Mashaariq Al-Shumoos fi Sharh Al-Duroos

مشارق الشموس في شرح الدروس

Regiones
Irán
•
Imperios y Eras
Safávidas

الرحيم الحمد لله مفيض النعم الروايع وملهم الحكم والشرايع الواهب من أصول النعم وفروعها ما يعجز العقول عن نيل غايته ويقف حمل العقول دون إدراك نهايته من على عباده بالهداية إلى معالم الدين وأخرجهم من ظلمات الجهالة إلى نور اليقين أنعم عليهم بإرشاد أذهانهم إلى قواعد الأحكام وأضاء بلمعة من لطفه مسالك أفهامهم كي يهتدوا إلى شرايع الاسلام نور بمصابيح الدراية قلوبهم لينقذهم من حيرة الجهالة وشرح بأنوار الهداية صدورهم خلاصا لهم من حومة الضلالة أنزل الكتاب فيه تبيان كل شئ وتمييز الرشد من الغي تفضل بإرسال الرسل وإيضاح السبل كي لا يضل بهم الطرق عن مدارك معرفته وبين الآيات ونصب البينات حتى لا يعذر أحد في ترك طاعته لم يعتور أمره التباس ولم يغير حكمه قياس نحمده حمدا يليق بكبريائه ونشكره شكرا يستوجب المزيد بعد المزيد من آلائه ونقر بتوحيده إقرارا ينفعنا يوم لقائه ونشهد أن لا إله إلا الله ونشهد أن محمدا رسول الله الأمي الذي أتى بكتاب عجز عن نيل مبانيه مصاقع الفصحاء وحار دون إدراك معانيه أقلام العلماء التهامي الذي شرف كل غور ونجد المكي الذي منه فاض على الآفاق كل فضيل ومجد الاخر الذي مد الأولون عين الرجاء إلى شفاعته الخاتم الذي لم يخرج من حلقة الذل من لم يتحل بفص طاعته أرسله رحمة للعالمين وهداية للخلق أجمعين ومؤسسا للملة السمحاء ومورد إلى الشريعة البيضاء فقام بأعباء الرسالة حتى تجدد ذكر المعارف الوحيدية غب طموسها وانكشف بيان السرائر الإلهية بعد دروسها وكان إتمام الدين وإكمال النعمة أن نصب للخلق باب مدينة العلم هاديا إلى ثواب الأعمال وعقابها وكاشفا عن الأمة غياهب ارتيابها وألهم الهداة المرضيين أئمة للعباد وحفظة للأحكام إلى يوم التناد اللهم فصل عليه وآله البررة الأخيار الذين من أجمع على متابعتهم واستصحب هدى طريقتهم فاز بالبراءة من النار كما بلغوا جملة آياتك و حلوا عن سنن بيناتك صلاة باقية ما استخرج التفاصيل من الجمل واتضح بالمبين المجمل أما بعد فيقول الراجي إلى رحمة ربه الباري حسين بن جمال الدين محمد الخوانساري أوتيا كتابهما يمينا وحوسبا حسابا يسيرا إن العلوم على شرف جلتها ورفعة مكانها وحلتها متفاضلة في مدى الفخار متفاوتة في المزايا والآثار وأشرفها دراية ورواية وأفضلها معلولا وغاية وأسدها دليلا وحجة وأوضحها منارا ومحجة وأعظمها للراغب منفعة وأورثها للطالب رفعة بعد علم المعرفة علم الفقه الذي به يعرف ما كلف به العباد ويفرق بين الغي والرشاد ويميز بين ما ينجي ويوبق يوم التناد ومنه يشرح آيات كلام رب العالمين ويوضح سنن خير المرسلين وآثار عترته الطاهرين وبه تنال السعادة الأبدية ويدرك الفوز بالحياة السرمدية فمن تمسك بالفقه الأحمدي فله البشرى وهو الفاخر

Página 4

بنيل منتهى المطلب في الآخرة والأولى والفقيه الذي فاز باستبصار كاف في تهذيب عمله والمهذب الجامع لخصال أدرك بها غاية مراده وأمله ولما كان كتاب الدروس الشرعية في فقه الامامية من تصانيف شيخنا الاجل المحقق والحبر المسدد المدقق أفضل المتأخرين وأكمل المتبحرين عمدة علماء الفرقة الناجية بل الذي لم يظفر بمثله في القرون الماضية الحائز لمرتبة السعادة الفايز بمنقبة الشهادة محمد بن مكي أعلى الله تعالى درجته كما شرف خاتمته أحسن الكتب المصنفة تحقيقا وتهذيبا وأتقن الرسائل المؤلفة تدقيقا وتقريبا وأكثرها اشتمالا على الفروع التي تعم بها البلوى وأسدها تنقيحا للمسائل التي تشتد الحاجة إليها أجبنا أن نشرحه شرحا يوضح مقاصده الدقيقة ويجلي مطالبه الأنيقة ويبين حقايق أنظاره ويظهر دقايق أفكاره غير مقتصرين على حل الكتاب وبيان مبانيه ولا مكثفين بكشف الحجاب عن عرايس معانيه بل أوضحنا في كل مسألة مقاصد من تكلم فيها وأشبعنا القول فيما يصح أن يقال لها أو عليها وأوردنا من الأدلة ما أمكن بلوغ الفهم إليها وأطلقنا النظر في متن كل دليل وسنده وأجلنا الفكر في رد كل مذهب ونقده وأنعمنا سر الأقوال في الابرام والنقص وأمعنا الغور في ترجيح بعضها على بعض وسميناه مشارق الشموس في شرح الدروس وجعلناها تحفة للخزانة العامرة التي هي بذخائر العز غامرة أعني خزانة السلطان الأعظم والخاقان الأفخم مالك رقاب الأمم ناشر لواء المعدلة في البسيطة الغبراء رافع أعلام المجد إلى القبة الخضراء مالك ملاك السلطنة العظمى والدولة الكبرى دافع مهالك البغي والفساد عارف مسالك الهدي والرشاد أسنى الملوك نسبا وحسبا وأعلاهم موروثا ومكتسبا وأعظمهم شأنا وسلطانا وأشدهم إيمانا وإيقانا وأسدهم قولا وبيانا خضع للرب فتعاظم في الورى سلطانه واستخف ميزان الدينار كي يثقل في الحشر ميزانه النسر الطاير واقع دون قبته والسماك الرامح أعزل لدى شوكته عتبته العلية شماء بارع قدرها وحضرته السنية سماء بازغ بدرها من وضع جبهة العبودية على بابه لم يرض بالإكليل تاجا ومن استضاء بصبح عزته أنف من القمر سراجا قبة مجده بادية لكل حاضر وباد وعين عدله صافية يردها كل ري وصاد يطلع صبح العزة من غرته ويطلع على سر العظمة من أسرته جوده العميم دليل يدرك به أصناف الخلق مطلبهم وكفه الكريم بحر يغرف منه كل أناس مشربهم لو كان قيصر الروم يروم العز لم يقصر في متابعته ولو أن ملك الهند صاحب الرأي لرأى السعادة في إطاعته زهر الشجرة المصطفوية غصن الدوحة المرتضوية سراج الدولة الصفوية ماحي آثار الجور والعناد حامي أرجاء البلاد والعباد مروج أحكام الشريعة الحقة في الخافقين ناشر آثار الفرقة المحقة في المشرقين والمغربين مولى ملوك الورى من لا يقاس به عزا ومجدا وإحسانا وتمكينا ذو العرش أعطاه سلطانا ومكنه كي يظهر العدل في الآفاق والدينا * جنوده لا يهابون العدو وهل * يخاف حزب سليمان الشياطينا * أنى يؤثر جحد الناس قدركم * حاميم حام لكم يا آل ياسينا * دعوت يبقي بقاء الدهر دولته * وقول كل الورى قد كان آمينا * الداعي إلى طريقة الأئمة المعصومين ظل الله في الأرضين قهرمان الماء والطين السلطان بن السلطان بن السلطان الخاقان بن الخاقان بن الخاقان أبو المظفر السلطان شاه سليمان الصفوي الموسوي الحسيني بهادر خان لا زالت عقبان راياته المنصورة كاسرة لأجنحة جنود المخالفين صايرة للفتح والظفر في أرجاء الأرضين ولا برحت حومة مملكته المحروسة محمية الثغور والأطراف مخضرة؟؟ والأكناف ومن الله تعالى استمد المعونة في أن يفتح باب الهداية من كل باب ويملأ صحيفة الحسنات في شرح الكتاب وأن، يجعله خالصا لوجهه العلي وينفع به المبتدي والمتوسط والمنتهي وها نحن نشرح فنقول متضرعا إلى الله تعالى في إجابة المسؤول قال المصنف خلد إفادات درسه وروح زكي رمسه كتاب الطهارة خبر مبتدأ محذوف أي هذا كتاب الطهارة والكتاب فعال من الكتب بفتح الكاف لما يكتب به أو المكتوب والكتب بمعنى الجمع ومنه الكتيبة للجيش والكتاب في العرف كلام جامع لمسائل متحدة جنسا مختلفة نوعا كما قيل وهي أي الطهارة لغة النزاهة من الأدناس أي الأوساخ ومنه قوله تعالى يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك وقوله تعالى إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا وفي اصطلاح أهل الشرع يطلق على معنيين أحدهما إزالة الخبث وعليه يحمل قوله عز وجل وثيابك فطهر وثانيهما ما ذكره المصنف (ره) بقوله وشرعا استعمال الطهور مشروط بالنية لاستباحة الصلاة والأبحاث الموردة على تعاريف الطهارة وأجوبتها ووجوه التفصي عنها تارة بمنع كونها حقيقة بل لفظية لئلا يضرها عدم الجمع والمنع وتارة بتسليم صناعيتها وارتكاب تكلفات وتصنعات لتتميمها وترسيمها مشهورة في كتب القوم رضوان الله عليهم فلا حاجة إلى التعرض لها مع أنها لا فائدة مهمة تحتها وهي أي الطهارة (وضوء وغسل وتيمم) منقسمة إلى هذه الأقسام الثلاثة منحصرة فيها وماهية كل من هذه الأقسام ستعلم في طي المباحث الآتية مشروحة وكل منها واجب وندب والواجب ما يكون فعله مصلحة وتركه مفسدة والندب ما يكون فعله مصلحة ولم يكن تركه مفسدة وبعبارة أخرى الواجب ما يذم تاركه بوجه والندب ما يمدح فاعله ولم يذم تاركه فالواجب منها بحسب وجوب غايته التي هي الصلاة والطواف ومس خط المصحف قوله بحسب خبر لقوله فالواجب أي وجوب هذه الثلاثة إنما يتحقق بوجوب غاية من غاياتها الثلاثة التي هي الصلاة والطواف ومس خط المصحف وغاية الشئ

