١ المولى حسين باشا باي
[١٠٨٠ ١١٥٣]
هو الأمير أبو محمد حسين بن علي تركي. كان مقدم والده من بلد كندية من جزيرة قريد أوائل دولة بني مراد، وتقدم للخدمة حتى ولي قيادة أزمة الأعراب، توفي سنة ثلاث ومائة وألف. وولد ولده صاحب الترجمة سنة ثمانين وألف، ونشأ باعتناء والده، وتقدم في خدمة الدولة وتقلد الوظائف المعتبرة مثل قيادة عمل الأعراض والجريد، وتقدم كاهية دار الخلافة على عهد الباشا إبراهيم الشريف باي داي. ولما انهزم مخدومه بمحله الجزيريين عند الكاف على يعد عشِّي حسن وأسروه وأوثقوا أخاه رجع كاهيته صاحب الترجمة طالبًا منجاته إلى أن وصل إلى زاوية الشيخ سيدي حسين السيجومي، فأرسل إلى الحاضرة يطلب أهله للفرار بهم، ولما تحقق أعيان الحاضرة انهزام المحلة وأسر إبراهيم الشريف اجتمعوا على مبايعة كاهيته حسين بن علي، فخرج إليه أهل الحل والعقد وأكرهوه على ذلك بعد الامتناع ورجعوا به إلى الحاضرة وبايعوه بالديوان المقابل لباب القصبة بحاضرة تونس صبيحة يوم الاثنين موفى عشرين من ربيع الأول سنة عشرة ومائة وألف. واطمأن الناس ببيعته وعندها أولى محمدًا الأصفر دايا، وأخذ يستعد لمدافعة الجزيريين، ولما قدموا إلى الحاضرة ردهم على أعقابهم خاسرين، ولحق بهم وهم على أسوأ الحال، والعرب تنتهب أطراف محلتهم، وهم يتركون مجاريحهم وأثقالهم في كل مكان.
وبينما هو يمهد السبل وإذا محمد الأصفر أخذ يستعيد استبداد الدايات بالمظالم التي لم يتحملها الباشا حسين باي حتى خرج إلى الفحص، وحين اشتدت وطأة الداي على الأهالي ونفرته العساكر خرجوا لطلب استرجاع الباشا حسين وعزل الداي فعزله وأولى مكانه قاره مصطفى دايًا وقدم الباشا حسين إلى الحرايرية. وطلب إخراج محمد الأصفر من البلاد قبل دخوله فأخرجه الجند وحملوه إلى الباشا غير أنه قتله أحدهم قبل الوصول إليه.
وعند ذلك دخل الحاضرة وجددت له البيعة سابع رمضان سنة سبع عشرة ومائة وألف وسكن بدار حمودة الباشا المرادي التي بالقصبة ثم تنقل إلى بساتين باردو فعمر قصوره وأحيا مسجده وجعل له منارة وصيره جامعًا وأقام له قاضيًا لتوقف صحة الجمعة عليه.
وأول من تقدم لقضاء باردو والمحلة معًا الشيخ علي شعيب أحد علماء باجة. ثم إن الباشا أخذ يمهد السبل ويرم ما خربه من قبله فأقام مباني القيروان، وأحيا رسوم العلم في سائر جهات المملكة، وبني المدارس بالقيروان وصفاقس والجريد وجربه، وأقام بها العلماء والمؤدبين للتعاليم الدينية زيادة على إحيائه مساجد الله وزوايا أوليائه. وكف المظالم، وهدم حانات الخمارين بالحاضر، وشاد الجامع الحسيني العظيم البناء والتربة الملاصقة له التي أعدها لدفنه والمدرسة التي إلى جنبه هنالك. وبنى المدرسة الضخمة التي قرب ساباط عجم وقدم لمشيختها الشيخ محمد الخضراوي مدرس جامع محمد باي وبنى المدرسة ذات النخلة التي قرب جامع الزيتونة وأوقف على جميعها الأوقاف الكافية وأجرى جراية بيت المال على علماء جامع الزيتونة وأجرى السقايات وبنى الجسور. وعدل وتحرى لدينه في قتل النفس ما أمكنه بحيث إنه لا يقتل إلا بحكم المجلس الشرعي. وساعده البخت بخصب المملكة فتوالت النعم علة عموم المملكة وأعظمها نعمة الأمن.
وله خاصة نفسه اعتناء برواية الحديث بين يديه وكان يروي له إمامة الشيخ الحاج يوسف برتقيز. وله شغف زائد بدلائل الخيرات وحسن الأذكار وعمل البر والمحافظة على أوائل أوقات الصلوات إلى غير ذلك من مكارمه التي عد كثيرًا منها المؤرخ حسين خوجة في تاريخه "بشائر أهل الإيمان".
وقد اتخذ كاهيته أولًا علي بن مامي ثم عزله وأولى عوضه مملوكه أحمد شلبي واتخذ خزنداره أزلًا حمَمَّدّ ثم عزله وأولى مكانه محمود السايري الأندلسي، واتخذ كاهية دار الباشا مملوكه الحاج سليمان كاهية، وكان باش كاتب الشيخ بلحسن الوسلاتي. ولما توفي أولى عوضه الشيخ قاسم ابن سلطانة.

