La escalera de las llaves

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

Editor

جمال عيتاني

Editorial

دار الكتب العلمية

Edición

الأولى

Año de publicación

1422هـ - 2001م

Ubicación del editor

لبنان/ بيروت

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين مقدمة المؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي فتح قلوب العلماء بمفاتيح الإيمان ، وشرح صدور العرفاء

بمصابيح الإيقان : وأفضل الصلوات وأكمل التحيات ، على صدر الموجودات وبدر المخلوقات ، أحمد العالمين وأمجد العالمين ، محمد المحمود في أقواله وأفعاله وأحواله ، المنور مشكاة صدره بأنوار جماله وأسرار كماله ، وعلى آله وأصحابه ، حملة علومه ونقلة آدابه . | ( ما بعد ) فيقول أفقر عباد الله الغني الباري ، علي بن سلطان محمد الهروي القاري - عاملها الله بلطفه الخقي ، وتجاوز عنهما بكرمه الوفي - : لما كان كتاب مشكاة المصابيح الذي ألفه مولانا الحبر العلامة والبحر الفهامه ، مظهر الحقائق وموضح الدقائق ، الشيخ التقي النقي ، ولي الدين محمد بن عبد الله الخطيب التبريزي ، أجمع كتاب في الأحاديث النبوية ، وأنفع لباب من الأسرار المصطفوية . | ولله در من قال من أرباب الحال :

لئن كان في المشكاة يوضع مصباح

فذلك مشكاة وفيها مصابيح

Página 39

وفيها من الأنوار ما شاع نفعها

لهذا على كتب الأنام تراجيح فيه أصول الدين والفقه والهدى

حوائج أهل الصدق منه مناجيح

[ مشايخ المؤلف ] | تعلق الخاطر الفاتر بقراءته ، وتصحيح لفظه وروايته ، والاهتمام ببعض معانيه ودرايته ، رجاء أن أكون عاملا بما فيه من العلوم في الدنيا ، وداخلا في زمرة العلماء العاملين في العقبى . | فقرأت هذا الكتاب المعظم على مشايخ الحرم المحترم - نفعنا الله بهم وببركات علومهم - ، منهم فريد عصره ووحيد دهره ، مولانا العلامة الشيخ عطية السلمي ، تلميذ شيخ الإسلام ومرشد الأنام ، مولانا الشيخ أبي الحسن البكري . ومنهم زبدة الفضلاء وعمدة العلماء ، مولانا السيد زكريا ، تلميذ العالم الرباني مولانا إسماعيل الشرواني ، من أصحاب قطب العارفين وغوث السالكين ، خواجه عبيد الله السمرقندي ، أحد أتباع خواجه بهاء الدين النقشبندي - روح الله روحهما ورزقنا فتوحهما - ، ومنهم العالم العامل والفاضل الكامل ، العارف بالله الولي مولانا الشيخ علي المتقي - أفاض الله علينا من مدده العلي - : [ النسخ التي أعتمدها ] | لكن لكون هؤلاء الأكابر غير حفاظ للحديث الشريف ، ولم يكن في أيديهم أصل صحيح يعتمد عليه العبد الضعيف ؛ والشراح ما اعتنوا إلا بضبط بعض الكلمات ، وكانت البقية عندهم من الواضحات ، ما أطمأن قلبي ولا انشرح صدري إلا بأن جمعت النسخ المصححة ، المقروءة المسموعة المصرحة ، التي تصلح للاعتماد ، وتصح عند الاختلاف للاستناد . فمنها نسخة هي أصل السيد أصيل الدين ، والسيد جمال الدين ، ونجله السعيد مير كشاه المحدثنين المشهورين . ومنها نسخة قرئت على شيخ مشايخنا في القراءة والحديث النبوي ، مولانا الشيخ شمس الدين محمد بن الجزري . ومنها نسخة قرئت على شيخ الإسلام الهروي ، وغيرها من النسخ المعتمدة الصحيحة ، التي وجدت عليها آثار الصحة الصريحة . فأخذت من مجموع النسخ أصلا أصيلا ، ولمثوبة الألإخروية كفيلا . [ اجازته ] | وقد حصل لي أجازة عامة ورخصة تامة ، من الشيخ العلامة علي بن أحمد الجناني الأزهري الشافعي الأشعري الأنصاري ؛ وقد قال : قرأت على شيخ الإسلام ، وإمام أئمة الأعلام ، الشيخ جلال الدين السيوطي ، كتبا من الحديث وغيره من العلوم كالبخاري ومسلم وغيرهما من الكتب الستة وغيرها ، البعض قراءة والبعض سماعا . وقد أجازني بجميع مروياته وبما قرئ به ، و [ بما ] أجازه به خاتمة المحدثين ، مولانا الشيخ ابن حجر العسقلاني ، قراءة وسماعا ورواية وإجازة ، وعلى الشيخ القسطلاني صاحب المواهب وشارح البخاري من أجلاء تلامذه العسقلاني ، وأجازني بمروياته ومؤلفاته . وهذا على ما يوجد من السند المعتمد ، في هذا الزمان المكدر المنكد . ثم إني قرأت أيضا بعض أحاديث المشكاة على منبع بحر العرفان ، مولانا الشهير بمير كيلان . وهو قرأ على رند المحققين ، وعمدة المدققين مير كشاه ، وهو على والده السيد السند مولانا جمال الدين المحدث صاحب روضة الأحباب ، وهو على عمه السيد أصيل الدين الشيرازي . روي أنه أدرك من أكابر العلماء أحدا وثمانين ، منهم مولانا الشيخ محمد بن محمد بن محمد الجزري والشيخ مجد الدين الفيروزآبادي صاحب القاموس والعلامة السيد الشريف الجرجاني ، وسمع منه مولانا نور الدين عبد الرحمن الجامي - قدس الله سره السامي - وغيره ، توفي سنة أربع وثمانين وثمانمائة . قال : أروي كتاب المشكاة عن مولانا شرف الدين الجرمي ، وهو يروي عن خواجه إمام الملة والدين علي بن مباركشاه الصديقي ، وهو يروي عن المؤلف ، وهذا الإسناد لا يوجد أعلى منه للاعتماد . [ الباعث لتأليف المرقاة ] | فلما حصلت هذه النسخة المذكورة ، وصححتها من النسخ المعتمدة المسطورة ، رأيت أن أضبطها تحت شرح لطيف ، على منهج شريف ؛ يضبط ألفاظه مع مبانيه ، ويبحث عن رواياته ومعانيه . فإن همم إخوان الزمان قد قصرت ، ومجاهدتهم في تحصيل العلوم لا سيما في هذا الفن الشريف ضعيفت ، وهو متقضى الوقت الذي تجاوز عن الألف ، وبقي ضعف العلم والعمل بل ضعف الإيملان على ضعف ، والله ولي دينه وناصر نبيه ، وهو بكل جميل كفيل ، وحسبنا الله ونعم الوكيل . وأيضا من البواعث أن غالب الشراح كانوا شافعية في مطلبهم ، وذكروا المسائل المتعلقة بالكتاب على منهاج مذهبهم ، واستدلوا بظواهر الأحاديث على مقتضى مشربهم . | وسموا الحنفية أصحاب الرأي على ظن أنهم ما يعملون بالحديث ، بل ولا يعلمون الرواية والتحديث لا في القديم ولا في الحديث ، مع أن مذهبهم القوى تقديم الحديث الضعيف ، على القياس المجرد الذي يحتمل التزييف . نعم من رأي ثاقبهم ، الذي هو معظم مناقبهم ، أنهم ما تشبتوا بالظراهر ، بل دققوا النظر فيها بالبحث عن السرائر ، وكشفوا عن وجوه المسائل نقاب الستائر ، ولذا قال الإمام الشافعي : ( ( الخلق كلهم عيال على أبي حنيفة في الفقه ) ) ، وهذا الاعتراف يدل على الاغتراف وكمال الانصاف منه - رضي الله تعالى عنهما ونفعنا بعلومهما ومددهما - فأحببت أن أذكر أدلتهم ، وأبين مسائلهم وأدفع عنهم مخالفتهم ، لئلا يتوهم العوام الذين ليس لهم معرفة بالأدلة الفقهية ، أن المسائل الحنفية تخالف الدلائل الحنيفية ، ( وسميته مرقاة المفاتيح لمشكاة المصابيح ) والله نعالى أسأل أن يجعله خالصا لوجهه من فضله ، وأن ينفع المسلمين به كما ينفعهم بأصله وفصله ، فأقول وبالله التوفيق وبيده أزمو التحقيق . | قال الشيخ رحمه الله توجد صفحة فارغة

Página 41

بسم الله الرحمن الرحيم

Página 43

[ خطبة الكتاب ] | اقتداء بالقرآن العظيم ، وتخلقا بأخلاق العزيز العليم ، واقتفاء للنبي الكريم ، حيث قال : ( ( كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر ) ) أي قليل البركة أو معدومها ، وقيل : إنه من البتر وهو القطع قبل التمام والكمال ، والمراد بذي البال ذو الشأن في الحال أو المآل . رواه الخطيب بهذا اللفظ في كتاب الجامع . | واختلف السلف الأبرار . في كتابة البسملة في أول كتب الأشعار ؛ فمنعه الشعبي والزهري ، وأجازه سعيد بن المسيب واختاره الخطيب البغدادي . والأحسن التفصيل بل هو الصحيح ، فإن الشعر حسنة حسن وقبيحة قبيح ، فيصان إيراد البسملة في الهجريات والهذيان ومدائح الظلمة ونحوها ، كما تصان في حال أكل الحرام وشر الخمر ومواضع القاذورات [ وحاله المجامعة ] وأمثالها والأظهر انه لا يكتب في أول كتب المنطق على القول بتحريم مسائلها ، وكذا في القصص الكاذبة بجمخيع أنواعها ، والكل مستفاد من قوله : ( ( ذي بال ) ) ، والله أعلم بحقيقة الحال . ثم إنه ورد الحديث بلفظ : ( ( كل كلام ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم ) ) رواه أبو داود والنسائي في عمل اليوم والليلة ، وبلفظ : ( ( كل أمر ذي بال لا يبدا فيه بالحمد لله فهو أقطع ) ) رواه ابن ماجه . والتوفيق بينهما أن المراد منهما الابتداء بذكر الله سواء يكون في ضمن البسملة أو الحمدلة ، بدليل أنه جاء في حديث رواه الرهاوي في أربعينه ، وحسنه ابن الصلاح ، ولفظه : ( ( كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بذكر الله سواء حديث ابن الصلاح ، ولفظه : ( ( كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بذكر الله فهو أقطع ) ) ، أو يحمل حديث البسملة على الابتداء الحقيقي بحيث لا يسبقه شيء ' ، وحديث الحمدلة على الابتداء الإضافي وهو ما بعد البسملة . قيل : ولم يعكس لأن حديث البسملة أقوى في المنهال ، بكتاب الله الوارد على هذا المنوال . ويخطر بالبال ، والله أعلم بالحال ، أن توفيق الافتتاح بالبسملة لما كان من النعم الجزيلة ، ناسب أن تكون الحمدلة متأخرة عنها لتكون متضمنة للشكر على هذه المنحة الجميلة . هذا وقد يقال إن المراد بالابتداء افتاح عرفي موسع ممدود ، يطلق على ما قبل الشروع في المقصود ، كما يقال أول الليل وأول النهار وأول الوقت وأول الديار ، وحنيئذ لا يرد على المصنف أنه جاء في رواية : ( ( كل أمر ذي بال لم يبدا فيه بذكر الله ثم بالصلاة علي فهو أقطع ممحوق من كل بركة ) ) أخرجه الرهاوي عن أبي هريرة مرفوعا . وإن قيل بضعفه ، وجاء في رواية الترمذي وحسنه عن أبي هريرة مرفوعا : ( ( كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء ) ) على رواية ضم الخاء ، وهو الظاهر من صنيع الترمذي حيث أورده في باب خطبة النكاح ، وكذا يفهم من اعتراض الشيخ ابن حجر العسقلان على البخاري في تركه الشهادة أول كتابه . مع أنه قد يجاب عنه بعدم صحة الحديث عنده ، أو بأن روايته كسر الخاء لا ضمه والله أعلم . | ثم الباء جاء لأربعة عشر معنى ، والمناسب ههنا منها الإلصاق والاستعانة ، وهي متعلقة بمقدر وأخر على المختار تحقيقا لحقيقة الابتداء : وتعظيما للاسم الخاص عن الانتهاء ، وإقادة للاهتمام ، وإرادة لمقام الاختصاص الذي هو المرام ، ورد لدأب المشركين حيث كانوا يبتدئون بالأصنام ، ويفتتحون بذكر الله في بعض الكلام . لكن قال العارف الجامي : ( ( حقيقة الابتداء [ باسمه ] سبحانه عند العارفين أن لا يذكر باللسان ولا يخطر بالجنان في الابتداء غير اسمه سبحانه ، ولا اثباتا ولا نفيا ، فإن صورة نفي الغير ملاحظة للغير ، فهو أيضا ملحوظ في الابتداء ، فلس الابتداء مختصا باسمه سبحانه ، فلا حاجة إلى تقدير المحذوف مؤخرا إلا ان يكون اسم الله سبحانه في التقدير أيضا مقدما كما أنه في الذكر مقدم ) ) . 1 ه والمعنى : باسم الله ابدا تصنيفي أو ابتدائي في جميع أموري متبركا باسمه ومستعينا برسمه . | والاسم من الأسماء التي بنى أوائلها على السكون فعند الابتداء بها يزيدون همزة الوصل ، والأصح أنه من الأسماء المحذوفة العجز كيد ودم بدليل تصاريفه من سميت ونحوه . واشتقاقه بهمزة من السمو ، وهو العلو لأن التسمية تنويه بالمسمى ورفع لقدره . وعند الكوفية أصله وسم وهو العلامة لأنه علامة دالة على المسمى فحذف حرف العلة تخفيفا ثم أدخلت عليه همزة الوصل ، وسقطت كتابتها في البسملة المختصة بالجلالة على خلاف رسم الخط لكثرة الاستعمال الكتبي ، وطولت الباء دلالة عليها قبل ذكر الاسم فرقا بين اليمين والتيمن . وقيل : الاسم صلة ، وهو إن أريد به اللفظ فلا يصح القول بأنه عين المسمى ، وإن أريد به ذات الحق الوجود المطلق إذا اعتبر مع صفة معينة كالرحمن مثلا ، هو الذات الإلهية [ مع صفة الرحمة والقهار ] مع صفة القهر فهو عين المسمى بحسب التحقيق والوجود وإن كان غيره بحسب التعقل : والأسماء الملفوظة هي أسماء هذه الأسماء . والإضافة لامية والمراد بعض أفراده التي من جملتها الله والرحمن والرحيم ، أو يراد به هذه الأسماء بخصوصها بقرينة التصريح [ بها ] ويمكن أن تكون الإضافة بيانية بناء على ما تقدم ، هكذا قاله بعض المحققين . | واعلم أن هذه المسألة قد اختلف على مذاهب : أحدهما أن الاسم عين المسمى والتمسية ، وثانيهما - وهو المنقول عن الجهمية والكرامية والمعتزلة - غيرهما ، قال العلامة العز ابن جماعة : ( ( هو الحق ) ) ، وثالثها عين المسمى وغير التسمية ، وهو المصحح عند [ بعض ] الحنفية ، وهو المراد بقول القائل وليس الاسم غيرا للمسمى ، ورابعها لا عين ولا غير . والثالث هو المنقول عن الأشعري لكن في اسم الله تعالى أعنى كلمة الجلالة خاصة ، لأن مدلول هذا الاسم الذات من حيث هي بخلاف غيره ، كالعالم فمدلوله الذات باعتبار الصفة . وقد نبه الإمام الرازي والآمدي على أنه لا يظهر في هذه المسألة ما يصلح محلا لنزاع العلماء والله أعلم . وفي التعرف أجمعوا أن الصفات ليست هي هو ولا غيره ، وأجمعوا أنها لا تتغاير وليس علمه قدرته [ ولا غير قدرته ] ولا قدرته علمه ولا غير علمه وكذلك جميع صفاته من السمع والبصر وغيرهما ، واختلفوا في الأسماء فقال بعضهم : ( ( أسماء الله تعالى ليست هي الله ولا غير الله ) ) كما قالوا في الصفات ، وقال بعضهم : ( ( أسماء الله هي الله ) ) والله أعلم . | ثم اعلم أنه تحير العلماء في تدقيق اسم الله كما تحير العرفاء في تحقيق مسماه - سبحان من تحير في ذاته سواه - فقيل : إنه عبري لأن أهل الكتاب كانوا يقولون الاها فحذفت العرب [ الألف ] الأخيرة للتخفيف كما فعلوا في النور والروح واليوم ؛ فإنها في اللغة العبرانية كانت نورا وروحا ويوما ، وهذا وجه من قال إنه معرب ، والحق أنه عربي لأن ما ذكروه من توافق اللغتين لا يدل على كون إحداهما متأخرة عن الأخرى مأخوذة عنها . | ثم اختلفوا أسم هو أم صفة ؟ مشتق ، وعليه الأكثر ، أو غير مشتق ؟ علم أو غير علم ؟ وما أصله على تقدير اشتقاقه ؟ ومختار صاحب الكشاف أنه كان في الأصل اسم جنس ثم صار علما وأن أصله الإله ، وإنه مشتق من إله بمعنى تحير ، فالله متحير فيه لأنهم لا يحيطون به علما وحكى سيبويه والمبرد عن الخليل أن الله اسم خاص علم لله غير مشتق من شيء وليس بصفة فعلى هذا يكون جامعا لأسمائه ونعوته وصفاته . وقيل : إنه مأخوذ من الهت إلى فلان إذا فزمعت إليه [ عند الشدائد ] قال :

