Manhaj al-Naqd fi 'Ulum al-Hadith
منهج النقد في علوم الحديث
Editorial
دار الفكر
Edición
الثالثة
Año de publicación
١٤٠١ هـ -١٩٨١ م
Ubicación del editor
دمشق - سورية
المقدمات
التقريظ:
كلمة جامعة لفضيلة الأستاذ الجليل العلامة الدكتور الشيخ محمد محمد أبو شهبة، أستاذ التفسير والحديث في الدراسات العليا في جامعة الأزهر سابقا، وفي كلية الشريعة بمكة المكرمة حاليا، وعميد ومؤسس كلية أصول الدين في أسيوط، وصاحب المؤلفات العلمية القيمة في الحديث، وعلومه، ورجاله، نثبت نص كلمته فيما يلي (١):
"الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد:
فإن كتاب: "منهج النقد في علوم الحديث" لمؤلفه العلامة الأستاذ الدكتور نور الدين عتر كتاب قيم جليل تميز على المؤلفات في هذا الفن بمزايا كثيرة تجعله في مقدمة المؤلفات الحديثة في هذا الفن الجليل.
ومن هذه المزايا:
أ- حسن التقسيم والتفصيل: فإن المؤلف الفاضل قد ابتكر في
(١) وقد اكتفينا بهذه الكلمة عن التقاريظ الكثيرة التي تلقيناها من عدد من كليات الشريعة وأصول الدين والمراكز العلمية. ومن فضيلة العلامة المحقق الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي محدث الديار الهندية ورئيس مجلس الإفتاء، ومن الأستاذ الدكتور يوسف وإن إس رئيس قسم الدراسات العربية في جامعة توبنجن: ومن كبار المستشرقين في أوربة.
هذا مع شكرنا الجزيل للجميع، من ذكرنا ومن لم نذكر، أجزل الله مثوبتهم، وجعلنا خيرا مما يظنون.
1 / 7
تقسيم وتنويع "علوم الحديث" أو "أصول الحديث" فصاغه صياغة جديدة، في نظرية علمية كاملة تبرز كمال هذا العلم ودقته، وتجعل الأنواع المتعلقة بكل جانب من الحديث مجتمعة في باب خاص، فجعل ما يتعلق بالمتن من أنواع علوم الحديث أو قواعد الحديث على حدة، وما يتعلق بالأسانيد على حدة، وما يجمع بين الأسانيد والمتون على حدة، بالإضافة إلى الدراسة التاريخية المبتكرة لأدوار هذا العلم، وكيف كان الحديث يحاط في كل عصر بما يكفل حفظه من الدس أو الخلط.
كل هذا مع المحافظة على جوهر هذا العلم وعرضه في حلة جديدة، فكان الكتاب بذلك وثيقة علمية هامة وفريدة في طريقتها يثبت حفظ هذه الأمة لحديث نبيها ﷺ وصيانتها إياه، ويبطل ما قد يقع في بعض الأوهام من شك أو تردد.
وما أشد حاجة طلاب العلم في الجامعات الإسلامية وغيرها إلى هذه التآليف المبسطة والمقدمة في أسلوب سهل، والتي تعالج ما ثار من شبهات حول هذا الفن. وقد قام المؤلف بذلك خير قيام.
ب- الاعتناء بضرب الأمثلة لأنواع علوم الحديث، وعدم الاقتصار على الأمثلة التي ذكرها الأئمة القدامى، كما نجده في المؤلفات الأخرى، مع الاعتناء بشرح الأمثلة اعتناء جيدا. وقد سهل له هذا اطلاعه على كتب الحديث ورواياته المشهورة، وهذا أمر يلمسه من يقرأ هذا الكتاب بتمعن. وبذلك زاد في العلم زيادات أثرت هذا العلم وجعلته صالحا للتجديد.
جـ- العناية الفائقة بتخريج الأحاديث التي مثل بها لأنواع علوم الحديث، ومنهاج النقد عند المحدثين، وعزوها إلى مخرجيها الذين رووها في كتبهم، وبيان الراجح في الحكم على الأحاديث التي اختلف في بيان درجتها علماء الحديث والجرح والتعديل، فلم يكن مجرد ناقل، وإنما
1 / 8
جمع إلى ذكر أقوال العلماء الترجيح، وبذلك ظهرت شخصيته العلمية واضحة في هذا الكتاب.