Página 5

العرض والمقصود منه فغاية الوضوء ما يكون الوضوء لأجله أما بأن يكون له مدخل في صحته أو جوازه أو كماله أو ارتفاع كراهته ونحو ذلك من الأمور التي تعلم في ضمن تفاصيل غاياته كما سيأتي والمفهوم من الكلام بمعونة اقتضاء المقام وكونه بصدد ضبط الأقسام إن وجوب الطهارة إنما يكون حال وجوب إحدى هذه الغايات المذكورة فقط دون غيره من الأحوال إلا ما ذكره لخصوص الغسل والتيمم وما استدركه آخرا لثلاثتها بقوله وتحت الثلاثة أيضا بالنذر وشبهه وحينئذ يرد عليه النقض بوجوب الطهارة لاجزاء الصلاة المنسية وسجدة السهو وسجدة التلاوة والجواب عن الأولين بأنهما داخلان تحت الصلاة لكونهما من أجزائها ومتعلقاتها وعن الأخير بأن المصنف (ره) لم يقل بوجوب الوضوء لسجدة التلاوة كما سيجئ وأما النقص بصلاة الجنازة من حيث إنها غاية واجبة من جملة الغايات الثلاث مع عدم وجوب الطهارات لها فمندفع أيضا من وجوه أحدها يمنع كونها صلاة حقيقة حتى يدخل تحت الغايات المذكورة لقوله (عليه السلام) تحريمها التكبير وتحليلها التسليم ولا صلاة إلا بفاتحة الكتاب بل إنما يعد من الصلاة ومجازا شرعيا وثانيها عدم تسليم كون المفهوم من العبارة تحقق وجوب الطهارات متى ما تحقق وجوب إحدى هذه الغايات بل القدر المسلم إنه يفهم منها عدة الوجوب في غير هذه الحال وثالثها تخصيص الغاية بما يكون للطهارة مدخل في صحته أو جوازه أو وجوده فقط لا يجعله أعم منه بحيث يشمل ما يكون لها مدخل في كماله ورفع كراهته وغير ذلك أيضا لان هذا المعنى أقرب من معناها للشهود أي ما يكون لوجوده وجود شئ آخر لان الصحة والجواز بمنزلة ذاتيات الشئ فإذا وجد بدونهما فكأنه لم يوجد بخلاف الكمال والفضيلة وغير ذلك فعلى هذا لا يكون صلاة الجنازة غاية الطهارة لصحتها وجوازها بدونها فإن قلت فعلى هذا يظهر الخلل في الكلام من وجه آخر لأنه إذا نذر أحد أن يصلي صلاة الجنازة كاملة بالكمال الذي يحصل لها من الطهارة فلا شك في صحة نذره ووجوب الوضوء حينئذ مع أنه ليس داخلا تحت الضابطة المذكورة لعدم كون تلك الصلاة غاية على ما قررت قلت لا نسلم عدم كونها غاية حينئذ إذ يصدق عليه التعريف المذكور لان للطهارة حينئذ مدخلا في وجودها إذ الصلاة الكاملة بالكمال الذي يستفاد من الطهارة لا يمكن أن يوجد بدونها نعم قبل النذر لم يكن غاية بهذا المعنى ولهذا الايراد جواب آخر يظهر مما سنذكره في جواب النقض الآتي وهو أن ما ذكره المصنف (ره) منقوض بوجوب الوضوء على من نذر أن يقرأ القرآن مثلا قراءة كاملة بالكمال المستفاد من الطهارة لأنه ليس داخلا فيما ذكره المصنف ولا ينفع الجواب المذكور آنفا إذ لا يكفي كونه غاية بل لابد أن يكون من الغايات الثلاث وأما منع فهم الحصر من عبارة المصنف فبعيد كما لا يخفى إلا أن يجاب بأنه داخل تحت قوله ويجب الثلاثة أيضا بالنذر وشبهه وسيجئ لهذا الكلام تتمة عند شرح هذا القول إن شاء الله تعالى ثم اعلم إن للواجب معنيين أحدهما ما مر وثانيهما ما يكون شرطا لصحة شئ كما يقولون إن الوضوء واجب للصلاة المندوبة أي شرط لها والمراد هاهنا هو الأول بقرينة جعله قسيما للندب الذي جعل من أقسامه ما يكون للصلاة المندوبة مع كونه شرطا لها وإن كان الوجوب بكلا معنييه حاصلا للطهارات بالنسبة إلى الأولين أي الصلاة والطواف وكذا بالنسبة إلى الثالث أيضا إن جعل الواجب بالمعنى الثاني أعم من أن يكون شرطا لصحة شئ أو جوازه أما إذا خصص بالصحة فلا إلا على رأى من يقول بأن النهي في العبادة مستلزم للفساد فتأمل ولما كان أحوال الطهارات الثلاث ووجوبها لتلك الغايات المذكورة ويتفاوت في بعض الأمور رأينا الأولى أن يفصل كلا منها عن الآخرين ونذكر ما يتعلق به على حدة فنبدء بما بدأ الله تعالى به أي الوضوء ونقول أما بوجوبه بالمعنى الأول للصلاة في الجملة فمما انعقد الاجماع عليه بل كاد أن يكون من ضروريات الدين ولا حاجة إلى الاستدلال عليه ولكن سنذكر كثيرا مما يرتبط به من الكتاب والسنة أيضا تبركا بهما وليكون الكلام في الابتداء جاريا على وتيرة ما بعده مناسبا له فيتخيل نوع براعة إذ نريد أن نورد إن شاء الله تعالى بحسن توفيقه وعظيم منه في أكثر مسايل الكتاب معظم ما يتعلق به من الآيات والاخبار بقدر جهدنا وطاقتنا مستعينين بلطفه وتوفيقه إنه خير موفق ومعين وحين كان غرضنا في هذا الباب هذا لا إثبات الدعوى وثبوت المدعى لم نزد على مجرد إيراد الآية والاخبار وبيان وجه الدلالة إن كان محتاجا إليه ولم نشتغل بذكر ما فيها من القيل والقال ولم نتعرض لأحوال الاسناد والرجال أما الكتاب فقوله تعالى في سورة المائدة يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم الآية صيغة الامر ظاهرها الوجوب وسياق الكلام دال على أنه للصلاة لأنه إذا قيل إذا لقيت العدو فخذ سلاحك وإذا أردت الأمير فالبس ثيابك يفهم منه عرفا إن أخذ السلاح ولبس الثياب لأجل لقاء العدو والأمير فقد دل على المدعى بتمامه وأما الاخبار فمنها ما رواه الشيخ في التهذيب في أواخر باب آداب الاحداث الموجبة للطهارات عن عمار بن موسى عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل ينسى أن يغسل دبره بالماء حتى صلى إلا إنه قد يمسح بثلاثة أحجار قال إن كان في وقت تلك الصلاة فليعد الوضوء وليعد الصلاة وإن كان قد مضى وقت تلك الصلاة التي قد صلى فقد جازت صلاته وليتوضأ لما يستقبل من الصلاة ووجه الدلالة ظاهرا ومنها ما رواه الشيخ (ره) أيضا في باب الأغسال المفروضات والمسنونات عن سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) في أثناء حديث وغسل الاستحاضة واجب إذا احتشت بالكرسف فجاز

