Mawahib al-Jalil min Adillat Khalil

مواهب الجليل من أدلة خليل

Editorial

إِدارة إِحياء التراث الإِسلامي

Edición

الأولى

Año de publicación

(١٤٠٣ - ١٤٠٧ هـ)

Ubicación del editor

قطر

الكتاب: مواهب الجليل من أدلة خليل
المؤلف: أحمد بن أحمد المختار الجكني الشنقيطي
عني بمراجعته: عبد الله إبراهيم الأنصاري
الناشر: إِدارة إِحياء التراث الإِسلامي، قطر
الطبعة: الأولى
جـ ١، ٢: ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م
جـ ٣، ٤: ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٦ م

1 / 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
هذا الكتاب
بقلم
فضيلة الشيخ عبَد الله إبرَاهيم الأنصاري
مدير عام إدارة إحياء التراث الإسلامي
بدولة قطر
الحمد لله الذي بفضله ونعمته تتم الصالحات. نحمده تعالى ونشكره، ونستعين به ونستغفره. والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن من أهم ما يعتني به العبد في حياته نشر العلم، وتبليغه بأي طريقة تمكنه. وإن من أجل العلوم وأنفعها علم الفقه، الذي يستنير به العبد، حتى يعلم الطريقة التي هو عليها، بمعنى أنه بموجبه يعلم فرض عينه، ويعلم كذلك ما هو واجب عليه -على الكفاية- ومعلوم أن فروع المذاهب الأربعة المدونة تصدى لها فحول علماء المذاهب بالتدوين. وقد اعتنى أكثر هؤلاء باستجلاب الأدلة على مسائلهم الفرعية ما أمكن ذلك، فيزدان الفرع بذلك في عين طالب العلم، ويزداد تبصرًا في أمره. وأقلهم في ذلك مذهب إمام دار الهجرة مالك بن أنس الأصبحي الحميري. وإن من أجلّ من دوّن في فروع هذا المذهب العلامة خليل بن اسحاق في مختصره الذي اختصر فيه توضيحه. ولقد أقبل عليه أهل المذهب المالكي إقبالًا لا مثيل له، بالشروح والحواشي والتعاليق، فكان لذلك المرجع الذي يعود إليه أهم مذهب مالك في الفتوى والقضاء والعمل، حتى أنهم ليحكون عن شيخه المنوفي أنه قال: نحن أناس خليليون، إن اهتدى اهتدينا. ومن عظيم عنايتهم أن القليل منهم من لم يحفظ المختصر.

1 / 3

غير أن كل هؤلاء الشيوخ الذين اعتنوا بشرح المختصر المذكور، لم يعطوا عناية لاستجلاب بعض أدلة هذه الفروع، ونفس طالب العلم تواقة إلى معرفة الدليل، حتى قيض الله لهذا العمل أحد طلاب المختصر، ألا وهو الشيخ أحمد بن محمد الأمين بن أحمد المختار الجكني، المدرس بالمسجد الحرام، فقام باستجلاب ما وقف عليه من أدلة خليل، فجاء بحمد الله كتابه بمثابة تاج توج به فروع مذهب إمام الأئمة -إمام دار الهجرة- وغير خاف أنه لا يستطاع التدليل على كل المسائل الفروعية الاجتهادية، وذلك ما حمل المؤلف على تسمية كتابه: مواهب الجليل من أدلة خليل. فأتى بمن التبعيضية ليترك لنفسه خط الرجعة. وما لا يدرك كله لا يترك كله.
إن إدارة إحياء التراث الِإسلامي بدولة قطر، لفخورة بتزويد المكتبة الإِسلامية بالجزء الأول من هذا الكتاب ليحل مكانه اللائق بين رفوفها، وليسد الثغرة التي كانت تنتظره لدى طلاب المختصر الجليل، وسوف يليه بإذن الله بقية الأجزاء.
وإننا لندعو الله -جلت قدرته- أن يعين المؤلف على إتمامه حتى يتسنى لنا طبع بقية أجزائه. كما نرجوه تعالى أن يجزل المثوبة لنا وله، وأن يجعل عملنا خالصًا لوجه الله تعالى، إنه سميع مجيب.
خادم العلم
عبد الله إبراهيم الأنصاري
مدير إدارة إحياء التراث الإسلامي

