Manār al-Hudā fī al-Naṣṣ ʿalā Imāmāt al-Ithnā ʿAshar
منار الهدى في النص على إمامة الإثني عشر
* بسم الله الرحمن الرحيم
* مقدمة التحقيق
قضية الامامة من قضايا الاسلام الكبرى ، بل هي اكبرها بل كل ما حدث في الاسلام من القضايا منحدر منها ، ومتفرع عنها ، وقد حصل الخلاف فيها والنزاع عليها يوم لحق الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالرفيق الأعلى بل وقبل أن يوسد في الثرى وهذا من المسلمات التي لا مرية فيها ، وانقسمت الأمة الواحدة الى مذاهب يطول عرضها ، سنة وشيعة ، اشاعرة ومعتزلة إلى آخر ما هنالك.
وصار لكل مذهب من هذه المذاهب أصوله وفروعه التي يتميز بها عن المذهب الأخر ، بل تشعب المذهب الواحد الى شعب متفرقة ، ولم يقتصر خلافهم على مسألة الامامة فحسب ، فهم بعد ان آمنوا بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الأخر ، اختلفوا في صفاته سبحانه وتعالى ، كما اختلفوا في الأنبياء من حيث أفضليتهم على الملائكة أو أفضلية الملائكة عليهم ، وفي عصمتهم وعدمها ، واذا كانت هل هي قبل النبوة أو بعدها ، وهل هي من كبائر الذنوب وصغائرها ، وهل في التبليغ وغيره ، وفي القرآن الكريم من حيث القدم والحدوث ، وفي المعراج هل هو بالروح أو الجسد أو بهما جميعا ، وفي القبر ونعيمه وعذابه ، وفي خلق الجنة والنار وعدمه الى آخر ما هو مسطور في كتب الملل والنحل.
Página 5
ولم يقتصر الخلاف على الأصول والعقائد بل انسحب على الفروع بقسميها التكليفي والوضعي ، وربما اختلف أهل المذهب الواحد في المسألة الواحدة في كثير من مسائل العبادات والمعاملات تعرف ذلك بأول نظرة الى الكتب التي حفلت بالفقه المقارن ومسائل الخلاف.
وكل ما ذكرنا فرع عن الخلاف في الإمامة. وليت الخلاف اقتصر على الكلام والجدل بل تخطاه الى ما هو أدهى وأمر فكم قامت من حروب ، وسفكت دماء ، وهتكت حرمات ، واستبيحت محرمات ، وبيعت ضمائر ، واشتريت ذمم وقد وصف ذلك عالم من علماء الازهر وكاتب من كتاب مصر صفة لم يسبق فيها.
يقول الشيخ عبد الله عفيفي في كتابه القيم «المرأة العربية في جاهليتها واسلامها 2 / 135» : ما زال المسلمون منذ لحق النبي بربه وهم من أمر خليفته ، والقائم بالأمر من بعده ، في فتنة غاشية تعصف بهم تارة وتقر دونهم رابضة مترصدة متحفزة تارة أخرى ، فهي يومئذ غافية غفوة الذئب نائمة هاجعة ساكنة مستجمعة ، كذلك تدافعت الحقب على الخلافة والدم ينغر من حروفها ، والمهج تسيل على أطرافها ، وشفار السيوف تصل من أقطارها ، ورسل الموت رائحة بأسود الغابة ، وفتيان الضراب من كل معتزم لو جرد في سبيل الله عزمته لفل بها الصفوف ، وجندل الالوف ..». حتى قال الشهرستاني في الملل والنحل 1 / 27 : «أعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة ، إذا ما سل سيف في الاسلام على قاعدة دينية في كل زمان مثل ما سل على الإمامة في كل زمان» فمن يوم الدار الى يوم الجمل وصفين والنهروان ، ثم من فاجعة كربلاء الى يوم الحرة إلى انتهاك حرمة البلد الحرام والمسجد الحرام والى آخر ما تعرض له التاريخ في طوله وعرضه ، ولعل ما خفي على الناس أكثر ، اذ أن التاريخ كتبته السياسة ، وليس بوسع الباحث أن
Página 6
يطمئن الى كثير مما نقل فيه.
وليست لتلك البداية نهاية إلا أن يشاء الله تعالى فما زلنا نقاسي آلام تلك الفتن والمحن ونتجرع مرارتها.