Página 6

الدم الكرسف فعليها الغسل لكل صلاتين وللفجر فإن لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل لكل يوم مرة والوضوء لكل صلاة وروى في الكافي أيضا في باب أنواع الغسل وفي الفقيه أيضا في باب علة الأغسال ومنها ما رواه الشيخ (ره) أيضا في التهذيب في أواسط باب حكم الحيض والاستحاضة عن سماعة قال المستحاضة إذا ثقب الدم الكرسف اغتسلت لكل صلاتين وللفجر غسلا فإن لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل كل يوم مرة والوضوء لكل صلاة ومنها ما رواه الشيخ (ره) أيضا في التهذيب في أواسط باب التيمم وأحكامه عن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) قال إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب ما دام في الوقت فإذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمم وليصل في آخر الوقت فإذا وجد الماء فلا قضاء عليه وليتوضأ لما يستقبل وقد أورد الشيخ (ره) مكررا هذه الرواية في أواخر الباب المذكورة وذكر هذه الرواية بعينها في الكافي أيضا في باب الوقت الذي يوجب التيمم بلا تفاوت في السند والمتن إلا إنه بدل فليتوضأ فليتوض ومنها ما رواه الشيخ (ره) أيضا بعد الرواية السابقة بأسطر عن زرارة عن أحدهما (عليه السلام) قال إذا لم يجد المسافر الماء فليمسك ما دام في الوقت فإذا تخوف أن يفوته فليتيمم وليصل في آخر الوقت فإذا وجد الماء فلا قضاء عليه وليتوضأ لما يستقبل ومنها ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب أيضا في زيادات كتاب الطهارة في باب الحيض والاستحاضة عن يونس عن غير واحد عن أبي عبد الله (عليه السلام) في أثناء حديث طويل قال وسئل عن المستحاضة فقال إنما ذلك غرف أو ركضة من الشيطان فلتدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة وهذه الرواية في الكافي أيضا في باب جامع في الحايض والمستحاضة إلا إنه فيه غرف عابر والمسؤول عنه في قوله (عليه السلام) وسئل رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهذا ما قصدنا إيراده من جملة الروايات الدالة على وجوب الوضوء للصلاة في الجملة والروايات الدالة على وجوبه بدون دلالتها على أنه للصلاة فهي أكثر من أن تحصر ولم نوردها هاهنا لان الغرض هاهنا ليس متعلقا بوجوب الوضوء فقط بل وجوبه للصلاة لكن سنوردها إن شاء الله تعالى في تضاعيف الأبواب الآتية وأما وجوب الوضوء للصلاة بالمعنى الثاني أي شرطية لها في الجملة وعدم صحتها بدونه فهو أيضا مما انعقد عليه الاجماع ولا خلاف فيه بل يمكن أن يكون أيضا من ضروريات الدين وسنذكر طرفا من الأخبار الدالة عليه أيضا لما ذكرنا سابقا فمنها ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب في أواخر باب آداب الاحداث الموجبة للطهارة عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال لا صلاة إلا بطهور وكررها في أوايل باب صفة التيمم وفي كتاب الصلاة في باب تفصيل ما تقدم ذكره وروى الصدوق (ره) في الفقيه في باب من ترك الوضوء أو بعضه مرسلا عن أبي جعفر (عليه السلام) هذه الرواية بعينها ورواها أيضا في باب وقت وجوب الطهور عنه (عليه السلام) أيضا مرسلا مع زيادة في أولها قال قال أبو جعفر الباقر (عليه السلام) إذا دخل الوقت وجب الطهور والصلاة ولا صلاة إلا بطهور ومنها ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب في أوايل باب صفة الوضوء والغرض منه عن محمد بن مروان قال قال أبو عبد الله (عليه السلام) إنه يأتي على الرجل ستون وسبعون سنة ما قبل الله منه صلاة قلت وكيف ذلك قال لأنه يغسل ما أمر الله بمسحه وقد أوردها الشيخ (ره) مكررا في أواخر هذا الباب ووجه الدلالة ظاهر وهذه الرواية في الكافي أيضا بعينها في باب مسح الرأس والقدمين ومنها ما رواه الشيخ في أواخر هذا الباب عن منصور قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عمن نسي أن يمسح رأسه حتى قام في الصلاة قال ينصرف ويمسح رأسه ورجليه وقد كرر هذه الرواية في هذا الباب بأدنى تغيير في السند وما روى أيضا بعد هذا بأسطر عن أحمد بن عمر قال سئلت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل توضأ ونسي أن يمسح رأسه حتى قام في الصلاة قال من نسي مسح رأسه أو شيئا من الوضوء الذي ذكره الله تعالى في القرآن أعاد الصلاة ومنها ما رواه الشيخ (ره) في أواخر هذا الباب أيضا عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إن ذكرت وأنت في صلاتك إنك قد تركت شيئا من وضوءك المفروض عليك فانصرف وأتم الذي نسيته من وضوئك وأعد صلواتك وهذه الرواية بعينها في الكافي أيضا في باب الشك في الوضوء ومنها ما رواه الشيخ (ره) بعيد هذه الرواية عن سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال من نسي مسح رأسه وقدميه أو شيئا من الوضوء الذي ذكره الله تعالى في القرآن كان عليه إعادة الوضوء والصلاة ومنها ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب في أواسط باب التيمم عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل تيمم فصلى ثم أصاب الماء قال أما أنا فكنت فاعلا إني أتوضأ وأعيد وما روي أيضا متصلا بهذه الرواية عن يعقوب بن يقطين قال سئلت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل تيمم فصلى فأصاب بعد صلاته ماء يتوضأ ويعيد الصلاة أو يجوز الصلاة قال إذا وجد الماء قبل أن يمضي الوقت توضأ وأعاد فإن مضى الوقت فلا إعادة عليه ومنها ما رواه أيضا في أواخر هذا الباب عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في أثناء حديث قال قلت فإن أصاب الماء وقد دخل في الصلاة قال فلينصرف وليتوضأ ما لم يركع فإن كان قد ركع فليمض في صلاته فإن التيمم أحد الطهورين والمراد من المصيب في الرواية المتيمم ورواه أيضا ثقة الاسلام (ره) في الكافي في باب الوقت الذي يوجب التيمم ومنها ما رواه الشيخ (ره) في أواخر هذا الباب أيضا عن عبد الله بن عاصم قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل لا يجد الماء فيتمم ويقيم في الصلاة فجاء الغلام فقال هو ذا الماء فقال إن كان لم يركع فلينصرف وليتوضأ وهذه الرواية بعينها في الكافي أيضا في الباب المذكور آنفا ومنها ما رواه الشيخ (ره) بعد هذه الرواية في آخر الباب المذكور عن الحسن بن جهم قال سئلته يعني أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل صلى الظهر والعصر وأحدث حين جلس في الرابعة فقال إن كان قال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله فلا يعيد

