخلو من أثرها وحاكميتها باب من أبواب الفقه، كهذه القاعدة الآنفة الذكر ا"اليقين لا يزول بالشك"، وقاعدة "لا ضرر ولا ضرار"، وقاعدة "المشقة تجلب التيسير" المستوحاة من قوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج، ومن كثير من الأحكام المقررة في نصوص الكتاب والسنة في نفي الحرج والمشقة من طريق التكاليف الشرعية إذا اعترض سبيل تنفيذها عوارض تجعل فيها مشقة فوق المشقة الطبيعية التي هي من لوازم التكليف .ا وهناك قواعد أقل أساسية من هذه الأمهات وأضيق نطاقا، كقاعدة أن "الساقط

Página 9

من الحقوق لا يعود"، وقاعدة أن "الباطل من العقود لا يقبل الإجازة"، وأن "إعمال الكلام أولى من إهماله" عندما يحتمل وجهين : وجها صحيحا وآخر باطلا.

كذلك هنا قواعد هي من الرسوخ محل اتفاق بين جميع الأئمة من الفقهاء وقواعد محل اختلاف بينهم تبناها بعضهم دون بعض.

وقد كان مجموع هذه القواعد إجمالا يمثل ثروة ذات بال من الفكر التشريعي، والميزان القضائي والمبادىء القانونية، وأسس النظام في حياة المجتمع.

ومنذ سنوات لقيني هذا الشاب الهندي القادم من ندوة العلماء في الهند (من الناشئين على يد المربي الكبير الشيخ الجليل، الداعية الإسلامي ، العلامة الجهبذ، الصالح المصلح، الأستاذ أبي الحسن علي الحسني النذوي أمد الله في حياته وأثره) في بيت الله الحرام، وعرفني بنفسه وأنه طالب في قسم الدراسات العليا في كلية الشريعة بجامعة أم القرى، واختار موضوع القواعد الفقهية لرسالة الماجستير التي يكتبها لنيل الدرجة الجامعية، وسالني عن شرح والدي رحمه الله على القواعد الفقهية - وكان إذ ذاك مخطوطا لم يطبع - وباحثني فيما كتبته أنا في القسم الأخير من كتابي "المدخل الفقهي العام" من سلسلة "الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد" عن القواعد الفقهية، عرضا وتصنيفا لها، وتأريخا لنشأتها وأطوار صياغاتها، وشرحا لمفاهيمها. وكانت له بعد ذلك لقاءات أخرى معي كلما جئت إلى مكة المكرمة في دورات لاحقة لمجمع الفقه الإسلامي، فوجدت منه في هذه القاءات المتكررة شابأ ذكيا، وذهنا واعيا، ودقة تمييز، وذاكرة حافظة، واطلاعا واسعا على مراجع تلك القواعد في المذاهب الفقهية، وتتبعا واستقصاء كان مثارا لاعجابي وتقديري، فحرصت على تأمين نسخة له مصورة من شرح والدي -رحمه الله - على القواعد الفقهية، كما أهديته نسخة منه مطبوعة بعد أن يسر الله تعالى لي طبعه ونشره، حتى بشرني أخيرا بأنه قد أتم رسالته هذه عن القواعد الفقهية، وأنها ستقدم لمناقشتها في جامعة أم القرى في وقت قريب، وأطلعني عليها أكتب له تقديما.

11

Página 10

وقد تصفحتها، وتوغلت في بحوث بعض العناوين التي استرعت انتباهي من فهرستها، كما تأملت في ترتيبها وخطتها، فوجدت فيها من الجهد العلمي الكبير الناطق بما بذل صاحبها من عناء وتتبع، ما يمكن معه القول بأنه قد غطى كل ما يحتاج إليه الباحث من المعلومات عن هذه القواعد تغطية لم تترك مجال زيادة لمستزيد، سوى ما يتعلق بتفريع الغروع الفقهية عليها مما لا يقف عند حد. وبهذا كانت هذه الرسالة أول رسالة جامعية تبحث في القواعد الفقهية بهذا الاستيعاب والإحاطة بأطراف الموضوع، وقد تميزت بالمميزات التالية: 1 - كشفت كشفا بينا عن مفهوم القاعدة، والفروق بين: القاعدة والضابط، والنظرية الفقهية، والقاعدة الأصولية .ا 2 - تناولت موضوع الأشباه والنظائر وشرحتها شرحا وافيا موضوعيا وتاريخيا وبينت الفرق بين الشبيه والمثيل والنظير، وتكلمت عن فن التأليف في الفروق.ا 3 - وكان من أهم مزاياها التأريخ الشامل لنشأة القواعد وتطورها خلال العصور، بدءا من العصور الإسلامية المبكرة، وكشفت عن عناية الفقهاء بموضوع القواعد من عصر التدوين الفقهي والمذهبي الأول.

وقد أتى كاتبها - وفقه الله - بنمانج من القواعد عند الإمامين أبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني صاحبي أبي حنيفة، وكذلك ما صاغه الإمام الشافعي رحمهم الله جميعا-، نم استقصى نمازج متنوعة منها بعدهم عند الفقهاء الأعلام، وقد استخلص ذلك من عديد من الكتب الأصيلة من مطبوع ومخطوط .ا وقد تكلم وميز تمييزا واضحا بين ثلاثة أطوار مرت بها حياة القواعد الفقهية: 1) طور النشوء والتكوين.

(ب) وطور النمو التدوين.

رج) وطور الرسوخ والتنسيق.

وبذلك اتسمت هذه الرسالة القيمة بالجدة رغم كل ما سبقها من كتابات في هذا الموضوع، فكانت نتاجا علميا جديدا مغنيا في موضوعه، يجد فيه الباحث كل ما يريد أن يراه في هذا الشأن.

Página 11

وفق الله تعالى كاتبها خير توفيق إلى ما يصبو إليه ويحبه من علم الشريعة إسلامية الغراء وفقهها . ونأمل أن نراه في وقت غير بعيد بإذن الله في المكانة العليا من فقهاء العصر والمؤلفين المجددين.

صلهفيأصرالزرقا 11 من جمادي الأولى 1405 ه -1985/2/1م

Página 12