وعسيت أن تقول كما قال بعضهم : إذا كان الأمر كذلك فلما ذا «لا يسد هذا الباب ، لأن وجود الامام الذي ترتضيه الأمة وتتفق عليه متعذر ، لأن آراء الناس مختلفة ، وأهواءهم متباينة ، وقلوبهم شتى ، وهذا يستدعي إثارة الفتن ، وقيام الحروب ، والتجربة التي مر بها الاولون يجب أن يعتبر بها التالون ، فاللازم ترك هذا الأمر والابتعاد عن هذا المحذور».
وهذا القول قد يروق لبعض الناس ، ويروونه جميلا في ظاهره لو لا الوقوع في محذورين :
الاول
** :
ويحكموا فيهم بغير ما أنزل الله سبحانه.
الثاني
** :
يكمل الدين ولا يتم الايمان إلا به ، ولا يقوم الاسلام إلا عليه ، لتعلق أمور الدنيا والآخرة بها ، لأن القرآن الكريم ينادي : ( يوم ندعوا كل أناس بإمامهم ) (1) والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول : (من مات ولم يعرف امام زمانه مات ميتة جاهلية) والله لا يريد أن يطبق في الارض إلا حكمه ( إن الحكم إلا لله ) (2). ( ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ) (3). ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ... عليهم
Página 7
الظالمون ... هم الفاسقون ) (1) والقرآن لم ينزل ليوضع بين يدي الحكام للحلف به والحكم بغيره ، أو لتفتتح به الاذاعات ، ثم يعقبه ما لا يرضي الله تعالى ، أو ليكون زخارف تعلق على الجدران ، او تمائم تناط بالاعناق ، او ليتلى في المآتم ، أو ينقش على ألواح القبور ، أو ليطرح عليها ، القرآن انزل للاحياء لا للأموات ، وللعمل لا للتلاوة فحسب.
وهيهات أن تنفذ أحكامه ، وتقام حدوده ما لم يكن بين الناس من يؤتمن على حفظه ، ويقوم بتطبيقه ، ولا يمكن أن يقوم بهذه المهمة ، او يضطلع بهذه المسئولية إلا شخص له صفات خاصة تؤهله لهذا المقام الاسمي ، وذلك هو الذي تجب طاعته ، ويلزم اتباعه ، لأنه خليفة الرسول ، والقائم مقامه ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) (2) وهو ولي الأمر الذي أمر الله تعالى باتباعه ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) (3) وموضع ذي بال كهذا لا بد أن ينال من اهتمام العلماء على اختلاف مذاهبهم ما لم ينله موضوع سواه ، ولذا كثرت المؤلفات في الإمامة من صدر الاسلام والى يوم الناس هذا حتى تجاوزت العشرات بل المئات من المجلدات تعرف ذلك بمراجعة معجمات الرجال ، وفهارس الكتب ، عدا من تعرض لذلك ممن خصصوا لهذا الموضوع في كتبهم أبوابا ، أو تعرضوا لذكره استطرادا ، وقد طال الكلام فيها وعرض ، في وجوبها وعدمه ، واذا وجبت هل هل هي واجبة على الله تعالى أم على الخلق؟ وهل هذا الوجوب من جهة الشرع أو العقل ، أو من قبلهما معا ، وفي صفات الامام من حيث العصمة وعدمها والقرشية وغيرها ، وهل وهل وهلم جرا.
Página 8
وقد كان عبد الحميد بن ابي الحديد المعتزلي : تعرض لذلك في مواطن عديدة في شرحه على نهج البلاغة ، وتحامل على الامامية ، وانبرى لنقض أقوالهم بكل ما أوتي من بلاغة في القول ، وبراعة في الكلام.
وذلك ما حدى بطائفة من علماء الامامية لافراد كتب في الرد عليه.
وكان من جملة من تصدى للرد على ابن أبي الحديد ، ونقض كلامه صاحب «منار الهدى» وفي أثناء رده على ابن ابي الحديد تعرض أيضا للرد على علاء الدين علي بن محمد القوشجي المتوفى سنة 879 ه من أكابر علماء الاشاعرة في كلامه حول الإمامة في كتابه المعروف ب (الجديد في شرح التجريد) أي تجريد الاعتقاد لنصير الدين الطوسي اذ لا يقل عن ابن ابي الحديد في الميل على الإمامية ، والطعن في عقائدهم كما ستطلع على الكثير من ذلك في ثنايا هذا الكتاب.