ألهت إليكم في بلايا تنوبني

فألفيتكم فيها كريما ممجدا

فإن الخلق يفزعون إليه عند الشدائد ، أو من أله الفضيل إذا ولع بأمه ، لأن العباد يولهون به وبذكره . وقيل : من تألهت أي تضرعت ، فالإله هو الذي يتضرع إليه . وقيل : من قولهم لاه يلوه لوها ولاها إذا احتجب وارتفع قال :

Página 45

لاه ربي عن الخلائق طرا

فهو الله لا يرى ويرى هو

| وقيل من ألهت بالمكان إذا قمت به ، ومعناه الذي لا يتغير عن صفته كما أن المقيم لا يتحول عن بقعته ، ومنه قول الشاعر :

لهنا بدار لا تبين رسومها

كأن بقاياها وشام على الأيدي

وقيل : الإله أصله ولاه فهو من الوله ، كما قيل في اسادة واشاح واجوه وسادة ووشاحد ووجوه ، ومعناه أن العباد يولهون عند ذكر الإله أي يطربون منه ، ومنه قول الكميت :

Página 46

ولهت نفسن الطروب إليكم

ولها حال دون طعم الطعام

وقيل : الوله المحبة الشديدة ، وقيل : مشتق من إله بمعنى عبد ، فالإله فعال بمعنى المعبود كالكتاب بمعنى المكتوب ، ويدل عليه قراءة ابن عباس : ( ( ويذرك والاهتك ) ) أي عبادتك . ثم قال سيبويه : ( ( الأصل في قولنا الله إله فما حذفت همزته عوضت في أوله الألف واللام عوضا لازما فقيل الله ) ) . وقال المبرد : ( ( الأصل في لاه لوه على وزن دور فقلبوا [ الواو ] ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فصار لاه على وزن دار ، ثم أدخلوا عليه لام التعريف ) ) . وقال أبو الهيثم الرازي : ( ( الأصل في الله هو الإله خففت الهمزة بإلفاء حركتها على اللام الساكنة [ قبلها ] وحفت فصارت اللاه ، ثم أجريت الحركة العارضة مجرى الأصلية وأدغمت اللام الأولى في الثانية ) ) . قيل : ههنا إشكال صرفي ، وهو أنه إن نقلت حركة الهمزة إلى ما قبلها أولا على ما هو القياس ، ثم حذفت فيلزم أن يكون وجوب الإدغام غير قياسي لما تقر في محله من أن المثلين المتحركين لا يجب فيهما الإذغام إ ذا كانا من كلمتين نحو ما سلككم ومناسككم ، وإن حذفت الهمزة مع حركتها فيلزم مخالفة القياس في تخيفيها وإن كان لزوم الإدغام على القياس ، ومن ثم قيل : هذا الاسم خارج عن متقضى القياس ، في تخفيفها وإن كان لزوم الإدغام على القياس ، ومن ثم قيل : ها الاسم خارج عن متقضى القياس ، كما أن مسماه خارج عن دائرة قياس الناس . وأجبيب باختيار الأول ومنع كون الإدغام في كلمتين بأنه لما جعل اللام عوضا عن الهمزة وصار بمنزلتها صار كأنه في كلمة واحدة ، على أنه يجوز أن يكون وجوب الإدغام بعد العلمية فيكون الاجتماع في كلمة واحدة قطعا . قلت : التحقيق أنه كما أن النقل فيه قياس غير مطرد فكذلك الإدغام في كلمتين ، ويكفي جوازه ولا يحتاج إلى وجوبه ؛ مع أن الإذغام في كلمتين اتفق عليه القراء في قوله : @QB@ لا تأمنا @QE@ [ يوسف - 11 ] والحق أنه نظير قوله تعالى : ^ ( لكنا هو الله ربي ) ^ [ الكهف - 38 ] فإن الأصل لكن أنا ، فحولوا الفتحة إلى ما قبلها من النون ، فاجتمعت نونان متحركتان فأسكنوا الأولى وأدغموها في الثانية ، وهذا القول محكي عن الفراء . وقيل : ( ( الأصل فيه هاء الكناية عن الغائب ) ) ، وذلك أنهم أثبتوا موجوجا في نظر عقولهم وأشاروا إليه بحرف الكناية ، ثم زادوا فيه لام الملك لما علموا أنه خالق الأشياء ومالكها ، فصار له ، ثم قصروا الهاء وأشبعوا فتحة اللام فصار لاه ؛ وخرج عن معنى الإضافة إلى الاسم المفرد فزيدت فيه الألف واللام للتعريف تعطيما ، وفخموه تأكيدا لهذا المعنى ، فصار الله كما ترى ، وهذا أقرب بإشارات الصوفية من تحقيق اللغة العربي . وقيل : ( ( ليس هو بمشتق بل هو علم ابتداء لذاته المخصوصة من غير ملاحظة معنى من المعاني المذكورة ) ) . ويلائم هذا المذهب ما ذكره بعض العارفين ، من أنه اسم للذات الإلهية من حيث هي على الإطلاق ، لا باعتبار اتصافها بالصفات ولا باعتبار لا اتصافها بها ، ولذا قال الجمهور : ( ( إنه الاسم الأعظم ) ) ، قال القطب الرباني الشيخ عبد القادر الجيلاني : ( ( الاسم الأعظم هو الله ، لكن بشرط أن تقول الله وليس في قلبك سواه ) ) . | وقد خص هذا الاسم بخواص لا توجد في غيره كما ذكره أهل العربية ، منها أنه تنسب سائر الأسماء إليه ولا ينسب هو إلى شيء منها ، ومنها أنه لم يسم به أحد من الخلق بخلاف سائر الأسماء ، ومنها أنهم ألزموه الألف اللام [ عوضا لازما عن همزته ولم يفعل ذلك في غيره ، ومنها أنهم قالوا يا الله فقطعوا همزته ، ومنها أنهم جمعوا بين يا التي للنداء وبين الألف واللام ] ولم يفعل ذلك في غيره حال سعة الكلام ، ومنها تخصيصهم إياه في القسم بإدخال التاء وأيمن وأيم في قولهم تالله وأيمن الله وأيم الله ، ومنها تفتخيم لامه إذا انفتح ما قبله أو انضم ، سنة ورثتها العرب كابرا عن كابر وتواتر نقل عن القراء عن رسول اله صلى الله عليه وسلم ، وحذف ألفه لحن تفسد به الصلاة . | و ( الرحمن ) فعلان من رحم كغضبان من غضب ، على أنه صفة مشبهة بجعل الفعل المتعدي لازما فينقل إلى فعل العين فيشتق منه الصفة المشبهة . | وأما ( الرحيم ) فإن جعل صيغة مبالغة كما نص عليه سيبويه في قولهم هو رحيم فلا إشكال ، وإن جعل من الصفات المشبهة كما يشعر به كلام الكشاف فالوجه ما ذكر في الرحمن . ثم في الرحمن زيادة مبالغة من الرحيم ، لأن زيادة المبني تدل على زيادة المعنى ، وهي إما بحسب شموله للدارين واختصاص الرحيم بالدنيا كما وقع في بعض الآثار ( ( يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا ) ) ، وإما بحسب كثرة أفراد المرحومين وقلتها كما ورد ( ( يا رحمن الدنيا ورحيم الأخرة ) ) ، وإما بحسب جلالة النعم ودقتها . وبالجملة ففي الرحمن مبالغة في معنى رحمن الدنيا والآخرة ورحميهما ) ) لجواز حملهما على الجلائل والدقائق ، وقيل : رحمة الرحمن تتعلق بالمؤمن والكافر في الدنيا ورحمة الرحيم تختص بالمؤمنين في العقبى . ولا يجوز إطلاق الرحمن على غيره تعالى بخلاف الرحيم ، قال تعالى : ^ ( لقد جاءكم رسول الله من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ) [ التوبة - 128 ] ولذا قيل : الرحمن خاص اللفظ عام المعنى والرحيم عام اللفظ خاص المعنى . | ثم الرحمة في اللغة رقة القلب وانعطاف يقتضي التفضل والإحسان ، وهي من الكيفيات التابعة للمزاج ، والله سبحانه منزه عنها فإطلاقها عليه سبحانه إنما هو باعتبار الغايات التي هي أفعال دون المبادئ التي هي من الانفعالات ، فهي عبارة عن الإنعام فتكون من صفات الأفعال ، أو عن إرادة الإحسان فتكون من صفات الذات ، فإن كل واحد منها مسبب عن رقة القلب والانعطاق فتكون مجازا مرسلا من باب إطلاق السبب على المسبب . وقدم الرحمن على الرحيم مع أن القسا الترقي في الصفات من الأدنى إلى الأعلى بناء على الرحيم كالتتمة والرديف للرحمن ، أو لزيادة شبهه بالله حيث اختص به سبحانه حتى قيل : إنه علم له ، أو لتقدم رحمة الدنيا . وفي الاكتفاء بهاتين الصفتين من صفات الجمخال وعدم ذكر صفة من صفات الجلال إشعار بقوله تعالى في الحديث القدسي : ( ( غلبت رحمتي غضبي ) ) وفي الختم بالرحيم إيماء بحسن خاتمة المؤمنين وأن العاقبة للمتقين بعد حصول رحمته لعموم الخلق أجمعين : | ( الحمد لله ) قيل ؟ : الحمد والمدج والشكر ألفاظ مترادفة ، والمحققون بينها يفرقون ويقولون : إن الحمد : ( ( هو الثناء باللسان على الجميل الاخيتاري من نعمة وغيرها ) ) ، والمدح يعم الاختياري وغيره ، ولذا يقال : مدحته على حسنة ولا يقال : حمدته عليه ، والشكر : ( ( فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بمقابلة النعمة سواء يكون باللسان أو الجنان والأركان ) ) ، فمورد الحمد خالص ومتعلقة عام والشكر بخلافة ، وحقيقة الشكر ما روي عن الجنيد أنه : ( ( صرف العبد جميع ما أنعم الله [ به ] عليه إلى ما خلق لأجله ) ) ، ورفعه بالابتداء وخبره لله وأصله النصب وقرئ به ، وإنما عدل به إلى الرفع دلالة على الدوام والثبات ، وقرئ بإتباع الدال اللام وبالعكس تنزيلا لهما لكثرة استعمالها معا منزلة كلمة واحدة . | ثم الجملة خبرية لفظا انشائية معنى قائلها بها حامدا ، ولو كانت خبرية معنى لم يسم إلا مخبرا ، ومعلوم أنه لا يشتق للمخبر اسم فاعل من ذلك الشيء إذ لا يقال لمن قال الضرب مؤلم ضارب ، فإن قيل : جاز أن يعد الشرع المخبر يثبوت الحمد له تعالى حامدا ، أجبيب بأنه خلاف الأصل والأصل عدمه . واللام للاستغراق أي كل حمد صدر من كل حامد فهو ثابت الله ، أو للجنس ويستفاد العموم من لام الاختصاص ، وعلى التقديرين فجميع أفراد الحمد مختص له تعالى حقيقة وإن كان قد يوجد بعضها لغيره صورة ، أو الحمد مصدر بمعنى الفاعل أو المفعول أي الحامدية والمحمودية ثابتان له تعالى فهو الحامد وهو المحمود ، أو للعهد فإن حمده لائق له ولذا أظهر العجز [ أحمد الخلق ] عن حمده وقال : ( ( لا أحصي ثناء عليك انت كما أثنيت على نفسك ( نحمده ) استئناف فأولا أثبت الحمد له بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت والدوام سواء حمد أو لم يحمد ، فهو إخبار متضمن للإنشاء ، وثانيا أخبر عن حمده وحمد غيره معه بالجملة الفعلية التي للتجدد والحدوث بحسب تجدد النعماء وتعدد الآلاء وحدوثها في الآناء ، أو المراد نشكره إما مطلقا أو على توفيق الحمد سابقا . ( ونسعينه ) أي في الحمد وغيره من الأمور الدنيوية أو الأخروية فيكون تبريا من الحول والقوة النفسية - وفيه إشارة إلى رد القدرية كما أن فيما ردا على الجبرية - ولم يقل وإياه نستعين لأن مقام الاختصاص لا يدركه إلا الخواص ، ولذا قال ابن دينار : ( ( لولا وجوب قراءة الفاتحة لما قرأتها لعدم صدقي فيها ) ) ، ( ويستغفره ) أي من السيئات والتقصيرات ولو في الحمد والاستعانة وسائر العبادات ، ( ونعود بالله ) أي نلتجئ ونعتضم بعونه وحفظه ( من شرور أنفسنا ) أي من ظهور السيئات الباطنية التي جبلت الأنفس عليها ، قيل : منها الحمد مع الرياء والسمعة وكذا مع إثبات الحول والقوة ( ومن سيئات أعمالنا ) أي من مباشرة الأعمال السيئة الظاهرة التي تنشأ عنها ، وفيه اعتراف بأن البواطن والظواهر مملوءة من العيوب ومحشوة من الذنوب ، ولذا قيل : ( ( وجودك ذنب لا يقاس به ذنب ) ) ، قيل : منها التصيف بلا إخلاص وعدم رؤية التوفيق والاختصاص ، ولولا حفظه تعالى مع توفيقه لما استقام أحد على طريقه ( ( لولا الله ما أهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا ) ) . ( من يهده الله ) أي من يرد الله هدايته الموصلة إليه وعنايته المقربة لديه ، ( فلا مضل له ) أي فلا أحد يقدر على إضلاله من المضلين من شياطين الإنس والجن أجمعين ، ( ومن يضلل ) أي من يرد الله جهالته وعن الوصول إلى الحق ضلالته ( فلا هادي له ) أي فلا أحد يقدر على هدايته من الهادين من الأنبياء والمرسلين قال الله تعالى : ^ ( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمتهدين ) ^ [ القصص - 56 ] وفيه إيذان بأن الأمر كله لله وليس لما سواه إلا ما قدر له وقضاه من الكسب والاختيار @QB@ وربك يخلق ما يشاء ويختار @QE@ [ القصص - 68 ] ولظهور قصور عقولنا الفانية عن إدراك أسرار الحكم البالغة الباقية قال علي كرم الله وجهه : ( ( لا يظهر سر القضاء والقدر إلا يوم القيامة ) ) . | ثم اعلم أن الضمير البارز ثابت في يهده ، وأما في يضلل فغير موجود في أكثر النسخ ، وهو عمل بالجائزين والأول أصل وفيه وصل والثاني فرع وفيه فصل ، وفيه نكته أخرى لا تخفى على أرباب الصفا . | ( وأشهد ) أي أعلم وأبين ( أن لا إله ) أي لا معبود ، أو لا مقصود ، أو لا موجود في نظر أرباب الشهود ( إلا الله ) أي الذات الواجب الوجود صاحب الكرم والجود . قال الطيبي : ( ( أفرد الضمير في مقام التوحيد لأنه إسقاط الحدوث وإثبات القدم فأشار أولا إلى التفرقة وثانيا إلى الجمع ) ) 1 ه . وقد يقال : إن الأفعال المتقدمة أمور ظاهرية يحكم بوجودها على الغير أيضا بخلاف الشهادة فإنه أمر قلبي غيبي لا يعلم بحقيقته إلا هو ، ( شهادة ) مفعول مطلق موصوف بقوله ( تكون ) أي بخلوصها ( للنجاة ) أي الخلاص من العذاب في الدارين على تقدير الاكتفاء [ بها ] ( وسيلة ) أي سببا لا علة ( ولرفع الدرجات ) أي العاليات في الجنان الباقيات ( كفيلة ) أي متضمنة [ ملتزمة ] ، والمعنى أن الشهادة إذا تكررت وانتجت ارتكاب الأعمال الصالحة واجتناب الأفعال الطالحة صارت سببا لعلو الدرجات وكانت مانعة عن الوقوع في الدركات . وبما قررناه اندفع ما يرد على المصنف من أن دخول الجنة بالإيمان ورفع الدرجات بالأعمال ، ولكون التوفيق على هذا السبب ومن فضله لا ينافي قوله عليه الصلاة والسلام : ( ( لن ينحى أحد بعمله ) ) . | ( وأشهد أن محمدا ) هو في الأصل اسم مفعول من حمد مبالغة حمد ، نثل من الوصفية إلى الاسمية ، سمي به والأسماء تنزل من السماء لوصوله إلى المقام المحمود الي يحمده الأولون والآخرون ( عبده ) إضافة تشريف وتخصيص إشارة إلى كمال مرتبته في مقام العبودية بالقيام في أداء حق الربوبية ، وقدمه لأنه أشرف أوصافه وأعلاها وأفضلها وأغلاها ، ولذا ذكره الله تعالى بهذا الوصف في كثير من المواضع فقال : ( ( سبحان الذي أسرى بعبده ) ^ [ الإسراء - 1 ] ^ ( تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ) ^ [ الفرقان - 1 ] ^ ( فأوحى إلى عبده ما أوحى ) ^ [ النجم - 10 ] ولله در القائل :

لا تدعني إلا بيا عبديا

فإنه أشرف أسمائيا

وما أحسن قول القاضي عياض :