Página 7

وإن كان لم يشهد قبل أن يحدث فليعد ومنها ما رواه أيضا في باب صفة التيمم عن أبي بصير قال سئلته عن رجل كان في سفر وكان معه ماء فنسيه فتيمم وصلى ثم ذكر إن معه ماء قبل أن يخرج الوقت قال عليه أن يتوضأ ويعيد الصلاة وفي الكافي أيضا بعينها في الباب المذكور ومنها ما رواه الشيخ في الزيادات في أول باب التيمم عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال سألته عن رجل صلى ركعة على تيمم ثم جاء رجل ومعه قربتان من ماء قال يقطع الصلاة ويتوضأ ومنها ما رواه أيضا في الزيادات في باب آخر تطهير الثياب والبدن من النجاسات عن علي بن مهزيار وهو كتاب ورد جوابا عن سؤال في أثنائه هذه العبارة وإذا كان جنبا أو صلى على غير وضوء فعليه إعادة الصلاة المكتوبات اللواتي فاتته ومنها ما رواه الشيخ (ره) في كتاب الصلاة في باب تفصيل ما تقدم ذكره في الصلاة عن عبد الله بن زرارة قال قلت لأبي جعفر (عليه السلام) ما فرض الله من الصلوات فقال الوقت والطهور والركوع والسجود والقبلة والدعاء والتوجه وهذه الرواية في الكافي بأدنى تغيير في المتن والسند في باب فرض الصلاة ومنها ما رواه الشيخ (ره) متصلا بهذه الرواية عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال الصلاة ثلاثة أثلاث ثلث طهور وثلث ركوع وثلث سجود وهذه الرواية في الكافي بعينها بلا تفاوت في المتن والسند في باب المذكور وفي الفقيه رواه مرسلا قال قال الصادق (عليه السلام) الصلاة ثلاثة أثلاث ثلث طهور وثلث ركوع وثلث سجود ومنها ما رواه ثقة الاسلام (ره) في الكافي في باب النوادر وقبل أبواب الحيض عن القداح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) افتتاح الصلاة الوضوء وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم ورواه الصدوق (ره) أيضا في الفقيه في باب افتتاح الصلاة وتحريمها قال قال أمير المؤمنين (عليه السلام) افتتاح الصلاة الوضوء وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم ومنها ما رواه الصدوق (ره) في الفقيه في باب فيمن ترك الوضوء أو بعضه قال قال النبي (صلى الله عليه وآله) ثمانية لا يقبل لهم صلاة الآبق حتى يرجع إلى مولاه والناشز عن زوجها وهو عليها ساخط ومانع الزكاة وإمام قوم يصلي بهم وهم له كارهون وتارك الوضوء والمرأة المدركة تصلي بغير خمار والزبين وهو الذي يدافع البول والغايط والسكران ومنها ما رواه أيضا في هذا الباب عن زيد الشحام والمفضل بن صالح عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل توضأ فنسي أن يمسح على رأسه حتى قام في الصلاة قال فلينصرف فليمسح برأسه وليعد الصلاة هذا ما قصدنا إيراده في هذا المقام فإن قلت هلا استدللت على شرطية الوضوء للصلاة بالآية الكريمة المتقدمة والاخبار المذكورة في المسألة السابقة على هذا المطلب لا يخلو عن إشكال إذ غاية ما يفهم منها عرفا كما ذكرنا سابقا إن الوضوء لأجل الصلاة والصلاة غاية له وقد عرفت فيما تقدم إن كون الوضوء مغيا بشئ لا يستلزم أن يكون له مدخل في صحته بل يجوز أن يكون لأجل كماله وفضيلته أو غير ذلك فإن قلت هذا أيضا يكفينا لأنه إذا كان الوضوء واجبا وكان الغرض من وجوبه كمال الصلاة وفضيلتها فلا بد أن يكون الصلاة الكاملة أيضا مطلوبة حتمية وإلا لم يكن الوضوء الذي لأجلها وهي الغرض من وجوبه مطلوبا حتميا ضرورة فإذا كان المكلف به الصلاة الكاملة بالكمال المستفاد من الوضوء ولا شك إنها موقوفة على الوضوء لا يحصل بدونه فإذا أتى بالمكلف بالصلاة بدون الوضوء فلم يأت بالمأمور به فيبقى في عهدة التكليف ولم نعن بالشرط سوى هذا وإن لم يكن شرطا شرعيا بالمعنى المشهور أي الذي يمكن أن يوجد المأمور به بدونه لكن جعله الشارع شرطا بل نقول إن جميع الشروط الشرعية عند التحقيق كذلك أي مما لا يمكن أن يتحقق المأمور به بدونه على ما هو معنى الشرط العقلي في الاصطلاح وإن الفرق الذي ذكره القوم بينهما بناء على عدم التدبر وغفلة عما هو الحق لكن ليس هاهنا موضع تحقيقه وتنقيحه قلت أما أولا فلا نفهم إن المفهوم من الآية عرفا أن الغرض من الوضوء وإيجابه هو الصلاة فقط حتى يكون مطلوبيته حتما مستلزمة لمطلوبيتها أيضا كما ذكرت بل المفهوم منها إن لها غرضية في الجملة لايق إنها أما تمام الغرض أو جزئه ولا معنى لوجوب شئ بدون وجوب تمام غرض إيجابه أو جزئه بالضرورة لأنه لا يلزم أن يكون الصلاة تمام الغرض أو جزئه بل يجوز أن يكون إيجاب الوضوء لأجل نفسه أو لغرض آخر تام في الاقتضاء ويكون الصلاة أيضا غرضا ومقتضيه ناقصة ولا استحالة في ذلك لان علل الشرع معرفات ويجوز اجتماع غرضين تامين من الاغراض الشرعية فكيف بالتام والناقص والآية الكريمة لا تدل على أزيد من ذلك وفيه بعد ولا يذهب عليك إنه على هذا لو كان المراد في المدعى الأول أيضا أي وجوب الوضوء للصلاة بالمعنى الأول هذا المعنى لكانت الاستدلالات السابقة متجهة وأما إذا كان المراد إن الصلاة غرض تام للوضوء فلا فتأمل وأما ثانيا فلان بعد تسليم انفهام حصر الغرض في الصلاة من الآية وكون فضيلة الصلاة وكمالها مطلوبا حتميا لا ثم إنه يلزم أن يكون المطلق في الأوامر الواردة بالصلاة الصلاة الكاملة حتى لا يكون المكلف الآتي بها بدون الوضوء آتيا بالمأمور به بل يجوز أن يكون المطلوب طبيعة الصلاة مطلقة كما هو مقتضى الصيغة ويكون تحصيل كمالها وفضيلتها مطلوبا حتما آخر يستفاد مطلوبيته من إيجاب الوضوء له ولا يكون شرطا لامتثال التكليف الأول ولا جزءا منه في ما إذا