أما صلتي ب (منار الهدى) وعملي فيه ، فأني كنت قد اطلعت على هذا الكتاب مصادفة قبل أربعين عاما تقريبا في مكتبة أحد الاعلام في كربلاء فتصفحت جملا من فصوله في صفحات مختلفات فاستحسنت بعضها ، وراقني كثير منها ، ثم لم أره بعد ذلك الحين إلا قبل ثلاث سنوات أثناء إقامتي في البحرين فهاجت بي الذكرى ، واخذني الحنين الى أيام الشباب ، فاعدت النظر فيه ، فرأيت أن أخرج مصادره ، واعلق عليه ففطنت لشيء فيه هو أن المؤلف قوي الحجة ، ناصع البرهان إلا أن في لهجته شيئا من الغلطة والشدة على خصميه المعتزلي والقوشجي كنت أتمنى لو أنه كان لين العريكة معهما ، فرأيت أن أخفف منها ، وألطف بعضها بشيء من التنقيح والتهذيب على ان لا أغير شيئا من معناه وأن تغير شيء من مبناه ، وقد حاولت أن أحافظ على عبارات المؤلف ما وجدت إلى ذلك سبيلا.
ولا يسمى عملي هذا تصرف في الكتاب ، أو تحريف له فالتنقيح
Página 9
والتهذيب ، والاختصار والتجريد طريق سلكه كثير من الفضلاء قبلي ، ثم رأيت أن أسميه من بعد ذلك ب :
* (أشعة من منار الهدى)
أما مؤلف «منار الهدى» فهو الشيخ علي بن عبد الله بن علي البحراني الستري علم من أعلام البحرين ، ذلك البلد الطيب الذي أنجب كثيرا من العلماء والفقهاء ، والفلاسفة والحكماء ، والادباء والشعراء في ماضي الدهر وحاضره.
كما عرف بالولاء لاهل البيت عليهم السلام منذ أن دخله الاسلام ، أو منذ أن دخل هو طواعية في الاسلام أيام رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حيث قد تعاقب عليه ولاة عرفوا بالتشيع لعلي عليه السلام أمثال أبان بن سعيد بن العاص الأموي والعلاء بن الحضرمي ، وساعد في ذلك تهجير زياد بن أبيه في أيام ولايته على العراق جماعة عرفوا في ولاء أهل البيت ومحبتهم ، ولجوء آخرين الى البحرين فرارا من بطش الحجاج أيام بني مروان ، فاسسوا للايمان قواعد راسخة ، وشيدوا للعلم صروحا شامخة ، لا تزعزعها القواصف مهما اشتدت الأعاصير ، وعصفت الرياح.
ولد المؤلف في البحرين ولم تذكر لنا المصادر تاريخ ولادته ، ولا مسقط رأسه من قرى البحرين ، والمظنون أنه ولد في قرية «سترة» وهي القرية التي ينسب إليها ، نشأ في البحرين ، وتعلم فيها ، وتخرج بعلمائها وخصوصا والده وهو أيضا من العلماء الاعلام ، فعل وانتهل حتى ارتوى وان كان طالب العلم لا يشبع نهمه ولا تروى غلته ما دام يتنسم روح الحياة فاصبح عالما يشار إليه بالبنان ، وفقيها يرجع إليه في الأحكام ، ثم بدا له أن يهاجر الى مطرح من بلاد عمان لحاجة الناس إليه هناك ، ولكثرة العلماء في البحرين
Página 10
فحل بينهم ، يهذب النفوس ، ويشحذ الافكار ، ويطهر القلوب ، ويدعو الى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة ، وهدى الله به الى الحق أمة من الناس ، حتى قيل : إنه تحول بسببه الى مذهب أهل البيت عليهم السلام أكثر من ثلاثين ألفا ، وصار له هناك من جليل الآثار ، وصالح الأعمال ما يذكر به ، ويشكر عليه.
ثم بعد ما أصاب هدفه ، ونال قصده تحول الى «لنجه» أحد مواني إيران الشمالية ، ليواصل دعوته فقام فيها بما قام به في سابقتها ومكث فيها بقية أيامه حتى لقي ربه مسموما من قبل اعداء الله الذين كبر عليهم ما يدعوهم إليه ، فكان أحد «شهداء الفضيلة» وذلك في شهر جمادى الاولى سنة 1319 ه. فكان يومه مشهودا ، وكان لفقده رنة حزن وأسى من كل من عرف فضله ، واستضاء بنور علمه ، تغمده الله برحمته ، وحشره مع من يتولاه.