ومما زادني عجبا وتيها

وكدت بأخمصي أطأ الثريا

Página 50

دخولي تحت قولك يا عبادي

وأن صيرت أحمد لي نبيا

( ورسوله ) إشارة إلى أعلى مراتب القرب وأولى منازل الحب ، وهو الفرد الأكمل والواصل إلى المقام الأفضل ، وفي الجمع بين الوصفين تعريض للنصارى حيث غلوا في دينهم وأطروا في مدح نبيهم . ثم قيل : النبي والرسول مترادفان ، والأصح أن النبي : ( ( إنسان ذكر حر من بني آدم أوحي إليه بشرع وإن لم يؤمر بتبليغه فإن أمر به فرسول أيضا ) ) ، فالأول أعم من الثاني فكل رسول نبي ولا عكس ، وذكر الأخص في هذا المقام أنص على معنى المرام ، ( الذي بعثه ) أي الله ، كما في نسخة ، أي أرسله إلى الثقلين ، وقيل : إلى الملائكة أيضا ، وقيل إلى سائر الحيوانات ، وقيل إلى جميع المخلوقات كما يدل عليه خبر مسلم : ( ( وأرسلت إلى الخلق كافة ) ) ، ( وطرق حال الإيمان ) من الأنبياء والكتب والعلماء ( قد عفت آثارها ) أي اندرست أخبارها ، والجملة حالية ، والمعنى : أن الله تعالى أرسله وأظهره في حال كمال احتياج الناس إليه عليه الصلاة والسلام ، فإنهم كانوا في غاية من الضلالة ونهاية من الجهالة إذ لم يكن حينئذ على وجه الأرض من يعرفها إلا أفراد من أتباع عيسى عليه الصلاة والسلام ، استوطنوا زوايا الخمول ورؤوس الجبال ، وآثروا الوحدة والأفول عن الخلق بالاعتزال ، ( وخبت أنوارها ) أي خفيت وانطفأت بحيث لا يمكن اقتباس العلم المشبه بالنور كما في كمال الظهور ، ( ووهنت ) أي ضعفت حتى انعدمت ( أركانها ) من أساس التوحيد والنبوة والإيمان بالبعث والقيامة ، وقيل : المراد الصلوات والزكوات وسائر العبادات ، ( وجهل ) بصيغة المجهول ( مكانها ) مبالغة في ظهور ظلمة الجهل وغلبة الفسق وكثرة الظلم وقلة العدل ، ( فشيد ) أي رفع وعلى وأظهر وقوى بما أعطيه من العلوم والمعارف التي لم يؤتها أحد مثله فيما مضى ( صلوات الله ) أي أنواع رحمته وأصناف عنايته نازلة ( عليه ) وفائفة لديه ومتوجهة إليه ، وفي نسخة منسوبة إلى السيد عفيلف الدين زيادة ( وسلامه عليه ) يعني جنس السلامة من كل آفة في الدارين ، وهي جملة معترضة إخبارية ، أو دعائية وهي الأظهر ( من معالمها ) جمع المعلم وهو العلامة ( ما عفا ) [ ما ] موصولة [ أو موصوفة ] مفعول شيد ، ومن بيانية متقدمة ، والمعنى : أظهر وبين ما اندرس وخفي من آثار طرق الإيمان وعلامات أسباب العرفان والإيقان ( وشفى ) عطف على شيد ( من العليل ) بيان مقدم لمن رعاية للسجع ( في تأييد كلمة التوحيد ) أي تأكيده وتقويته ونصرته وإعانته متعلق بشفى ومفعوله قوله ( من كان على شفا ) أي وخلص من كان قريبا من الوقوع في حفرة الجحيم والسقوط في بئر الحميم ، إشارة إلى قوله تعالى : ^ ( وكنتم على شفا [ أي طرف ] حفرة من النار فانقذكم منها ) ^ [ آل عمران - 103 ] . وقيل : من للتبعيض ، أي أبرأ من جملة المعلولين من كان على إشراف من الهلاك إيماء إلى أنه طبيب العيوب وحبيب القلوب . وفي الكلام صنعة جناس ، وهو تشابه الكلمتين لفظا ، وصنعه طباق وهو الجمع بين الضدين في الجملة . وأغرب السيد جمال الدين حيث قال : والعليل بعين مهملة في أصل سماعنا وجميع النسخ الحاضرة ، ويجوز أن يقرأ بغين معجمة ويكون من الغل بمعنى الحقد ، ووجه غرابته إما لفظا فلفوت المناسبة بين الشفاء والعلة ، وإما معنى فلذهاب عموم العلل المستفاد من جنس العليل ، واقتصاره على علة الحقد فقط مع عدم ملاءمته للمقام ، ( وأوضح سبيل الهداية ) أي بين وعين طريق الاهتداء إلى المطلوب وسبيل الوصول إلى المحبوب ( لمن أراد أن يسلكها ) والسبيل يذكر ويؤنث أي لمن طلب وشاء من نفسه أن يدخل فيها ، وإرادة العبد تابعة لإرادة الله تعالى : @QB@ وما تشاؤون إلا أن يشاء الله @QE@ [ الإنسان - 30 ] ( وأظهر كنوز السعادة ) أي المعنوية وهي المعارف والعلوم والأعمال العلية والأخلاق والشمائل والأحوال البهية المؤدية إلى الكنوز الأبدية والخزائن السرمدية ( لمن قصد أن يملكها ) أي بملكه يتوصل بها إلى ملكها ويتوسل بها إلى ملكها . قال تعالى : @QB@ وإذا رأيت ثم رأيت نعيما @QE@ أي كثيرا | @QB@ وملكا كبيرا @QE@ [ الإنسان - 20 ] ، وفي قوله أراد وقصد ، إشارة إلى ما قال بعض المشايخ لا بد من السعي ولا يحصل بالسعي ، ووجه التخصيص أنهم المنتفعون بالإيضاح والإظهار كقوله تعالى : ^ ( هدى للمتقين ) ) [ البقرة - 2 ] . | ثم قيل : يرد عليه بناء على النسخة المشهورة في الاكتفاء بالصلاة دون السلام ما نقله النووي عن العلماء من كراهة إفراد أحداهما عن الآخر ، لكن يحتمل أن محل الكراهة فيمن اتخذه عادة وهو ظاهر ، أو يحمل على أنه جمع بينهما بلسانه واقتصر على كتابه أحدهما وهذا بعيد ، أو الكراهة بمعنى خلاف الأولى لإطلاقها عليه كثرا وهو الأولى . | ( أما بعد ) أتى به اقتداء به عليه الصلاة والسلام وبأصحابه فإنهم كانوا يأتون به في خطبهم للانتقال من أسلوب إلى آخر ، ويسمى فصل الخطاب ، قيل : أول من قال به داود عليه الصلاة والسلام ، وأما التفصيل المجمل وهو كلمة شرط محذوف فعله وجوبا ، وبعد من الظروف الزمانية متعلق بالشرط المحذوف ، وهو مبني على الضم لقطعه عن الإضافة والمضاف إليه منوي ؛ والتقدير مهما يذكر شيء من الأشياء بعد ما ذكر من البسملة والحمدلة والصلاة والثناء ( فإن التمسك بهديه ) أي التشبت والتعلق بطريقة عليه الصلاة والسلام ( لا يستتب ) بتشديد الموحدة ، أي لا يستقيم ولا يستمر أو لا يتهيا ولا يتأتي ( إلا بالاقتفاء ) أي بالاتباع التام ( لما صدر ) أي ظهر ( من مشكاته ) أي صدره أو قلبه أو فمه ، والأول أظهر فإن المشكاة لغة : ( ( هي الكوة في الجدار الغير النافذ يوضع فيها المصباح ) ) ، استعيرت لصدره عليه الصلاة والسلام لأنه كالكوة ذو وجهتين فمن جهة يقتبس النور من القلب المستنبر ومن أخرى يفيض ذلك النور المقتبس على الخلق ، وشبهت اللطيفة القدسية التي هي القلب بالمصباح المضيء . ثم الكل مأخوذ من قوله تعالى : ^ ( الله نور السموات والأرض مثل نوره ) ^ قيل نور محمد ^ ( كمشكوة فيها مصباح ) ^ [ النور - 35 ] هذا ويحتمل أن يرجع الضمير في هديه إلى الله تعالى ، والمراد بهديه توحيده ويؤيده عطف قوله الآتي والاعتصام بحبل الله عليه غايته أنه وضع الظاهر موضع الضمير دفعا للتوهم وتبعا للوارد في قوله تعالى : ^ ( واعتصموا بحبل الله ) ^ [ آل عمران - 103 ] وعكس في الأول لظهوره ودلالة المقام عليه فلو بين الضمير بالتصريح لكان أولى سيما مع وجود الفصل بفصل الخطاب والله أعلم بالصواب ، ( والاعتصام ) بالنصب ويجوز رفعه ، أي التمسك ( بحبل الله ) وهو القرآن لما ورد : ( ( القرآن حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض ، شبه به لأنه يتوسل به إلى المقصود ويحصل به الصعود إلى مراتب السعود ، وفيه إشارة إلى أنه قابل للتعلي والتدلي ولذا ورد في الحديث : ( ( القرآن حجة لك أو عليك ) ) ، فهو كالنيل ماء لمحجوبين قال تعالى : @QB@ يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا @QE@ [ البقرة - 26 ] @QB@ وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا @QE@ [ الإسراء - 82 ] ( لا يتم ) أي لا يكمل الاعتصام بالكتاب ( إلا ببيان كشفه ) أي من السنة النبوية والإضافة بيانية ، قال تعالى : @QB@ لتبين للناس ما نزل إليهم @QE@ [ النحل - 24 ] ولا خفاء في الإجمالات القرآنية والبيينات الحديثية ، فإن الصلاة مجملة لم يبين أوقاتها وأعدادها وأركانها وشرائطها وواجباتها وسننها ومكروهاتها ومفسداتها إلا السن ، وكذا الزكاة لم يعلم مقدارها وتفاصيل نصابها ومصارفها إلا بالحديث ، وكذا الصوم والحج وسائر الأمور الشرعية والقضايا والأحكام الدينية وتمييز الحلا والحرام وتفاصيل الأحوال الأخروية . فعليك بالكتاب والسنة وإجماع الأمة بالاجتناب عن طريق أرباب الهوى وأصحاب البدعة ، لتكون من الفرقة الناجية السالكة طريق المتابعة ، على وجه الاستقامة ، ولله در القائل :