1 / 1

وقد تبنى أولًا ابن أخيه على بن محمد إلى أن رزقه الله كرام البنين وهم محمد الرشيد باي وعلي باي محمود باي ومصطفى باي. ولما شب بنوه قدم ابن أخيه للباشية بدار الباشا التي هي أعظم من ولاية الأمحال ورجا أن يكون الملك لأبنائه وعقبهم فخرج عليه ابن أخيه وترامى لدى مملكة الجزائر وانتصر بهم على عمه، وفي أثناء ذلك فقد أصغر بنيه وهو مصطفى باي فسار إلى رحمة الله تعالى، ثم وردت المحلة الجزائرية، ولما قاربت الحاضرة خرج لها الباشا حسين باي متجهزًا في عسكره ونزل بسمنجة لمدافعة ابن أخيه، وتلاقى الجيشان، ووقع القتال بينهما يوم الأحد سادس عشر ربيع الأول سنة ثمان وأربعين، وصدق الجزيريون ومن انضم إليهم من الإعراب القتال، ونجا الباشا حسين وأبناؤه إلى القيروان، واعتصموا بها، وحاصرهم ابن أخيه بعد حروب باشر أكثرها ابنه يونس. ولما طال الحصار نجا أبناؤه الكرام ومن انضم إليهم إلى الغرب وخرج الباشا حسين باي بمن بقي معه لمدافعة حفيد أخيه، وهو يونس باي ووقع قتال استشهده فيه الحفيد المذكور قبلي مدينة القيروان يوم الجمعة سادس صفر الخير سنة ثلاث وخمسين ومائة وألف وحمل ودفن بتربته الرفيعة عليه ﵀.
٢ المولى علي باشا باي
[١١٠٠ ١١٦٩]
هو الأمير أبو الحسن علي بن محمد بن علي تركي، لما لم يكن لعمه حسين بنون تسلمه من أخيه وتبناه واعتنى بتربيته وأحضر لتعليمه من العلماء أولًا الشيخ محمد التونسي فتهذب به، وصار به عالمًا، ثم حضر له الشيخ محمد الخضراوي للإقراء والمجالسة، وضم إليه من ذوي الرأي الخبيرين من يكتسب منهم حسن التربية ونشأ على تلك الحال حتى بلغ مبالغ الرجال.
ولما ولي عمه الملك أولاه سفر الأمحال في صفر الخير من سنة ثماني عشرة ومائة وألف، وزوجه بابنه كاهيته على بن مامي فأوتي منها بأبنائه يونس ومحمد وسليمان، ثم زوجه ابنته، وأمل بذلك أن يرث الملك من بعده.
ولما رزقه الله الولد طلب له من الدولة العثمانية الفرمان لسلطاني والقطفان العثماني على العادة، وذلك على عهد السلطان الغازي أحمد خان الثالث. وقدمه لخطة الباشية بدار الباشا سنة سبع وثلاثين ومائة وألف وأسكنه بدار رمضان باي بتونس، وعند ذلك أنف من صنيع عمه به، وتحفز للوثوب للطيران وخرج بابنه يونس هاربًا غروب شمس يوم الجمعة عاشر رجب سنة أربعين ومائة وألف، وتحصن بحبل وسلات مدة ثمانية عشر شهرًا أجلاه في آخرها عمه إلى الغرب بعد قتالات عديدة فدخل الجزائر وأقام بها عدة سنين يطلب الإعانة على قتال عمه حتى أمده حاكمها إبراهيم باشا على شروط تواعدوا عليها. وانفصل بالمحلة الجزائرية في حجة الحرام سنة سبع وأربعين ومائة ألف، ونازل عمه في سمنجة حتى استولى على محلته وأصبح مقيمًا بسمنجة إلا أنه لم يدر خبر أهل الحاضرة. ولما تحقق أهل الحاضرة نجاه العم المذكور وأبنائه وأحضروا مرادًا ومحمودًا أخوي على باشا وأخرجوا أباه محمدًا باي من السجن الذي وضعه فيه أخوه حين رآه مظاهرًا لابنه فأخذ عليهم البيعة لابنه علي باشا باي وأركبوا لتلقيه ابنيه محمدًا وسليمان فأعلماه بما وقع، فأرسل ابنه يونس ودخل الحاضرة يوم الثلاثاء، وجلس بالقصبة، ووفدت عليه الأهالي للتهنئة، ثم أقبل الأمير علي باشا إلى الحاضرة يوم الأربعاء تاسع عشر صفر الخير سنة ثمان وأربعين ومائة ألف وتمت له البيعة يومئذ، وانقلب الجزيريون لبلادهم بعد لدد ومشاغبة وأخذوا ما وعدهم به، وبعد أيام توفي أبوه محمد باي فجأة. ولما استقل الباشا المذكور أرهف الحد في شيعة عمه، واشتدت سطوته، وصادر الأمة بالمال الكثير، وعرضت في مدة ولايته محاربات فاز فيها بالظفر.
وكانت رجال دولته المقربون لديه باش كاتب الشيخ عبد اللطيف السهيلي وقد وليها بعد عزل الشيخ بوديدح، وكاتبه المقرب عبد الرحمن البقلوطي وعامل الأعراض الحاج مصطفى بن متيشة، وآغا باجة عصمان المملوك.

