Methodology of the Companions in Inviting Polytheists Who Are Not People of the Book

منهج الصحابة في دعوة المشركين من غير أهل الكتاب

Editorial

دار الرسالة العالمية

Edición

الأولى

Año de publicación

١٤٤٢ هـ - ٢٠٢١ م

Ubicación del editor

بيروت

منهج الصحابة ﵃
في دعوة المشركين من غير أهل الكتاب
الدكتور:
عبدالعزيز بن محمد بن سعود الكبير

1 / 1

بسم الله الرحمن الرحيم

1 / 3

المقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (^١).
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (^٢).
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (^٣).
وصلى الله وسلم على نبي الأمة وخاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبدالله، الذي أُرسل رحمة للعالمين، بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله وسراجًا منيرًا، وهو الذي أورث مسؤولية الدعوة إلى أمته بالتأسي به، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ

(^١) سورة آل عمران، الآية: ١٠٢.
(^٢) سورة النساء، الآية: ١.
(^٣) سورة الأحزاب، الآيتان: ٧٠ - ٧١.

1 / 5

اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (^١). وجعل الله سبحانه الدعوة من أحسن الأقوال، وربط بها خيرية الأمة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (^٣). وكما ورد في حديث درة بنت أبي لهب ﵂ قالت: قام رجل إلى النبي ﷺ وهو على المنبر، فقال: يا رسول الله، أي الناس خير؟ فقال ﷺ: (خير الناس أقرؤهم وأتقاهم وآمرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر، وأوصلهم للرحم «^٤).
وقد اختار الله ﷾ قومًا هم أفضل هذه الأمة بعد نبيها ﷺ ليكونوا صحابته، وشرّفهم بالصحبة، وأثنى عليهم في مواقع كثيرة، قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (^٥).

(^١) سورة الأحزاب، الآية: ٢١.
(^٢) سورة فصلت، الآية: ٣٣.
(^٣) سورة آل عمران، الآية: ١١٠.
(^٤) المسند، الإمام أحمد، مسند النساء، رقم ٢٧٩٨٠، ٨/ ٨٦٣. حديث ضعيف (الألباني، ضعيف الجامع الصغير، رقم ٢٨٩٧، ص ٤٢٦). وقد ذكر هذا الحديث مع ضعفه للاستئناس به في هذا المجال.
(^٥) سورة التوبة، الآية: ١٠٠.

1 / 6

ومن هذا المنطلق قام صحابة رسول الله ﵃ باتباع سنته، والحرص على الدعوة في حياته، وبعد مماته ﷺ؛ ومما ورد عن الرسول ﷺ في فضل صحابته، وأنهم خير الناس، حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (خير أمتي القرن الذين بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم ... (الحديث (^١)، وقد أوصى ﷺ باتباع أصحابه ﵃، واتباع سنتهم، كما ورد في حديث العرباض بن سارية قول رسول الله ﷺ: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ «^٢). ولِما لهؤلاء القوم من فضل وتفضيل على من بعدهم، وأمره ﷺ باتباعهم، فإنه دليل على أن منهجهم هو المنهج الصحيح بعد رسول الله ﷺ، فيؤخذ منهم، ويستفاد من طريقتهم، وخصوصًا في مجال الدعوة؛ لأنهم أول من قام بالدعوة بعد الرسول ﷺ ونشرها بين الناس؛ وذلك ما دعا إلى البحث في منهجهم، وطريقة دعوتهم، وتعاملهم مع من يدعون، فمن هذا يمكن الاستفادة من منهجهم الصحيح، وخبراتهم وتجاربهم الناجحة، خصوصًا في هذا الزمان الذي كثرت فيه الفتن والبدع والانحرافات، والتي شملت كل مجال، ومنها مجال الدعوة إلى الله.

(^١) صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، رقم ٦٤٧٣، ص ١١١٠.
(^٢) سنن أبي داود، أول كتاب السنة، باب لزوم السنة، رقم ٤٦٠٧، ص ٦٥١. حديث صحيح (الألباني، سلسلة الأحاديث الصحيحة، المجلد السادس، القسم الأول، رقم ٢٧٣٥، ص ٥٢٦).