كل العلوم سوى القرآن مشغلة

إلا الحديث وإلا الفقه في الدين

Página 53

العلم متبع ما فيه حدثنا

وما سوى ذاك وسواس الشياطين

وما قاله بعض الصوفية من أن حدثنا باب من أبواب الدنيا مراده [ أنه ] إذا لم يرد به مرضاه المولى ، ولذا قال بعض العلماء المحديثن : ( ( طلبنا العلم لغير الله فأبي أن يكون إلا لله ) ) ، وقيل : لأحمد بن حنبل : إلى متى العلم ؟ فأين العمل ؟ قال : علمنا هذا هو العمل ، وقد روى ابن عباس عن علي كرم الله وجهه أنه عليه الصلاة والسلام خرج بوما من الحجرة الشريفة وقال : ( ( اللهم راحم خلفائي ) ) قلنا : من خلفاؤك يا رسول الله ؟ قال : ( ( خلفائي الذين يروون أحاديثي وسنني ويعلمونها الناس ) ) ، وفي صحيح البخاري أن جابر بن عبد الله الأنصاري ارتحل من المدينة مسافة شهر لتحصيل حديث واحد . | ( وكان كتاب المصابيح ) قيل : أحاديثه أربعة آلاف وأربعمائة وأربعة وثلاثون حديثا ، وزاد صاحب المشكاة ألفا وخمسمائة وأحد عشر حديثا ، فالمجموع خمسة آلاف وتسعمائة وخمسة وأربعون ، وينضبط بستة آلاف إلا كسر خمس وخمسين ( الذي صنفه ) فقيها من أصحاب الوجوه ، قال بعض مشايخنا : ( ( ليس له قول ساقط ) ) ، وكان ماهرا في علم القراءة عابدا زاهدا جامعا بين العلم والعمل على طريقة السلف الصالحين : كان يأكل الخبز وحده بلا إدام ، فعدل عن ذلك لكبره وعجزه فصار يأكله بالريت ، وقيل : بالزبيت . وقد روى عنه الحديث جماعة من الأكابر كالحافظ أبي موسى المديني والشيخ أبي النجيب السهروردي عم صاحب العوارف . وله غير المصابيح تصانيف مشهورة كشرح السنة في الحديث ، وكتاب التهذيب في الفقه ، ومعالم التنزيل في التفسير ، ( محيي السنة ) أي الأدلة الحديثية من أقواله وأفعاله وتقريره وأحواله عليه الصلاة والسلام ، روي أنه لما جمع كتابه المسمى بشرح السنة رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال له : ( ( أحياك الله كما أحييت سنتي ) ) ، فسار هذا اللقب علما له بطريق الغلبة . توفي سنة ست عشرة وخمسمائة بمرو ، ودفن عند شيخه واستاذه القاضي حسين المروزي فقيه خراسان ، ( قامع البدعة ) أي قاطعها ودافع أهلها ، أو مبطلها ومميتها ( أبو محمد ) كنيته ( الحسين ) اسمه وهو مرفوع على أنه بدل ، أو عطف بيان ( ابن مسعود ) نعته ( الفراء ) بالجر نعت لأبيه ، وهو الذي يشتغل الفرو أو يبيعه ، وهو غير الفراء النحوي المشهور على ما توهم بعضهم فإنه ينقل عنه في تفسيره ( البغوي ) بالرفع ويجوز جزه ، منسوب إلى بغ ، وقيل : إلى بغشور قرية بين مرو وهراة في حدود خراسان ، والاسم المركب تركيبا مزجيا بنسب إلى جزئه الأول ، كمعدي في معدي كرب وبعل في بعلبك ، وإنما جاءت الواو في النسبة إجراء للفظة بغ مجرى محذوف العجز كالدموي ، ولئلا يلتبس بالبغي بمعنى الزاني ، وقيل إنه منسوب على خلاف القياس ( رفع الله درجته ) وأسبغ عليه رحمته ، والجملة دعائية إيماء إلى قوله تعالى : @QB@ يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات @QE@ [ المجادلة - 11 ] ( اجمع كتاب ) خبر كان ( صنف ) أي ذلك الكتاب ( في بابه ) أي في باب الحديث ، فإنه جمع الأحاديث المهمة التي لا يستغني عنها سالك طريق الآخرة ولو كان من الأئمة على ترتيب أبواب الكتب الفقهية ليسهل الكشف ، ويفسر [ بعض ] الأحاديث بعضها الإجمالية وتتبين المسائل الخلافية بمقتضى الدلالات الحديثية ( وأضبط ) عطف على أجمع ، لأنه لما جرد عن الأسانيد وعن اختلاف الألفاظ وتكرراها في المسانيد صار أقرب إلى الحفظ والضبط وأبعد من الغلط والخبط ( لشوارد الأحاديث ) جمع شاردة وهي النافرة والذاهبة عن الدرك من باب إضافة الصفة إلى الموصوف ( وأبداها ) عطف تفسير أي وحشياتها ، شبهت الأحاديث بالوحوش لسرعة تنفرها وتبعدها عن الضبط والحفظ ، ولذا قيل : ( ( العلم صيد والكتابة قيد ) ) . | ( ولما سلك ) أي البغوي ( رضي الله عنه ) جملة معترضة دعائية ، أي سلك في مسلك تصنيفة هذا ( طريق الاختصار ) أي بالاكتفاء على متون الأحاديث على وجه الاقتصار ( وحذف الأسانيد ) عطف على سلك ، وقيل : مصدر مضاف عطف على طريق ، وهو على الوجهين عطف تفسير ، والمراد بالاسناد إما حذف الصحابي وترك المخرج في كل حديث ، وهو مجاز من باب إطلاق الكل على البعض أي طرفي الإسناد وهو مراد المصنف ظاهرا من قوله : ( ( لكن ليس ما فيه أعلام كالأغفال ) ) ، وإما معناه الحقيقي على مصطلح أهل الحديث وهو حكاية طريق متن الحديث بحيث يعلم رواته . | ثم إنه إنما حذفها لعدم الفائدة في ذكرها ، لأن المقصود منها أن يعلم عند التعارض راجح الحديث من مرجوحه وناسخة من منسوخه بسبب زيادة عدالة الرواة وتقدم بعضهم على بعض ونحو ذلك من الأمور التي لا بد للمجتهد منها ، ولما عدم المجتهدون في هذه الأعصار وندر وجودهم في الأمصار ووضع هذا الكتاب للصلحاء الأبرار لم يكن في ذكرها نفع كثير فاقتصر على بيان الصحة والحسن إجمالا بقوله : ( ( من الصحاح والحسان إكمالا ) ) ( تكلم فيه ) جواب لما أي طعن في بعض أحاديث كتابه ( بعض النقاد ) بضم النون وتشديد القاف ، أي العلماء الناقدين المميزين بين الصحيح والضعيف كذا ذكره بعض الشراح ، وهو غير صحيح لأن الطعن في رجال الحديث لا يكون إلا بإسناده وهو لا يختلف بذكره وعدم ذكره ، اللهم إلا لما وجد الطاعن فيه مطعنا ، ويؤيده قوله : ( ( وإن كان ثقة ) ) الخ وحينئذ يكون معنى الكلام وإن كان اعتراض ذلك البعض مدفوعا عنه لكونه ثقة ، وإذا نسب الحديث إلى الأئمة المخرجين المرودين للحديث مع الإسناد بقوله : ( ( الصحاح ما فيه حديث الشيخين أو أحدهما ، وإلحان ما فيه أحاديث سائر السنن فهو في حكم الإسناد ) ) ، وقال السيد جمال الدين ، أي تكلم في حقه واعترض عليه بعض المبصرين بأن صحة الحديث وسقمه متوقفة على معرفة الإسناد فإذا لم يذكر لم يعرف الصحيح من الضعيف فيكون نقصا . ( وغن كان نقله ) أي نقل البغوي بلا إسناد ، والواو وصلية ( وإنه من الثقات ) أي المعتمدين في نقل الحديث وبيان صحته وحسنه وضعفه ( كالإسناد ) أي كذكره ، روي بكسر الهمزة في ( ( إنه ) ) على أنه حال من المضاف إليه في نقله ، وروي بفتحها للعطف على اسم كان يعني ( ( نقله ) ) بتأويل المصدر ، أي وإن كان نقله وكونه من الثقات كالإسناد ، لأن هذا شأن من اشتهرت أمانته وعملت عدالته وصيانته فيعول على نقله وإن تجرد عن إسناد ، لأن هذا شان من اشتهرت أمانته وعلمت عدالته وصيانته فيعول على نقله وإن تجرد عن إسناد الشيء لمحله ( لكن ليس ما فيه أعلام ) أعلام الشيء بفتح الهمزة آثاره التي يستدل بها ( كالأغفال ) بالفتح وهي الأراضي المجهولة ليس فيها أثر تعرف به ، وفي بعض النسخ بكسر الهمزة فيها ، فهما مصدران لفظا وضدان معنى ، وأراد بالأول كتابه المشكاة وبالثاني المصبابيح ، وكان حقه أن يقول لكن ليس ما فيه إغفال كالأعلام ، ولعله قلب الكلام تواضعا مع الإمام وهضما لنفسه عن بلوغ ذلك المرام . | والحاصل أنه ادعى أن في صنيع البغوي قصورا في الجملة ، وهو عدم ذكر الصحابة . أولا ، وعدم ذكر المخرج في كل حديث آخرا ، فإن ذكرهما مشتمل على فواشد ، أما ذكر الصحابي ففائدته أن الحديث قد يتعدد رواته وطرقه وبعضها صحيح ضعيف ، فيذكر الصحابي ليعلم ضعيف المروي من صحيه ، ومنها رجحان الخبر بحال الراوي من زيادة فقهه وورعه ومعرفة ناسخة ومنسوخة بتقدم إسلام الراوي وتأخره ، وأما ذكر المخرج فائدته تعيين لإفادة الترجيح وزيادة التصحيح ، ومنها المراجعة إلى الأصول عند الاختلاف في الفصول وغيرها من المنافع عند أرباب الوصول . | هذا وقال شيخنا العلامة ابن حجر المكل في شرحه للمشكاة عند قوله : ( ( تكلم فيه بعض النقاد ) ) أي ( ( تكلم فيه باعتبار ذلك الحذف الذي استلزم عنده أن يعبر عنه بما اصطلح عليه من عند نفسه النقاد كالنووي وابن الصلاح وغيرهما ) ) ، فقالوا : ما جنح إليه في مصابيحه من تقسيم أحاديثه إلى صحاح وحسان مع صيرورته إلى ان الصحاح ما رواه الشيخان في صحيحيهما أو أحدهما ، والحسان ما رواه أبو داود والترمذي وغيرهما من الأئسمة كالنسائي والدارمي وابن ماجة اصطلاح لا يعرف ، بل هو خلاف الصواب ، إذا الحسن عند أهل الحديث ليس عبارة عن ذلك لأنه وقع في كتب السنن المشار إليها غير الحسن من الصحيح والضعيف . لكن انتصر له المؤلف فقال : لا مشاحة في الاصطلاح ، بل تخطئة المرء في اصطلاحه بعيدة عن الصواب . والبغوي قد صحر في كتابه بقوله : ( ( أعني بالصحاح كذا وبالحسان كذا ) ) ، وما قال : أراد المحدثون بهما كذا فلا يرد عليه شيء مما ذكر خصوصا وقد قال : ( ( وما كان فيها من ضعيف أو غريب أشير إليه وأعرضت عما كان منكرا أو موضوعا ) ) 1 ه . ولا يخفى أن حمل التكلم على هذا المعنى لا يناسبه قوله : ( ( وإن كان نقله ) ) ألخ ولا يلائمه قوله : ( ( لكن ليس ما فيه أعلام ) ) ، إذ لا يصلح الأول منهما جوابا ولا الثاني استدراكا صوابا ( فاستخرت الله تعالى ) أي لقوله تعالى : @QB@ وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة @QE@ [ القصص - 68 ] ولما ورد من حديث أنس رواه الطبراني مرفوعا : ( ( ما خاب من استخار ولا ندم من استشار ولا عال من اقتصد ) ) ، ولأن العبد لا يعلم خيره من شره ، قال تعالى : @QB@ وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون @QE@ [ البقرة - 216 ] والخير أجمع فيما اختار خالقنا . ( واستوفقت منه ) بتقديم الفاء على القاف في أكثر النسخ المصححة ، أي طلبت من الله التوفيق ، وعلى الاسقامة طريق التوثيق ، وفي نسخة بالعكس . والمعنى : طلبت الوقوف على إنكار المنكر ومعرفة المعروف ، وفي نسخة بالمثلثة والقاف ، أي طلبت الوثوق والثبوت على التمييز بين المردود والمثبوت [ و ] قال ابن حجر : ( ( أي أخذت من المصابيح ما هو الوثيقة المقصودة بالذات ، وهو الأحاديث عرية عن وسمها بصحاح وحسان ) ) ، ( فأودعت