1 / 2

وفي آخر أمره اختلف عليه بنوه وكابد منه ولده نصيره يونس باي عَرق القِربةِ! حتى وثب للطيران إلا أنه تحزب على والده وتحصن بالقصَبة هو ومن معه فدخلها ظهر يوم الاثنين تاسع جمادى الثانية سنة خمس وستين ومائة وألف وكان النصف القبلي من البلاد في نصرته، فأطلق المدافع ودافعه أبوه وأطلق الكور في وسط البلاد واستمر الحال على ذلك بعد توسط العلماء في إصلاح ذات البين ولم يغنوا شيئًا إلى أن نفدت ذخائر القصبة فخرج هو وكاتبه أحمد السُّهيْلي من مماليكه وأتباعه ضحوة يوم السبت الثالث من شعبان وأبقى أبناءه الثلاثة أحمد باي وإسماعيل باي ومصطفى باي وفر بمن معه إلى قسمطينة. وعند ذلك دخل أخوه محمد باي إلى الحاضرة وسفط السيف على من قدر عليه، وأظهر ما في نفسه من الحقد واحتقار وجوه الناس وأبوه مرتض لصنيعه. ولم يزل يتمادى في سوء صنيعه حتى فوق سهمه لأخيه سليمان وخشي من وراثته الملك بعد أبيه لما يرى لأبيه من إيثاره عليه لما فيه من الأهلية فعاجله بالإطعام فمرض أسبوعًا وفاضت نفسه على حين لم يكن والده ليتوقع له ذلك، فتوفي ظهر يوم الجمعة من صفر الخير سنة ثمان وستين ومائة وألف، وترك ولده نعمان باي، فعدم أبوه بمكيدة ولده وسوء صنيعه بأخيه، وتحقق أن الله أذاقه بأس ولده محمد بإعدامه لعضدي نصرته يونس بالفرار وسليمان بالممات. وكان ذلك من مبادىء انتقام الله منه، والله عزيز ذو انتقام.
وقد كان علي باشا باي مع سفكه للدماء وامتهانه للخاصة وإضراره للمملكة بمظالمه- معدودًا في العلماء، وشرح تسهيل ابن مالك النحوي شرحًا مهمًا اعتكف الناس على قراءته بجامع الزيتونة مدة دولته، وقرظه سائر علماء عصره. وكتب عليه الشيخ أبو الحسن علي البارع قوله: [الكامل]
لله شرح للأمير موضح ... لم يتصف بصعوبة التلويح
سهل التناول بالخفاء مصرّح ... قد فاق في التسهيل والتصريح
فإذا افتقرت إلى كتاب موضح ... فكتابه المغني عن التوضيح
وقد كان الباشا مع علمه ولوعًا بالكتب واكتسابها، وبنى تربته التي بالقشاشين ومدرسة الباشية، وقدم لمشيختها الشيخ محمد المحجوب الحنفي، وبنى المدرسة التي نسبها لولده سليمان، وقدم لمشيختها العالم الرباني، الشيخ محمد بن علي بن خليفة الغرياني. وجميع هاته الأبنية كانت حول الجامع الأعظم. وبنى مدرسة بئر الحجار وقدم لمشيختها الشيخ مسعود المغراوي الباجي. وبنى مدرسة حوانيت عاشور وقدم لمشيختها الشيخ عبد الله السوسي. وجميع هاته المدارس أوقف عليها أوقافًا من الربع والعقار تخرج منها جرايات كافية للشيوخ والتلامذة إعانة على طلب العلم الشريف. واعتنى بتحصين البلاد، وجهز الثغور، وأجرى السقايات العظيمة النفع، وهدم حانات الحفصية، ومنع بيع العنب لمن يعتصر الخمر، وبنى المباني الضخمة بباردو. ولما امتلأ مكياله ولاقى من عقوق بنيه ما صنعه لعمه وقيدته هموم فقد ولديه بعد أن جمع جميع أموال المملكة بين يديه دهمه الخبر بتجهيز أبناء عمه بالمحلة المنصورة من الجزائر تحت رئاسة حسن باي، فوردت المحلة إلى الحاضرة مع من حشد إليهم من الأعراب حتى نزلوا قبلي الحاضرة، ولج الباشا هو وابنه محمد في القتال حتى انهزما معًا، وقتل ولده محمد قرب الملاسين، وترك ولدين، وهما محمود باي ويوسف باي. واستؤسر الباشا بمحلة الجزيريين وأقام في الأسر عند حسن بايمما الجزيري على حال سيئة أيامًا تعادل أعوام تملكه. ثم أمر بقتله فقتل أواسط ذي الحجة الحرام سنة تسع وستين ومائة وألف.
وقد استكمل استقصاء خبره مع عمه وخبر أبناء عمه المؤرخ الشيخ محمد ابن يوسف الحنفي الباجي في تاريخه المسمى. "المشرع الملكي، بدولة أبناء علي تركي" بما يشفي الغليل. وقد دفن حيث دفن ولداه بتربته. عليه رحمة الله وأرخ وفاته كاتبه الشيخ محمد الورغي بقوله:
مضت دولة الباشا عليِّ كأنه ... من الدهر يومًا في البريةَّ ما عاشا
أتته المنايا وهو في عُظم قوة ... وجيش كثيف مثله قط ما جاشا
فصار دفينًا بعد ما كان دافنًا ... فقلت وقد أرخته: دفن الباشا
٣ المولى محمد الرشيد باشا باي
[١١٢٢ ١١٧٢]

1 / 3

هو الأمير أبو عبد الله محمد الرشيد بن حسين بن علي تركي، ولد في ذي الحجة الحرام سنة اثنتين وعشرين ومائة وألف، فاعتنى والده بتربيته وتعليمه وحنكه بما أهله إلى المراتب العالية، واختصه بإمامه الشيخ الحاج يوسف برتقيز، فاعتكف على إقرائه العلوم العقلية والدينية إلى أن بلغ خمس عثرة سنة، فأجمع رجال الدولة على طلب تقديمه لولاية الأمحال ليكون وارث الملك بعد والده، وألحوا بالطلب على والده، لما رأوا فيه من الأهلية لذلك فأجاب مطلبهم، وقدمه لولاية الأمحال أوائل سنة سبع وثلاثين ومائة وألف، وظهرت فيه الكفاءة لذلك مع ملازمته لقراءة العلم. وأكثر ولوعه بالعلوم المعقولة، وعلى الخصوص الأدب، فقد نسج فيه على منوال ملوك الأندلس، وأبدع رقيق الشعر باعتناء قاضي محلته وأستاذه الشيخ محمد بن محمد الشافعي الشريف ومن انضم إليه من الأدباء. ولم يزل مدة تملك والده في اعتناء عظيم بالعلم والأدب. ولما انقضت دولة والده وخشي سطوة ابن عمه خرج من القيروان بعد طول الحصار هو وأخواه علي باي ومحمود باي ومعهم الموفون بالعهد من أشياخهم وكتابهم وأتباعهم أوائل صفر الخير سنة ثلاث وخمسين ومائة وألف فقصدوا الجزائر، وطلبوا من حاكمها نصرتهم على ابن عمهم. وبعد طول المقام جهزهم بمحلة خرجوا بها في ربيع الأول سنة تسع وخمسين ومائة وألف. وكان أمير المحلة حسين باي قسمطينة فوصلوا بها إلى الكاف، وامتدت أعناق الآمال إلى الإسعاف، ووافتهم نجوع العرب بالمدد، وواصلوهم بالرجال والعدد، لولا ما غدر به أمير المحلة فردها بدون كبير قتال، وغره في ذلك ما وصله من المال، وتفرقت جموع الحاشدين، وأسفوا من شماتة الحاسدين، حتى أتى الأسف على أخيهما محمود باي ففاضت نفسه بقسمطينة في الحادي عشر من شوال سنة تسع وخمسين، ولازم الأخوان الصبر مع قوة الرجاء في الله ﷻ.
ولم يكن هذا الأمير في جميع هاته المدة يعلق آماله بغير الله وأوليائه حسبما يعلم ذلك من مطالعة ديوان شعره المملوء بالتوسلات التي حقق الله إجابتها. ومن أعز ما رأيته في ذلك مكتوبه الذي وجهه إلى الولي العارف بالله الشيخ أبي العباس أحمد بن باباس وهو من إنشاء شيخه الشريف الشافعي، ولأهمية هذا المكتوب في واقعة الحال التزمت إثباته منقولًا من خطه المختوم بختم الأمير وهذا نصه: [الطويل]
رفعت إليك الحال يا نجل باباس ... وليس لهدا الأمر غيرك من آسي
فأنت نهارًا كوكب الخور في الدنا ... وبالليل نبراس السما أيُ نبراس
فكن فارسًا حامي الذمار بسيفه ... وجئني بعباس وجئني بمرداس
يحاربني قوم بأصناف مكرهم ... وجاءوا بأنواع الحروب وأجناس
وما علموا أني بعزك عائذ ... فأنت لهم يا أيها الجبل الراسي
وخذ بيدي لله طال تفكري ... وضربيَ أخماسي زمانا بأسداسي
أجب دعوة المظلوم ولتكُ ناصرًا ... له حين لاذوا النصر يوجد في الناس
وخُلْ جولةً تمحو بها كل ماكر ... وما كان من ضر وما كان من باس
رجوتك تكسوني من المجد حلة ... فأنت لأبناء السبيل هو الكاسي
وأحظى بما أرجوه فيك من المنى ... ويذهب إيحاشي ويُقْدِم إيناسي
عليك سلام ليت حامله الصَّبَا ... إليك فلا أحتاج فيه لقرطاس
ولو أنني اسطَعْتُ المسير لجئتكم ... فطورًا على عيني وطورًا على رأسي