1 / 7

ومنهج الصحابة ﵃ في دعوة المشركين من غير أهل الكتاب يُعد مرجعًا يستفاد منه لتأصيل المنهج الدعوي الصحيح، وذلك بمعرفة الطرق والأساليب والوسائل التي عملوا بها في دعوتهم، وتوضيح ذلك، والاستفادة منه على أرض الواقع، وخصوصًا إذا علمنا أنه يوجد نسبة عالية من سكان العالم ممن هم على أديان مختلفة من غير أهل الكتاب، وهذا مما يؤكد أهمية دراسة هذا الموضوع وتبيان الأحكام المستفادة منه، والبحث في المصادر والمراجع المتعددة؛ لإيضاح منهج الصحابة ﵃ في دعوة المشركين من غير أهل الكتاب، والإحاطة بالموضوع من جميع جوانبه. ومما يدعونا أيضًا للبحث في هذا الموضوع إيماننا أن الإسلام جاء للبشرية أجمع، وبعث الله به أنبياءه من قبل، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢) أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ (^٣).
وختم الله الأنبياء بإرسال نبينا محمد ﷺ بالإسلام ودين الحق ليظهره على الدين كله، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ

(^١) سورة آل عمران، الآية: ٦٧.
(^٢) سورة البقرة، الآيتان: ١٣٢ - ١٣٣.
(^٣) سورة المائدة، الآية: ١١١.

1 / 8

كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (^١)، فسعى ﷺ في نشر هذا الدين، وقيض الله له صحابته؛ ليكونوا الدعاة والمبلغين لرسالته ﷺ، فهم الذين ساروا على نهجه حتى بلغت الدعوة ما بلغت على أيديهم ﵃، في حياته ﷺ وبعد مماته، ولم تكن هذه الدعوة تخص فردًا دون آخر، أو دينًا دون دين، أو عرقًا دون عرق، فقد كانت دعوة شاملةً عالميةً، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (^٢). فكان الصحابة ﵃ يدعون أقوامهم من المشركين الوثنيين، فغالبية الصحابة كانوا قبل إسلامهم مشركين من أهل الأوثان، إلا من كان كتابيًا أو وُلد في الإسلام، ومن هذا كان لدعوتهم هذه الفئة دور كبير، وتأثير عميق؛ مما جعل الأفواج تدخل في الإسلام بسبب الدعوة إلى الله بالطريقة الصحيحة، ولم يقفوا بالدعوة عند التعريف بالإسلام فقط، بل تعدوا ذلك إلى التأثير على المدعوين بالأخلاق، وحسن المعاملة، ولين الجانب، ومن ذلك ما ورد في قصة إسلام أسيد بن الحضير، وسعد بن معاذ، ودعوة أبي ذر لحويطب بن عبدالعزى، ودعوة أم سليم لأبي طلحة، إضافةً إلى ما قاموا به ﵃ بعد وفاة الرسول ﷺ من جهود في الدعوة، وحتى آخر من توفي من الصحابة، وهو أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي ﵁ والذي توفي سنة مائة للهجرة.
إن الوقوف على منهج الصحابة ﵃ في دعوتهم للمشركين خلال تلك المدة هو من احتياجات الدعوة الملحة لوضع القواعد الصحيحة للدعوة، وخصوصًا

(^١) سورة التوبة، الآية: ٣٣.
(^٢) سورة الأنبياء، الآية: ١٠٧.

1 / 9

في هذا العصر، الذي كثر فيه الاختلاف والابتداع، كما أن كثرة الشعوب المشركة التي ليست على دين أهل الكتاب توجب البحث في هذا المجال، وعمل دراسة علمية وافية.
وكان هذا البحث جزءًا من رسالة دكتوراه بعنوان: منهج الصحابة ﵃ في دعوة المشركين من غير أهل الكتاب إلى الإسلام (^١). وقد رأيت أن أعيد صياغته بطريقة كتاب ليسهل على كل قارئ الاستفادة منه، فقد حذفت منه التعريفات المطولة، وبعض الفقرات التي لا تلزم القارئ وتشتت أفكاره.

(^١) رسالة دكتوراه مقدمة للمعهد العالي للدعوة والاحتساب بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، عام: ١٤٣٤ - ١٤٣٥ هـ.

1 / 10

الفصل التمهيدي
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: الصحابة ﵃ ومكانتهم.
المبحث الثاني: مفهوم المشركين وأصنافهم وسماتهم.

1 / 11

تمهيد:
إن أهمية الصحابة ﵃ لدى كل مسلم توجب التطرق لهم، وذكرهم، ومن الأهمية بمكان معرفة معنى الصحبة، ومن يندرج تحت هذه التسمية، خصوصًا أنه اختُلف في ذلك، وكذلك ما يترتب على الصحبة من فضل تبنى عليه مكانتهم لدى المسلمين، وبها تكون محبتهم التي هي من محبة رسول الله ﷺ.
وفي المقابل نجد من الأهمية أيضًا معرفة مفهوم المشركين وسماتهم وأقسامهم، والأصناف التي تندرج تحت هذا المصطلح.
ومن أجل ذلك وضع هذا الفصل ليبين من هم الصحابة ومكانتهم وفضلهم، والمشركون ومفهومهم وسماتهم وأصنافهم.
وهو ينقسم إلى مبحثين:
المبحث الأول: الصحابة ﵃ ومكانتهم.
المبحث الثاني: مفهوم المشركين وصفاتهم وسماتهم.

1 / 13