كل حديث منه ) أي من المصابيح ( في مقره ) كذا في بعض النسخ هذه الفقرة موجودة ، والمعنى : وضعت كل حديث من الكتاب في محله الموضوع في أصله من كل كتاب وباب من غير تقديم وتأخير وزيادة ونقصان وتغيير ( فأعلمت ) أين فبينت ما ( أغفلة ) أي تركه بلا اسناد عمدا من ذكر الصحابي أولا ، وبيان المخرج آخرا بخصوص كل حديث التراما ( كما رواه الأئمة ) جمع إمام وأصله أئمة على وزن أفعله فاعل بالنقل والإدغام ، ويجوز تحقيق الهمزة الثانية وتسهيلها وإبدالها ، والمراد منهم ههنا أئمة الحديث الذين يقتدى بهم في كل زمان من القديم والحديث ( المتقنون ) أي الضابطون الحافظون الحاذقون لمروياتهم ، من أتقن الأمر إذا أحكمه ، ومنه قوله تعالى : ^ ( صنع الله الذي أتقن كل شيء ) ^ [ النمل - 88 ] ( والثقات ] بكسر المثلثة جمع ثقة وهم العدول والثبات ( الراسخون ) أي الثابتون بمحافظة هذا العلم الشريف والقائمون بمراعاة طرق هذا الفن المنيف . | ( مثل أبي عبد الله محمد بن إسماعيل ) قال ابن حجر : ( ( أبوه كان من العلماء العاملين ) ) ، روى عن حماد بن زيد ومالك وصحب ابن المبارك ، وروى عنه العراقيون قال : ( ( لا أعلم في جميع مالي درهما من شبهة ) ) ( البخاري ) نسبة إلى بخاري بلدة عظيمة من بلاد ما وراء النهر لتولده فيها وصار بمنزلة العلم له ولكتابه . قال السيد جمال الدين المحدث : يقال له أمير المؤمنين في الحديث وناصر الأحاديث النبوية وناشر المواريث المحمدية ، قيل : لم ير في زمانه مثله من جهة حفظ الحديث واتقانه وفهم معاني كتاب الله وسنة رسوله ، ومن حيثية حدة ذهنه ، ودقة نظره ووفور فقهه ، وكمال زهده وغاية ورعه ، وكثرة اطلاعه على طرق الحديث وعلله ، وقوة اجتهاده واستنباطه . | وكانت أمه مستجابه الدعوة ، توفي أبوه وهو صغير فنشأ في حجر والدته ، ثم عمي وقد عجز الأطباء عن معالجته ، فرأت إبراهيم الخليل على نبينا وعليه الصلاة والسلام قائلا لها قد رد الله على ابنك بصره بكثرة دعائك له ، فأصبح وقد رد الله عليه بصره ، فنشأ متربيا في حجر العلم ، مرتضعا من ثدي الفضل . | ثم ألهم طلب الحديث وله عشر سنين بعد خروجه من المكتب ، ولما بلغ إحدى عشرة سنة رد على بعض مشابخه ببخارى غلطا وقع له في سند حتى أصلح كتابه من حفظ البخاري . وبيانه : أن شيخا من مشايخه في مجلس من مجالس حديثه قال في إسناد حديث : حدثنا سفيان عن أبي الزهير عن إبراهيم فقال له البخاري : أبو الزهير ليس له رواية عن إبراهيم ، فهيب عليه الشيخ ، فقال له البخاري : ارجع إلى الأصل إن كان عندك ، فقال الشيخ من المجلس ودخل بيته وطالع في أصله وتأمل فيه حق تأمله ، ثم رجع إلى مجلسه فقال للبخاري : فكيف الرواية ؟ ، فقال : أليس أبو الزهير بالهاء إنما هو الزبير [ بالباء ، وهو الزبير ] ابن عدي فقال : صدقت ، وأخذ القلم وأصلح كتابه . ولما بلغ ست عشرة سنة حفظ كتب ابن المبارك ووكيع ، وعرف كلام أصحاب أبي حنيفة ، ثم خرج مع أمه وأخيه أحمد بن إسماعيل إلى مكة ، فرجع أخوه وأقام هو لطلب الحديث . فلما طعن في ثماني عشرة سنة صنف قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم ، وصنف في المدينة المنورة عند التربة المطهرة تاريخه الكبير في الليالي المقمرة ، وكتبوا عنه وسنة ثماني عشرة سنة . | روي عنه أنه قال : ( ( قل اسم رجال التاريخ الكبير أن لا يكون عندي منه حكاية وقصة إلا إني تركنها خوفا من الأطناب ) ) . ولما رجع من مكة ارتحل إلى سائر مشايخ الحديث في أكثر المدن والأقاليم . روي عنه أنه قال : ( ( ارتحلت في استفادة الحديث إلى مصر والشام مرتين ، وإلى البصرة أربع مرات ، ولا أحصى ما دخلت مع المحدثين في بغداد والكوفة ، وأقمت في الحجاز ست سنين طالبا لعلم الحديث ) ) قال البخاري : ( ( والحامل لي على تأليفه أنني رأيتني واقفا بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وبيدي مروحة أذب عنه ، فعبر لي بأني أذب عنه الكذب ، وما وضعت فيه حديثا إلا بعد الغسل وصلاة ركعتين ، وأخرجته من زهاء ستمائة ألف حديث وصنفته في ستة عشر سنة ، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله ، وما أدخلت فيه إلا صحيحا ، وما تركت من الصحيح أكثر لئلا يطول ، وصنفته بالمسجد الحرام ، وما أدخلت فيه حديثا حتى استخرت الله وصليت ركعتين وتقنت صحته ) ) 1 ه . وهذا باعتبار الابتداء وترتيب الأبواب ، ثم كان يخرج الأحاديث بعد في بلده وغيرها وهو محمل رواية : أنه كان يصنفه في البلاد إذ مدة تصنيفه ست عشرة سنة ، وهو لم يجاور هذه المدة بمكة . وقد روي [ عنه ] انه صنف الصحيح في البصرة ، وروي أنه صنفه في بخاري ، وروي عن الوراق البخاري أنه قال : قلت للبخاري : جميع الأحاديث التي أوردتها في مصنفاتك هل تحفظها ؟ ، فقال : لا يخفى علي شيء منها ، فإني قد صنفت كتبي ثلاث مرات . وكأنه أراد بالتكرار التبييض والتنقيح ، ولعل كثرة نسخ البخاري من هذه الجهة ، ورواية : أنه جعل تراجنه في الروضة الشريفة ، محموله على نقلها من المسودة إلى المبيضة كذا قيل ، ويمكن حمله على حقيقته . ونقل عن أبي جمرة عمن لقيه من العارفيين : ( ( أنه ما قرئ في شدة إلا وفرجت ، وما ركب به في مركب فغرق ، وأنه كان محاب الدعوة ولقد دعا لقارئه ) ) . قال الحافظ ابن كثير : وكان يستسقى بقراءته الغيث ، قيل : ويسمى الترياق المجرب . ونقل السيد جمال الدين عن عمه السيد أصيل أنه قال : قرأت البخاري مائة وعشرين مرة للوقائع والمهمات لي ولغيري فحصل المرادات وقضى الحاجات ، وهذا كله ببركة سيد السادات ، ومنبع السعادات ، عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات . قيل : وكان ورده في رمضان ختمة في كل يوم وثلثها في سحر كل ليلة ؛ ولسعه زنبور وهو في الصلاة في ستة عشر أو سبعة عشر موضعا فقيل له : لم لم تخرج من الصلاة أول ما لسعك ؟ قال : كنت في سورة فأجببت أن أتمها . وكان يقول : أرجو الله أن لا يحاسبني غني ما اغتبت أحدا ، فقيل له : إن بعض الناس ينقم عليك التاريخ فإنه غيبة ، فقال : ( ( إنما روينا ذلك رواية ولم نتقله من عند أنفسنا ) ) ، وقال عليه الصلاة والسلام : ( ( بئس أخو العشيرة ) ) ، قال : ( ( واحفظ مائة ألف حديث صحيح ومائتي ألف غير صحيح ) ) ، أي باعتبار كثرة طرقها مع كله حديثا ، وقيل : كان يحفظ وهو صبي سبعين الف حديث سردا ، وينظر في الكتاب نظرة واحدة فيحفظ ما فيه ، وكان يقول : ( ( دخلت بلخ فسألني أهلها أن أملي عليهم من كل من كتبت عنه فأمليت ألف حديث عن ألف شيخ ) ) ولبلوغ نهايته في معرفة علل الحديث ، كان مسلم بن الحجاج يقول له : ( ( دعني أقبل رجليك يا أسناد الأستاذين وسيد المحدثين ويا طبيب الحديث في علله ) ) ، وقال الترمذي : ( ( لم أر أحد بالعراق ولا بخراسان في ذلك أعلم منه ) ) . | وكان بسمرقند أربعمائة محدث اجتمعوا تسعة أيام لمغالطته ، فخلطوا الأسانيد بعضها في بعض ، إسناد الشاميين في العراقيين وإسناد العراقيين في الشاميين ، وإسناد أهل الحرم في اليمانيين وعكسه ، وعرضوها عليه ، فما استطاعوا مع ذلك أن يتغلبوا عليه بسقطه ، لا في إسناد ولا في متن . ولما قدم بغداد فعلوا معه نظير ذلك ، فعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها ، ودفعوا لكل واحد عشرة ليلقيها عليه في مجلسه الغاص بالناس امتحانا ، فقام أحدهم وساله عن حديث من تلك العشرة ، فقال : لا أعرفه ، ثم سأله عن الثاني فقال مثل ذلك وهكذا إلى العاشر ، ثم قام الثاني فكان كالأول ثم الثالث وهكذا إلى أن فرغوا ، فالعلماء الذين كانوا مطلعين على أصل القضية [ وحفظه ] قالوا : فهم الرجل والذين ما كان لهم وقوف على القضية توهموا عجزه وحملوا على قصور ضبطه وسوء حفظه ، فالتفت إلى الأول [ فقال ] أماد حديثا الأول بذلك الإسناد فخطأ ، وصوابه كذا وكذا ، ولا زال على ذلك إلى أن أكمل المائة ، فبهر الناس وأذعنوا له ؛ فإن عند الامتحان يكرم الرجل أو يهان ، وعند المبصرين بهذا الفن ليس من العجيب رد خطئهم إلى الصواب ، لأنه كان حافظ الأحاديث مع الأسانيد ، بل كان الغريب عندهم حفظه أسانيدهم الباطلة بمجرد سماعه مرة وإعادتها مرتبة ، وهذا كاد أن يكون خرق العادة ومحض الكرامة ، فإنه لا يتصور بدون الإلهامات الإلهية والعنايات الرحمانية . | ولما قدم البصرة نادى مناد يعلمهم بقدومه ، فأحدقوا به وسألوه أن يعقد لهم مجلس الإملاء ، فأجابهم فنادى المنادي يعلمهم أنه أجاب ، فلما كان من الغد اجتمع كذا وكذا ألفا من المحدثين والفقهاء ، فأول ما جلس قال : ( ( يا أهل البصرة أنا شاب وقد سألتموني أن أحدثكم ، وسأحدثكم أحاديث عن أهل بلدكم تسفيدونها ) ) يعني ليست عندكم وأملى عليهم من أحاديث أهل بلدهم مما ليس عندهم حتى بهرهم . ومن ثم كثر ثناء الأئمة عليه ، حتى صح عن أحمد ابن حنبل أنه قال : ( ( ما أخرجت خراسان مثله ) ) ، وقال غير واحد : ( ( هو فقيه هذه الأمة ) ) ، وقال إسحاق بن راهويه : ( ( يا معشر أصحاب الحديث انظروا إلى هذا الشاب واكتبوا عنه ، فإنه لو كان في زمن الحسن البصري لأحتاج إليه لمعرفته بالحديث وفقهه ) ) . وقد فضله بعضهم في الفقه والحديث على أحمد وإسحاق ، وقال ابن خزيمة : ( ( ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث منه ) ) . وورث من أبيه مالا كثيرا فكان يتصدق به ، وكان قليل الأكل جدا . قيل : كان يقنع كل يوم بلوزتين أو ثلاث لوزات ، وقيل : لم يأكل الإدام أربعين سنة ، قيل : كان يدخل عليه كل شهر من مستغلاته خمسمائة درهم ، فكان يصرفها في الفقراء وطلبة العلم ، وكان يرغبهم في تحصيل الحديث ، كثير الإحسان إلى الطلبة ، مفرطا في الكرم ، وأعطى خمسة آلاف درهم ربح بضاعة له فأخر ، فأعطاه آخرون عشرة آلاف ، فقال : إني نويت بيعها للأولين ولا أحب أن أغير نيتي . وعثرت جاريته بمحبرة بين يديه فقال لها : كيف تمشين ؟ ، فقالت : إذا لم يكن طريق كيف أمشي ؟ فقال : ( ( اذهبي فأنت حرة لله ، فقيل له : يا أبا عبد الله أغضبتك فأعتقتها ، فقال : أرضيت نفسي بما فعلت . ولما نبي رباطا مما يلي بخاري أجتمع إليه خلق كثير يعينونه ، فكان ينقل معهم اللبن ، فيقال [ قد ] كفيت ، فقال : هذا هو الذي ينفعني . ولما رجع إلى بخاري نصبت له القباب على فرسخ منها واستقبله عامة أهلها ونثر عليه الدراهم والدنانير ، وبقي مدة يحدثهم وأرسل إليه أمير البلد خالد بن محمد الذهلي نائب الخلافة العباسية يتلطف معه ، ويسأله أن يأتيه بالصحيح ويحدثهم به في قصره ، فامتنع وقال لرسوله : ( ( قل له إني لا أذل العلم ، ولا أحمله إلى أبواب السلاطين ، فإن احتاج إلى شيء منه فليحضر في مسجدي أو داري ، فإن لم يعجبك هذا فأنت سلطأن فامنعني من المجلس ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة ، فإني لا أكتم العلم ) ) . وروي أنه قال : ( ( العلم يؤتي ولا يأتي ) ) فراسله أن يعقد مجلسا لأولاده ، ولا يحضر غيرهم ، فامتنع من ذلك أيضا ، وقال : ( ( لا يسعني أن أخص بالسماع قوما دون قوم ) ) . وروي انه قال : ( ( العلم لا يحل منعه ) ) ، فحصلت بينهما وحشة ، فاستعان الأمير بعلماء بخاري عليه حتى تكلموا في مذهبه ، فأمره بالخروج من البلد فدعا عليهم بقوله : ( ( اللهم أرهم ما قصدوني به في أنفسهم وأولادهم وأهاليهم ) ) ، فكان مجاب الدعوة ، فلم يأت شهر حتى ورد أمر الخلافة بأن ينادي على الأمير فأركب حمارا فنودي عليه فيها ، وحبس إلى أن مات ، ولم يبق أحد ممن ساعده إلا وابتلى ببليه شديدة . | ولما خرج من بخاري كتب إليه أهل سمرقند يخطبونه لبلدهم فسار إليهم ، فلما كان بخرتنك - بمعجمة مفتوحة في الأشهر أو مكسورة فراء ساكنة ففوقية مفتوحة فنون ساكنة فكاف _ موضع قريب بسمرقند على فرسخين ، وقيل : نحو ثلاثة أيام بلغه انه وقع بينهم بسببه فتنة ؛ فقوم يريدون دخوله ، وآخرون يكرهونه ، وكان له أقرباء بها فنزل بها حتى ينجلي الأمر ، فأمام أيام فمرض حتى وجه إليه رسول من أهل سمرقتد يلتمسون خروجه إليهم ن فأجاب وتهيأ للركوب ولبس خفيه وتعمم ، فلما مشى قدر عشرين خطوة إلى الدابة ليركيها ، قال : أرسلوني فقد ضعفت ، فأرسلوه فدعا بدعوات ثم اضطجع فقضى عليه فسال منه عرق كثير لا يوصف ، وما سكن العرق حتى ادرج في أكفانه . وقيل : ضجر ليلة فدعا بعد أن فرغ من صلاة الليل : ( ( اللهم قد ضاقت علي الأرض بما رحبت ، فاقبضني إليك ) ) ، فمات عن غير ولد ذكر ، ليلة عيد الفطر ، سنة [ ست ] وخمسين ومائتين عن اثنتين وستين سنة . وكانت ولادته يوم الجمعة بعد صلاة العصر في شهر شوال أربع وتسعين ومائة . ولما صلى عليه ووضع في حفرته ، فاح من تراب قبره رائحة طيبة كالمسك ، وجعل الناس يختلفون إلى قبره مدة يأخذون من قبره ويتعجبون من ذلك ، قال بعضهم : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ومعه جماعة من أصحاب وهو واقف ، فسلمت عليه فرد عليه السلام ، فقلت : ما وفوقك [ هنا ] يا رسول الله ؟ ، قال : أنتظر محمد بن إسماعيل ، قال : فلما كان بعد أيام بلغني موته ، فنظرت فإذا هو قد مات في الساعة التي رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فيها . | [ و ] بعد نحو سنتين من موته ، استسقى أهل مرارا فلم يسقوا ، فقال بعض الصالحين لقاضيها : أرى أن يخرج بالناس إلى قبر البخاري ونستقي عنده فعسى الله ان يسقينا ، ففعل وبكى الناس عند القبر وتشفعوا بصاحبه ، فأرسل الله تعالى [ عليهم ] السماء بماء غزير أقام الناس من أجله نحو سبعة أيام لا يستطيع أحد الوصول إلى سمرقتد من كثرة المطر . | ثم اعلم أن في زمن الصحابة وكبار التابعين لم تكن الأحاديث مدونة لنهيه عليه الصلاة والسلام أصحابه عن كتابه الحديث [ مخافة ] خلطه بالكلام القديم ، وأيضا دائرة حفظهم كانت واسعة ببركة صحبته وقرب مدته ، وأيضا أكثرهم لم يكونوا عارفين بصنعه الكتابة فظهر في آخر عصر التابعين تدوين الأحاديث والأخبار وتصنيف السنن والآثار ، وتصدوا لهذا الأمر الشريف كالزهري وربيع بن صبيح وسعيد بن أبي عروية وغيرهم ، وكان دأبهم تصنيف كل باب على حدة إلى عهد كبار أهل الطبقة الثالثة ، فألفوا الحديث على ترتيب أبواب الفقه ، فصنف الإمام مالك مقدم أهل المدينة موطأة وجمع فيه أحاديث أهل الحجاز مما ثبت وصح عنده ، وأدرج فيه أقوال الصحابة وفتوى التابعين ومن بعدهم ، وصنف من أهل مكة أبو حامد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ، ومن أهل الشام أبو عمر وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي ، ومن أهل الكوفة سفيان الثوري ، ومن البصريين أبو سلمة حماد بن [ سلمة وبعدهم كل واحد من أعيان العلماء المجتهدين ألف كتابا . وكتب أحمد بن حنيل وإسحاق بن راهويه وعثمان بن ] أبي شيبة وغيرهم من كبراء المحدثين مسانيدهم ، وبعضهم على ترتيب أبواب الفقه . لكن في الكتب المذكورة لم يميز الصحيح والضعيف ، ولما اطلع البخاري على تصانيفهم حصل له العزم بطريق الجزم لتحصيل الحزم على تأليف كتاب يكون جميع أحاديثه صحيحة . وقد روي عنه أنه قال : كنت عند شيخي إسحاق بن راهوية يوما فقال : لو جمعتم كتابا مختصرا بصحيح سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، فرقع في قلبي تصنيف [ كتاب ] في هذا الباب . وتقدم رؤياه أيضا فشرع فيه ، فلما كمله عرضه على مشايخه مثل إسحاق بن راهويه وعلي بن المديني وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهم استحسنوه وشهدوا بصحة كتابه ، وأنه لا نظير له في بابه ، واستثنوا أربعة أحاديث وتوقفوا في صحتها . قال العقيلي والحق مع البخاري فيها أيضا ، فإنها صحيحة . | ثم اختلف علماء الحديث وشراح البخاري في عدد أحاديثه بالمكرر وإسقاط المكرر والذي حققه الحافظ ابن حجر في شرح البخاري أن جملة أحاديثه مع التعاليق والمتابعات والشواهد ومع المكررات تسعة آلاف واثنان وثمانون حديثا ، وبإسقاط المكرر أحاديث المرفوعة ألفان وستمائة وثلاث وعشرون حديثا . وأعلى أسانيد أحاديثه وأقربه إليه عليه الصلاة والسلام ما يكون الواسطة ثلاثة ، ووجد فيه من هذا القبيل في صحيحة مع المكرر اثنان وعشرون حديثا ، وبإسقاط المكرر سنة عشر حديثا وقد أفرده بعض العلماء . | ثم اتفقت العلماء علي الصحيحين بالقبول وأنهما أصح الكتب المؤلف ، ثم الجمهور على أن صحيح البخاري أرجحهما وأصحهما قيل : ولم يوجد عن أحد التصريح بنقيضه ، لأن قول أبي علي النيسابوري : ( ( ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم ) ) ليس فيه تصريح بأصحيته على كتاب البخاري ، لأن نفي الأصحية لا ينفي المساواة ، وتفضيل بعض المغاربة لصحيح مسلم محمول على ما يرجع لحسن السياق وجوده الوضع والترتيب ، إذ لم يفصح أحد منهم بأن ذلك راجع إلى الأصحية ؛ ولو صرحوا به لرد عليهم شاهد الوجود لأن ما يدور عليه الصحة من الصفات الموجودة في صحيح مسلم موجودة في صحيح البخاري على وجه أكمل وأسد ، فإن شرطه فيها أقوى وأشد . وأما رجحانه من حيث الاتصال فلاشتراطه أن يكون الراوي قد ثبت له الاجتماع بمن يروي عنه ولو مرة ، واكتفى مسلم بمجرد المعاصرة نظرا لإمكان اللقي ، وأما رجحانه من حيث العدالة والضبط ، فلأن الرجال تكلم فيهم من رجال مسلم أكثر عددا ممن تكلم فيهم من رجال البخاري ، مع أنه لم يكثر من إخراج حديثهم بل غالبهم من شيوخه الذين أخذ عنهم ، ومارس حديثهم وميز جيدها من غيره بخلاف مسلم ، فإن أكثر من تفرد بتخريج أحاديثه من تكلم فيه هو ممن تقدم عصره من التابعين وتابعيهم ، ولا شك أن المحدث أعرف بحديث شيوخه ممن تقدم عنهم ، وأما رجحانه من حيث عدم الشذوذ والإعلال فلأن ما انتقد على البخاري من الأحاديث أقل عددا مما انتقد على مسلم ، ولا يقدح فيها إخراجها لمن طعن فيه ، لأن تخريج صاحب الصحيح لأي راو كان متقض لعدالته عنده وصحة ضبطه وعدم غفلته إن خرج له في الأصول ، فإن خرج في المتابعات والشواهد والتعاليث كانت درجاته متقاربة في الضبط وغيره ، لكن مع حصول ووصف الصدق له فالطعن فيمن خرج له أحدهما مقابل لتعديله ، فلا يقبل الجرح إلا مفسرا بما يقدح في عدالته أو في ضبطه مطلقا ، أو في ضبطه لخبر بعينه لتفاوت الأسباب الحاملة للأئمة على الجرح ، إذ منها ما لا يقدح ومنها ما يقدح . وقد كان أبو الحسن المقدسي يقول فيمن خرج له أحدهما في الصحيح : هذا ( ( جاز القنطرة ) ) يعني لايلتفت لما قيل فيه لأنهما مقدمان على أئمة عصرهما ومن بعدهما في معرفة الصحيح والعل . فهو أصح الكتب بعد كتاب الله العزيز ، ويؤيده ما نقل عن الحاكم أبي أحمد شيخ الحاكم أبي عبد الله النيسابوري أن البخاري إمام المحديثين ، وكل من أتى بعده وصنف كتابا في الحديث وأفرده ففي الحقيقة إنما أخذه عنه ؛ فالفضل للمتقدم حتى أن مسلما أتى بأحاديثه مفرقا في كتابه ، وتجلد غاية التجلد حيث لم يسندها إلى جنابه ، وقال الدار قطني : ( ( لولا البخاري لما راح مسلم ولا جاء أخذ كتابه زاد عليه أبوابه ) ) . وللبخاري مصنفات غير الصحيح ، كأدب المفرد ورفع اليدين في الصلاة والقراءة خلف الإمام وبر الوالدين ، والتاريخ الكبير والأوسط والصغير ، وخلق أفعال العباد ، وكتاب الضعفاء ، والجامع الكبير والمسند الكبير والتفسير الكبير ، وكتاب الأشربة وكتاب الهبة وأسامي الصحابة ، وكتاب الوجدان وكتاب العلل وكتاب الكنى ، وكتاب المبسوط ، وكتاب الفوائد ، روي عنه أنه قال : ( ( رويت الحديث عن ألف وثمانمائة محدث ) ) . روى عنه خلق كثير كمسلم في غير صحيحه ، والترمذي وابن خزيمة وأبي زرعة وأبي حاتم ، وكذا النسائي في قول وغيرهم . وبالجملة قيل : روى عنه مائة ألف محدث . روي عن يحيى بن جعفر بن أيعين المروي أنه قال : ( ( لو قدرت على أن أزيد من عمري في عمر البخاري لفعلت لأن موتي واحد من الناس وموت البخاري ذهاب العلم ومة ت العالم ) ) ، ونعم ما قيل :