1 / 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الكتاب
الحمد لله الذى بفضله ونعمته تتم الصالحات. أحمده حمدًا يوافي مزيد نعمه، لا أحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه، أحمده حمد موحد شاكر لما أنعم به من التوفيق، إلى النطق بكلمة التوحيد التي هي أفضل ما نطق به النبيون، كما ورد في الحديث الصحيح: "أفْضَلُ مَا قُلْتُهُ أنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ"، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وصلى الله وبارك على سيد المرسلين القائل: "مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقَهْهُ فِي الدِّينِ" وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد؛ فيقول الفقير إلى رحمة مولاه وعفوه: أحمد بن أحمد المختار الجكني الابراهيمي ثم من المحاضر منهم، الشنقيطي إقليمًا، لقد كانت تساورني منذ أكثر من عشر سنوات فكرة وضع تعليق على مختصر خليل بن اسحاق المالكي يوضح ما تيسر من أدلته، ولقد زاد عزمي على القيام بهذا الموضوع، خصوصًا بعد وفاة شيخنا وابن عمنا فضيلة العلامة الشيخ محمد الأمين بن المختار بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني ثم اليعقوبي، فقد كان، عليه رحمة الله، يذكر أنه، إن هو أنهى (أضواءُ البيان في إيضاح القرآن بالقرآن)، وبقيت له فسحة أجل، شرع فيها بإذن الله في وضع شرح على المختصر مؤيدًا بالدليل، لكنه توفي عليه رحمة الله في سبع عشرة خلت من ذي

1 / 5

الحجة، سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة وألف للهجرة، بعد أن أنهى الكتابة على سورة المجادلة، فكان من واجب تلامذة الشيخ إكمال المسيرة التي كان يواصلها الشيخ، وقد عرض علي بعض الزملاء أن أقوم بإكمال أضواء البيان، فأجبته بعدم استطاعتي لذلك، ورحم الله من عرف قدره، إني لا أستطيع القيام بما التزم به الشيخ؛ من كونه لا يجعل آية من القرآن موضع بحثه حتى تكون تشتمل على إجمال يوضحه القرآن في موضع آخر، مع التزامه الإِتيان بجميع ما يتوارد من القرآن مع تلك الآية، فلو أن الموضوع كان تفسيرًا عاديًا يعنى بالآية ولغتها وفقهها وسبب نزولها وما إلى ذلك، غير أنه لما كان الحال في إيضاح القرآن على ما درج عليه الشيخ ﵀ من أم الكتاب إلى نهاية المجادلة، فقد صرحت بعدم استطاعتي لإِكماله، وجزى الله خير جزائه صديقنا وزميلنا الشيخ عطية بن محمد سالم، القاضي بالمحكمة الشرعية بالمدينة المنورة، فقد قام بواجبه نحو إكمال أضواء البيان، ولما كنت أحد طلبة العلم الذين مارسوا دروس المختصر من أيام نعومة الأظفار، وكنت سمعت من الشيخ غير ما مرة أمنيته أن يتمكن من وضع شرح يوضح أدلة خليل، رأيت من واجبي الإِدلاء بدلوي لتحقيق بعض ما كان يتمناه شيخي عليه رحمة الله، في وضع هذا التعليق، أسوة بزميلي وصديقي الشيخ عطية بن محمد سالم، الذي حقق أمنيته في إكمال الأضواء مع قوة الفارق بيني وبين هذا الصديق، الذي يتبلور في قصوري وقلة اطلاعي وعدم وجودي للوقت اللازم لذلك، لاشتغالي يوميًا بتحصيل النفقة الواجبة.
ولقد كنت أفكر بعض الوقت في جعل نصيحة الشيخ محمد الأمين بن أحمد زيدان موضوع تعليقي؛ لاستخراج أدلة ما اشتمل عليه هذا الشرح النفيس من