Página 8

أتى المكلف بالصلاة بدون الوضوء فقد خرج عن عهدة الامر بالصلاة المطلقة لكن يبقى في عهدة التكليف بالوضوء وتحصيل كمال الصلاة فتدبر وقس عليه الكلام في الأخبار المتقدمة سؤالا وجوابا وقد يستدل بالآية على هذا المطلب بوجه آخر وهو أن يقال إنه قد استفيد منها وجوب الوضوء قبل الصلاة والامر بالشئ مستلزم للنهي عن ضده فتكون الصلاة التي هي ضد الوضوء منهيا عنها فتكون فاسدة فثبت الاشتراط وفيه إنه موقوف على ثبوت إن الامر بالشئ مستلزم للنهي عن ضده والنهي مستلزم للفساد وكلاهما ممنوعان وهاهنا شك آخر وهو إن معنى كون الامر بالشئ مستلزما للنهي عن ضده إنه إذا كان شئ مأمور به في وقت ولم يأت المكلف في ذلك الوقت بذلك الشئ بل أتى بضده يكون ذلك الضد حراما منهيا عنه وحينئذ نقول تحقق هذا المعنى مما لا يمكن فيما نحن فيه لأنه إذا كان الوضوء واجبا قبل الصلاة فالاتيان بالصلاة في وقته إنما يتحقق بإتيان الصلاة قبل الصلاة هف والجواب أن المراد أن وقت الوضوء إنما هو بعد إرادة الصلاة كما هو مدلول الآية الكريمة ولا شك في إمكان الاتيان بالصلاة في ذلك الوقت فارتفع الخلف فإن قلت المأمور به في الآية أما الوضوء بعد الإرادة المتصلة بالصلاة وبعد الإرادة المنفصلة عنها بقدر الوضوء والأول باطل لأنه تكليف بما لا يطاق وعلى الثاني يلزم ما ذكرنا أولا من عدم إمكان الاتيان بالصلاة في وقت الوضوء لأن المفروض وقته وقت انفصال الصلاة عن الإرادة فكيف يمكن أن يصير وقتا للصلاة إذ يلزم حينئذ أن يكون الصلاة متصلة بالإرادة منفصلة عنها هف قلت وقت الوضوء بعد الإرادة التي يمكن انفصالها عن الصلاة واتصالها بها باختيار المكلف وحينئذ نقول إن كل جزء من أجزاء أوقات ما بعد تحقق الإرادة وقت الوضوء ويمكن الاتيان بالصلاة فيه أيضا لما ذكرنا من أن الاتصال والانفصال باختيار المكلف فلو لم يأت المكلف بالوضوء وأتى بالصلاة فقد أتى بضد المأمور به فيكون منهيا عنه فاندفع المحذوران فإن قلت إن تلك الإرادة إن كانت تامة يجب الاتصال وإن كانت ناقصة يجب الانفصال قلت إنها ناقصة وإنما يجب الانفصال لو لم تصر تامة هذا ثم إن في المقام كلاما آخر وهو إنه قد ثبت بما ذكر إمكان الاتيان بالصلاة في وقت الوضوء لكن هذا مما لا يكفي في إثبات المرام لان الاتيان بضد المأمور به في وقته إنما يكون منهيا عنه إذا كان وجوب المأمور به مضيقا وأما إذا كان موسعا فلا كما تقرر في الأصول وعلى هذا نقول لا شك إن وقت الوضوء الذي هو أوقات حصول الإرادة متسع فلو أتى المكلف بالصلاة في جزء منها لم يأت بضد المأمور به في وقته المضيق نعم إذا بقي من الوقت مقدار الوضوء والصلاة فعسى أن يكون جريان الدليل فيه ممكنا أما قبله فلا فتأمل فالأولى أن يستدل بالآية على المرام بطريق آخر بأن يقال يستفاد من الآية عرفا إن الوضوء قبل الصلاة واجب وإذا أتى المكلف بالصلاة بدون الوضوء فيلزم حينئذ أن لا يمكن الاتيان بالوضوء المأمور به إذ لا شك إن بعد الاتيان بالصلاة لا يمكن الوضوء الكائن قبل الصلاة فيلزم ترك الواجب وترك الواجب حرام وملزوم الحرام حرام فيكون الاتيان بالصلاة الملزوم لترك الوضوء حراما وهذا مثل ما إذا كان أحد مأمورا بالصعود على السطح المتوقف على السلم فكسره باختياره أو كان مكلفا بالوضوء فأراق الماء ونحو ذلك لا يقال إنا لا نسلم عدم الامكان الاتيان بالوضوء المتقدم على الصلاة بعد الصلاة إذ يمكن أن يتوضأ ويصلي صلاة أخرى لان المأمور به الوضوء المتقدم على الصلاة التي يتحقق بها امتثال الامر ولا شك أن بالصلاة السابقة على تقدير صحتها يتحقق الامتثال والخروج عن العهدة ولا يمكن تحقق هذا الوصف في الصلاة اللاحقة فلا يكون الاتيان بالوضوء المذكور إتيانا بالمأمور به كما لا يخفى واعلم إن إتمام هذا الوجه أيضا موقوف على ثبوت أن ملزوم الحرام حرام وهو أيضا مما يقبل المنع كالمقدمتين السابقتين فتدبر بقي في المقام شئ وهو أنه قد ظهر بما ذكرنا وتلونا عليك وجوب الوضوء بالمعنيين للصلاة في الجملة كما ذكرنا في صدر المقامين وأما وجوبه لجميع الصلاة الواجبة سوى صلاة الجنازة بكل من المعنيين كما هو مدعى القوم ففيه خفاء وتفصيل المقام إن وجوب الوضوء بمعنى الشرطية وتوقف الصحة عليه لجميع الصلاة الواجبة بل المندوبة أيضا سوى صلاة الجنازة مما لا ينبغي أن يشك فيه للاجماع الصريح ودلالة بعض الأخبار المتقدمة عليه أيضا مثل لا صلاة إلا بطهور إذ نفى الصحة أقرب المجازات إلى الحقيقة التي هي نفي الوجود كما لا يخفى والصلاة ثلاثة أثلاث ونحو ذلك وأما وجوبه بالمعنى الأول لجميع الصلوات الواجبة ففيه نوع خفاء إذ لا يمكن أن يستدل عليه بالآية لأنه لو حمل الآية على العموم بالنسبة إلى الواجب والمندوب فيلزم أن لا يمكن حمل الامر في فاغسلوا على الوجوب بل الرجحان المطلق وحينئذ لا يثبت المدعى مع أنه لو حمل على العموم لكان قابلا للمنع إذ احتمال العهدية وكون المراد الفرد المتعارف أعني الصلاة اليومية احتمال ظاهر بل هو أولى من العموم على ما قيل أن اللام حقيقية في العهد ولو خصص بالصلاة الواجبة وعمم بالنسبة إلى أفرادها ففيه أنه لا دليل على التخصص ولو جعل دليل التخصيص إبقاء الامر على ظاهره من الوجوب فيرد عليه أن إبقاء الامر على ظاهره ليس أولى من إبقاء العام على ظاهره فهلا أبقيته على العموم وأخرجت الامر عن ظاهره مع ما فيه من ظهور احتمال العهدية كما عرفت وكذا لا يتم الاستدلال بالاخبار المتقدمة إذ ليس فيها ما يدل على عموم الوجوب كما لا يخفى وكذا الاستدلال عليه بشرطيته للصلاة بأن يقال قد ثبت بالاجماع والاخبار شرطية لجميع الصلاة الواجبة وشرط الواجب واجب فيكون واجبا لجميع الصلاة لان الكبرى ممنوعة وموضعه في الأصول

Página 9

وبهذا ظهر الجواب عن الاستدلال بالخبر المتقدم من قوله (عليه السلام) الصلاة ثلاثة أثلاث لأنه يمكن أن يكون حكمه (عليه السلام) بأن الطهور ثلث الصلاة من باب المبالغة المتعارفة وتنزيل كونه شرطا ضروريا ثابتا شرطيته في جميع الأحوال بخلاف ساير الشروط الأخر مثل طهارة الثوب وغير ذلك بمنزلة الجزئية وليس هذا حملا على خلاف الظاهر خصوصا مع وجود الأدلة الدالة ظاهرا على خروجه من الصلاة مثل الآية الكريمة ونحوها وحينئذ نقول أنه بمحض الشرطية للواجب لا يلزم الوجوب كما عرفت على إنا لو سلمنا جزئيته للصلاة ودلالة الخبر عليها لكان الاستدلال أيضا غير تام إذ وجوب جزء الواجب أيضا غير ثابت بل التحقيق أنه بمنزلة الشرط فمن لم يسلم وجوب الشرط فله أن لا يسلم وجوبه أيضا وتحقيقه في الأصول والاستدلال بالخبر الاخر من قوله (عليه السلام) افتتاح الصلاة الوضوء فهو أضعف من سابقه إذ ليس فيه دلالة على الجزئي أصلا كما لا يخفى بل على الشرطية أيضا وإيرادنا له في طي أدلة الاشتراط بناء على التسامح وكذا في بعض آخر كما أشرنا إليه في صدر الباب أيضا وقس عليهما حالا الاستدلال برواية عبد الله بن زرارة المتقدمة من قوله (عليه السلام) الوقت والطهور آه وأما الاستدلال عليه بالاجماع ففيه أيضا شك لان الوجوب بمعنى اللابدية والوجوب بمعنى استحقاق الذم على الترك كثيرا ما يشتبه أحدهم بالآخر فيمكن أن يكون إطلاق بعض القوم لفظ الوجوب على الوضوء بالنسبة إلى جميع الصلوات الواجبة بمعنى الشرطية فاشتبه بالمعنى الاخر وظن الاجماع عليه ونقل وهذا مم لا يبعد جدا كما لا يخفى على من تتبع كلمات القوم صلوات الله عليهم وأقاويلهم المتشابهة مع أن ها هنا شيئا آخر وهو أن كثيرا من الأصحاب قابلون بوجوب مقدمة الواجب شرطا كان أو غيره فلما رأوا إطلاق الوجوب بمعنى الشرطية لجميع الصلوات على الوضوء إجماعا حكموا بناء على اعتقادهم بأن الوجوب بالمعنى الاخر أيضا إجماعي وبالجملة الحكم بالوجوب بمعنى استحقاق الذم على الترك لأجل جميع الصلوات الواجبة بأصل الشرع وغيره لا يخلو من خدشة والله تعالى ورسوله وأهل الذكر (عليه السلام) اعلم تذنيب إعلم أن الظاهر من الآية الكريمة المتقدمة وجوب الوضوء على كل مقيم إلى الصلاة حتى المتطهرين أيضا لدلالة كلمة إذا على العموم عرفا مع أن حمله ها هنا على الاهمال يجعل الكلام خاليا عن الفائدة المعتد بها وهو لا يناسب بكلام الحكيم كما قيل لكن الاجماع واقع على وجوب الوضوء على المحدثين فقط؟ قال الشيخ (ره) في التهذيب في بحث التيمم في أثناء كلام ثم لو صح الخبر لكان محمولا على الاستحباب كما يحمل تجديد الوضوء على الاستحباب وإن كان لا خلاف في استباحة صلوات كثيرة به وقال العلامة (ره) في المنتهى مسألة إذا توضأ لنافلة جاز أن يصلي بها فريضة وكذا يصلي بوضوء واحد ما شاء من الصلاة وهو مذهب أهل العلم خلافا لظاهر النهاية انتهى فقال بعضهم أن الحكم كان في الابتداء كذلك وكان الوضوء واجبا عند كل صلاة عل المتطهر والمحدث لكنه قد نسخ وهذا الوجه ضعيف من وجوه اتفاق الجمهور على أن المائدة ثابتة لا نسخ فيها وما روي عنه (صلى الله عليه وآله) المائدة من آخر القرآن نزولا فأحلوا حلالها وحرموا حرامها وعدم ظهور ناسخ واعتبار الحديث في التيمم الذي هو بدل منه في الآية واعترض على القول بالنسخ بوجه آخر هو أنه إذا كان الحكم العام بوجوب الوضوء باقيا في المحدثين مرتفعا عن المتطهرين فكيف يكون نسخا بل يكون تخصيصا إذ لا معنى للتخصيص سوى ذلك وأجيب بأن التخصيص هو أن يورد لفظ عام ويراد منه ابتداء بعض أفراده لا جميعها وأما إذا أريد منه في الابتداء جميع أفراده ثم خصص ببعض فيكون نسخا البتة والامر ها هنا كذلك وقال بعض أن الامر للندب لان تجديد الوضوء عند كل صلاة مستحب كما يشهد به الاخبار وهذا أيضا ضعيف من حيث أنه يلزم حينئذ عدم موافقة القرينة الذي هو فاطهروا لأنه للوجوب قطعا ومن أن الندب بالنسبة إلى الجميع غير معقول لثبوت الوجوب على بعض البتة إلا أن يقال الاستحباب ينسحب إلى الشمول والعموم وفيه بعد وقد ضعف هذا الوجه أيضا بما ضعف الوجه الأول به من حديث اعتبار الحدث وفيه تأمل لان الامر في فتيمموا محمول على الوجوب فلا مفسدة في اعتبار الحديث فيه بدون اعتباره في المبدل منه لندبية الامر به نعم يلزم حينئذ عدم موافقة آخر بين القرينتين وقيل يحمله على الرجحان المطلق ويكون الندب بالنسبة إلى المتوضيين والوجوب بالنسبة إلى المحدثين وفيه أيضا لزوم عدم الموافقة ولزوم عموم المجاز والاشتراك الذي هو أما غير جايز أو بعيد جدا أيضا لو كان مراد القايل أن الندب بالنسبة إلى البعض والوجوب بالنسبة إلى آخر مدلول الصيغة وأما إذا كان مراده أنه مفهوم من الخارج وإن مدلول الصيغة هو الرجحان مطلقا فلا والأولى أن يقال أن الآية مخصصة بالمحدثين لا بأن يكون المراد من الذين آمنوا المحدثين بل بإبقائه على العموم؟