1 / 4

أقول بعد حمد الله الذي به تنجلي الكربات، وتكشف البليات، وتسري النكبات، وتدرأ الرزيات، والصلاة والسلام على نبيه ومصطفاه، وحبيبه ومجتباه، صلاة تمحو آثار الكرب، وتهزم كتائب النوب، إني لما زحف إليّ الزمان بمحاله، وسقاني صرف كؤوس أهواله، وأجلاني من مقري، وكسا بجلباب الخسوف بدري، وكرَّ عليَّ بجيوش الكمد، وأعدمني الوالد والولد، فاستنسر عليَّ البغاث، وفقد المستصرخ والمستغاث، لم أزل أستجير من ظلمه فلا أجد مجيرًا، واستنصر عليه ولا أوافي نصيرًا، فأنا في غمار تلك الحال، ضجيع أوحال وأوجال، ناداني الفكر المطاع، بما لبته القلوب والأسماع، يا هذا لقد جئت شيئًا فريا، ونسيت من لم يك منسيا، أيا هذا الإنسان، المغمى عليه من تداول الأشجان والأحزان، حتى غفل عن الملاذ بذوي العرفان، الآسي ما تقرح من جراح الزمان، تالله لقد حدت عن الباب، والتمست الزكاة من غير مالك نصاب، وطالبت الضامن والمضمون حاضر، وتحيرت والأمن ظاهر، أين أنت عن أصفياء الله، وذوي الحمية والجاه، أين أنت عن المولى الذي ربضت الفضائل بناديه، ولبى المنى لمناديه، وعرجت الآمال بأرجائه، وآب قاصده برجائه، وانتشرت معارفه في الأقطار، ووكفت عوارفه كصيبات الأمطار، وكتبت على صفحات الزمان مفاخره، وصفت بواطنه وظواهره، سابق فبرز، ونال من المحاسن غايتها وأحرز، فأي عبارة تفي بعلياه وأي رام يطمع في بلوغ مرماه، هيهات هيهات ما هو إلا غرة هذا العصر، وحسنة من حسنات الدهر، تطلب المجد جاهدًا، وتناول النيرين قاعدًا، الجامع بين الشريعة والحقيقة، المتخذ الأتباع رفيقه وفريقه، فانتبهت لنداء الفكر من نومتي، وأفقت من غفلتي، علمت أني ظمئت والماء أمامي، وضللت وبجنبي إمامي، وأن المعني بالخطاب، والموجه إليك ذلك الجواب، وحامل لواء العرفان بلا ارتياب، الآتي من دقائق العلوم ورقائق الفهوم بالأمر العجاب، بقية أهل الإملا، والمدخر للجلى، حامي من بحماه احتمى، مروي صدى من أتاه على ظما، عمدتي وعياذي، وعدتي وملاذي، ومنبع إيجاري وإنقاذي، ومقصد تعريجي ولواذي، نتيجة قضايا الحجا ولا ريب ولا التباس، ومجمع أصناف الذكاء فأنى يضاهيه إياس، مظهر أساس العرفان حين تلاشت الأساس، لابس حلل التربية التي فيه حين نبذ ذلك اللباس، مولاي وأستاذي أبو العباس، سيدي أحمد بن باباس، لا زال مهتصرًا من المعارف والعلوم أفنانًا وأي أفنان، آية من آيات الزمان، ناشرًا لسنة عنصر آل عدنان.