1 / 6

الفروع الفقهية، فقد كان هذا الشرح هو الذي درست المختصر به على شيخي في الفقه المالكي وقواعده، فضيلة الشيخ سيد جعفر بن سيد محمد بن سيد جعفر بن سيد علي بن سيد محمد بن سيد جعفر الشهير بـ "ديدي" الادريسي نسبًا الشريف، ولقد كدت أفعل لولا أني تذكرت قول رسول الله ﷺ: "الْمُؤْمِنُ لَا يُلْدَغُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ" أو كما قال ﷺ، فخشيت أن تتكرر قضية "المنهج إلى المنهج" من قبل أحد بني عمومتي من حفدة هذا الشارح، فعدلت عن ذلك وقررت وضع التعليق على المختصر نفسه، وحيث إن هذا المختصر وضع عليه حتى الآن حول مائة شرح وتعليق، فإنه أصبح غنيًا عن وضع شرح جديد يبين ألفاظه ويوضح معانيه وأحكامه.
لذلك، فقد قررت عدم الاعتناء بشرح المختصر محيلًا طلبة العلم في ذلك إلى عشرات الشروح التي تزخر المكتبات بها، لكنَّ موضوع عنايتي هو وضع ما استطعت الوقوف عليه من أدلة فروع هذا المختصر الذي هوما به الفتوى في مذهب الإِمام مالك بن أنس، الذي أُفضل الأخذ برأيه في مسائل الاجتهاد، وكثيرًا ما سمعت -ولا سيما في المشرق- من بعض طلبة العلم ممن كان ينتجع شكير الحزمية، الذي اهتز وربا حديثًا، كثيرًا ما كنت أسمع من بعض هؤلاء الذين لا يتردد طالب علم في أنهم من القسم الثاني، من حديث أبي موسى المتفق عليه: "مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللهُ (به) مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا فَكَانَ منهَا نُقْيَةٌ، أو قال، ثُغْبَةٌ قَبِلتِ الْمَاءَ، فَأنبتَت الْكَلَأ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرِ، وَكَانَتْ مِنْهَا أجَادَبُ أمْسكَتِ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا وسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأصَابَ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى، إنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ الْمَاءَ وَلَا تُنْبِت

1 / 7

الْكَلأَ فَذلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللهِ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ".
فالنبي ﷺ قسم الناس بالنسبة إلى ما جاء به من الهدى إلى ثلاثة أقسام:
أولًا: شبه من تحمل العلم وتفقه به، بالأرض الطيبة يصيبها المطر فتنبت وينتفع الناس بها.
ثانيًا: شبه من تحمل العلم ولم يتفقه به بالأرض الصلبة التي لا تنبت، ولكنها تمسك الماء فيأخذه الناس وينتفعون به.
ثالثًا: شبه من لم يحمل علمًا ولم يتفقه، بالقيعان التي لا تنبت ولا تمسك الماء، فهو الذي لا خير فيه.
أقول: كثيرًا ما أسمع من بعض طلبة العلم -ممن هم من القسم الثاني من أقسام الناس بموجب هذا الحديث- يقولون: من أين لخليل قوله كذا؟. من أين لمالك قوله كذا؟. وما أدى بهم إلى ذلك إلا أنهم لم يتذوقوا طعم الفقه.
إنهم أوعية علم فقط ينتفع به من يسمعه منهم ممن فقهه الله في الدين، وذلك ما دعا رسول الله ﷺ إلى قوله: "نَضَّرَ اللهُ امْرَءًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا فَأدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ". وفي رواية: "فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرُ فَقِيهٍ".
وقد كانت فروع المذهب المالكي من أكثر الفُروعِ جريًا على الأدلة، لا يماثله في ذلك أي مذهب من المذاهب المدونة فروعها، ذلك أن مذهبي الشافعي وأحمد معروفان بأنهما أهل الحديث، ومذهب أبي حنيفة معروف

1 / 8

بالرأي، وقد جمع مذهب مالك الأخذ من الكتاب والسنة والقياس.
قال في مراقي السعود:
وموجِبٌ تغليبَ الْارجحِ وَجَبْ … لديه بحثُ عن إمام منتخَب
إذا علمتَ فالإِمامُ مالكُ … صحَّ له الشأْوُ الذي لا يدركُ
للأثر الصحيح مع حسن النظر … في كل فن كالكتاب والأثر
ولما كان أصحابنا اشتغلوا في تدوين الأحكام بالاكتفاء بنسبتها إلى القائل بها من شيوخهم، دون استجلاب أدلتها، ثقة منهم بهم، واعتمادًا على قاعدة هي قولهم: الناقل أمين ما لم يثبت عدم ذلك، وجد الناقدون إليهم سبيلًا.
والحق أن هذه القاعدة غير مسلمة وأن الأصل في الناس الجرح حتى تثبت العدالة عندنا.؟!
قال في المنهج المنتخب:
طهارة الأعيان أصل وكذا … براءةٌ لا بعدَ تعمير خُذا
عكسًا بعكس ويسارٌ جرحُ … جمعٌ تساوٍ والظهورُ شرحُ
ومحل الشاهد من البيتين قوله: جرح، أي والأصل في الناس الجرح حتى تثبت العدالة، ونسبه شيخ مشائخنا محمد الأمين بن أحمد زيدان في المنهج إلى المنهج إلى مالك والشافعي.
على أني ألفت النظر إلى أنه ليس كل مسائل المختصر تنتمي إلى مذهب

