Nuzhat al-Anam fi Mahasin al-Sham
نزهة الأنام في محاسن الشام
[خطبة مؤلف والحنين الى دمشق]
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين
الحمد لله الذي جعل الشام في وجه الارض شامة خضرا، وزان عاطله بحالي عيون تروي قلب الصادي وتشرح له صدرا. وأجرى ماءها الفضي على ثراء كالذهب، وحلى به حصباء در لم يكن فيه مخشلب. وأدار من الماء خلاخيل على سوق أصول الاشجار، وقلد أجياد فروعها بيواقيت اثمار توجت رءوسها بأكليل جواهر الازهار. وأرسل كف النسيم بمشط المطر فسرح فروع رءوس عرائس الغصون، وجملها بحلل ذات اكمام من سندس أخضر ومعصفر صبغة صنعة من هم له ساجدون
Página 4
أحمده حمدا كثيرا حيث صبح اللوز بامره على بعضهن عاقد، وبعضهن أثقلها الحمل من الجوز فامست بارادته بعد قيامها تتقاعد. وبعضهن من باسقات النخيل من طرحت بقدرته ثمرة الفؤاد. واجرى لطفه في بعضهن حيث ارتخت نهودها كالرمان هائمة بحضنهن في كل واد
وأشكره شكرا مزيدا مذ عطف العلل على طفل أمهات السفر جل فيرضعه وهو يشرب، وأسبل ستره على من رفعت كفوفها كورق الكرمة لما امتدت وعليها العنب زبب. ومنهن من عمها بالحيا فاحمر خدها كالتفاح.
ومنهن من نكست رأسها من الهيبة كالكمثرى فاكسبها عرفا طوت شقق نشره أيدي الرياح
سبحانه أوجد بها اجناسا ذات انواع تسقى بماء واحد.
وجاد لعليلها من انواء السحاب وشعاع النيرين بصلة وعائد.
فجعل قطوفها دانية لأحبائه، وقدس أرضها اذ هي مرتع ومربع لاصفيائه. وحباها لسكنى الانبياء، واختارها موطنا لعباده الاولياء
Página 5
وأشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له شهادة عبد تقي يرجو بها في غد التفكه في رياض الجنان مع مزيد الانعام، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذى اخترق السبع الطباق بنور أضاءت منه قصور بصرى من أرض الشام. ذو الشرف الاعلى السني الجبهة الواضح الجبين. الذي أنزل عليه «وآونياهما الى ربوة ذات قرار ومعين»
اللهم فصل وسلم عليه ما دامت الشام عامرة بحديثه الشريف الماحي لصور الكفر الواهية. وعلى آله وأصحابه الذين تعاونوا على البر والتقوى في فتحها فمنهم من أخذ شطرها الشرقي عنوة ومنهم من اخذ الشطر الغربي صلحا من باب الجابية
وبعد فقد سألتنى أيها الاخ الامجد، والحبيب الاسعد.
العاشق في محاسن الشام على السماع، والمتشوق المتتوق الى بديع مرآها المشنف ذكره للاسماع. أن اعللك بخبرها لعدم العيان، وان اقربها اليك بوصف يلذه قلب الهائم الولهان. وهل أنا إلا قسيمك في الشوق والهيام، وحليفك
Página 6
في الحب والغرام
وليس بتزويق اللسان وصوغه
ولكنه ما خالط اللحم والدماء
غير اني رميت منها بعد الوصل بقطيعة صدها، كاني اذنبت في حالة القرب فادبتني بهجرها وبعدها
عشنا زمانا وليس الوصل يقنعنا
واليوم أدنى خيال منك يرضينا
أي والله
وما قلت ايه بعدها لمحدث
من الناس الا قال قلبى آها
كيف لا وهو
بلد صحبت به الشبيبة والصبا
ولبست ثوب العز وهو جديد
فاذا تمثل في الضمير رأيته
وعليه أغصان الشباب تميد
أستغفر الله هي مسقط رأسي، ومجمع أهلي وناسي.