1 / 5

أما بعد فأيها السيد الجليل، ذا الفخر العريض الطويل، أهدي إلى حضرتكم سلامًا أشهى من البرء للعليل، وأنفع من الماء للغليل، ورحمة الله وبركاته. وأشكو إليك جوى فؤاد عولت عليك أفلاذه، وأعول طويلًا وأنت مالكه وأستاذه، وفارقه وسنة، ورافقه حزنه وشجنه، وهام في طرقات همه، وأمسى أمسه خيرًا، من يومه، وارتدت على أعقابها آماله، وغدا شذر مذر حاله. وموضوع قضيتي مطال، وشرح قصتي تكل عنه الأقوال، وقد اقتضى الحال سرد بعضها على حضرتكم، وعرض أمري على سدتكم، ليتضح من ينسب الظلم إليه. ويظهر الباغي والمبغي عليه، وذلك أن والدنا ﵀ لمها قلد بطراز الولاية، ورشح لهذه الرعاية، اتفق على ولايته أهل الحل والعقد، ورضيه ذوو الاختبار والنقد، ولم يزل راغبًا عن الإمارة، راهبًا من ورطة النفس الأمارة، إلى أن ولوه بالرغم عليه، حيث توسم الناس الخير فيه، فقام في ذلك المقام، أحسن قيام، وعامل الناس بالرفق، وسلك سبيل الحق، واجتهد في إعلاء السنة المحمدية، وإحياء الشريعة الأحمدية، حتى غدا عصره أحسن عصر، ومصره أجمل مصر، والناس بحسن سيرته في أمن وعافية، وعيشة راضية، ولعله بلغكم ما فعله من الخيرات، وسوابغ الحسنات، ولولا الحرص على تعريف حضرتكم بالحال، وشرح المقال، لما سطرت يمناي في هذه التزكية حرفًا. ولا أعملت في ميدانها طرفًا. ثم إن والدنا ﵀ لما جرته الأقدار إلى موقف الملك، وانتظم في ذلك السلك، كان له ابن أخ رباه صغيرًا، وسقاه من صنوف الإحسان سلسلًا نميرًا، فرأى أن الأقارب أحق بالتقريب، وصلة الأرحام من أحسن ما سعى إليه اللبيب، فقرب ذلك الربيب وأدناه، وخصصه واجتباه، وولاه الولايات. ورأسه على الجبايات، وصاهره بكريمته، وأسنى في قيمته، وقدمه على الأجناد، وفعل معه ما لا يفعله إلا الوالد مع الأولاد، إلى أن أضحى بالعيون مرموقًا منظورًا، ولم يكن شيئًا مذكورًا، فلما شب وازدهى، واقتعد السهى، نبهوا والدنا عليه، وقرروا عنده ما يجنح إليه. وأغروه به، وعلى الاستراحة من نصبه وتعبه، فرأى والدنا ﵀ أن هذا محض ظن ووهم، وإن بعض الظن إثم، وأن الإقدام على الحد بغير ثبوت شرعي يسخط الرب، ويدخل في ظلمات الذنب، فأعرض عنه إعراض من ثبت لديه بغيه، وما يرتاده سعيه، وتغافل عما يبدو منه وأغضى، واختار الرضى بالقضا، فلم يلبث إلا قليلًا وفر ذلك الربيب ومال إلى بعض الجبال، وجمع عليه أهل البغي والضلال، وأفسد الطرقات، ومنع المعيشات، ورماح بغيه على المسلمين شرعٌ، وأموالهم نهب يوزع، ولم يزل والدنا يقاسي في حسم ذلك الفساد، والبلاء النازل على العباد، إلى أن أجلي من تلك الأقطار، وعاد الأمن إلى ما كان، وحسن الزمان، وسرت البلاد والعباد، وانمحى البغي والفساد، وحين وضعت الحرب أوزارها، وراجعت العافية دارها، رأى والدنا أن تأخير الحج المفروض المحتم، كتأخير رأس مال السلم، فعزم على الحج إلى بيت الله الحرام وزيارة قبره ﵇، وأن يلازم ذلك المحل، إلى أن تتلاشى روحه وتضمحل، وعمد أن جمع مجلسًا عامًا حضره العلماء الأخيار، والفضلاء الأبرار، وعهد إليّ بالولاية، وقلدني بالملك والرعاية، وبايعني الناس عامة على السنة المألوفة، والطريقة الموصوفة، وهذا العدو إذ ذاك بالجزائر يفسد في نفوس حكامها، وولاة أحكامها، ويحسن لهم القيام علينا، وإضرام نار الحرب في نواحينا، حتى استزلهم بدهاه، وبلغ من ذلك مناه، وكان ما في علمكم، وتقرر عندكم، وآل أمره إلى أن جرع والدنا الحمام بيده. وتولى ذبح مربيه ووالده، وغصب لنا ملكنا، واستحل هلكنا، وأقبل على الخلق قتلًا وصلبًا، ونهبًا وسلبًا، وبدل الناس البأس بالعيش الأول، وأفعال الله لا تعلل.
[الخفيف]
هذه قصتي وهذا حديثي ... وإذا كنت خاذلي من يجير

1 / 6

وقد قصدت جنابك، وطرقت بابك، ويممت فناك، وأملت دعاك، وتوسلت إليك بسيد البشر، الشفيع المشفع في المحشر، أن لا تتركني سدى، ولا تشمت بي الأعدا، يا بدر الصالحين، يا تاج العلماء العارفين؛ جئت إليكم مستجيرًا، فالله الله في هذا النازح الوطن، المحالف الشجن، المفارق الألف والسكن، ناشدتك الله لا تنبذني ظهريًا، ولا تتركني نسيأ منسيًا، أيخيب القاصد حماكم، أيرمى المتمسك بدعاكم، وأنتم أهل الله لا يخيب من بكم استجار، ولا يخشى صولة الأذعار، حنانيك أي هذا الإمام، جوارك يا علم الأعلام، لألو لك أن تعرض عمن بكم لاذ، وبسواكم استعاذ، وبحرمكم استظل، وبفيض كرمكم أم وأمل، ألا راحم لغربتي، ألا ساد لحلتي، ألا منفس لشجوي وكربتي، أليس عارًا عليكم، ضيعة القاصد بعزمه إليكم، فلا تتركوني مضاعًا، وفؤادي ملتاعًا، وقلبي شعاعًا، وأشجاني أجناسًا وأنواعًا. كيف أضام وإليكم قصدت، كيف أحرم وبكم وثقت وتعلقت، كيف لا أظفر بمرادي، وأنتم مخيم ودادي، ومواليَّ وأسيادي. وعليكم اعتمادي، وبهمتكم إمدادي وإسعادي، وإني أتوسل إلى حضرتكم بالله الذي لا إله إلا هو الرحيم الرحمن، الرؤوف المنان، والأنبياء والمرسلين، وبمحمد الصادق الأمين. والسادة صحابته، والأخيار قرابته، وبالمهاجرين والأنصار، والأقطاب والنجباء والأخيار. وبجميع الأولياء والصالحين، والعلماء الراسخين، أن لا تحرمني من دعاكم، والتوجه بهمتكم، إلى خديم سدتكم، حتى أظفر بمأمولي، وأبلغ غاية سؤلي، فلا خاب من إليكم انتسب، وعليكم أكب، فأغيثوا هذا المظلوم، الكثير الكُلوم، الغريب الديار، المقلب على الجمار، كلا فإني لما وفقت لقصدكم، واشتملت بودكم، وانتميت لذلك المقام، واعتززت بذلك الذمام، ظفرت بالأهل المطلق، ونزلت على المحلق. فمثلكم من يحمي جاره. ويبلغه أوطاره. لا زلتم موقف الآمال، ومحط المجد والنوال. وعائد السلام عليكم، كما بدا من ابنكم المنتمي إليكم، الطالب فضلكم ورفدكم، الفقير إلى رحمة ربه ولطفه محمد باي ابن حسين باي ابن علي. وكتبت بتاريخ أواخر جمادى الأولى من عام١١٦١.
هذا والغيب قد هيأ لهؤلاء الأمراء أعز السعادة المستدامة إلى أن تخلصوا خلوص التبر، وحنوا إلى وطنهم وساعدهم القدر. وأعيا الناس ما لاقوه من ابن عمهم، وكاتبوهم يستنهضونهم، فجهزهم حاكم الجزائر بمحلة منصورة تحت رئاسة حسن باي أزرق عينه. وأقبلوا مع من حشد إليهم من نجوع الأعراب الذين أعياهم الجلد وقاموا بإمدادهم إلى أن تغلبوا على عدوهم، واتصلوا بتراث أبيهم من غاصبه، واقتص الله لهم دم أبيهم ودخلوا الحاضرة في يوم مشهود، خفقت فيه الرايات والبنود، وهو يوم الخميس سادس ذي الحجة الحرام سنة تسع وستين ومائة وألف، فهرعت الخاصة والعامة إلى بيعتهم واطمأنت الأنفس وقرت العيون.
[الطويل]
وألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عينا بالإياب المسافر
وأقام الجزيريون أيامًا كدروا بها صفو مشرب الباشا محمد الرشيد باي من إعناتهم وجراءَتهم وإضرارهم بالأهالي إلى أن أراحه الله من إقامتهم على ما هو مبسوط في كتاب "المشرع الملكي، بدولة أولاد علي تركي " وأقبل الأمن على الأهالي بعود الدر إلى معدنه وتنادى الناس بالفرح المديد، من ولاية محمد الرشيد، فاقتعد دست الملك التونسي وعم بإحسانه كل من وفد عليه سائلًا، وأنشأ من حماسة عزة نفسه الملوكية قائلًا: [الطويل]
أيشبهنا في العالمين قبيل ... ونيل علانا ما إليه سبيل
أرى العز لا يأوي سوى بيت مجدنا ... ولا في حمانا يستذُّل ذليل
وأعراضنا بين الأنام جواهر ... وجوهرنا في الخافقينْ يسيل
ترى السعد والأيام ملك يميننا ... تميل على العِلات حيث نميل
صوارمنا تطغى على طول دهرنا ... لها في رؤوس الدارعين صليل
إذا استقبل الأعداء صارمَ سيفنا ... فماضيه بالنصر العزيز كفيل
وإن نحن سرنا في كماة جيوشنا ... وللخيل وقع في الثرى وصهيل
تكاد جال الأرض من عظم بأسنا ... تذوب على سطح الثرى وتميل
تسع وستين ومائة وألف، فهرعت الخاصة والعامة إلى بيعتهم واطمأنت الأنفس وقرت العيون.
[الطويل]
وألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عينا بالإياب المسافر