1 / 9

مالك، لأن كل مسألة جاء دليل عليها من الكتاب أو السنة أومن إجماع الأمة، لا يمكن أن تضاف إلى مذهب كائن من يكون، ولا يجوز فيها التقليد أبدًا؛ إذ لا تقليد إلا في محل الاجتهاد، ولا يجوز الاجتهاد في محل ورد فيه نص؛ لأن نصوص الكتاب والسنة حاكمة على كل المجتهدين، ولا يجوز لأي مجتهد مخالفة النص بحال من الأحوال. نعم، قد يرد النص مجملًا فيحمله هذا المجتهد على أحد احتماليه أو احتمالاته بدليل شرعي، ويحمله الآخر على غير ذلك بدليل آخر؛ ولابد لطالب العلم أن يفرق بين الاتباع والتقليد، والفرق بينهما واضح؛ وهو أن كل من اتبعت قوله من غير أن يجب عليك قوله لدليل يوجب ذلك فأنت مقلد له، وأن كل من أوجب عليك الدليل اتباع قوله فأنت متبع له.
قال شيخنا ﵀ في أضواء البيان عند قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ (^١) الآية -عند التنبيه الرابع- ما نصه: وأمَّا كون العمل بالوحي اتباعًا لا تقليدًا فهو أمر قطعي، والآيات الدالة على تسميته اتباعًا كثيرة جدًا. قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (^٢). وقال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (^٣). وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (^٤) وقال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا

(^١) سورة محمد: ٢٤.
(^٢) سورة الأعراف: ٣.
(^٣) سورة الزمر: ٥٥.
(^٤) سورة الأعراف: ٢٠٣.

1 / 10

لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (^١). وقال تعالى: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (^٢). والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة، فالعمل بالوحي هو الاتباع كما دلت عليه الآيات. ا. هـ. منه بتصرف.
فإذا تقرر ذلك أشكلت نسبة جميع ما في المختصر من المسائل إلى مذهب الإِمام مالك؛ لأن مسائل الزكاة والطهارة والصلاة والصوم والحج إلى غير ذلك من العبادات ثابتة في جلها بالنص، وكذلك جل المعاملات. والعبرة في جميع ذلك بالاتباع فقط، ولا مذهب فيه لكائن من يكون، إذ لا مذهب إلا فيما فيه مجال للاجتهاد، ولا مجال للاجتهاد فيما فيه نص من كتاب أو سنة أو إجماع.
على أنه سوف تفوت مسائل كثيرة لا يستطاع التدليل عليها، لأن السبيل إليها محض الاجتهاد البحت، مع أني سوف أبذل قصارى جهدي في إجرائها على قواعد المذهب، خلافيات كانت تلك القواعد أو وفاقيات؛ نحو قولهم: هل الأمر يقتضي تكرارًا أو لا؟. وهل يجب الأخذ بأول الأمور أو أواخرها؟. وهل النكاح قوت أو تفكه؟. ونحو ذلك. ومن أمثلة القواعد الوفاقيات: المشقة تجلب التيسير، والضرر يزال، ومن استعجل شيئًا قبل أو انه عوقب بحرمانه. إلى غير ذلك. وقد جعلت ديدني أني إن وجدت للمدونة نصًا في الموضوع سقته، فإن كان مرفوعًا اكتفيت به، وإن كان مجرد فتوى من الإمام نظرت، فإن عارضها النص أتيت به رادًا لتلك الفتوى، عملًا بقول قدوتي مالك ﵀

(^١) سورة الأنعام: ١٥٥.
(^٢) سورة الأنعام: ١٠٦.

1 / 11