د- العناية بالتعريف بالأعلام الذي ذكروا في هذا الكتاب بتواريخ وفيات العلماء: وهذا من الأمور المهمة التي ينبغي أن يعنى بها المؤلفون في أي فن، وبذلك يضع أمام القارئ صورة صادقة للتطور العلمي، والتدرج في التأليف في هذا الفن وغيره من العلوم وزبدة تاريخ كل علم، دون ما بحث أو جهد من القراء، وقد بدا ذلك واضحا في الكتاب.
هـ- سعة الاطلاع على كتب هذا الفن التي تكون في مجموعها مكتبة مستقلة بذاتها، وإن القارئ ليلمس أن المؤلف الفاضل غاص في أعماقها من مخطوط ومطبوع، واستخرج درر فوائدها، ثم نظمها نظما بديعا في هذا الكتاب.
وومن محاسن هذا الكتاب دقة التحرير للأقوال والآراء التي كثرت فيها الخلافات، والتوفيق بين الآراء التي ظاهرها التعارض، وبيان أن الاختلاف بين العلماء في العبارات، إنما يرجع إلى الاختلاف في الأنظار والاعتبارات، وبذلك رفع عن أئمة الحديث ما عسى أن يأخذه عليهم من لم يتبحر في هذا الفن، ولم يقف على اجتهاداتهم فيه، فيرميهم بالتناقض وإنهم يخالف بعضهم بعضا، وذلك مثل ما فعل في بحث المنقطع، وبحث المرسل، وبحث الشاذ، والمنكر، وغيرها.
ز- الرد على بعض المؤلفين الذين ألفوا في هذا الفن، فلم يوافقوا الصواب، بعبارة عفة مهذبة، وبذلك سار على نهج أئمة الحديث في النقد من أمثال الإمام أحمد والبخاري ومسلم وغيرهم. وهذا من أحسن المناهج في النقد الموضوعي، وليس أدل على ذلك مثل ما ذكره في هامش ص ٣٨٣
1 / 9
وهامش ص" (٤٠٣) " (١).
ح- عناية المؤلف بالرد على بعض الآراء الاستشراقية التي لم تقم على أساس علمي سليم، وإنما هي أفكار صليبية، ظهرت واستعلنت على ألسنة هؤلاء المستشرقين الذين تجنوا على السنن والأحاديث تجنيا مذموما كي يشككوا المسلمين في الأصل الثاني من أصول التشريع، ذلك كما صنع في مواضع أثناء الكتابة، ثم في (٣٩٠) وما بعدها إلى آخره (٢). وقد ناقش المستشرقين مناقشة جادة منصفة، تتسم بالنقد الموضوعي.
ط- حرصه في بحوثه على بيان أن مناهج المحدثين في النقد سواء كان ذلك في النقد الداخلي: نقد المتون. أم في النقد الخارجي: نقد السند هي آصل المناهج في النقد وأدقها.
ويظهر ذلك جليا في الخاتمة تحت عنوان: مناقشات ونتائج. ص (٤٣٢) وما بعدها (٣). وهذه الخاتمة بما لخصه فيها من نتائج تعتبر قيمة جدا، وهكذا فلتكن البحوث الجادة الهادفة.
ي- إبرازه دقة تطبيق المسلمين لهذا المنهج النقدي الدقيق الكامل الشامل كل جوانب النقد، ودحضه مزاعم المستشرقين الذين تقوَّلوا الأقاويل الباطلة في هذا الموضوع، ودعم ذلك بالحجج القاطعة والبراهين الساطعة.
وبعد هذا المطاف في هذا المؤلف القيم "منهج النقد في علوم الحديث" فإنا نؤكد الإشادة بمزاياه، وجمعه بين أصالة القديم وجدة الحديث، وحسن العرض للمعلومات الحديثية الدقيقة، وبيان تحقق إنجاز الوعد الإلهي:
(١) انظر مقابلها ص ٤٠٦ و٤٢٧ من هذه الطبعة.
(٢) انظر ص ٤١٠ وما بعدها من هذه الطبعة.
(٣) انظر ص ٤٥٧ وما بعدها من هذه الطبعة.
1 / 10
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
بما وفق الله المسلمين إليه من صيانة الأحاديث النبوية، وذلك كله في أسلوب سهل قريب، ونشيد به ونقرظه لما فيه من الإثراء لهذا العلم الإسلامي العظيم: علم السنن والأحاديث. فقد أفاد المؤلف هذا العلم إفادة ظاهرة واضحة، وخدمه خدمة جليلة.
وإن من يبتكر هذا النظام البديع لعلوم الحديث ويقارع المستشرقين وأضرابهم بهذه الحجج الباهرة، وبهذا البيان الساطع والفكر النير ينبغي أن يعطى حقه ويعرف فضله، وينتفع به.