Página 64

إذا ما مات ذو علم وفتوى

فقد وقعت من الإسلام ثلمة

قال محمد بن أحمد المروزي : كنت نائما بين الركن والمقام فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال لي : يا أبا زيد إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي فقلت : يا رسول الله وما كتابك ، قال : جامع محمد بن إسماعيل البخاري . | ( وأبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري ) بالتصغير نسبة إلى بني قشير قبيلة من العرب ، وهو نيسابوري أحد أئمة علماء هذا الشأن ، سمع من مشايخ البخاري وغيرهم ، كأحمد ابن حنبل وإسحاق بن راهويه وقتيبة بن سعيد والقعنبي . وروى عنه جماعة من كبار أئمة عصره وحفاظ دهره ، كأبي حاتم الرازي وابن خزيمة وخلائق . وله المصنفات الجليلة غير جامعة الصحيح ، كالمسند الكبير صنفه على ترتيب أسماء الرجال لا [ على ] تبويب الققه ، وكالجامع الكبير على ترتيب الأبواب ، وكتاب العل وكتاب أوهام المحدثين وكتاب التميز وكتاب من ليس [ له ] إلا راو واحد ، وكتاب طبقات التابعين وكتاب المخضرمين . قال : ( ( صنفت الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة ) ) ، وهو أربعة آلاف بإسقاط المكرر ، وأعلى أسانيده [ ما ] يكون بينه وبي النبي صلى الله عليه وسلم أربعة وسائط ، وله بضع وثمانون حديثا بهذا الطريق ، ولد عام وفاة الشافعي سنة أربع ومائتين [ و ] توفي في رجب سنة إحدى وستين ومائتين . وقد رحل إلى العراق والحجاز والشام ومصر ، وقدم بغداد غير مرة . وحدث [ بها ] وكان آخر قدومه بغداد سنة سبع وخمسين ومائتين . وكان عقد له مجلس بنيسابور للمذاكرة ، فذكر له حديث فلم يعرفه ، فانصرف إلى منزله وقدمت له سلة فيها تمر ، فكان يطلب الحديث ويأخذ تمرة تمرة فأصبح وقد فني التمر ووجد الحديث ، ويقال : إن ذلك كان سبب موته ؛ ولذا قال ابن الصلاح : ( ( كانت و فاته بسبب [ غريب ] نشأ من غمرة فكرة علمية ) ) ، وسنه قيل : خمس وخمسون وبه جزم ابن الصلاح ، وتوقف فيه الذهبي ، وقال : إنه قارب الستين ، وهو أشبه من الجزم ببلوغه الستين ، قال شيخ مشايخنا علامة العلماء المتبحرين شمس الدين محمد الجزري في مقدمة شرحه للمصابيح المسمى بتصحيح المصابيح : إني زرت قبره بنيسابور ، وقرأت بعض صحيحه على سبيل التيمن والتبرك عند قبره ، ورأيت آثار البركة ورجاء الإجابة في تربته . | ( وأبي عبد الله مالك بن أنس ) وهو غير أنس بن مالك كما توهم ( الأصبح ] ] نسبة إلى ذي أصبح ملك من ملوك اليمن ، أحد أجداد الإمام مالك بن أنس صاحب المذهب ، وأخر عن البخاري ومسلم ذكرا وإن كان مقدما عليهما وجودا ورتبة وإسنادا لتقدم كتابيهما على كتابه ترجيحا ، لعدم التزامه تصحيحا . وهو من تابعي التابعين ، وقيل : من التابعين ، إذ روي أنه روى عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص وصحيتها ثابته ، قال الحافظ ابن حجر : كتاب مالك صحيح عنده ، وعند من تقلده على ما اقتضاه نظره من الاحتجاج بالمرسل والمنقطع وغيرهما ، وقال السيوطي : ما فيه من المراسيل فإنها مع كونها حجة عنده بلا شرط وعند من وافقه من الأئمة على الاحتجاج بالمرسل حجة أيضا عندنا إذا اعتضد ، وما من مرسل في الموطأ وما من مرسل في الموطأ إلا وله عاضد ، أو عواضد ، فالصواب إطلاق أن الموطأ صحيح لا يستثنى منه شيء . وقد صنف ابن عبد البر كتابا في وصل ما في الموطأ من المرسل والمنقطع والمعضل ، قال ابن عبد البر : مذهب مالك أن مرسل الثقة تجب به الحجة ويلزم به العمل كما تجب بالمسند سواء ، قال البخاري : إمام الصنعة : ( ( أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر ) ) ، وفي المسألة خلاف منتشر مشتهر ، وعلى هذا المذهب قالوا : أصح الأسانيد عن مالك الشافعي ، إذ هو أجل أصحابه على الإطلاق بإجماع أصحاب الحديث ، ومن ثم قال أحمد : سمعت الموطأ من سبعة عشر رجلا من حفاظ أصحاب مالك ثم من الشافعي فوجدته أقومهم به ، وأصحها عن الشافعي أحمد ، ولاجتماع الأئمة الثلاثة في هذا السند ، قيل لها : سلسلة الذهب ، قيل : ولا ينافي ذلك إكثار أحمد في مسنده إخراج حديث مالك من غير طريق الشافعي ، وعدم إخراج أصحاب الأصول حديث مالك من جهة الشافعي ، أما الأول فلعل جمعه المسند كان قبل سماعه من الشافعي ، وأما الثاني فلطلبهم العلو المقدم عند المحدثين على ما عداه من الأغراض . | قال بكر بن عبد الله : أتينا مالكا فجعل يحدثنا عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن وكنا نستزيده من حديثه ، فقال لنا يوما : ما تصنعون بربيعة هو نائم في ذلك [ الطاق ] ، فأتينا ربيعة فنبهناه وقلنا [ له ] أنت ربيعة ، فقال : نعم ، قلنا : الذي يحدث عنك مالك ، قال : نعم ، قلنا : كيف حظي بك مالك ولم تحظ أنت بنفسك ، قال : أما علمتم أن مثقال دولة خير من حمل علم ، وكأنه أراد بالدولة اللطف الرباني والتوفيق الإلهي . قال ابن مهدي : الثوري إمام في الحديث ، والأوزاعي إمام في السنة ، ومالك إمام فيهما . وكان إذا أتاه أحد من أهل الأهواء قال له : أما أنا فعلى بينه من ديني ، وأما أنت فشاك اذهب إلى شاك مثلك فخاصمه . وقال الشافعي : رأيت على باب مالك كراعا من أفراس خراسان . وبغل مصر ما رأيت أحسن منه ، فقلت : أنا أستحي من الله أن أطأ تربة فيها رسول بحافر دابة . وكان مبالا في تعظيم حديثه [ صلى الله عليه وسلم ] حتى : كان إذا أراد أن يحدث توضأ وجلس على صدر فراشه وسرح لحيته وتطيب وتمكن من الجلوس على وقار [ و ] هيبة ، ثم حدث فقيل له في ذلك ، فقال : أحب أن أعظم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم . ومن كلامه : ( ( إذا لم يكن للإنسان في نفسه خير لم يكن للناس [ فيه ] خير ، وقال : ( ( ليس العلم بكثرة الرواية وإنما هو نور يضعه الله في القلب ) ) ، قال مالك : قال لي هارون الرشيد : يا أبا عبد الله ينبغي أن تختلف إلينا حتى يسمع صبياننا منك الموطأ - يعني الأمين والمأمون - فقلت : أعز الله أمير المؤمنين ، إن هذا العلم منكم خرج ، فإن أنتم أعززتموه عز ، وإن أنتم أذللتموه ذل ، وفي رواية : مه يا أمير المؤمنين ، لا تضع عز شيء رفعه الله والعلم يؤتي ولا يأتي ، قال : صدقت ، وفي رواية : صدقت أيها الشيخ كان [ هذا هفوة ] مني استرها علي أخرجوا وفي رواية : مه يا أمير المؤمنين ، لا تضع عز شيء رفعه الله والعلم يؤتي ولا يأتي ، قال : صدقت ، وفي رواية : صدقت أيها الشيخ كان [ هذا هفوة ] مني استرها علي أخرجوا إلى المسجد حتى تسمعوا مع الناس ، وسأله الرشيد : ألك دار ، قال : لا ، فأعطاه ثلاثة آلاف دينار ، وقال : اشتربها دارا فأخذها ولم ينفقها ، ولما أراد الرشيد الشخوص . قال لمالك : ينبغي أن تخرج معي فإني عزمت أن أحمل الناس على الموطأ كما حمل عثمان الناس على القرآن ، فقال : أماحمل الناس على الموطأ فلا سبيل إليه ، لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم افترقوا بعده في الأمصار فحدثوا فعند أهل كل مصر علم ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ( اختلاف أمتي رحمة ) ) ، وأما الخروج معك فلا سبيل إليه لأنه صلى الله عليه وسلم قال : ( ( المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ) ) ، وهذه دنانيركم كما هي إن شئتم فخذوها وإن شئتم فدعوها يعني إنك [ إنما ] كلفتني مفارقة المدينة لما صنعت إلي فلا أؤثر الدنيا على مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصح عن الشافعي أنه قال : ( ( ما في الأرض كتاب من العلم أكثر صوابا من موطأ مالك ) ) ، وفي رواية : ( ( ما تحت أديم السماء أصح منه اتفاقا . وجاءه رجل من مسيرة ستة أشهر في مسألة أرسله بها اهل بلده فقص عليه خبره ، فقال : لا أحسن ، قال : فماذا أقول لهم ، قال : قلا لهم قال مالك لا أحسن . | أخذ عن ثلثمائة تابعي وأربعمائة من تابعيهم ، توفي في ربيع الأول سنة تسع أو ثمان وسبعين ومائة على الأصح ، ودفن بالبقيع وقبره مشهور به ، ووولد في ربيع الأول سنة ثلاث ومائة على الأشهر ، قيل : مكث حملا في بطن أمه ثلاث سنين ، وقيل : أكثر ، وقيل : سنتين . قال الواقدي : مات وله تسعون سنة ، وقيل : مالك أثتب أصحاب الزهري وابن المنكدر ونافع ويحيى بن سعيد وهشام بن عروة وربيعة وجمع كثير . وروى الزهري عنه مع أنه من شيوخه ومن أجلاء التابعين ، فهو من قبيل رواية الأكابر عن الأصاغر ، وقد روى عن مالك ابن جريج وابن عيينة والثوري والأوزاعي وشعبة والليث بن سعد وابن المبارك والشافعي وابن وهب وخلائق لا يحصون ، قال مالك : قل من أخذت عنه الحديث أنه ما جاءتي ولم يأخذ مني الفتوى . | ( وأبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي ) نسبه إلى شافع أحد أجداده ، قيل : شافع كان صاحب راية بني هاشم يوم بدر فاسر وفدى نفسه فأسلم ، وقيل : لقي شافع النبي صلى الله عليه وسلم وهو مترعوع وأسلم أبوه السائب يوم بدر وكان السائب صاحب راية بني هاشم [ يوم بدر ] فأسر وفدى ت نفسه ثم أسلم ، وعلى القولين يظهر وجه تخصيص النسبة إليه ، ثم نسبة أهل مذهبه أيضا شافعي ، وقول العامة شافعوي خطأ ، وهو المطلبي الحجازي المكي ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم ، يلتقي معه في عبد مناف ، وورد خبر : ( ( عالم قريش يملأ طباق الأرض علما ) ) ، طرقه متماسكة وليس بموضوع خلافا لمن وهم فيه كما بينه أئمة الحديث ، كأحمد وأبي نعيم والبيهقي والنووي بموضوع خلافا لمن وهم فيه كما بينه أئمة الحديث ، كأحمد وأبي نعبم والبيهقي والنووي وقال : إنه حديث مشهور ، وممن حمله على الشافعي أحمد وتبعه العلماء على ذلك . ولد بغزة على الأصح ، وقيل : بعسقلان ، وقيل : باليمن وقيل : بمنى ، وقيل : بالبحر سنة خمسين ومائة اتفاقا ، وهي سنة وقاة أبي حنيفة ، وقيل : ولد يوم موته ، قال البيهقي ، هذا التقييد لم أجده إلا في بعض الروايات ، إما بالعام فهو مشهور بين أهل التواريخ . ونشأ يتيما في حجر أمه في ضيق عيش بحيث كانت لا تجد أجرة المعلم ، وكان يقصر في تعليمه ، وكان الشافعي يتلقف ما يعلمه لغيره فإذا ذهب علمهم إياه فكفى المعلم [ أمرهم ] أكثر مما لو أعطاه أجره فتركها ، واستمر حتى تعلم القرآن لسبع سنين ، ثم حبب إليه مجالسة العلماء . وكان يكتب ما يستفيده منهم في العظام ونحوها لعجزه عن الورق ، وكان يؤثر الشعر والأدب إلى أن تمثل ببيت وعنده كاتب أستاذ مسلم بن خالد الزنجي مفتي مكة فقرعه بسوط ، ثم قال له : مثلك يذهب بمروءته في مثل هذا أين أنت من الفقه ، فهزه ذلك إلى مجالسه مسلم . ومن أشعاره .