Página 7
وملعب خلانى واخواني
سقا الله شاما كان فيها اجتماعنا
بأحبابنا النائين مغدودقا سكبا
وروى ثراها من دموعي مسبل
كبحر فاني أستقل لها السحبا
منازل أحبابي ومربع جيرتى
وأوطان اخواني ومن كان لي تربا
لعمري لئن شط المزار وأصبحت
منازلهم شرقا ومنزلنا غربا
فاني على بعد الديار وقربها
أسر لهم حبا وأبدي لهم حبا
يهيج أشواقي من البرق لامع
ويبعث اشجاني النسيم اذا هبا
ويذكرني ليلات وصل تصرمت
حمام النوى نوحا فاسعده ندبا
Página 8
ليالي اعطيت البطالة حقها
ورحت بما يقضيه حكم الصبى صبا
اعاطي الهوى الصحب الكرام وبيننا
أحاديث آداب أرق من الصهبا
عسى ما مضى من شملنا أن نعيده
ونصبح في أفق ونمسي به شهبا
كيف اخفي ذلك، وقد سبق في علم الله ما كان حمدا وشكرا على حب الوطن، فانه من الايمان
وما عن رضى كانت سليمى بديلة
بليلى، ولكن للضرورات أحكام
نعم
شكوت وما الشكوى لمثلي عادة
ولكن تفيض العين عند امتلائها
فأجبتك أيها السائل اذ هيجت عندي من الدموع بحار الاشتياق. وواسيتك أيها العاشق اذ أتيتك بخبر المعشوق ولعل الخبر يكون وضله في التلاق ، وقد فصلته
Página 9
لك في هذه الاوراق. وهو من جملة ما عندي، وقدمت لحضرتك السامية ثروة ما ملكه اللسان من جواهر حفظها القلب في صندوق الصدر وأوردتها بخط يدي. وما هي الاصبابة من صب، وقطرة من جفن نازح حب
وما تناهيت في بثي محاسنها
الا وأكثر مما قلت ما أدع
لعامي أن محاسن (دمشق) كثيرة لا تستقصى، وأوصاف صفاتها تتضاعف أعدادها ولا تحصى. قصرت عن استيفائها أرباب التواريخ المطولة الحسنة، وحفيت سوابق فحول أقلامهم في ميادين الطروس أن يدركوا حصر بعضها في مصنفاتهم المدونة. لكن بحمد الله جاءت هذه النبذة حديقة يترنح بها الخاطر، ويتنزه فيها الناظر* ولهذا سميتها
[متن الكتاب]
نزهة الانام* في محاسن الشام والله تعالى أسأل أن يعوضنا عن ضيق هذه الدنيا الجافية، بالدخول الى جناته الواسعة الرفيعة، وان يمتعنا
Página 10
فيها بفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة. ان شاء الله تعالى بكرمه ومنه وأمنه ويمنه
[فمن محاسن الشام ما ورد فيها]
من رواية ابي داود في سننه عن عبد الله بن حوالة قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) «انكم ستجندون بعدي أجنادا ثلاثة جندا الى اليمن. وجندا الى الشام. وجندا الى العراق» قال عبد الله «خر لي يا رسول الله» قال «عليك بالشام. فانها خيرة الله في أرضه يجتبي اليها خيرته من عباده. وان الله قد تكفل لي بالشام وأهله» قال أبو ادريس الخولاني ومن تكفل الله به فلا ضيعة عليه
وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) «ستفتح عليكم الشام فعليكم بمدينة يقال لها (دمشق) هي خير مدائن الشام، وفسطاط المسلمين بأرض منها يقال لها الفوطة
وقال ابو هريرة رضي الله عنه: «أربع مدائن من مدائن الجنة وأربع مدائن من مدائن النار. فأما مدائن الجنة فمكة والمدينة وبيت المقدس ودمشق، وأما مدائن النار فالقسطنطينية وطبرية وانطاكية المحترقة وصنعاء»
Página 11
قال ابو عبد الله السقطي ليس هي صنعاء اليمن وانما هي صنعا بأرض الروم. وانطاكية المحترقة انما سميت بذلك لان العباس بن الوليد بن عبد الملك أحرقها. وهو من فضائل الشام للربعي. وهو عند كعب الاحبار أيضا من طريق آخر. انتهى
والحديث المبدأ به رويناه من حديث أبي مسهر عبد الاعلى بن مسهر عن سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد عن أبى ادريس الخولانى عن عبد الله بن حوالة الأزدي رضي الله عنه. قال شيخ الاسلام وأمير المؤمنين في الحديث شهاب الدين احمد بن حجر (رحمه الله تعالى) وهو حديث حسن مسلسل بالدمشقيين وهو عن النبى (صلى الله عليه وسلم) قال «انكم ستجندون أجنادا. جندا بالشام. وجندا بالعراق. وجندا باليمن» قال الحوالي «خر لي يا رسول الله» قال «عليكم بالشام فمن أبى فليلحق بيمنه ويسق من غدره فان الله قد تكفل لي بالشام وأهله» فكان أبو ادريس الخولاني اذا حدث بهذا الحديث التفت الى ابن عامر فقال «من تكفل الله تعالى به فلا ضيعة عليه» انتهى والله تعالى أعلم
Página 12
ومن محاسن الشام هذا الحديث القدسي الذي ورد فيها عن كعب الاحبار رضي الله عنه قال «انا نجد في كتاب الله تعالى يعني التوراة أن الارض على صفة النسر فالرأس الشام والجناح الايمن الغرب والجناح الأيسر الشرق وهو العراق وخلف العراق أمة يقال لها واق وخلف واق أمة يقال لها واق واق. وخلفها من الأمم ما لا يعلمه الا الله تعالى. والظهر السند وخلف السند الهند. وخلف الهند أمة يقال لها مسند وخلف ذلك من الأمم ما لا يعلمه الا الله تعالى. والذنب اليمن فلا يزال الناس بخير ما لم يقرع الرأس فاذا قرع الرأس هلك الناس»
[اشتقاق اسم الشام]
قال بعض الشراح والمؤرخين والمفسرين انما سميت الشام شاما لان قوما من بني كنعان نزلوها فتشاءموا اليها فسميت شاما لذلك
وقالت طائفة انما سميت شاما لما تشاءم لها (1) أهل اليمن من يمنهم كما يقال تيامنوا وتياسروا فسميت بذلك
Página 13