إن كنتم محدثين في نظم الكلام فيصير المعنى حينئذ يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فإن كنتم محدثين بالحدث الأصغر فتوضؤوا وإن كنتم جنبا فاغتسلوا وإن لم تقدروا على الماء وكنتم محدثين أما بالحدث الأصغر أو الأكبر فتيمموا فيوافق القرائن ويطابق النظائر ثم أن الشيخ (ره) روى في التهذيب في أوائل باب الاحداث الموجبة للطهارة؟ رواية موثقة عن ابن بكير قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) قوله إذا قمتم إلى الصلاة ما يعني بذلك إذا قمتم إلى الصلاة قال إذا قمتم من النوم وعلى هذا فلا إشكال هذا واعلم إن الحكم المذكور أي عدم وجوب الوضوء عند كل صلاة بل وجوبه على المحدثين فقط مع كونه إجماعيا كما نقل يدل عليه أيضا روايات منها الروايات الكثيرة المتظافرة التي كادت أن تبلغ حد التواتر بالمعنى الدالة جميعا على حصر ناقض الوضوء في الاحداث من جملتها ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب في أوائل باب الاحداث بطريق صحيح على الظاهر عن زرارة عن أحدهما (عليه السلام) قال لا ينقض الوضوء إلا ما خرج من طرفيك أو النوم

Página 10

وما رواه أيضا في هذا الباب بطريق صحيح على الظاهر عن إسحاق بن عبد الله الأشعري عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال لا ينقض الوضوء إلا حدث والنوم حدث وما رواه أيضا في هذا الباب غير سالم أبي الفضل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال لا ينقض الوضوء إلا ما خرج من طرفيك الأسفلين اللذين أنعم الله بهما عليك إلى غير ذلك ومنها ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب في أواسط باب التيمم وأحكامه بطريق صحيح عن حماد بن عثمان قال سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل لا يجد الماء أيتيمم لكل صلاة قال لا هو بمنزلة الماء ومنها ما رواه ثقة الاسلام (ره) في الكافي في باب صفة التيمم بطريق صحيح أو حسن عن زرارة قال قلت لأبي جعفر (عليه السلام) يصلى الرجل بوضوء واحد صلاة الليل والنهار كلها قال نعم ما لم يحدث ومنها ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب قبيل باب الأغسال المفترضات والمسنونات في الموثق عن عبد الله بن بكير عن أبيه قال قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) إذا استيقنت أنك قد توضأت فإياك أن تحدث وضوء أبدا حتى تستيقن إنك قد أحدثت وهذه الرواية في الكافي أيضا بإشراك الطريق في باب الشك في الوضوء وهذا الخبر الأخير من جملة ما استدل به العلامة في المنتهى على هذا المطلب وقد يناقش فيه بأنه يجوز أن يكون مراده (عليه السلام) التحذير عن إحداث الوضوء بالشك في الحديث وحسبان أن الحدث المشكوك أيضا ناقض لئلا ينجر إلى الوسواس وتطرق الشيطان والحرج المنفي في الدين وعلى هذا لا دلالة له على المدعى كما لا يخفى ومما يؤيد هذا الاحتمال أن الرواية في بعض نسخ الكافي بهذه العبارة إذا استيقنت إنك أحدثت فتوض وإياك أن تحدث وضوء أبدا حتى يستيقن إنك أحدثت وتأييده لما ذكرنا مما يشهد به الوجدان السليم ويؤيده أيضا استحباب التجديد هذا ثم أن العلامة (ره) استدل في المنتهى بروايتين أخريين أحديهما ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب قبيل الباب المذكور في الصحيح عن محمد بن مسلم قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) رجل شك في الوضوء بعد ما فرغ من الصلاة قال يمضي على صلاته ولا يعيد وقال العلامة بعد نقل الحديث والنهي عن الإعادة عام في الصلاة والوضوء انتهى ولا يخفى ما في هذا الاستدلال لان قصارى ما يدل عليه الخبر أن الشك بعد الفراغ لا حكم له وإن الوضوء والصلاة السابقين عليه صحيحان لا حاجة إلى إعادتهما وأما أنه لا يلزم وضوء آخر عند حضور وقت صلاة أخرى فهو عنه بمراحل كما يشهد به الفطرة السليمة والعجب أن العلامة (ره) أورد ها هنا على نفسه أن حمل الإعادة على العموم يستلزم التخصيص لان من تجدد حدثه يعيد وضوئه بخلاف تخصيصه بالصلاة إذا الصلاة السابقة لا تعاد بوجه وأجاب عنه بوجهين ثم قال على إنا نمنع أن يكون ذلك إعادة بل هو تجديد واجب آخر ولم يتنبه أنه بهذا يبطل استدلاله أيضا لان الوضوء الواجب للصلاة الأخرى ليس إعادة للوضوء الأول كما لا يخفى وثانيهما ما رواه الشيخ قبل هذا الخبر بأسطر في الصحيح ورواه الكافي أيضا في باب الشك في الوضوء في الصحيح أو الحسن عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال في أثناء حديث فإذا قمت من الوضوء وفرغت منه وقد صرت في حال أخرى في الصلاة أو في غيرها فشككت في بعض ما سمي الله مما أو جب الله عليك فيه وضوءه لا شئ عليك فيه وحال هذا الاستدلال أيضا كحال سابقه في الضعف وعدم الاستقامة ووجههما ثم أنه (ره) قال بعد ذكر هذه الرواية وذلك يدل على جواز استعمال الوضوء في الصلاة المتعددة فإن قوله (عليه السلام) وقد صرت في حال أخرى في الصلاة أو غيرها أي في غير الصلاة التي وقع فيها الشك علم في كل ما غاير تلك الصلاة لا يقال يحتمل أن يعود الضمير إلى الحال وهي تؤنث تارة وتذكر أخرى وحينئذ يدل على الاجتزاء بذلك الوضوء إلا في تلك الصلاة ولأن الحكم معلق على الشك وهو خلاف قولكم لأنا نجيب عن الأول بأن الصلاة أقرب فالعود إليه أولى فإن النحويين اتفقوا على أن قولنا ضرب زيد عمروا وأكرمته يعود الضمير فيه إلى عمرو لقربه وبأن غير تلك الحال أيضا أعم من كونها في تلك الصلاة أو غيرها لا يقال تقييد المعطوف عليه يستلزم تقييد العطف لوجوب الاشتراك لأنا نقول نمنع ذلك والاشتراك إنما يجب في الحكم الثابت لهما وهو الاجتزاء بذلك الوضوء أما في التقييد فلا وعن الثاني إن الاجتزاء إذا وجد مع الشك فمع اليقين أولى انتهى كلامه رفع الله مقامه وهو كما ترى وليت شعري لم لم يستدل بالروايتين اللتين استدللنا بهما مع صراحة دلالتهما وتمسك بهاتين الروايتين غير ظاهرتي الدلالة وكأنه غفل عنهما لورودهما في غير باب الوضوء أو لأنه لما ضم إلى هذا المطلب في صدد المسألة مطلبا آخر كما نقلناه عنه سابقا وظن أن هاتين الروايتين لم يثبتا ذلك المطلب فلذا أعرض عنهما لكن لا يخفى إن دلالة ما ذكره على هذا المطلب أيضا ليس بأزيد كثيرا مما ذكرنا كما يظهر عند التأمل فتأمل والله أعلم وإذ قد فرغنا من بيان وجوب الوضوء للصلاة وما يتعلق به فلنشرع في بيان وجوبه للطواف ومس خط المصحف أما وجوبه للطواف فقد نقل الاجماع عليه وبه روايات أيضا وسنذكرها مفصلة مع ما يتعلق بها من الأبحاث ومبحث الحج إنشاء الله تعالى وأما وجوبه لمس خط المصحف الواجب بنذر أو شبهه أو لاصلاح غلط لا يمكن بدونه بناء على وجوب الاصلاح فهو مبني على تحريم اللمس على المحدث بالحدث الأصغر وفيه خلاف قال الشيخ (ره) في المبسوط بكراهته ونسب العلامة في (المختلف) القول بالكراهة إلى ابن إدريس وابن البراج أيضا وحرمة الشيخ في التهذيب والخلاف وبه قال أبو الصلاح والمحقق والعلامة (ره) وهو الظاهر من كلام الصدوق أيضا في الفقيه احتج القائلون بالتحريم بوجوه الأول قوله تعالى في سورة الواقعة أنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون وجه الاستدلال أن قوله تعالى لا يمسه لا يمكن أن يكون محمولا على الخيرية والنفي وإلا يلزم الكذب لوقوع المس من غير المطهرين كثيرا فلا بد من حمله على الانشاء والنهي وظاهر النهي التحريم فيكون المس بدون الطهارة حراما وفيه أن