أما آثاره العلمية فهي
** :
** 1
** 2
** 3
** 4
** 5
العشاء.
وقد نقض هذه الرسالة الشيخ صالح بن أحمد البحراني رحمه الله .
** 6
** 7
** 8
Página 11
** 9
** 10
** 11
كتاب «أنوار البدرين» بقوله :
هذا «منار الهدي» حقا وذا علمه
هذا لسان الهدى صدقا وذا قلمه
استقينا هذه الترجمة من كتاب «شهداء الفضيلة» للشيخ عبد الحسين الاميني صاحب كتاب «الغدير» ، وكتاب «أنوار البدرين» للشيخ علي البلادي ، «والذريعة» لآغابزرك الطهراني ، وما نقله لي شفاها كل من سماحة العلامة الجليل السيد جواد الوداعي ، والخطيب الفاضل الشيخ محمد صادق العصفور وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
** بيروت 20 محرم الحرام سنة 1405
عبد الزهراء الحسيني الخطيب
Página 12
* بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الغني لذاته ، والمتوحد بصفاته ، والمتفرد في افعاله الذي لم يشاركه احد في صنع مخلوقاته ، ولم يوازره وزير في إنشاء برياته ، الذي لم يخلق الخلق عبثا ، ولا فطر السموات والأرض وما بينهما باطلا ( ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار ) (1) الذي لم يكلف عباده شططا ، ولم يتركهم سدى ، ولم يعذب أحدا من خلقه حتى يبعث إليهم رسلا يدلونهم على طريق الهدى ويصدونهم عن سبيل الردى تقوم له بهم على العباد الحجة ، وتستبين بهم المحجة لئلا تكون للناس على الله حجة بعد الرسل ، والصلاة والسلام على من ختمت به النبوة وكملت به الرسالة ووضحت به الدلالة ، وقامت به الحجة وتمت به النعمة واجتمعت به الكلمة وحصلت به الالفة ، وائتلفت به القلوب المختلفة ، وانتظمت به أمور الناس بعد المباينة والفرقة ، واتفقت به الاهواء المتشتتة ، والآراء المتشعبة ، ولم الله به الشعث وشعب به الصدع ، وآمن به السبل ، وصدق به الرسل ، وفضله على جميع من خلق ونسخ بشرعه أديان من سبق وانزل عليه قرآنا مجيدا وفرقانا حميدا ، اقام به الأود (2) وهدى به الى الرشد وسوى به العوج ، وفك به من الرنج (3) امام المتقين
Página 13
وسيد المرسلين وشفيع يوم الدين سيدنا ونبينا محمد بن عبد الله النبي الأمي ، وعلى آله البررة الاخيار الناسجين على منواله ، والمقتفين اثره في افعاله واقواله ، حجج الله على بريته ، وخلفاء رسوله على امته الحافظين لكتابه وسنته والعاملين باحكام شريعته والمطهرين من مقارفة معصيته ، والمنزهين عن ارتكاب مخالفته الذين ماز (1) الله بولايتهم الخبيث من الطيب ببديع حكمته كما قال في محكم كتابه ( ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ... ) (2) ففرض ولاءهم على لسان نبيه الكريم الامين فامتاز به الغث من السمين ، وابى عن حمله من خبثت طينته من الاشقياء وسارع لحمله وقبوله من سبقت له من الله الحسنى ، وعلى اصحابه المنتهين إلى امره والمنزجرين بزجره ما هدل الحمام (3) وهطل الغمام.
** اما بعد :
فيقول المفتقر الى فيض ربه السبحاني علي بن عبد الله بن علي البحراني ألهمه الله تقواه واتاه هداه : إن أمر الامامة والإمام ، مما شاع فيه بين الأمة الجدال والخصام ، وطال فيه البحث والكلام ، وبذل كل فريق جهدهم في اثبات ما ذهبوا إليه ، واجهد كل قوم انفسهم في تقوية ما اعتمدوا عليه ، فكم جمع اصحابنا المتقدمون فيه من مصنف فائق ، وكم حرر اسلافنا الصالحون فيه من مؤلف رائق اقاموا في تلك الصحف والمصنفات على صحة مذهبهم الادلة الواضحة ، واظهروا عليها البراهين اللائحة ، التي انجلى غبارها وسطع منارها مما فيه كفاية كل طالب ومنتهى رغبة كل راغب بحيث لم تبق لقائل مقالة ولا لمتعلل علة ولا لخصم
Página 14