يا أهل بيت رسول الله حبكم

فرض من الله في القرآن أنزله

Página 67

كفاكم من عظيم القدر أنكم

من لم يصل عليكم لا صلاة له

ثم قدم المدينة وعمره ثلاث عشرة سنة ، فلازم مالكا فأكرمه وعامله لنسبه وعلمه وفهمه وأدبه وعقله بما هو اللائق بهما . وكان حفظ الموطأ بمكة لما أراد الرحلة إلى مالك حين سمع أنه إمام المسلمين ، وكان مالك يستزيده من قراءته لإعجابه بها حتى قرأه عليه في أيام يسيرة . وقال له مرة لما تفرس فيه النجابة والإمامة : اتق الله إنه سيكون لك شأن ، وأخرى : إن الله قد ألقى عليك نورا فلا تطفئه بالمعصية ، قال : فما ارتكبت كبيرة قط [ ثم ] بعد وفاة مالك رحل من المدينة إلى اليمن ، وولي بها القضاء ثم رحل إلى العراق وجد في التحصيل ، وناظر محمد بن الحسن وغيره ، ونشر علم الحديث وشاع ذكره وفضله إلى أن ملأ البقاع والأسماع . قال محمد بن الحسن في مدح الشافعي : إنه استعار مني كتاب الأوسط لأبي حنيفة ، وحفظه في يوم وليلة . ولما صنف كتاب الرسالة أعجب به أهل عصره ، وأجمعوا على استحسانه وأنه من الخوارق ، حتى قال المزني : ( ( قرأته خمسمائة مرة ما من مرة إلا وقد استفدت منه شيئا لم أكن غرفته ) ) ، وكان أحمد يدعو له في صلاته لما رأى اهتمامه بنصر السنة . وصنف في العراق كتابه القديم المسمى بالحجة ، ثم رحل إلى مصر سنة تسع وتسعين ومائة وصنف كتبه الجديدة بها ، ورجع عن تلك ومجموعها يبلغ مائة وثلاثة عشر مصنفا ، وسار ذكرها في البلدان وقصده الناس من الأقطار للأخذ عنه ، وكذا أصحابه من بعده لسماع كتبه حتى اجتمع في يوم على باب الربيع تسعمخائة راحلة . وابتكر أصول الفقه وكتاب القسامة وكتاب الجزية وقتال أهل البغي ، وكان حجة في اللغة والنحو ، وأذن له مسم بن خالد مفتي مكة في الإفتاء بها وعمره خمس عشرة سنة ، وربما أوقد له المصباح في الليلة ثلاثين مرة ولم يبقه دائم الوقود . قال ابن أخته من أمه : ( ( لأن الظلمة أجلى للقلوب ) ) ، وكان يقول : ( ( إذا صح الحديث فهو مذهبي واضربوا بقولي الحائط ) ) . وانفرد بالإعراض على التمسك بالحديث الضعيف في غير الفضائل . | ومن كلامه الدال على إخلاصه : ( ( وددت أن كل ما تعلمه الناس أؤجر عليه ولا يحمدوني قط ، ووددت إذا [ ما ] ناظرت أحدا أن يظهر الحق على يديه ) ) ، ومن حكمه البالغة : ( ( طلب العلم أفضل من صلاة الناقلة ، ومن أراد الدنيا والآخرة فعليه بالعلم - أي مع العمل - ما أفلح من العلم إلا من طلبه في الذلة ، ولقد كنت أطلب القرطاس فيعز علي ، لا يتعلم أحد هذا العلم بالملك وعزة النفس فيفلح ، ولكن من طلبه بذلة النفس وضيق العيش أفلح ، تفقه قبل أن ترأس ، فإذا ترأست فلا سبيل إلى التفقه ، زينه العلم الورع والحلم ، لا عيب في العلماء أقبح من رغبتهم فيما زهدهم الله فيه ، وزهدهم فيما رغبهم الله فيه ، فقر العلماء فقر اختيار ، وفقر الجهال فقر اضطرار ، الناس في غقلة من سورة ^ ( والعصر إن الإنسان لفي خسر ) [ العصر 1 - 2 ] ، من لم تعزه التقوى فلا تقوى له ، ما فرغت من العلم قط ، طلب فضول الدنيا عقوبة عاقب الله بها أهل التوحيد ، من غلبته سدة الشهوة للدنيا لزمته العبودية لأهلها ، ومن رضي بالقنوع زال عنه الخضوع ، لا يعرف الرباء إلا المخلصون ، لو اجتهدت كل الجهد على أن ترضي الناس كلهم فلا سبيل لذلك فأخلص عملك ونيتك لله ، لو أوصى رجل بشيء لأعقل الناس كلهم فلا سبيل لذلك فأخلص عملك ونيتك الله ، لو أوصى رجل بشيء لأعقل الناس صرف للزهاد ، سياسة الناس أشد من سياسة الدواب ، العاقل من عقله عقله عن كل مذموم ، ومن نم لك بن بك ، من وعظ أخاه سرا فقد نصحه ، ومن وعظه علانية فقد فضحه ، التواضع من أخلاق الكرام ، والتكبر من شيم اللئام ، أربع الناس قدرا من لا يرى قدره ، الشفاعات زكاة المروآت ، من ولي القضاء فلم يفتقر فهو لص ، لا بأس للفقيه أن يكون معه سفيه يسافه به ، مداراة الأحمق غاية لا تدرك ، الانبساط إلى الناس مجلبة لقرناء السوء ، والانفراد عنهم مكسبة للعداوة ، فكن بين المنقبض والمنبسط ، لأن يبتلى المرء بكل ذنب ما عدا الشرك خير من أن ينظر في الكلام ، فإني والله أطلعت من أهل الكلام على شيء ما ظنته قط ) ) . | وكان يكتب ثلث الليل ثم يصلي ثلثة ثم ينام ثلثة ، ويختم كل يوم ختمة ، أقول : لعله في أيام رمضان وقال : ( ( ما كذبت قط ولا حلقت بالله صادقا ولا كاذبا ، وما تركت غسل الجمعة - قط ، وما شبعت منذ ست عشرة سنة إلا شبعة طرحتها من ساعتي ) ) ، قال الكرابيسي : سمعته يقول : ( ( يكره ) ) جل أن يقول قال الرسول لكن يقول قال رسول الله ) ) ، وكان له اليد الطولي في السخاء ؛ قدم سن صنعاء إلى مكة بعشرة آلاف دينار فما برح من مجلس سلام الناس عليه حتى فرقها كلها . وسقط سوطه فناوله إنسان فأمؤر غلامه بإعطائه ما معه من الدنانير فكانت سبعة أو تسعة ، وانقطع شسع نعله فأصلحه له رجل فقال : يا ربيع أمكع من نففتنا شيء ، قلت : سبعة دنانير ، قال : ادفعها إليه ، وقال المزني : ما رأيت أكرم منه خرجت معه ليلة العيد من المسجد وأنا أذاكره في مسألة حتى أتيت باب داره ، فأتاه غلام بكيس وقال : مولاي يقرئك السلام ويقول لك : خذ هذا الكيس فإنه لك هدية وعينا المنة ، فأخذه منه فأتاه رجل فقال : يا أبا عبد الله ولدت امرأتي الساعة وليس عندي شيء ، فدفع إليه الكيس ، وصعد وليس معه شيء . وكان يأكل شهوة أصحابه ، وركب حماره واحمد يمشي بجانبه ويذاكره فبلغ ذلك يحيى بن معين فعتب أحمد ، فأرسل له : ( ( ولو كنت بالجانب الآخر من حماره لكان خيرا لك ) ) . وكانت له المعرفة التامة بالرمي حتى يصيب عشرة من عشرة ، وبالفروسية حتى يأخذ بأذنه وأذن الفرس في شدة عدوه [ وروي أنه مسع قارئا يقرأ : @QB@ هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون @QE@ [ المرسلات - 36 ] فتغير الشافعي وراتعد وخر مغشيا عليه ، فلما أفاق قال : ( ( اللهم إني أعوذ بك من مقام الكذابين ، ومن إعراض الجاهلين ، هب لي من رحمتك وجللني بسترك ، واعف عني بكرمك ، ولا تكلني إلى غيرك ، ولا تقنطني من خيرك ) ) ، ومن كلامه : ( ( لو لم يكن العلماء أولياء فليس الله ولي ، ما اتخذ الله وليا جاهلا ] . قال المزني : دخلت عليه في مرض موته ، فقلت له : كيف أصحبت ، فقال : ( أصبحت من الدنيا راحلا ، ولإخواني مفارقا ، ولكأس المنية شاربا ، ولسوء أعمالي ملاقيا ، وعلى الله ورادا ، فلا أدري روحي تصير إلى الجنة فأهنيها ، أو إلى النار فأعزيها ) ) ، ثم بكى وأنشأ يقول :

ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي

جعلت رجائي نحو عفوك سلما

Página 69