Página 11

الاستدلال بهذه الآية موقوف على أن يكون ضمير لا يمسه راجعا إلى القرائن وهو مسلم لجواز رجوعه إلى كتاب مكنون كما جوزه بعض المفسرين بل هو أقرب لقربه ويكون المعنى أنه لا يطلع على الكتاب المكنون أي المستور المصون أما عن الناس أو عن التغيير والتبديل أو الغلط والباطل أو التضييع والمراد به اللوح المحفوظ كما قال المفسرون إلا الملائكة المطهرون من الكدورات الجسمانية أو أدناس المعاصي وقد يضعف هذا الاحتمال بوجوه أحدها إن قوله تعالى لا يمسه حينئذ يكون تأكيد لقوله تعالى مكنون والحمل على التأسيس أولى وبما ذكرنا من الاحتمالات في معنى المكنون يظهر لك الجواب عنه وثانيها أن اطلاع الملائكة على اللوح المحفوظ غير ثابت بل في بعض الأخبار وكلام بعض الأخيار ما يدل على خلافه وفيه أن عدم ثبوت اطلاعهم على اللوح المحفوظ لا يكفي في هذا المقام بل لا بد من ثبوت العدم وإلا لكان منعا على المنع وما وقع في بعض الأخبار على تقدير وقوعه يمكن أن يكون المراد منه عدم اطلاعهم بدون الاذن منه سبحانه وثالثها أن سياق الكلام لاظهار شرف القران وفضيلته لا اللوح وما فيه وفيه أن ثبوته في اللوح الذي لا يمسه إلا المطهرون شرف وفضيلة أيضا إلا ترى إلى قوله عز وجل في كتاب مكنون فإن كان كونه في كتاب مكنون شرفا وفضيلة لكان هذا أيضا شرفا وفضلا بالطريق الأولى وإن لم يكن ذلك شرفا فقد بطل مبني لاعتراض من أن سياق الكلام لاظهار شرف القرآن وفضله كما لا يخفى ورابعها أن قوله (عليه السلام) بعد هذه الآية متصلا بها تنزيل من رب العالمين صفة للقرآن بمعنى المفعول أو من قبيل الوصف بالمصدر من باب المبالغة إذ لما لم ينزل نجوما من بين الكتب السماوية سواه فكأنه هو التنزيل لا الكتاب لأنه المنزل دونه وقوله سبحانه كريم وفي كتاب مكنون أيضا صفة له فينبغي أن يكون لا يمسه أيضا صفة له وإلا لم يحسن التوسيط وفيه أنه إذا كان لا يمسه صفة لمكنون يكون من جملة متعاقبات الصفة الثانية ومتمماتها فكان مجموع هذا الكلام صفة واحدة فلم يكن توسيطا غير مستحسن مخلا بحسن الكلام وبلاغته إلا ترى إلى توسيط مكنون مع أنه صفة الكتاب ودفع هذا الاعتراض بمنع كون تنزيل من رب العالمين صفة لجواز كونه جملة برأسها معطوفا على جملة أنه لقرآن بحذف المبتدأ أو يكون خبرا لأنه وكذا القول في لا يمسه وفي كتاب ليس بشئ إذ على هذا التقدير أيضا يكون في كتاب وتنزيل من جملة أحكام القرآن وأحواله فلا يكون توسيط حال غيره مناسبا كما لا يخفى وخامسها أنه يلزم حينئذ ارتكاب المجاز في المس وهو ظاهر وكذا في المطهرون لأن الطهارة حقيقة شرعية في الوضوء وهو خلاف الأصل وفيه إنا لا نسلم أن الحمل على الحقيقة مطلقا أولى من الحمل على المجاز إلا ترى أن علماء البلاغة أطبقوا على أن المجاز أبلغ من الحقيقة وأيضا ثبوت الحقايق الشرعية مسلم ومع تسليمه لا نسلم أن حقيقة الطهارة الوضوء بل يجوز أن يكون انتفاء الحدث أو الخبث ولا شك في تحقق هذا المعنى في الملائكة أيضا وأيضا ارتكاب المجاز في حمل الخبر على الانشاء كما ارتكبتم في الاستدلال ليس بأولى من ارتكاب هذا المجازين إلا أن يقال أنه مجاز واحد وهذا مجازان ثم على تقدير تسليم رجوع الضمير إلى القرآن نقول أن دلالتها على المطلب أيضا غير تمام إذ يجوز أن يكون اتصافه بأنه لا يمسه إلا المطهرون باعتبار أصله الذي في اللوح كما أن اتصافه في كتاب مكنون أيضا كذلك وأيضا يجوز أن يكون المراد والله أعلم أنه لا يعلم حقايقه ودقايق وأسراره إلا المطهرون من الذنوب وهم أصحاب العصمة (عليه السلام) وعن جنيد المطهرون أسرارهم عما سوى الله تعالى وفي بعض التفاسير عن محمد بن الفضل المراد لا يقرء القرآن إلا موحد وعن حسين بن الفضل لا يعلم تفسيره وتأويله إلا المطهرون من الكفر والنفاق وأما حديث لزوم مجازية المس والطهارة حينئذ فقد عرفت جوابه على أنه على تقدير تسليم حمل المس على حقيقته وثبوت الحقايق الشرعية وحمل الطهارة على حقيقتها لا نسلم أن الطهارة حقيقة شرعا في رفع الحدث الأصغر أو جميع الاحداث إذ يجوز أن يكون حقيقة في رفع كل حدث وكذا في رفع الخبث أيضا فحينئذ يجوز أن يكون المراد بالمطهرون المطهرين من الحدث الأكبر والنجاسة ثم لو سلم أن المراد الطهارة من الحدث الأصغر أو جميع الاحداث فلا نسلم أن النهي ها هنا للتحريم وما يقال أن ظاهر النهي التحريم (فعلى تقدير تسليمه إنما يسلم في أن يكون تصريح مبتغيه النهي فقط لا فيما يكون نفيا مستعملا بمعنى النهي أيضا والقول بأن التحريم) أقرب المجازات إلى النفي ممنوع هذا ثم أنه قد يمسك في إفادة الآية الكريمة لمطلوبهم ورفع الاحتمالات السابقة بما رواه الشيخ (ره) في التهذيب في أواسط باب حكم الجنابة وفي الاستبصار في باب أن الجنب لا يمس المصحف عن إبراهيم بن عبد الحميد عن أبي الحسن (عليه السلام) قال المصحف لا تمسه على غير طهر ولا جنبا ولا تمس خطه ولا تعلقه أن الله يقول لا يمسه إلا المطهرون وفي بعض نسخ التهذيب خيطه وهذا بالحقيقة استدلالان أحدهما من حيث دلالة الرواية في نفسها على المطلب والاخر من حيث دلالتها على أن المراد من الآية الكريمة هذا المعنى فيتم الاستدلال بها وفي هذا التمسك أيضا نظر من وجوه أحدها أن الرواية غير نقية السند جدا لان فيها جعفر بن محمد بن حكيم وهو غير موثق ولا ممدوح وجعفر محمد بن أبي الصباح وهو مجهول وعلي بن الحسن بن فضال وهو فطحي وإبراهيم بن عبد الحميد ونقل الشيخ أنه واقفي وثانيها أنه يمكن أن يكون لا يمسه في الرواية نفيا لا نهيا وقد عرفت حال النفي الذي بمعنى النهي وعدم ظهوره في التحريم فيجوز أن يكون للكراهة وثالثها أنه على تقدير أن يكون نهيا لا نسلم أن الأمر والنهي في أحاديث أئمتنا (عليهم السلام) للوجوب والحرمة وإن سلم أن صيغة الأمر والنهي لهما لشيوع استعمالهم (عليهم السلام) هاتين الصيغتين للندب والكراهة كما يظهر من تتبع آثارهم (عليهم السلام) فيكون مجازا شايعا بالغا حد الحقيقة أو منقولا وعلى التقديرين لا يجب