1 / 7

وأقام الجزيريون أيامًا كدروا بها صفو مشرب الباشا محمد الرشيد باي من إعناتهم وجراءَتهم وإضرارهم بالأهالي إلى أن أراحه الله من إقامتهم على ما هو مبسوط في كتاب "المشرع الملكي، بدولة أولاد علي تركي " وأقبل الأمن على الأهالي بعود الدر إلى معدنه وتنادى الناس بالفرح المديد، من ولاية محمد الرشيد، فاقتعد دست الملك التونسي وعم بإحسانه كل من وفد عليه سائلًا، وأنشأ من حماسة عزة نفسه الملوكية قائلًا: [الطويل]
أيشبهنا في العالمين قبيل ... ونيل علانا ما إليه سبيل
أرى العز لا يأوي سوى بيت مجدنا ... ولا في حمانا يستذُّل ذليل
وأعراضنا بين الأنام جواهر ... وجوهرنا في الخافقينْ يسيل
ترى السعد والأيام ملك يميننا ... تميل على العِلات حيث نميل
صوارمنا تطغى على طول دهرنا ... لها في رؤوس الدارعين صليل
إذا استقبل الأعداء صارمَ سيفنا ... فماضيه بالنصر العزيز كفيل
وإن نحن سرنا في كماة جيوشنا ... وللخيل وقع في الثرى وصهيل
تكاد جال الأرض من عظم بأسنا ... تذوب على سطح الثرى وتميل
عوائدها التي كانت عليها تلك المدة، وساعده البخت فأخصبت البلاد، وأعلن أصحابه ومن كانوا بمعيته بأفراحهم فاستعملوا الآلات المطربة للأنس بعد طول غربتهم، وجرى معهم في ذلك الميدان غيرهم. حتى كانت أيام تلك الدولة كأنها أعراس، وفاقت به وسطى دول بني العباس، ولا سيما وقد أكرم الله هذا الأمير بولديه أبي الثنا محمود باي وأبي الفداء إسمعيل باي اللذين جعل الله الملك مخلدًا في عقب أولهما جزاءً من الله على حسن طوية هذا الأمير.
وكان عالي الهمة عزيز النفس ضخم الدولة مشيدًا لدعائم شارات الملك وتعظيم شأن الدولة والميل إلى المعالي وحب العلم والعلماء وهو منهم، له ديوان شعر بديع جيد النظم والنثر والتوشيح. وقد نظم قصائد نبوية وتوسلية تدل على حسن وثوقه بالله وأوليائه.
أما قصيدتاه الميمية والقافية فهما آية الله في الإبداع. وقد سمى أولاهما "محركات السواكن، إلى أشرف الأماكن" وهي التي يقول في مطلعها: [الكامل]
هل زَورَة تشمِي فؤاد متيم ... يا أهل مكة والحطيم وزمزم
وشرحها أستاذه الشريف الشافعي بجزأين ضخمين التزم في شرح كل بيت منها خمسة فنون؛ وهي اللغة والنحو والمعاني والبيان والبديع عدا حاصل المعنى وسمى شرحه المذكور "إظهار النكات، من خبايا المحركات " فكان شرحًا مشحونًا علمًا وأدبًا حيث اعتكف به مؤلفه على استخراج الدر من بحرها العميق إذ أنه لما استقر به النوى ورجع مع تلميذه ومخدومه إلى أرضه التونسية التزم الإقامة بجبل المنار تاركًا جميع علائق الدولة. وكان الأمير يرسل له ليلة كل جمعة فرسه الأشهب، ولم يمتطه غير أستاذه المذكور فيحضر عنده بباردو للمبيت ومن الغد يرجع الفرس المذكور موصولًا بجميل الصلات، ووافر العطيات، وهو في رغد العيش من إقبال السعد، بإنجاز الدهر لجميل الوعد، يرصع تيجان تلك القصيدة، بالجواهر النضيدة، حتى أظهر ما احتوت عليه من النكات، بالآيات البينات، فرحم الله الناظم والشارح، إذ أخصبا تلك المسارح.
وأما القصيدة الثانية القافية فقد شرحها الشيخ محمد الكواش وقيل شارحها والده الشيخ صالح الكواش غير أني لم نطلع عليه.
وقد عم فضل هذا الباشا سائر الموفين بعهده من أصدقائه ومن أدركهم من رجال دولة والده إلى أن مرض نحو العشرة أيام، وأدركته المنية ليلة الاثنين الرابع عشر من جمادى الثانية سنة اثنتين وسبعين ومائة وألف، ودفن بتربة والده عليه رحمة الله. وقد رثاه الشيخ محمد الورغي بقصيدة كتبت على قبره وهي قوله: [الكامل]
هذا ضريح للإمام الأمجد ... نجمِ الملوك السيد ابن السيد
علم غدا للقاسمين مجاورًا ... فأضا أمامهما ضياء الفرقَد
لاقى برأفته العباد فربه ... يلقاه بالغفران يوم الموعد
عم الأنامَ الهديُ في أيَّامِه ... إحكام حكم قل من لم يهتد
فالحلم شيمته وحليته الرضا ... والخير فيه لمن يروح ويغتدي
يا واقفًا بضريحه سل ربه ... كرمًا يمتعه بجور نهدِ
واقرأ له أم الكتاب هدية ... فعسى يفوز برحمة يم تنفذ