ونسأل الله لنا وله التوفيق والسداد، وأن ينفع بعلمه طلاب هذا اللون من الثقافة الإسلامية الأصيلة. إنه نعم المولى ونعم النصير، ونعم المكافئ والمجازي للعلماء العاملين.
في ٢٠/ ١١/ ٩٨ هـ
خادم القرآن والسنة
الدكتور محمد بن محمد أبو شهبة
1 / 11
بسم الله الرحمن الرحيم
تصدير الطبعة الثالثة:
الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على خاتم الأنبياء والمرسلين، والذي جاء بهذا الدين الحكيم، المحفوظ من كل تغيير وتبديل، بحفظ رب العالمين إلى يوم الدين، وعلى آله وصحبه، ومن سلك سبيلهم وتمسك بحبل السنة المتين.
أما بعد:
فهذه الطبعة الثالثة لكتابنا "منهج النقد في علوم الحديث"، نقدمها لمحبي علم السنن والآثار، بل لكل باحث ناقد، يتوجه إلى الحقيقة بعقل علمي ممحص، ولكل مثقف يريد أن يقف على أصول هذا الدين، ليستيقن بنقل هذه الأمة حديث نبيها ﷺ بأمانة وثقة، وتواتر، وكيف أنها ابتكرت لتحقيق ذلك أقوم وأدق سبيل نقدي على مدى الأزمان: وتشبثت بتطبيق ذلك غاية التشبث عبر التاريخ، منذ أول عهدها بالرواية إلى يوم الناس هذا، وتحقق بذلك إنجاز الوعد الإلهي: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
ولعله من التحدث بنعمة الله تعالى أن نذكر هنا ما لقيه هذا الكتاب من القبول لدى الجهات العلمية الإسلامية والأجنبية، لما اختص به من منهج
1 / 13
جديد، صاغ علم مصطلح الحديث، في نظرية نقدية مبتكرة متكاملة، ولمناقشته آراء الذين تصدوا لنقد المحدثين، وإزالته اللبس الذي وقع فيه بعض الكاتبين.
كما أننا نعلن في هذه المناسبة عن ضرورة تزويد طلاب الجامعات في أقسام التاريخ، والدراسات الاجتماعية بدراسات عن هذا العلم، تربط بين علوم الحديث عند المسلمين وبين النقد التاريخي الأجنبي، الذي هو مدين لنا ولعلمنا هذا، كما نرى ضرورة إدخال دراسة موجزة ولو بضع صفحات عن الرواية والإسناد في الدراسة الإعدادية والثانوية.
وهذه أمانة أضعها في عنق كل قارئ وكل مسلم أن يجهد من أجلها في مكانه وميدانه، بغاية وسعه وطاقته. فإن لذلك أثره الكبير في وقاية الشباب الجامعي والمثقف من التشكك أو ضعف الثقة في تراثه العظيم.
وإنا لنرجو أن يكون لكتابنا هذا أثره في هذا الميدان، وأن يكون وافيا بجوانب العلم، ملاحظا حاجة الثقافة، وحاجة الدعوة معا.
أسأل الله تعالى أن يتقبله ويعمم النفع به، في نشر هذا اللون من الثقافة، وإحياء علم السنن والآثار، هو مولانا ونعم النصير.
كتبه: نور الدين عتر، خادم القرآن وعلومه، والحديث وعلومه.
1 / 14
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الطبعة الأولى:
الحمد لله الذي أبدع كل شيء فأحسنه، وأرسل رسوله محمدا ﷺ بهذا الدين فبلغه وبينه، واختار له من الأصحاب والأتباع من نهضوا بنقله وتلقينه، وحفظه وتدوينه، حتى بَلَّغَ الخلف كما تلقاه السلف، غضا طريا مدى العصور.
أما بعد:
فهذا كتاب في علوم الحديث، نرجو أن يكون لبنة متواضعة في صرح هذا العلم العظيم، الذي اختص الله تعالى به هذه الأمة، وأكرمها به من دون سائر الأمم، يبرز بجلاء وفاء قواعد هذا العلم بالغرض العظيم الذي وضع من أجله، ألا وهو الذب عن حديث رسول الله ﷺ، وتمييز صحيحه من منحوله، ومقبوله من مدخوله.
إنه كتاب ينقل مسائل هذا العلم من التفرق إلى التكامل، ويأخذ بالقارئ من الجزئيات إلى النظرية الكاملة المتناسقة، التي تتآلف فيها أنواع علوم الحديث كافة، لتبدو في مجموعها منطلقة بتسديد وإحكام نحو الغاية المنشودة.