Página 12

حملهما عن الاطلاق على الوجوب والحرمة ويريد حمله على الكراهة أنه ورد في هذه الرواية النهي عن التعليق والحال أنه للكراهة فيحمل هذا أيضا عليهما ليوافق القرائن وأما كونه للكراة فللاجماع على عدم حرمته كما نقله العلامة (ره) في المنتهى ولروايتين أيضا أحديهما ما رواه ثقة الاسلام (ره) في الكافي في باب الحايض والنفساء تقرآن القرآن عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سئلته عن التعويذ يعلق على الحايض فقال نعم إذا كان في جلد أو فضة أو قصبة حديد وثانيتها ما سنذكره مع تفصيل القول فيه لكن يمكن أن يقال أن جواز تعليق التعويذ وإن كان فيه آيات القرآن لا ينافي حرمة تعليق المصحف كما في الرواية إذ يجوز أن يكون لمجموع القرآن حرمة لا تكون لبعض الآيات وما أيدنا به حمل لا يمسه في الرواية على الكراهة مؤيدا حمله في الآية أيضا عليها وقرينة عليه لان استشهاده (عليه السلام) به للكراهة إنما يكون على تقدير كونه بمعنى الكراهة كما لا يخفى فظهر أن هذه التمسك إنما يجعل الاستدلال بالآية مقلوبا عليهم وفيه أنه يجوز أن يكون النهي عن التعليق في الرواية محمولا على رجحان العدم المشترك بين الحرام والمكروه إذ هذا لا ينافي الاجماع المذكور والتجوز في النهي يحمل على الكراهة ليس بأولى من التجوز فيه بحمله على القدر المشترك وحينئذ نقول غاية ما يلزم أن يكون لا يمسه في الرواية محمولا على القدر المشترك بين الحرمة والكراهة ليحصل المناسبة وهذا لا يستلزم أن يكون في الآية المستشهد بها بمعنى الكراهة حتى يصير الاستدلال مقلوبا وهو ظاهر الثاني ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب متصلا بالرواية المتقدمة قال وسئل علي بن جعفر أخاه موسى بن جعفر (عليه السلام) عن الرجل أيحل له أن يكتب القرآن في الألواح والصحيفة وهو على غير وضوء قال لا وجه الاستدلال أن يقال أنه إذا كان كتابة القرآن للمحدث حراما فالمس بطريق أولى أو يقال أن أصل الكتابة لا يحرم على المحدث بلا نقل خلاف عن أحد من علمائنا فيكون نهيه (عليه السلام) إنما يكون باعتبار عدم انفكاكه عن المس غالبا وفي الوجهين نظر من وجوه أحدها القدح في سند الرواية لان للشيخ (ره) إلى علي بن جعفر (عليه السلام) ثلاثة طرق على ما نقل أحدها ما ذكره في آخر التهذيب من أن ما كان فيه عن علي بن جعفر فطريقي كذا وهذا الطريق ليس بصحيح وإن وصفه العلامة (ره) في الخلاصة بالصحة لان فيه حسين بن عبد الله الغضايري ولم ينص الأصحاب على توثيقه والآخران ما نقلهما في فهرسته وهذان الطريقان وإن كانا صحيحين إلا أنه (ره) قال في الفهرست في أثناء ذكر علي بن جعفر كلاما بهذه العبارة وله كتاب المناسك ومسايل لأخيه موسى الكاظم بن جعفر (عليه السلام) سئله عنها أخبرنا بذلك وفي بعض النسخ به جماعة إلى آخر ما ذكره من الطريقين وهذه العبارة كما ترى ليست ظاهرة في أن كل ما يرويه الشيخ (ره) عن علي بن جعفر (عليه السلام) إنما هو بهذين الطريقين إذ يجوز أن يكون تلك المسائل مسائل خاصة مجتمعة في كتاب مثلا ولم يكن كل ما يرويه عنه داخلا فيها مع احتمال رجوع الضمير إلى الكتاب فقط على أن في نسخة الفهرست التي عندنا قد وضع علامة النسخة فوق قوله ومسايل إلى قوله أخبرنا وحينئذ يقوى الشك جدا وبالجملة ما رواه الشيخ (ره) في التهذيب والاستبصار مرسلا عن علي بن جعفر (عليه السلام) لا يخلو من شئ وإن كان يمكن أن يقال أن عدم توثيق حسين بن عبد الله لا يضر إذ الظاهر أن الشيخ (ره) في الكتابين ما حذف أول سنده من الروايات إنما أخذه من الأصول المشهورة المتواترة انتسابها إلى أصحابها كتواتر انتساب الكتابين إليه (ره) الان وكذا ساير الكتب المتواترة الانتساب إلى مصنفيها ثم في آخر الكتابين إنما ذكر طريقة إليها للتبرك والتيمن ولمجرد اتصال السند و إلا فلا حاجة إليه كما أشار إليه نفسه (ره) أيضا في آخر الكتابين وحينئذ إذا كان في تلك الطرق من لم يوثقه الأصحاب فلا ضير والله أعلم بحقيقة الحال وثانيهما معارضتها بما رواه ثقة الاسلام (ره) في الكافي في باب الحايض والنفساء تقرآن القرآن في الحسن بإبراهيم بن هاشم عن داود بن فرقد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سألته عن التعويذ يعلق على الحايض قال نعم لا بأس قال وقال وتقرأه وتكتبه ولا تصيبه يدها وهذه الرواية وإن رواها الشيخ في التهذيب قبل باب التيمم وأحكامه متصلا به بطريق صحيح عن داود عن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام) بأدنى تفاوت في المتن إذ فيه بدل لا تصيبه يدها لا تمسكه لكن السند الذي في الكافي مما يعتمد عليه كثيرا لان إبراهيم بن هاشم وإن لم ينص الأصحاب على توثيقه لكن الظاهر أنه من أجلاء الأصحاب وعظمائهم المشار إلى عظم منزلتهم ورفع قدرهم في قول الصادق (عليه السلام) إعرفوا منازل الرجال منا على قدر رواياتهم عنا وبالجملة هذا الحديث ليس بأنقص في باب الاعتماد من سابقه وتوجيه المعارضة أن يقال أنه (عليه السلام) أجاز كتابة التعويذ للحايض والظاهر أن التعويذ غالبا لا ينفك عن آيات القرآن فقد أجاز لها كتابة القرآن وإذا كان كتابته الحايض جايزا فللمحدث بالحث الأصغر بطريق أولى وهذه الأولوية أولى من الأولوية التي أدعوها في الاستدلال ومع قطع النظر عن دعوى الأولوية نقول أن الحايض يندر أن تخلو عن الحدث الأصغر فإطلاقه (عليه السلام) في إجازة الكتابة لها وترك الاستفصال مع أن الفرد الغالب الكثير هو أن تكون محدثة بالحدث الأصغر يدل على أن ليس المراد حال خلوها عنه وقس عليه القول في التعويذ أيضا بالنسبة إلى اشتماله على آيات القرآن وعدمه مع أن في الرواية ليس لفظا لحدث الأصغر بل كونه على غير وضوء ولا شك أن الحايض على غير وضوء وإذا ثبت المعارضة فيجب الجمع بينهما بحمل رواية علي بن جعفر (عليه السلام) على الكراهة وهذه الرواية على نفي البأس بمعنى الحرمة ولا يبعد الايراد على المعارضة أما على الوجه الأول الذي تمسك

Página 13