1 / 8

بشرى له إذ جاء في تاريخه ... (يا حسن حور زيني لمحمد)
٤- المولى علي باشا باي
[١١٢٤ ١١٩٢] هو الأمير أبو الحسن علي بن حسين بن علي تركي ولد سنة أربع وعشرين ومائة وألف، ونشأ بين يدي والده في التدريب والتهذيب وقراءة العلم الشريف على الشيخ الحاج يوسف برتقيز، وأكثر ميله إلى العلوم الدينية لا سيما الحديث النبوي، ونشأ على ذلك إلى أن غاب غيبته ورجع رجوع الدر إلى معدنه صحبة أخيه يوم الخميس سادس ذي الحجة الحرام سنة تسع وستين ومائة وألف وتمت البيعة لأخيه فقلده هو ولاية الأمحال ولازم السفر بالأمحال لاستخلاص الجباية مدة.
وبعد انتقال أخيه أجمع أهل الحل والعقد على تقديمه للإمارة فبايعوه يوم الاثنين الرابع عشر من جمادى الثانية سنة اثنتين وسبعين ومائة وألف، ووفدت عليه الوفود بالتهنئة، واستقر على كرسي المملكة وأقَّر رجال دولة أخيه على مناصبهم وقرر الأمور على ما كانت عليه واستعمل من الرفق والحنان ما جلب به جميع القلوب.
واصطفى لمجلسه العلماء ودخل في زمرتهم مع ما له من الذكاء والمشاركة في العلوم وحب المحاورة وملازمة رواية صحيح البخاري بنفسه يستحضر للمبيت عنده كل ليلة طائفة من العلماء للمسامرة على العلم وسرد الكتب المهمة والمحاورة فيها، وكثيرًا ما يورد عليهم المشكلات، والإشكالات من توقفاته ويديرون في ذلك كؤوس محاضراتهم ومحاوراتهم ويجزل عطاء المجيد منهم. ومن ذلك توقفه في مسألة إجزاء أداء النذور في وقت الكراهة مع أنه وقت إثم، وقد كتب له في المسألة شيخ الإسلام البارودي كتابة حرر فيها إشكال الأمير والنصوص التي توقف في الجمع بينها بما يدل على رتبة الأمير في العلوم الدينية.
وقد اتفق له أيضًا أنه كان يقرأ تفسير القاضي البيضاوي والعلماء بين يديه فمرت به عبارة فيها مخالفة بين الضمير ومفسره في التذكير والتأنيث فسأل عن وجهها فلم يحضرهم الجواب ثم أجابه الشيخ عبد الكبير الشريف بأن ذلك لمراعاة الخبر فاستحسن جوابه وأجزل صلته حتى قال بعض الحاضرين: إن هذا الجواب الذي أجاب به الشيخ مشهور مسطر تحت كل ورقة فقال له الأمير: وهلا أجبت أنت بهذا الأمر المشهور؟ ثم قال لهم: إني لم أعظم جائزة الشيخ استغرابًا لما أجاب به وإنما قصدت بذلك إظهار تعظيم أهل العلم وترغيب الناس في تعليمه والحث عليه. وبمثل ذلك كان العلماء لا يتخلفون عن مجلسه وهو يوسعهم برًا وكرمًا، مؤديًا لحقوق احترامهم الواجب، حتى أنه لم يشرب الدخان في مجلس اجتماعهم، ويتكلف في ليالي الشتاء الخروج لإجل التدخين حتى لا يرتكب ذلك بينهم. ولما راوده بعض العلماء على عدم الخروج متعللًا له بعدم الفرق بين دخان الاستنشاق المستعمل عند جميعهم وبين التدخين، أجابه بأن عموم كراهة رائحة التدخين فارقٌ بينهما وأنه يجتنب ذلك قيامًا بواجب حق علمهم.
وفي مجلسه العلمي كان اجتماع الشيخ محمد الشحمي مع الشيخ لطف الله الأعجمي شارح أسماء الله الحسنى حين وفد على تونس عام ثمان وسبعين ومائة وألف ووقعت بينهما محاورة في علوم حكميّة اعترف في آخرها بفضل الشيخ الشحمي، وكان جسيمًا فوضع الشيخ لطف الله يده على بطن الشيخ الشحمي، وقال له: إنها ملئت علمًا لا شحمًا. وهكذا كان الأمير يجمع بين يديه العلماء وتقع بينهم المحاورات وينثر بينهم نثار الذهب، ويتحلى من اجتماعهم بأحسن حليّ الأدب، ويوسع جميعهم برًا وعطاءً. يرجو به من الله جزاءً، ويرجعون من بيته الرفيع ولسان حالهم ينشد: [الطويل]
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
بل هذا البيت أنشده بين يديه لسان مقال أحد الجلة الحاضرين في بعض الليالي عندما أجزل لهم العطاء من نفائس اللآلي فأصبح تضمينه مجالًا لتسابق فصحاء الشعراء وضمنه جميعهم في قصائد بديعة، من أجلها تضمين الشيخ الحاج حمودة ابن عبد العزيز في آخر قصيدة يخاطب الأمير بقوله: [لطويل]
إذا زارك الوفد انثنوا وجميعهم ... من البحر ذي التيار للدر جالب
فيشكرك الركبان من كثرة الجبا ... وتشكوك من ثقل العطايا الركائب
ومذ صدورًا والعيس كالنخل ... إذْرها سألناهُم كيف العلا والمناقب
"فعاجوا فاثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب"