إنه بهذا يواجه مناهج البحث العصرية العربية والأجنبية التي تزهو بالمنهجية وصياغة النظريات، ويبين -بما لا يدع مجالا للشك- عمق نظرة المحدثين، وشمولها جوانب البحث النقدي في الأحاديث.
1 / 15
لقد تتبع الكتاب بالسبر والاختبار كل احتمالات القوة أو الضعف التي قد تطرأ على السند أو المتن أو عليهما معا، ونظر فيما يتبع كل واحد منها من أنواع الحديث.
ثم قسم الأنواع على أبواب رئيسية يختص كل منها بركن من أركان البحث في الحديث، فتوصل بذلك إلى نتيجة هامة سيحس بها القارئ في متابعة أبحاث الكتاب، ألا وهي شمول هذه الأنواع لجميع الاحتمالات التي أشرنا إليها جزئيا وكليا، من البحث في رواة الحديث واحدا واحدا، إلى التحليل الشامل لمقومات الحديث في السند والمتن جمعيها، وبذلك يصدر الحكم على الحديث معتمدا على أصول نقدية دقيقة، لوحظ فيها المعنى مع المبنى، والمتن مع السند، مع الاستناد في ذلك إلى مقتضيات العقل والحس.
وهكذا مهد كتابنا للدارس السبيل من أجل تكوين فكرة شاملة أو نظرية منتظمة لقواعد هذا العلم العظيم، تتبع فيها الفروع أصولها، وتتضح الوجهة في كل قاعد من قواعده، وفي كل مسألة من مسائله.
وقد عنيت في أبحاثي بضبط التعاريف وتحليلها، وبيان الآراء المختلفة في الأمور الهامة ودراستها، مع نقد الضعيف منها، ونبهت على الذي أعرض له هل هو اختلاف اصطلاح، أو اختلاف اجتهاد في الحكم، فإن كثيرا من الخلافات يرجع إلى اختيار كل فريق من العلماء اصطلاحا يستعمله لمعنى يغير المعنى الذي يستعمله فيه الفريق الآخر، مثل الخلاف في "المنكر"، وقد وقع كثيرون في اللبس بسبب عدم التنبه إلى الاختلافات الاصطلاحية في هذا الفن.
وضربت الأمثلة لإيضاح التعاريف والقواعد، وأوردت بعضا منها بنصه كاملا من كتب السنة، ليكون بمثابة تدريب على النظر في الأحاديث
1 / 16
والبحث فيها، ثم ربطت كل نوع من أنواع علوم الحديث بالباب الذي أوردته فيه وبإطار العلم العام، أعني غاية العلم الأولى وهي "معرفة المقبول من المردود". وبذلك يظل الدارس على صلة بمعالم النظرية الأساسية، ويفيد في وضع كل قاعدة موضعها المناسب في مجال تطبيقها.
ومن هنا فقد اختصرت الفروع والمسائل التي لا تتصل صلة وثيقة بالغاية التي ذكرناها آنفا.
وحاصل النظرية التي بنينا عليها نظام الكتاب وترتيبه يقوم على قضية واحدة مسلمة، هي أنه لا بد لكي يكون الحديث مقبولا أن نعلم أن رواية قد أداه كما سمعه، وهذا لا يتحقق إلا إذا استوفى الراوي الشروط الكافية لذلك، فكان لا بد أولا من بحث العلوم المتعلقة بالرواة.
ثم إن أخذ الراوي عن أساتذته له أحوال وأحكام، وكذلك تبليغه العلم يعتوره أحكام أيضا، فكانت دراسة علم الرواية مكملة لما سبق ومتممة له.
ولما أن الأحاديث قد وصلت إلينا بنقل رجال السند واحدا عن الآخر حتى يبلغوا قائلها، فإن من الواجب أن ندرس شروط القبول في السند والمتن، وذلك في تعريف الصحيح والحسن ونبين كفايتها لإثبات سلامة الحديث وأدائه كما سمع، كما نبين أن اختلال شيء منها يجعل الحديث ضعيفا لما فيه من فقد المعيار الذي يثبت سلامة الحديث.
ومن ثم فإننا ننتقل على ضوء ما سبق إلى السبر والدرس لكل جوانب الحديث، ونوضح احتمالات الضعف والقوة فيها، مع بيان حكم كل منها.
ونبدأ بدراسة أحوال المتن فإنه المقصود من بحث الأسانيد، ثم يأتي بعد ذلك البحث في تسلسل الإسناد وما يعرض له من اتصال أو انقطاع،
1 / 17