1 / 9

وقد ثار عليه ولد ابن عمه إسماعيل بن يونس باي وكفاه الله أمره بعد محاربات طويلة في جبل وسلات فمات حتف أنفه بقسمطينة وخلف ولدًا اسمه حسن مات بعد ذلك.
ثم إن الأمير حارب الدولة الفرانساويِّة وانفصل معها بصلح سنة أربع وثمانين. وأعان السلطان مصطفى خان على محاربة الموسكو سنة خمس وثمانين.
وضم ابني أخيه إلى أبنائه حمودة وسليمان وعثمان والمأمون في التعليم والختان والتدريب على أحوال الدولة حتى جهز لجميعهم محلة وجعل الحكم فيها على التناوب بينهم جميعًا.
وقد شاد من المباني والمفاخر ما بقي ذكره، فبنى تربته الشهيرة والمدرسة المجاورة لها. وأقام مكتبًا لتجويد القرآن العظيم لصق جامع والده وأسس التكيتين لإيواء الفقراء من الرجال والنساء وإطعامهم وكسوتهم وفراشهم وأوقف على جميع ذلك أوقافًا مهمة أجرى بها التعاليم والصدقات الجارية إلى هذا اليوم، وعطل الخمر، وهدم الحانات، وأجرى كثيرًا من السقايات، وأقام الجسور، وجدد كثيرًا من الزوايا والمساجد، وبنى المباني الباذخة بباردو.
وكان عالمًا عادلًا، ذا صيانة وعفاف وفروسية ونجدة وتقى وحلم وكرم، أقام في دولته سوق العلوم والأدب، فكثرت فيها الشعراء وتنافسوا في مدائحه بدواوين من الشعر وأولاهم من الجوائز والصلات ما بعثهم على الاعتكاف على مدائحه.
وكانت له في منطقة حبسَة أبدع حامل لواء شعراء تلك الدولة في وصفها بما يتمنى به أشهر فصحاء الملوك أن يكون له مثلها فيوصف بجميل أوصافها التي وصفه بها هذا الشاعر البليغ، وهو الكاتب الشيخ محمد الورغي إذ رصع إحدى عيدياته يخاطب الأمير بقوله: [الطويل]
وما فتن الألبابَ مثلك ناطقًا ... بأسهل ألفاظ على المطلب الوعر
وقتكَ أذى المعيان في ذاك حبسة ... ترد على أعضائه شهقة المكر
وعوضتَ منها في جنانك فسحةً ... يغيب بها ما في الحضيض إلى النسر
وسعت لها تأميل كل مؤمل ... وآويت في أكنافها كل ذي ذعر
وما ضر أن كانت لجودك آية ... كما أن غيم الجو كمن آية القطر
إذا ما شفعت الميم أتبعت منحة ... أو الباء جاء البر منك على الإثْر
ولولا الحيا والعلم أنك صالح ... لقلنا بفيكِ العذبِ فأفأةُ السحر
وفيك وفيها رحمة حين ينزوي ... أمامك ذو ذنب أو الطالب البر
فيأخذ هذا عن عتابك مهلة ... ويطنب ذا فيما يقودك للأجر
وإن زدت فيها عند ذاك تبسمًا ... فتلك لعمر الله منقبَة الفخر
كذلك فلينعتك من كان مغرمًا ... بحبك وليصدع بما فيك من سر
وقد أفرد له كاتبه المقرب الشيخ الحاج حمودة بن عبد العزيز تاريخًا جمع فيه مفاخر مملكته ودولته واستوفى من خصاله الحميدة وقصائد مديحه ما لم يحط به غيره من المؤرخين.
ولما شاخ هذا الأمير قدم ولده حمودة باي على ابن أخيه محمود باي الأكبر سنًا فجعل ولده ولي عهده وأجلسه لتعاطي الحكم بين يديه والسفر بالأمحال ثم توالى على الأمير المرض إلى أن حضر أجله فتوفي يوم السبت الثالث عشر من جمادى الثانية سنة ست وتسعين ومائة وألف ودفن بتربته التي أحدث بناءها قرب ساباط عجم عليه رحمة الله.
٥ المولى حمودة باشا باي
[١١٧٣ ١٢٢٩] هو الأمير أبو محمد حمودة بن علي بن حسين بن علي تركي. ولد ليلة السبت ثامن عشر ربيع الثاني سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف، وتربى في حجْر ملك والده المعتني به غاية الاعتناء فقد ضم إليه من المربين العارفين بفنون السياسة من لهم عنده ذكر. وقدم لإقرائه العلوم المعقولة والدينية العالمين الشيخ الحاج حمودة بن عبد العزيز، ومن ذلك السلم ارتقى إلى رتبته العالية التي بلغها في الدولة، والشيخ حمودة بن باكير فقرأ عليهما ما أهله لكل كمال، حتى أنه لما استكمل السبع عشرة سنة وأراد والده تقديم خليفة لملكه أجمع نصحاء الدولة على اختياره، فأرسل إلى الدولة العثمانية بطلب تقديم ولده المذكور فأسعفته بذلك على عهد الغازي السلطان سليم خان الثالث، ووجهت له الخلعة العثمانية وأحضره والده بالديوان بالحاضرة وقلده الولاية وتمت بيعته غرة المحرم سنة إحدى وتسعين ومائة وألف، ووفدت عليه الوفود بالتهاني من كل فج وجلس للحكم والأوامر تصدر بختم والده وباشر السفر بالمحلة شتاءً وصيفًا.

1 / 10